«الدول النووية» التسع ترفض المشاركة في اجتماع فيينا لـ«إزالة أسلحة الدمار الشامل»

تقرير يتوقع 100 مليون ضحية خلال ساعات إذا حصل تصعيد نووي بين «الناتو» وموسكو

أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)
أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)
TT

«الدول النووية» التسع ترفض المشاركة في اجتماع فيينا لـ«إزالة أسلحة الدمار الشامل»

أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)
أعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت يقول «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة»(ا.ف.ب)

«منذ الحرب الباردة، لم يسبق أن كان خطر حدوث تصعيد نووي حاضراً كما هو اليوم»، بهذه الكلمات افتتح وزير الخارجية النمساوي ألكسندر شالنبرغ اجتماع أمس في فيينا حول أهمية نزع الأسلحة النووية التي ازداد خطر استعمالها على خلفية الحرب الأوكرانية، مضيفاً أن «سيف ديموقليس يقترب منا».
يجتمع دبلوماسيون ونشطاء وخبراء ابتداءً من أمس (الثلاثاء) وحتى غدٍ (الخميس) لتفعيل الوثيقة التي صادقت عليها حتى الآن 65 دولة (من 86 دولة موقعة) على خلفية التهديد الروسي. وكانت قد دخلت الوثيقة لأول مرة حيز التنفيذ في بداية عام 2021.
تمثل إزالة الأسلحة النووية بشكل كامل، لا رجوع فيه ويمكن التحقق منه، الهدف النهائي للموقعين على المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة النووية (TPNW) التي «تدرج مواضيع مبتكرة مثل أخذ الضحايا في الاعتبار، بما في ذلك خلال التجارب النووية». ورغبة في أن تكون «مكملة» لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (TNP) التي مضى عليها نصف قرن، يجب أن تحدد هذه الوثيقة الجديدة أيضاً موعداً نهائياً للقوى النووية التي تنضم إليها.
وقال جان ماري كولين، المتحدث باسم الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) في فرنسا «في سياق حربي كالذي نشهده اليوم هذه هي المرة الأولى التي يُعقد فيها اجتماع بشأن نزع السلاح»، موضحاً في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن «عدم القيام بأي شيء يعني أننا نتجه نحو كارثة. لا يمكننا ببساطة أن نُركن إلى اعتقادنا بأن ذلك لن يحدث أبداً».
فبعد 35 عاماً من تراجع الترسانة النووية في العالم، يدفع السياق الحالي «العديد من القوى لإعادة التفكير في استراتيجياتها النووية»، وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (Sipri).
ويعرب رئيس المؤتمر الدبلوماسي النمساوي ألكسندر كمينت عن قلقه بقوله «نحن أمام خطر عودة الوضع إلى ما كان عليه في خمسينات وستينات القرن الماضي، في وجود مزيد من الجهات الفاعلة». وهو يريد على العكس من ذلك أن يرى في النزاع الدائر حالياً «طلقة تحذير للابتعاد عن نموذج الردع النووي المحفوف بالمخاطر والخطر».
في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، قال كمينت، المتخصص في نزع السلاح وأحد مهندسي المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة النووية (TPNW)، إن الإشارات الصريحة إلى استخدام القنبلة الذرية التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «تظهر هشاشة مثل هذا النظام».
من جانبه، قال داريل كيمبال، مدير جمعية مراقبة الأسلحة، خلال مؤتمر للخبراء في فيينا، الاثنين، إن دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تشيد بالأهمية الوقائية لترسانتها من هذه الأسلحة، ولكن «في الواقع، أثبتت أسلحتها عدم جدواها في منع العدوان الروسي على أوكرانيا». وحذر من أن روسيا القوية بفضل أسلحتها النووية، تشن هجوماً يحتمل أن يكون «أكثر خطورة». وأشار إلى محاكاة أجرتها جامعة برينستون الأميركية بينت أن تصعيداً نووياً بين الناتو وموسكو يمكن أن «يخلّف نحو 100 مليون ضحية في الساعات الأولى فقط».
وتكمن المشكلة الكبيرة في أن أياً من الدول التسع التي تملك السلاح النووي، وهي الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والهند، وباكستان، وإسرائيل وكوريا الشمالية، لم توافق بعد على التوقيع عليها ولا حتى المشاركة في الاجتماع وإن كأطراف مراقبة.
في مقال نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية اليومية الأسبوع الماضي، دعا 56 برلمانياً فرنسياً وأعضاء في البرلمان الأوروبي باريس إلى عدم ترك مقعدها فارغاً في مواجهة «تلميحات» بوتين. في حين تخشى من جانبها وزارة الخارجية الفرنسية من أن هذه المعاهدة «ستضعف معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، حجر الزاوية في نظام عدم الانتشار».
يقول كمينت «علينا إقناع هذه الدول، لكن الأمر سيستغرق وقتاً... لن نجعل الأسلحة النووية تختفي بحركة من عصا سحرية». لكن الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) رحبت بإرسال أربع من دول الناتو هي ألمانيا والنروج وبلجيكا وهولندا. كما تشارك في الاجتماع أستراليا التي تستفيد من المظلة النووية الأميركية.
استبعدت اليابان حليفة واشنطن في الوقت الحالي الانضمام إلى العملية على الرغم من كونها الدولة الوحيدة التي تعرضت لضربات نووية.
«لماذا هذا الرفض؟»، تساءل الناشط الياباني سوتشي كيدو البالغ من العمر 82 عاماً، الاثنين، في فيينا أمام جمع مع رئيسي بلديتي ناغازاكي وهيروشيما. وقال كيدو وهو من «الهيباكوشا»، وهو لقب يُطلق على الناجين من القنبلة الذرية، إنه «سلاح الشر المطلق» الذي يقضي على الأحياء بضربة واحدة ولا يدع الناجين يعيشون في سلام.
في سياق متصل، أعلنت وزيرة دفاع كندا، الاثنين، تحديث نظام الدفاع الجوي والصاروخي للبلاد في القطب الشمالي، والذي يتم تنفيذه بالتعاون مع الولايات المتحدة. وعزت الوزيرة الإجراءات الجديدة إلى التهديدات العسكرية المتزايدة من روسيا وظهور تقنيات جديدة للعدو، مثل الصواريخ الفرط صوتية. في مؤتمر صحافي في أكبر قاعدة جوية في كندا في مدينة ترينتون بأونتاريو، أعلنت الوزيرة أنيتا أناند تخصيص ميزانية قدرها 4.9 مليار دولار كندي (3.6 مليار يورو) على مدى ست سنوات. سيتم إنفاق الأموال على إنشاء رادارات أرضية وأقمار صناعية قادرة على رصد القاذفات أو الصواريخ، بالإضافة إلى شبكات الاستشعار ذات «القدرات السرية» لمراقبة الأجسام المقتربة من الجو والبحر من القطب الشمالي إلى البر.
أدى غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) إلى تسريع عملية التحديث. ستحل الأنظمة الجديدة محل نظام الإنذار الشمالي القديم الذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة والذي لم تعد محطاته الخمسون قادرة على رصد الصواريخ الحديثة. وأضافت، أن الإنفاق الجديد يمثل «أهم تحديث خلال ما يقرب من أربعة عقود». وأعلنت الحكومة الكندية في مارس (آذار) نيتها شراء 88 طائرة مقاتلة أميركية من طراز «F - 35» لتحل محل أسطولها القديم للقيام بدوريات في أقصى شمال كندا.


