ميقاتي يُكلَّف ولا يُؤَلِف... وبري ضد حكومة «اللون الواحد»

واقع المشهد السياسي في لبنان مع اقتراب الاستشارات المُلزمة

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (دالاتي ونهرا)
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (دالاتي ونهرا)
TT

ميقاتي يُكلَّف ولا يُؤَلِف... وبري ضد حكومة «اللون الواحد»

رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (دالاتي ونهرا)
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (دالاتي ونهرا)

(تقرير اخباري)
تتحسب معظم الكتل النيابية في لبنان منذ الآن لرد فعل رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي في حال سمت الغالبية النيابية، خلال الاستشارات النيابية المُلزمة التي يجريها الخميس المقبل، رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة العتيدة، وهل يسهل مهمته في التأليف أم يبادر إلى وضع العراقيل أمام ولادتها ما لم يسلم الرئيس المكلف بشروطه التي لم تعد خافية على أحد؟ ويسود ذلك على رغم أن مصادره (عون) تنفي، بالتناغم مع رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، أن تكون لديه شروط تأتي استجابة لطلب الأخير الذي يتطلع لأن يكون شريكاً بلا منازع في التركيبة الوزارية.
وكشفت مصادر دبلوماسية عربية وأجنبية لـ«الشرق الأوسط» أن ميقاتي، وإن كان لا يزال الأوفر حظاً لتولي رئاسة الحكومة الجديدة، فإنه لن يخضع للابتزاز والمساومة، وسيبقى على موقفه برفض الشروط الموضوعة من عون الذي لمح إليها في لقاءاته، في بحر الأسبوع الفائت، مع عدد من السفراء والشخصيات السياسية.
ولم تستبعد هذه المصادر محاولة الفريق السياسي المحسوب على عون البحث عن مرشح آخر لتولي رئاسة الحكومة يتعامل معه على أنه المنافس البديل لميقاتي، وتقول بأنه يصطدم بعدم ضمان تأييد أكثرية النواب من الطائفة السنية لمرشحه الذي يتولى باسيل شخصياً تلميع صورته، وأيضاً بالدور الذي يتولاه حالياً مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان للملمة الوضع في الشارع السني بدءاً بالنواب، لأنه من غير الجائز الإبقاء عليهم في حالة الإرباك التي يمرون بها حالياً.
ولفتت المصادر إلى أن تحرك المفتي دريان يلقى دعماً من قبل نادي رؤساء الحكومات السابقين، برغم كل ما أصابه من تشظ بسبب اختلافهم في مقاربتهم لملف الانتخابات النيابية ترشحاً واقتراعاً. وقالت بأنه يحاط بتشجيع عربي، مع أن الدول العربية المعنية بالوضع في لبنان تنأى بنفسها عن التدخل في مسألة تشكيل الحكومة، وتعتبره أمراً داخلياً يعود فيه القرار إلى الكتل النيابية.
ونقلت عن مصادر مواكبة لتحرك المفتي دريان قولها بأن مهمة دار الفتوى تكمن في استيعاب مرحلة ما بعد إجراء الانتخابات باحتوائها التشظي الذي أصاب الشارع السني في ضوء محاولة بعض الأطراف استباحته تمهيداً للمجيء برئيس حكومة لا يحظى بالتمثيل السياسي الوازن داخل طائفته، ما يؤدي إلى الإخلال بالتوازن العام وتغييب الطائفة عن المشاركة في صنع القرارات.
كما نقلت المصادر عن ميقاتي قوله بأنه لا يتهرب من تحمل المسؤولية وسبق له أن شغل منصب رئاسة الحكومة لمرات ثلاث ولن يستسلم في المرة الرابعة للشروط الموضوعة عليه، ومن يصر على شروطه فليبحث عن مرشح آخر لأنه ليس في وارد تشكيل حكومة بأي ثمن تدفع باتجاه تمديد الأزمة، فيما المطلوب الانتقال بالبلد إلى مرحلة الإنقاذ والتعافي لتفادي الانهيار الشامل الذي يهددنا.
وأكدت أن عون وباسيل، وبخلاف نفيهما وضع شروط على ميقاتي، فإنهما يشترطان الاحتفاظ بوزارات الخارجية والطاقة والشؤون الاجتماعية والعدل، مع أنهما يدعيان في العلن مطالبتهما بتحقيق مبدأ المداورة في توزيع الحقائب. وكشفت أن عون يضيف على شروطه رزمة أخرى باشتراطه إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإصدار دفعة من التعيينات الإدارية واسترداد الأموال التي حُولت للخارج بعد الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
ورأت المصادر نفسها أن ميقاتي لن يستجيب لكل هذه الشروط ولن يخضع للابتزاز أو الاستنزاف، وسيبادر في حال تكليفه برئاسة الحكومة إلى تجنب تمديد أمد المشاورات الخاصة بالتأليف في لقاءاته برئيس الجمهورية، وقد يضطر إلى التقدم منه بتشكيلة وزارية متوازنة وموزونة دولياً ويبقى عليه أن يرفضها أو يوقعها، وفي حال امتناعه عن توقيعها سيستمر ميقاتي في تصريف الأعمال إلى جانب احتفاظه بالتكليف.
