راغب علامة لـ«الشرق الأوسط»: 40 سنة ولا يزال المسرح يُرهبني

كلمات أغنيته «طار البلد» صارت حقيقة مرّة

من حفل علامة في دبي (حسابه على فيسبوك)
من حفل علامة في دبي (حسابه على فيسبوك)
TT

راغب علامة لـ«الشرق الأوسط»: 40 سنة ولا يزال المسرح يُرهبني

من حفل علامة في دبي (حسابه على فيسبوك)
من حفل علامة في دبي (حسابه على فيسبوك)

عندما يقف راغب علامة على شرفة السنوات التي انقضت سريعة، إنما جميلة، يلمح طيف صبي في الـ14 من عمره يحمل حقيبة سفر صغيرة ويطير إلى البصرة العراقيّة.
كانت الحرب تطحن لبنان في ذلك الصيف من عام 1976، وكان وضع والد الثمانية «على قد الحال». فلم يتردّد راغب في السفر خلال الإجازة المدرسية، والعمل في تركيب المكيّفات تحت حَرّ العراق، من أجل مساعدة أبيه في مصاريف البيت.
من تلك التجربة، خرج الفنان اللبناني بدروسٍ كثيرة، لعلّ أهمها هي تلك التي ترافقه حتى اللحظة: عدم الاستسلام، والتعامل مع الواقع بواقعيّة. تَعلّمَ راغب أن يلتفّ على الحائط إذا ارتفع سد في وجهه. زادته السنوات حنكة ودبلوماسية، فعَبرَ الأجيال من دون أن يخسر بريقه.

مكوّنات واقعيّة لخلطة الاستمرارية

عن سرّ الاستمرارية، يقول راغب علامة لـ«الشرق الأوسط»: «إن لا خلطة سحرية هنا، بل خلطة واقعيّة. لست ممن يملّون أو يتكاسلون أو يتعبون. وأنا أعرف كيف أتعامل مع الجدران المسدودة».
الفنان الذي يحتفل بيوبيله الأربعين في عالم الموسيقى والأغنية، لم يقف مذهولاً ولا مرتبكاً أمام تحوّلات الأزمنة العابرة. «أتعايش مع تطوّر التقنيات ومع سرعة العصر. لا أحارب الواقع الحالي بل أمشي مع الدنيا»، يوضح علامة الذي لا يسمح للماضي، مهما كان ذهبياً، بأن يُغرقه في النوستالجيا الهدّامة. يأخذ من الحنين طاقة للانطلاق إلى الأمام، «من دون أن يؤثّر ذلك على جودة ما أقدّم»، حسبما يؤكد.

صحيح أنّ جائحة «كورونا» لم تمرّ من دون أن تصيب الفنان بالتعب وبالضياع وبعلامات استفهامٍ كثيرة، ولكن رغم ذلك لم يدع الكسل يغلبه: «ما فكّرت يوماً في أخذ استراحة شهرين أو ثلاثة. فالفن كما ركوب الدراجة الهوائيّة، وهي رياضتي المفضّلة، التوقّف عنه غير مسموح».
يحدث أن يسترجع راغب علامة فيديو كليباته القديمة. يشاهد شاباً عشرينياً جريء الصورة، كرّس موجة التصوير الخارجي بين زملائه: «كنت شاباً مواكباً للموضة الرائجة آنذاك. أعرف أن البعض يتنمّر حتى اللحظة على اللوك المعتمد حينها، لكنّي لم أعتد الرد على أعداء النجاح».

لم تكن البدايات خالية من التحديات. في مشهد لا يغيب عن ذاكرة علامة، يدخل مع عوده إلى الإذاعة اللبنانية، يقف ليؤدي إحدى أغاني فرقة بندَلي أمام الموسيقار توفيق الباشا، فيؤنّبه الأخير لاختياره، ويجبره على أداء أغنية لعبد الوهاب: «يومها انزعجت وانقهرت، حتى إنني بكيت أمامه. لكنني ابتلعت دموعي، وغنيت للموسيقار عبد الوهاب، ونجحت».
أما حين يسترجع وجوه الجالسين في الصفوف الأمامية للداعمين، فيرى أولاً صورة المخرج سيمون أسمر الذي كان له فضل كبير على انطلاقته، هو الذي نصحه بتقديم الأغنية الشعبية الشبابية التي تشبه شخصيته. وبتلك الأغنية فاز في المركز الأول ببرنامج «ستوديو الفن» عام 1982.
في الصفوف الأمامية للداعمين، جلس أيضاً الفنان إحسان المنذر الذي ألّف لعلامة أجمل الألحان وقاد فرقته الموسيقية. وإلى جانبه جلست العائلة من أبٍ وأمٍ وإخوة. «كان رضا والدي علي أساسياً بالنسبة لي، ولا يزال كذلك»، يقول راغب. ويتابع: «حتى بعد رحيلهما عن هذه الدنيا، أشعر بأنّ رضاهما موجود. يرافقني دعاء أمي وألمسُه من خلال كل ما تمنحني إياه الحياة. في البداية، كانت خائفة علي من الفن وجَوّه المؤذي بالنسبة إليها، لكنّي عرفت كيف أطمئنها. ولاحقاً صارت تقول لي: «حسناً فعلت بأنك لم ترضخ لمخاوفي. كدتُ أن أقضي على مستقبلك».

