الإعلام الليبي ضحية «تغير الأجندات» و«فوضى السياسة»

القنوات الرسمية عاجزة أمام منافسة البث من الخارج

رامي المنصوري
رامي المنصوري
TT

الإعلام الليبي ضحية «تغير الأجندات» و«فوضى السياسة»

رامي المنصوري
رامي المنصوري

قبل قرابة سنة ونصف السنة، سأل زياد الورفلي، مراسل «قناة الغد» التلفزيونية بالعاصمة الليبية طرابلس، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، خلال مؤتمر صحافي، عن موقفه من هانيبعل نجل الرئيس الراحل معمر القذافي الموقوف في لبنان، ولكن عقب انقضاء المؤتمر اختفى زياد.
كانت طرابلس في تلك الفترة منفتحة على ما يعتقد أنه «عهد جديد»، إذ لم يمض على تولي الدبيبة مهامه سوى بضعة أيام. ولرفع الحرج عن نفسه، اجتهد الدبيبة ومعه المجلس الرئاسي، بالتوسط لدى المجموعات المسلحة، ونجح المسعى فأطلق سراح زياد بعد قرابة ثلاثة أيام من إخفائه قسراً، غير أن هذه الحادثة ظلت شاخصة أمام أعين كل من يمتهن الإعلام في ليبيا. وبقدر ما شكلت عملية خطف مراسل تلفزيوني لتوه عقب مشاركته أمسية حضرها رئيس الوزراء، واقعاً مأساوياً للأسرة الإعلامية في ليبيا، فإنها كشفت للإعلاميين في حينه عن أزمة مستحكمة تتمثل في كيفية الخلاص من إرث الماضي، وتحرير الإعلام من صناعة الخوف والجهوية والسلطوية.
ما يجدر ذكره، أنه ينسب للاحتلال الإيطالي تدشين أول إذاعة في ليبيا، وذلك عام 1939 في طرابلس، ولاحقاً، عام 1957 أسست أول إذاعة ليبية محلية، وفيما بعد ألقى القذافي خطاب الإطاحة بملك البلاد الراحل محمد إدريس السنوسي من خلالها. وفيما يلي، يرصد عدد من الاختصاصيين والمشتغلين بالإعلام الليبي، في لقاءات مع «الشرق الأوسط» جانباً من المعضلة التي يعيشها الإعلام الليبي، والتي قالوا إنها كلفت كثيرين من أقرانهم حياتهم. وأوضح هؤلاء مدى تشعب خارطة الفضائيات، كل حسب ميول «الممول» وقناعاته، سواءً كان جهة حكومية أو رجال أعمال، ومدة تأثرها ذلك بالفوضى السياسية في البلاد. بعيداً عن «اللون الواحد» الذي كان تابعاً بشكل مباشر لرقابة السلطة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، قال الكاتب الليبي عيسى عبد القيوم، إن «ليبيا شهدت طفرة كبيرة، وانتعاشاً واسعاً للقطاع الخاص بعد ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011، لكن بشكل أكبر من حجم وقدرات الكوادر المحلية. وهو ما أدى إلى استقطاب العناصر الجيدة إليه... وتسبب ذلك في تركها للإعلام الرسمي ما دفعه للتخبط وانعكس ذلك على هبوط مستوى ما يقدمه من محتوى».
وفي الوقت ذاته، دفعت الحسابات الجهوية، وأيضاً الاختلافات السياسية، كثيرين إلى الاتجاه لإنشاء قنوات فضائية، إما بمساعدة رجال أعمال محليين أو عرب، أو الاعتماد إلى بعض الدول المهتمة بما يحدث في الداخل الليبي. إلا أنه سرعان ما انعكس الوضع الأمني المتردي على هذه القنوات، إذ قصفت مقار بعضها، وأغلقت فيما بعد لنقص التمويل أحياناً. وللعلم، تعرض مقر قناة «العاصمة»، التي أسست في سبتمبر (أيلول) 2011 وكانت تبث من طرابلس، للقصف الصاروخي ثلاث مرات بين العامين 2013 و2014، ووصل الأمر إلى تفجير المقر والاستيلاء على محتوياته وخطف مالك القناة.
لمحة من الماضي
أحمد بوغرسة، المذيع في قناة «المسار»، يتذكر في لقاء مع «الشرق الأوسط» فترة ما قبل 2011، فيقول إن «الإعلام الليبي منذ تلك الأحداث يختلف عما كان عليه في السابق؛ خصوصاً ما واكب ذلك من انطلاق قنوات من دول بعينها كانت صوتاً للثورة والثوار... وصفت بأنها جبهة إعلامية تقارع إعلام النظام آنذاك. ثم توسعت الدائرة لتضم عشرات القنوات بعضها يبث محلياً؛ وكثير منها، وهي المؤثرة نظراً لإمكانياتها اللامحدودة، يأتي من خارج الوطن».