وقالت إن ميقاتي لن يشكل حكومة عرجاء في آخر «العهد القوي» الذي بدأ يتهاوى، وبالتالي لا مصلحة لمعظم القوى السياسية في إعادة تعويمه بعد أن أغرق البلد في أزمات كارثية. وأكدت أن هذه القوى لا تعطي لمن يستعد لمغادرة القصر الجمهوري، لئلا تُلزم خلفه بقيود تعيق إعادة تكوين السلطة مع انتخاب رئيس جديد يتعامل معه المجتمع الدولي على أنه بداية الطريق لإحداث تغيير في لبنان، لأن البلد لم يعد يُدار بـ«عدة شغل أكل الدهر عليها وشرب».
ولا تتعامل المصادر نفسها مع المواقف التي صدرت حتى الساعة حيال تشكيل الحكومة على أنها نهائية. وتعزو السبب إلى أن المشاورات لا تزال مفتوحة، أكان على صعيد نواب انتفاضة 17 تشرين الأول في محاولة للذهاب إلى الاستشارات بالاتفاق على تسمية من يمثلهم بدلاً من التوجه فرادى إلى بعبدا، أم بالنسبة إلى «اللقاء النيابي الديمقراطي» وحزب «القوات اللبنانية» اللذين يجريان مشاورات مفتوحة للتوصل إلى مقاربة موحدة لجهة تسمية من يشكل الحكومة أو لجهة برنامج عملها، مع أنهما ينطلقان من معايير موحدة، فيما يتفرد حزب «الكتائب اللبنانية» بموقفه من دون أن يسجل حتى الساعة حصول أي تقارب بين قوى المعارضة من تغييرية وتقليدية يدعو للتفاؤل في إمكانية الوصول إلى تفاهم، برغم أن هناك مساحة سياسية مشتركة تجمع بين كل هذه القوى، إضافة إلى عدد من النواب المستقلين.
لذلك، فإن الرغبة في التوصل إلى مقاربة مشتركة على قاعدة إحداث تغيير، بدءاً باسم من تراه مناسباً لتولي رئاسة الحكومة، لا تعني من وجهة نظر المصادر المواكبة بأن هناك من يوافق على تسليم البلد لباسيل وحلفائه بذريعة استحالة تأمين حصول أي تغيير، وبالتالي لا بد من البحث عن خيار يقطع عليه السيطرة على الحكومة، وهذا يعني احتمال التوجه نحو تسمية ميقاتي لمنع حصول التغيير المضاد.
وعليه، فإن المشهد السياسي الذي يأتي استباقاً لنتائج الاستشارات النيابية المُلزمة لا يدعو للتفاؤل بأن الطريق أمام ميقاتي في حال تسميته ستكون سالكة لتسريع ولادة الحكومة ما لم يبدل عون موقفه بالإنابة عن باسيل الذي يدير ملف تشكيل الحكومة من وراء الستار.
ويبقى السؤال: كيف سيتصرف الثنائي الشيعي في حال قرر عون، واستجابة لطلب باسيل، الاستعصاء على الدعوات لتسهيل مهمة ميقاتي؟ وأين يقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي لا يزال الأقدر، وبنسب متفاوتة، على التواصل مع أطراف رئيسية في المعارضة ولو من موقع الاختلاف؟ وهل يجاريه حليفه الاستراتيجي «حزب الله» أم سيضطر إلى مراعاة حليفه الآخر باسيل بوضع العصي السياسي في دواليب تشكيل الحكومة؟
وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية أن بري يدعم تكليف ميقاتي ولا يحبذ تشكيل حكومة من لون واحد تتيح لباسيل الإمساك بها، وهذا يعني حكماً بأنه يقاوم إقحام البلد في مغامرة سياسية من الوزن الثقيل تأخذه إلى ما لا يحمد عقباه، وترفع من منسوب التأزم، وبالتالي سيرفض سلفاً المشاركة فيها مهما كانت الإغراءات.
فرئيس المجلس يرفض أن يكون شريكاً في إقصاء الأكثر تمثيلاً عن رئاسة الحكومة، وربما ينسحب موقفه، بشكل أو بآخر، على «حزب الله» الذي لا يمانع حتى إشعار آخر في تسمية ميقاتي، ولا يؤيد في المقابل السير في حكومة من لون واحد، لأنه يدرك سلفاً حجم الأثقال السياسية التي ستُرمى عليه وصولاً إلى تحميله مسؤولية الإطاحة بمبدأ الشراكة لأن عون لا يجرؤ على توفير الغطاء لمثل هذه الحكومة ما لم يلق الضوء الأخضر من الحزب الذي سيكون موضع استهداف من خصومه في الداخل وانتقاد من الخارج، إضافة إلى أنه بموقفه هذا سيحشر نفسه في الزاوية ويكون السبب في استحضار الاحتقان المذهبي والطائفي.
وفي ضوء كل هذه المعطيات لن يكون عون مضطراً لأن ينحر نفسه سياسيا لغياب الرافعة الشيعية من ناحية ولتعذر إيجاد الرئيس الانتحاري لتشكيل الحكومة بديلاً عن ميقاتي إذا أراد الأخير أن يرمي كرة النار في حضن الفريق السياسي لعون رافضاً تشكيل حكومة «كيفما كان» فاقدة للتوازن وتأخذ البلد إلى مزيد من الفراغ القاتل، لذلك يبقى الخيار بمعناه السلبي في أن يكلف ميقاتي من دون أن يشكل ويستمر في تصريف الأعمال.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