راغب علامه ونجله خالد (فيسبوك)

على موجة الحداثة

منذ انطلاقته الفنية وحتى اليوم، تكاد لا تمرّ سنة من دون أن يُصدر علامة أغنية ضاربة أو أكثر. أتقنَ ركوب موجة التحديث شكلاً ومضموناً. يحب أغانيه الجديدة بقدر ما يحنّ إلى تلك القديمة مثل «يا ريت فيي خبيها»، و«بنت السلطان»، و«راغب بقربك». وهو يرغب بتجديد أعمال لم تأخذ فرصتها بما يكفي، مثل «سهران لمين يا شوق»، و«فراقنا قدرنا».

عاصر علامة كل تقنيات التسجيل والتوزيع والتسويق الموسيقيّ، وأصرّ على إتقانها كلها لئلا يبتلعه قطار الزمن السريع. يقول في حديثه مع «الشرق الأوسط»: «أعمل على جديدي بالحماس والشغف نفسيهما اللذين عملت بهما على أغاني القديمة. أحب كيف كنا نسجّل في الماضي، لكن للتسجيل الحديث حسناته كذلك». أما السيّئات فيختصرها علامة بالقول إنّ «التقنيات المتطوّرة التي تصحّح الأصوات، تسمح لأي كان بأن يسمّي نفسه مغنياً». ويضيف: «في الماضي، كانت النُدرة تصنع التميّز، أما اليوم فثمّة منابر مفتوحة لكل من لديه بضاعة غير جيدة ليعرضها في السوق، ويحوّلها إلى (ترند) بقوّة المال. أما نحن فكنّا نخضع لامتحانات أمام كبار الموسيقيين، قبل أن نتجرأ ونسمي أنفسنا فنانين».
حتى الجمهور المتلقي خضع لتحولات الزمن، في رأي علامة. يتساءل: «أين اللهفة التي كان يتعامل فيها الناس مع الموسيقى آنذاك؟ أين سحر شريط الكاسيت؟ أين المجهود والتركيز لحفظ الأغاني؟».
سهّلت التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي المهمة على الفنانين، لكن ذلك لا يعني أنّ نجاح هؤلاء يأتيهم على طبق من فضة. يعترض علامة على النظرية القائلة بأن الفنان لا يتعب، وبأنّ مالَه سهل (easy money). «الفن يُطعم خبزاً و(بسكويت) وراحة وحتى كافيار إذا أراد الفنان ذلك. لكن هذا لا يجيئ بلا تعب. فعملنا يستلزم شهوراً وسنوات من التحضير، والتسجيل، والتصحيح، والتصوير، والسفر. تمرّ فترات أعمل فيها ليلاً ونهاراً لإنجاز ألبوم أو حتى أغنية».
ومن ثَم يأتي تعبٌ من نوع آخر... تعبٌ لا تتوقّع من راغب علامة أن يتحدث عنه...
«ما زالت لحظة ما قبل الصعود إلى المسرح تُرهقني. هي أصعب ما في حياتي. أشعر بأنّ هناك حمولة 100 طن فوق رأسي»، يكشف الفنان الذي كادت المسارح أن تصير بيتَه. ويتابع: «اليوم أكثر من أي وقت، أشعر بتلك الرهبة لأن المسؤولية كبرت بعد 40 سنة من النجاح. ممنوع أن أكون عادياً... يقلقني هذا الموضوع ويأخذ الكثير من تفكيري».