وبالفعل، دفع الإعلاميون والصحافيون الليبيون ثمناً باهظاً، قبل أن يلوح الأمل في الأفق. غير أن المنتج المتاح ما كان كما يرجون، لا سيما أن منظمة «مراسلون بلا حدود» صنفت البلاد في المرتبة 165 من بين 180 بلداً في مؤشر حرية الصحافة. ومع انطلاق العديد من القنوات، التي أسست في أعقاب «أحداث فبراير» بدأ الخطاب الإعلامي ينقسم. وحسب كلام بوغرسة «حتى المؤسسات التي كان شعارها الوطن وحريته أصبحت تدعو لأفكار أشخاص ومنظمات وجماعات متهمة من الشعب بشق الصف».
وبلهجة طغى عليها الأسى، يتابع بوغرسة - وهو معلق أيضاً على برامج وثائقية - «للأسف انحرف المسار... ومع الوقت باتت الأجندات تلعب دوراً واضحاً، وعلا خطاب الكراهية لتفريق الليبيين من خلال المصطلحات التي تستخدمها بعض القنوات التي تبث من الخارج». ويلفت بوغرسة، إلى أن بداية «الحالة السائبة» في بعض الإعلام الآتي من الخارج، تضمنت «التشكيك في شرعية بعض المؤسسات القيادية بالدولة، ووصل الأمر إلى استضافة شخصيات وصفوا بالمحللين السياسيين والخبراء والمهتمين كانوا يتراشقون بألفاظ نابية، ويرمون التهم، ويعملون على إقصاء شخصيات سياسية وعسكرية حتى نجحوا في كثير من الأحيان بخداع الليبيين من خلال تزوير الحقائق».
... والحاضر
وبين دهاليز ما حدث في الماضي، إلى تفاصيل الواقع، يلخص رامي المنصوري، المذيع في قناة «ليبيا الحدث»، التي تبث من مدينة بنغازي، جانباً من الصورة الراهنة، فيشرح «الإعلام في ليبيا حالياً موجه... وغالبية المؤسسات والقنوات تلعب دوراً معيناً في دعم حكومات أو جهات بعينها»، لكنه يلفت في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى نقطة تتعلق بالتمويل، هي أنه «لا يوجد دعم حقيقي للإعلام المحلى التابع للدولة، لذا فأغلب القنوات التلفزيونية تعتبر خاصةً، ومنها ما يتلقى دعماً خارجياً». وحقاً، تتنوع الرسالة التي تقدمها كل قناة ليبية بحسب الممول. كذلك يتسم خطابها بالجرأة والمصارحة أو الممالأة إذا كانت تبث من خارج الوطن أو داخله، أو حسب قربها من المجموعات المسلحة، أبو بعدها عنها. ولذا نجد قناة «التناصح» المحسوبة على التيار الإسلامي ويمتلكها سهيل نجل المفتي السابق الصادق الغرياني، قادت جبهة التحريض من تركيا على خصومها بمعسكر شرق البلاد.
من ناحية أخرى، بين القنوات التي كان يعول عليها الليبيون وتبث من داخل البلاد، قناتا «ليبيا الوطنية» و«ليبيا الحدث». الأولى تبث من طرابلس، وقد أسست عام 2012 باعتبارها قناة الدولة الرئيسة، لتحل محل «تلفزيون الجماهيرية»، وشارك الدبيبة مطلع أبريل (نيسان) الماضي، في إطلاقها ثانية بعد تطويرها. أما الثانية، فتبث من بنغازي وتتبنى وجهة نظر جبهة شرق ليبيا. وبجانب هاتين القناتين تأتي قنوات مثل «ليبيا الأولى» و«المستقبل» و«ليبيا بانوراما» و«ليبيا الرياضية» بالإضافة إلى «النبأ»، التي أسست 2013 لدعم «المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته)، وقد تعرض مكتبها في طرابلس للقصف في يناير (كانون الثاني) 2016، وبعد اقتحامها وإغلاقها لاتهامها يومذاك بـ«نشر الفتنة»، استأنفت بثها... قبل أن تتوقف ثانية. بوغرسة، يتحدث عن عملية فرز لمحتوى ما تقدمه غالبية القنوات الخاصة، فيقول «بعضها تساقط من أعين المشاهدين كأوراق الخريف بعدما فضحت ألاعيبها... وأخرى أغلقت بسبب تغير أجندات مصالح مموليها»، إلا أنه يستدرك فينوه إلى بروز قنوات معدودة «منها من لعب دوراً وطنياً وكان واضحاً منذ انطلاقته في محاربة خطاب الكراهية، بجانب استمرار بعض القنوات في خطابها المعادي لمناطق معينة».
قنوات بالجملة