بغداد تدعو طهران إلى اعتماد الحوار لتعزيز استقرار المنطقة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العراقي فؤاد حسين في بغداد يوم 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العراقي فؤاد حسين في بغداد يوم 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

بغداد تدعو طهران إلى اعتماد الحوار لتعزيز استقرار المنطقة

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العراقي فؤاد حسين في بغداد يوم 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العراقي فؤاد حسين في بغداد يوم 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي، الأحد، أن العراق يقف مع أولوية إنهاء الحروب واعتماد الحوار والمفاوضات لتثبيت الاستقرار في المنطقة، وهو ما سيعزز فرصة التنمية للشعوب المتجاورة.

جاء ذلك خلال استقبال الزيدي، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق له، وفق المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي. وجرى خلال اللقاء مناقشة الاتفاق الأخير بين إيران والولايات المتحدة الأميركية الذي جرى بموجبه وقف الحرب بين البلدين، والجهود الدولية والإقليمية لفرض الأمن والاستقرار واحترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يحضر مؤتمراً صحافياً إلى جانب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في بغداد (رويترز)

اجتماع لإنهاء الحرب

من جهته، أكد وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، استعداد بلاده لاستضافة اجتماع يضم دول الخليج العربي مع إيران لبحث سبل إنهاء الحرب، مشدداً على أن أمن المنطقة يجب أن يكون مسؤولية شعوبها.