عندما يقف علامة على شرفة العمر الآتي، يبصر ويتمنّى مزيداً من سنوات العطاء، والشغف، والنجاح، والرضا. يرى في الأفق كذلك ابنَيه خالد ولؤي، وقد حققا نفسيهما بالاستقلاليّة التي زرعها فيهما مع زوجته جيهان. يقول: «أدعم ولدي في خياراتهما الشخصية والمهنية رغم أنوف الحاقدين».
من شرفة منزله البيروتي، يلقي علامة نظرة حزينة على البلد: «أنا لبناني في الصميم، غير تابع لأحد من منظومة الفاسدين ومغتصبي الوطن». يأسف لتحوير تغريداته ومواقفه عن الوضع الحاليّ، من قِبل من يسمّيهم «جماعات الفاسدين على وسائل التواصل الاجتماعي». ينفي أن يكون سياسيو المنظومة الحاكمة حالياً أصدقاءه، بل هم مجرّد معارف ينتقدهم وجهاً لوجه حين يلتقيهم.
علامة، المقيم بين بيروت ودبي، يخشى، لا بل هو على شبه يقين، بأن كلمات أغنيته «طار البلد» صارت حقيقة مرّة.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

«راقصة الزعماء»… سهير زكي ترحل بعد اعتزال طويل

سهير زكي (يوتيوب)
سهير زكي (يوتيوب)
TT

«راقصة الزعماء»… سهير زكي ترحل بعد اعتزال طويل

سهير زكي (يوتيوب)
سهير زكي (يوتيوب)

غيَّب الموت الفنانة الاستعراضية والراقصة المصرية المعتزلة سهير زكي، السبت، عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركة وراءها حزناً في الأوساط الفنية، ولدى جمهورها الواسع الذي طالما ارتبط بفنها الاستعراضي.

جاءت الوفاة بعد أزمة صحية ألمت بالفنانة، نُقلت على أثرها إلى أحد مستشفيات العاصمة القاهرة؛ حيث مكثت لأكثر من شهر، وخضعت لسلسلة من الفحوصات الطبية، وأُدخِلت العناية المركزة إثر مضاعفات مرتبطة بالتهاب رئوي حاد، لتفارق الحياة صباح اليوم، مسدلة الستار على مشوار فني طويل.

ولدت سهير زكي عبد الله في 4 يناير (كانون الثاني) 1945 بمدينة المنصورة. تعود أصولها إلى صعيد مصر. بدأت خطواتها الأولى في عالم الفن من مدينة الإسكندرية، قبل أن تشدَّ الرحال إلى القاهرة بحثاً عن فرص أوسع. وهناك، وقفت لأول مرة على المسرح للرقص عام 1963 على نغمات أغنية «أنت عمري» للفنانة الراحلة أم كلثوم، لتكون أول فنانة استعراضية ترقص على نغمات «كوكب الشرق»، وفق قولها في إحدى مقابلاتها التلفزيونية.

شكَّلت مشاركتها في برنامج «أضواء المسرح» وعروضها في أبرز أماكن السهر نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرتها الفنية، لتصبح في وقت قياسي إحدى أبرز نجمات الرقص الشرقي في عصره الذهبي.

شاركت الراحلة في أكثر من 50 عملاً سينمائياً جمعت فيها بين التمثيل والرقص، مؤسسة لأسلوب خاص تميز بالرشاقة، والإحساس العالي بالموسيقى.

لم يقتصر حضور الفنانة الراحلة على خشبات المسارح وشاشات السينما، بل امتد إلى القصور الرئاسية والمحافل السياسية الكبرى. فقد أحيَت حفلات زفاف أبناء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وقدَّمت عروضاً استعراضية داخل قصر شاه إيران محمد رضا بهلوي، كما رقصت أمام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة.

ومن الطرائف اللافتة في مسيرتها إعجاب الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون بأدائها خلال إحدى زياراته إلى القاهرة، وأطلق عليها لقب «زغاريد» بعد أن تعرَّف على معنى الكلمة المرتبطة بالفرح والاحتفال في الثقافة العربية.

وزارت سهير زكي موسكو بدعوة خاصة من وزير الدفاع السوفياتي الجنرال أندريه غريتشكو، في عهد الرئيس ليونيد بريجنيف، وهي الزيارة التي تلت إعجابه الشديد بأدائها في القاهرة عقب نكسة 1967، وارتبطت بالواقعة الشهيرة التي عُرفت في الأوساط السياسية والفنية باسم قصة «طبق الجيلي» التي وثقها الكاتب ياسر ثابت في كتابه «قبل الطوفان».