وراهناً من أبرز القنوات التي تبث من خارج ليبيا «الوسط» و«ليبيا الأحرار» و«قناة ليبيا» و«المسار» و«سلام» و«فبراير»... والأخيرتان يشرف عليهما وليد اللافي وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بحكومة الدبيبة. وهذا بجانب «قناتي» و«218» اللتين توقفتا عن البث الأسبوع الماضي لظروف وصفتها إدارتهما بـ«المالية».
وأمام الانقسام حول رسالة الإعلام الخاص في ليبيا بالنظر إلى مصادر تمويله والفوضى السياسية، يرى عبد القيوم - الذي سبق أن قدم برنامج بـ«الحبر الأزرق» على قناة «ليبيا» التي كان يمولها السفير عارف النايض قبل خفوت دورها - أن «معظمه تقريباً ممول من دول وجماعات خارجية، وهو يبث من خارج الوطن... ويتوقع أن يتأثر بخيارات الممول وينحاز بصورة ما إلى أجندة، أو المرشح المفضل لدى الدول الممولة حال أجريت الانتخابات العامة». ثم يشير إلى أن الإعلام التابع لتيار «الإسلام السياسي»، ظل – حسب وصفه – «كما هو مستغرقاً في الآيديولوجية التي قادته إلى الغرق في بحر الفبركة واستخدام الدين مما جعله أداة سلبية في المناسبات الوطنية». وحول اختفاء بث بعض القنوات الليبية، وظهور أخرى بشكل مفاجئ، يرجع بوغرسة الأمر إلى أن «تغير المصالح في المنطقة ونقص التمويل يدفع بعض القنوات إلى الإغلاق، وإنشاء أخرى... ولكن في المجمل توجد قنوات قليلة، حتى وإن كانت خاصةً، تعمل منذ تأسيسها على التهدئة وتبني لغة الحوار ونبذ الاقتتال والدفع باتجاه المصالحة الوطنية».
معاناة الإعلام الحكومي
انقسام الإعلام الحكومي، الذي تمثل في وجود قناتين في وقت سابق تحملان الاسم ذاته هو «الرسمية» -واحدة تدعم معسكر شرق ليبيا والثانية تابعة لغربه– أدى إلى عجزه عن منافسة القنوات الآتية من الخارج. وحول هذا الواقع يقول بوغرسة «كانت طامة كبرى... عندما أنشئت قنوات حكومية في شرق البلاد وغربها؛ لكن في مجملها وبساطة إمكانياتها لم تستطع مواجهة القنوات الخاصة، لذا كان وجودها والعدم سواء». وإكمالاً لطرح بوغرسة بشأن القنوات الحكومية، يتوقع عيسى عبد القيوم «ألا يرتقي الإعلام المحلي الممول من الدولة إلى مستوى احترافي في تغطية المناسبات السياسية، ومنها الانتخابات بالنظر إلى شح موارده، وبتأثير مباشر من الانقسام السياسي بين الشرق والغرب»، ويرى أن «الأمر سيشكل حجر عثرة أمام انتقال الإعلاميين على شطري معادلة متابعة أي حدث كبير كالاستحقاقات العامة غرب ليبيا وشرقها». من جهته، يدافع رامي المنصوري عن قناة «ليبيا الحدث» التي يعمل فيها، والمحتوى الذي تقدمه خاصةً خلال تغطية الحرب على تنظيم «داعش» ببنغازي منذ عام 2014. بيد أنه، مع ذلك، يعتقد أن الإعلام الليبي بصفة عامة «لم يؤد رسالته بالشكل المطلوب المتمثلة في نشر السلام، وذلك بسبب حدة التنازع السياسي... ولذا أصبح لدينا اهتمام أكثر بإعلام المنوعات والترفيه». وأمام تكلس الإعلام الرسمي، يراهن عبد القيوم، على مواقع التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن كوسيلة مهمة لجس نبض الشارع وربما لدفع الإعلام الرسمي والخاص إلى «التخفيف من انحيازاته وتزييفه للواقع بالنظر إلى سرعة النشر والتكذيب التي يتمتع بها إعلام الإنترنت الشعبي». وللعلم، قبل سنة أمر عبد الحميد الدبيبة، بتشكيل لجنة لـ«إصلاح الإعلام»، على أن تتولى حصر جميع القنوات الليبية الخاصة المرئية والمسموعة العاملة بالداخل والخارج، ومخاطبة الجهات المختصة لتزويدها بالمستندات المتعلقة بها من حيث قانونية عملها. وعلى النقيض من التلفزيون، تتمتع المحطات الإذاعية الليبية بشعبية أكبر مقارنة بالإذاعات الدولية وذلك بسبب تركيزها على المحتوى المحلي، ومحدودية بث موجات «إف إم»، ولم تسلم هي الأخرى من هجمات المجموعات المسلحة، مما دفع غالبيتها تجنب بث المحتوى السياسي وإغلاق بعضها بالكامل.



جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟


الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
TT

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

«لجنة الاتحاد الأوروبي» المعنية بحماية البيانات، فرضت الأسبوع الماضي غرامة على «غوغل» تقدر بنحو 403 ملايين يورو (463 مليون دولار) بحجة «خرق قواعد الخصوصية الصارمة الخاصة بالاتحاد، وسوء تعاملها مع بيانات المستخدمين».

ووفق تحقيقات «مفوضية حماية البيانات في آيرلندا» التي بدأت في فبراير (شباط) 2020، فإن «غوغل انتهكت النظام الأوروبي فيما يتعلق بمشروعية وعدالة معالجتها بيانات المواقع الجغرافية ضمن نشاط الويب والتطبيقات وسجل المواقع... ولم تعالج بشكل قانوني أو نزيه البيانات الشخصية للمستخدمين».

للعلم، تعد آيرلندا المفاوِض الرئيسي لـ«غوغل» في الاتحاد الأوروبي، في ظلِّ وجود المقر الرئيسي للمنصة في العاصمة الآيرلندية دبلن. وهذه رابع أكبر غرامة أوروبية بسبب الخصوصية تصدرها «مفوضية حماية البيانات» الآيرلندية التي فرضت سابقاً غرامة على شركة «ميتا» بقيمة 1.2 مليار يورو.