مقالات ذات صلة

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

رياضة عالمية كاش بوينت أرينا بملعب نادي ألتاش للكرة النسائية النمساوي (رويترز)

حُكم مخفف لمتهم بتصوير لاعبات نمساويات في غرف الملابس يثير غضباً واسعاً

أثارت قضية صادمة في النمسا موجة غضب واسعة داخل الأوساط الرياضية، بعد صدور حكم مخفف بحق رجل أُدين بتصوير لاعبات فريق ألتاش للسيدات خلسة داخل غرف الملابس والصالة.

فاتن أبي فرج (بيروت)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة بياته ماينل رايزنجر خلال لقائهما في الرياض الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية والنمسا تبحثان تطوير التعاون بمختلف المجالات

استعرض وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيرته النمساوية بياته ماينل رايزنجر، علاقات التعاون الثنائي بين البلدين، وسبل تطويرها في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قناة نهر الدانوب وسط مدينة فيينا - النمسا (أ.ف.ب)

بعد 35 عاماً... الحمض النووي يحل لغز تبديل طفلتين في النمسا

تمكن اختبار للحمض النووي من حل لغز تبديل طفلتين حديثتي الولادة في أحد المستشفيات بجنوب النمسا، بعد نحو 35 عاماً على وقوع الخطأ.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا رجال شرطة في شارع قريب من مدرسة حيث أفادت التقارير بمقتل عدد من الأشخاص في حادث إطلاق نار (أ.ف.ب)

10 قتلى في إطلاق نار داخل مدرسة ثانوية بالنمسا

نقلت «وكالة النمسا للأنباء» اليوم عن رئيسة بلدية مدينة غراتس الواقعة جنوب البلاد قولها إن إطلاق نار في مدرسة بالمدينة أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

السعودية والنمسا تبحثان المستجدات الإقليمية والدولية

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان المستجدات الإقليمية والدولية مع نظيرته في النمسا بياته ماينل رايزنجر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».