كان فيلم «أنا اللي أستاهل» عام 1984 بمثابة مسك الختام لأعمالها السينمائية، قبل أن تقرر اعتزال الفن نهائياً في أوائل التسعينات. واختارت سهير بعد ذلك الابتعاد عن الأضواء والتفرغ لحياتها الخاصة مع زوجها المصور والمخرج محمد عمارة.

ويصف الناقد الفني المصري أحمد حسين صوان الراحلة بأنها «فنانة لا تعوض»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تُمثل سهير زكي مدرسة (السهل الممتنع) في الرقص الشرقي؛ فقد ابتعدت عن المبالغة واعتمدت على الرِّقة والإحساس العالي بالموسيقى، مما جعل فنها الراقي مقبولاً ومرحباً به في البيوت العربية خلال الستينات والسبعينات. ولم تكتفِ بذلك، بل تمردت بذكاء على النمط الكلاسيكي للرائدات مثل تحية كاريوكا، وسامية جمال، لتبتكر أسلوباً أكثر عصرية وسرعة يناسب جيلها. وتكتمل احترافيتها الاستثنائية بقرار اعتزالها الحاسم في قمة مجدها منتصف الثمانينات للتفرغ لأسرتها، لتضمن بقاء صورتها متوهجة في ذاكرة الجمهور».


كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)
TT

كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش إن فيلمها «17» انطلق في الأساس من سؤال أكثر من كونه قصة جاهزة، موضحة أنها كانت تفكر في مرحلة المراهقة بوصفها نقطة انكسار في حياة الإنسان، تلك اللحظة التي لا يزال فيها الشاب أو الشابة في طور تشكيل هويتهما، لكنهما يجدان نفسيهما فجأة في مواجهة تجارب قاسية تتطلب نضجاً عاطفياً يفوق سنَّهما.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»، أن ما جذبها في هذه المرحلة العمرية هو الطريقة التي يتعلَّم فيها المراهقون الصمت مبكراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعنف أو التجارب الصادمة التي يُطلب منهم غالباً التقليل من شأنها أو تجاوزها بسرعة، لافتة إلى أن «العمل على الفيلم استند إلى فترة بحث طويلة سبقت التصوير، إذ أجرت لقاءات مطوَّلة مع طلاب في سن الـ16والـ17والـ18، واستمعـت إلى قصص حكاياتهم اليومية، وعلاقاتهم، وتجاربهم مع العنف، أو الضغوط الاجتماعية، وهي اللقاءات التي كشفت لها واقعاً أكثر تعقيداً مما كانت تتخيله».

فيلم «17» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، هو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش، ويقدم دراما إنسانية تدور في فضاء المراهقة بكل ما يحمله من هشاشة وتوترات خفية.

المخرجة المقدونية (الشركة المنتجة)

يتتبّع الفيلم رحلة مجموعة من الطلاب في الـ17 من عمرهم خلال رحلة مدرسية بالحافلة من مقدونيا إلى اليونان، حيث تتحوّل هذه الرحلة تدريجياً من تجربة اعتيادية إلى فضاء مشحون بالصراعات والضغوط. ومع تصاعد الفوضى بين الطلاب وتراجع سلطة المعلمين، تجد البطلة سارة نفسها شاهدةً على حادثة اعتداء تتعرّض لها زميلتها لينا، لتبدأ بعدها سلسلة من التحوّلات النفسية العميقة لدى الشخصيتين.

تشير المخرجة المقدونية إلى أن العنف في حياة كثير من المراهقين لا يظهر دائماً في صورة درامية واضحة، بل قد يكون عادياً ومتكرراً إلى حدّ يجعله شبه غير مرئي، موضّحةً أن المجتمعات ذات الطابع الأبوي غالباً ما تتعامل مع بعض أشكال العنف بوصفها أمراً مألوفاً، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالفتيات، اللواتي قد يمررن بتجارب مؤلمة من دون أن يجدن لغة للتعبير عنها أو مساحة للاعتراف بها.

صدمات اجتماعية

وأكدت أن الفيلم يحاول إظهار النتائج التي يخلّفها هذا الإهمال أو التجاهل في حياة الشباب، خصوصاً الفتيات؛ إذ إن الصدمات في مثل هذه البيئات قد تظل غير مرئية لفترة طويلة، نتيجة تجاهل الأنظمة الاجتماعية لها أو التعامل معها ببرود، مما يجعل آثارها تتراكم بصمت. وترى أن هذا الصمت نفسه يمكن أن يتحوّل إلى شكل آخر من أشكال العنف، لأنه يمنع الضحايا من التعبير عن تجاربهم أو فهمها.