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، يرى أن «الغرامات التي قد تؤدي إلى تغيير جذري بقواعد الخصوصية؛ لا بد أن تكون مؤذية للشركات التقنية من أجل أن تستدرك مسارها وتراجع خطواتها قبل اتخاذ أي قرار». وأردف غزيل خلال حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغرامة التي فُرضت أخيراً على (غوغل)، وعلى الرغم من أنها تعدّ من أكبر الغرامات التي فرضتها آيرلندا، فإنها تمثل نسبة ضئيلة جداً من الأرباح الصافية لشركة (ألفابت) مالكة منصة (غوغل)، ولا تتجاوز 0.5 في المائة»، عادّاً هذا النوع من الغرامات «بمثابة حافز اقتصادي وقانوني، وتراه بعض الشركات بمثابة أضرار جانبية من تكلفة ممارسة الأعمال». لكنه، من جهة ثانية، قال: «هذا لا يعني أن الشركة لن تتخذ تغييرات لحلحلة سبب القضية المرفوعة ضدها... بل إن التغييرات غالباً ستكون تدريجية قبل أن تصبح أعمق وتتوسع على كامل المستخدمين حول العالم».

وأوضح الخبير اللبناني: «أي قضية يصدر حكم بها للمرة الأولى تصبح بمثابة سابقة تنظيمية، فتعمد الهيئات التشريعية لاستخدامها أو التلويح بها بوصفها إشارةً تحذيريةً للشركات التي تعمل بالنموذج نفسه، ثم إن المفوضية الأوروبية، بشكل عام، تؤكد أن الحوار التنظيمي وليس الغرامات فقط، هو مَن يدفع الشركات إلى تعديلات استباقية لتجنب عقوبات أكبر أو غرامات يومية». ولفت إلى أن «التجارب السابقة تشير إلى أن المنصات خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تغير في قوانينها؛ إلا حسب حجم السوق، وفي دول أخرى تتبنى قوانين مستوحاة من القانون الأوروبي للخصوصية والأمن».

وبحسب غزيل فإن «النظام التعاضدي والارتباط القانوني والحقوقي في أوروبا أكثر صرامة وتماسكاً من اتحادات أخرى حول العالم، ما يُشكِّل سوقاً مشتركة قوية للمنصات والشركات الكبرى، كما أن قانون الخصوصية الأوروبي يُعدُّ الأقوى عالمياً مع غرامات قد تؤذي بعض الشركات.

.. وهنا لا يمكن غض النظر عن نظرة الأوروبيين إلى الخصوصية بوصفها حقاً أساسياً، يرفعون شعاراتها ويعملون على تطبيقها على الدوام، ما يجعلهم أكثر حساسية للانتهاكات مقارنة بالولايات المتحدة التي تركز أكثر على الابتكار والمنافسة الحرة».جدير بالإشارة، أن الاتحاد الأوروبي يؤكد دائماً اهتمامه بقواعد الخصوصية، وكان قد «أمر (غوغل) بجعل معالجة البيانات متوافقة مع قواعد الخصوصية في غضون 6 أشهر»، بحسب تصريحات صحافية لنائب مفوض الهيئة، غراهام دويل.

بالتوازي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أبدى محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، اعتقاده بأن الغرامات «ستجبر شركات التكنولوجيا على تغيير قواعدها إلى حد ما». وأضاف أن «التغيير لن يكون بسبب قيمة الغرامة وحدها؛ فالغرامة بالنسبة لشركة بحجم (غوغل) قد تكون تكلفة مالية يمكن استيعابها، لكن الخطر الحقيقي هو أن تتحوّل الغرامة إلى تغيير إلزامي في المنتج، أو طريقة جمع البيانات أو استخدامها».

ثم تابع: «الاتحاد الأوروبي لا يكتفي بفرض الأموال، بل يطلب تغييرات في طريقة عمل المنصات؛ وفي حالة (غوغل) مثلاً، أدت ضغوط قواعد المنافسة الرقمية إلى تعديلات فعلية في نتائج البحث وسياسات أخرى داخل السوق الأوروبية».


تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.