وعن عملية اختيار الممثلين، أوضحت ميتيتش أنها لم تكن تبحث عن ممثلين محترفين بقدر ما كانت تبحث عن مراهقين يحملون صدق التجربة نفسها، ما جعل عملية الاختيار تستغرق وقتاً طويلاً عبر اختبارات مفتوحة وحوارات متعددة، بهدف تكوين مجموعة تبدو بالفعل كأنها صف دراسي حقيقي. وكان كثير من المشاركين طلاباً يعيشون تجارب قريبة من الشخصيات التي يؤدونها، وهو ما منح الأداء قدراً كبيراً من العفوية والواقعية.

كما أشارت إلى أن العمل مع هؤلاء الشباب اعتمد بدرجة كبيرة على بناء الثقة بينهم وبين فريق الفيلم؛ إذ خضعوا لفترة طويلة من التحضير قبل التصوير، ما أتاح لهم فهماً عميقاً للشخصيات التي يجسدونها. وأكدت أن هذا التحضير جعل عملية التصوير أكثر سلاسة، لأن الممثلين كانوا قد عاشوا مع الشخصيات لفترة طويلة قبل الوقوف أمام الكاميرا.

عُرض الفيلم المقدوني للمرة الأولى في «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

وعن الأسلوب البصري للفيلم، قالت ميتيتش إنها اختارت أن تبقى الكاميرا قريبة من البطلة طوال الوقت تقريباً، وغالباً على مستوى نظرها أو خلفها مباشرة، لتجنب تحويل التجربة إلى مشهد مراقبة من الخارج، بحيث يعيش الجمهور الأحداث من داخل منظور الشخصية نفسها. وأضافت أن هذا الأسلوب منح الفيلم، من وجهة نظرها، «إحساساً بالحميمية»، لكنه في الوقت نفسه فرض حدوداً على ما يراه المشاهد، لأن معرفته بالعالم تظل مرتبطة بما تعرفه الشخصية.

وأكدت المخرجة المقدونية أنها تعمّدت أن تكون النهاية مفتوحة وغير حاسمة، لأن الحياة الواقعية نادراً ما تقدّم لحظات إغلاق واضحة بعد التجارب الصادمة؛ لذلك فضّلت أن تنتهي القصة عند لحظة تحوّل داخلي لدى البطلة، وهي لحظة قرارها بالمواجهة وتحمل المسؤولية، في عالم يبدو فيه الجميع وكأنهم يفضلون تجاهل ما حدث أو التهرب منه.

Your Premium trial has ended


اكتشافات جديدة تُعيد رسم الخريطة العمرانية للإسكندرية القديمة

الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)
الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشافات جديدة تُعيد رسم الخريطة العمرانية للإسكندرية القديمة

الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)
الكشف الأثري تضمَّن تماثيل من العصور القديمة (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية اكتشاف مجموعة من العناصر الأثرية والمعمارية، التي تُلقي الضوء على تطوّر الحياة الحضرية بمدينة الإسكندرية عبر عصورها التاريخية القديمة، وفق ما أكدته بعثة حفائر الإنقاذ، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة بمنطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية.

وعدَّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، هذا الكشف إضافةً نوعيةً لسجل الاكتشافات الأثرية بمدينة الإسكندرية. وقال في بيان للوزارة، السبت، إنَّ هذا الكشف يعكس الأهمية التاريخية والحضارية للإسكندرية بكونها أحد أبرز المراكز الثقافية في العالم القديم، ويبرز مكانتها الفريدة واحدةً من أهم الحواضر التاريخية، بما تجسّده من ثراء حضاري وتنوّع ثقافي متراكم عبر العصور.

وأشار إلى أنَّ نتائج الكشف تُسهم في إعادة رسم الخريطة العمرانية لمدينة الإسكندرية القديمة، كما تؤكد استمرار الجهود المصرية في حماية التراث الأثري وصونه، لا سيما من خلال حفائر الإنقاذ المرتبطة بمشروعات التنمية، بما يحقِّق التوازن بين الحفاظ على التراث ودعم خطط التنمية المستدامة.

جانب من الكشف الأثري بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وتضمّ مدينة الإسكندرية، التي أنشأها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد لتكون عاصمةً لمصر ومركزاً حضارياً عالمياً، عدداً من المعالم السياحية العائدة إلى العصور اليوناني (البطلمي)، والروماني، والبيزنطي، من بينها المسرح الروماني، وعمود السواري، وجبانة الكتاكومب بكوم الشقافة، ومعبد السيرابيوم، والآثار الغارقة.

وبيَّن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أنَّ أعمال الحفائر كشفت عن تسلسل حضاري متكامل يبدأ من العصر البطلمي، مروراً بالعصر الروماني، وصولاً إلى العصر البيزنطي، بما يعكس استمرارية الاستيطان بالموقع عبر مراحل زمنية متعاقبة.

أحد التماثيل المُكتشَفة بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن أبرز المكتشفات، حمام عام دائري من طراز «Tholoi» يرجع إلى العصر البطلمي المتأخر، إلى جانب بقايا فيلا سكنية رومانية مزوّدة بأرضيات من الفسيفساء متعدّدة الطرز، ممّا يعكس مستوى متقدّماً من الرفاهية والتخطيط العمراني خلال تلك الفترات.

ويقدِّم الموقع المُكتَشف نموذجاً متكاملاً لتطوُّر العمارة السكنية والخدمية في الإسكندرية القديمة، حيث كشفت الحفائر عن منشآت مائية متطوّرة، من بينها حوض استحمام (مسبح صغير) مرتبط بالفيلا الرومانية، مزوّد بنظام متكامل لإدارة المياه، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

وأشار إلى تنوع تقنيات تنفيذ أرضيات الفسيفساء المكتَشفة، التي شملت أسلوبَي «Opus Tessellatum» و«Opus Sectile»، بما يعكس ثراء المدارس الفنية بالإسكندرية وتنوّعها خلال العصرَين البطلمي والروماني.

لقى أثرية تعود إلى العصور البطلمية والرومانية بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وتُعيد النتائج الجديدة تقييم الخرائط التاريخية للمدينة، خصوصاً أعمال محمود بك الفلكي، التي تُعدُّ من أولى المحاولات العلمية لإعادة بناء التخطيط العمراني لمدينة الإسكندرية، باستخدام منهج يجمع بين القياسات الفلكية والدراسات الطبوغرافية والتحليل التاريخي. كما تؤكد أنَّ المنطقة كانت ضمن النطاق العمراني داخل أسوار الإسكندرية حتى العصر البيزنطي، قبل أن تتراجع أهميتها لاحقاً؛ نتيجة تغيُّرات التخطيط العمراني، وفق تصريحات رئيس آثار الوجه البحري، الدكتور هشام حسين.

ولفت إلى أنَّ المكتشفات تضمَّنت مجموعةً متميّزةً من اللقى الأثرية المنقولة، من بينها تماثيل رخامية لعدد من المعبودات مثل باخوس وأسكليبيوس، بالإضافة إلى تمثال فاقد الرأس يُرجَّح أنَّه للمعبودة مينيرفا.

كما عُثر على عملات، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وأجزاء من أمفورات مختومة، تعكس في مجملها النشاطَين التجاري والثقافي المزدهرَين اللذين شهدتهما الإسكندرية القديمة، وعلاقاتها الواسعة مع محيطها في البحر المتوسط.

اكتشاف أرضية فيلا مشغولة بالفسيفساء (وزارة السياحة والآثار)

وأفاد رئيس البعثة الأثرية، إبراهيم مصطفى، بأنَّ أعمال الحفائر استمرَّت أشهراً، وأسفرت عن نتائج استثنائية، مؤكداً أنَّ فريق البعثة بدأ بالفعل تنفيذ أعمال الترميم المبدئي للمكتشفات تمهيداً لنقلها إلى المعامل المتخصّصة. كما أشار إلى أنَّه يُدرَس حالياً عرض أبرز القطع المكتشَفة بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، بما يسهم في تعزيز تجربة الزائرين وإبراز أهمية هذا الكشف، إلى جانب استكمال أعمال الحفائر بالموقع، التي قد تسفر عن مزيد من الاكتشافات خلال المرحلة المقبلة، وفق البيان.

وشغلت مدينة الإسكندرية مكانةً مهمّةً في العصور اليونانية والبطلمية والرومانية والبيزنطية، حيث كانت مركزاً لحكم مصر في معظم هذه العصور، وضمَّت معالم حضارية ضخمة، وإنما تعرَّض عدد من آثارها للتدمير، مثل فنار الإسكندرية، ومكتبة الإسكندرية القديمة، ومقبرة الإسكندر الأكبر، وفق وزارة السياحة والآثار.