جاءت تصريحات حسين خلال مؤتمر صحافي مشترك مع عراقجي، الذي قال إن زيارته تهدف إلى تقديم الشكر لحكومة العراق وشعبه بعد مواقفهما الأخيرة من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران، إلى جانب التنسيق مع بغداد بشأن تشييع جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في العراق.

وجاءت زيارة عراقجي في ذروة حملة اعتقالات يشنها القضاء والحكومة لمحاربة الفساد طالت مسؤولين ونواباً ومحافظين ورؤساء كتل سياسية، وليس من الواضح صلة الزيارة بها، لكنها لم تنل الاهتمام المعتاد نتيجة ملاحقة العراقيين على المستويين الرسمي والشعبي لآخر تطورات عمليات إلقاء القبض ضد المتهمين بالفساد.

وقال الوزير العراقي، إن «زيارة عراقجي إلى العراق تتسم بأهمية كبيرة، لا سيما بعد توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن، إذ لا تزال الحرب دائرة في المنطقة، وهناك مناوشات عسكرية عند أطراف مضيق هرمز».

وأضاف: «ناقشنا مع عراقجي عدداً من المواضيع ذات الاهتمام المشترك، منها تعرض العراق لهجمات عدة خلال الحرب الأخيرة، فضلاً عن أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى توقف تدفق النفط العراقي، مما أثر في الوضع المالي والاقتصادي للعراق».

وشنت الفصائل المسلحة الموالية لإيران مئات الهجمات الصاروخية على مواقع وأماكن داخل وخارج العراق، وعرّضت البلاد إلى مخاطر أمنية واسعة وانتقادات من دول الخليج العربي والأردن، كما ألحق إغلاق مضيق هرمز أضراراً فادحة بالاقتصاد وخسرت البلاد أكثر من 37 مليار دولار جراء إيقاف صادراتها النفطية.

ودعا الوزير حسين إلى «عقد اجتماع يضم دول الخليج العربي والعراق وإيران»، وقال إن بلاده «مستعدة لاستضافة دول الخليج لبحث سبل إنهاء الحرب»، مشيراً إلى أن «أمن المنطقة يجب أن يكون مسؤولية شعوبها، وأن إنهاء الحرب في المنطقة أولوية لنا جميعاً».

وأعرب حسين عنه أسفه لتعرض إيران لهجمات من قبل الولايات المتحدة الأميركية، ولفت إلى أن «العراق لعب دوراً مهماً في التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران».

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ونظيره الإيراني عباس عراقجي خلال مؤتمر صحافي في بغداد يوم 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

تشييع جثمان خامنئي

وسعى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى تكرار موقف بلاده من مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الولايات المتحدة الأميركية، ومن أنها تشمل وقف الحرب في كل الجبهات وخاصة لبنان.

تميل مصادر سياسية في بغداد إلى الاعتقاد بأن «زيارة عراقجي ستناقش قضايا عديدة وضمنها ملف نزع أسلحة الفصائل، بجانب الخشية الإيرانية من تزايد الاشتراطات الأميركية على بغداد».

وقال عراقجي خلال المؤتمر الصحافي المشترك، إن «الهدف الأول من زيارة بغداد، هو تقديم الشكر لحكومة العراق وشعبه، إذ إن زيارتي لبغداد تأتي في ظروف خاصة، وحكومة العراق لها مواقف مهمة في إدانة الاعتداء علينا».

وأكد الوزير الإيراني «إصرار بلاده على مواصلة التعاون مع الحكومة العراقية في المجالات الاستراتيجية».

وأضاف أن «مذكرة التفاهم تشمل وقف الحرب في كل الجبهات خاصة لبنان وضرورة وقف الهجمات (الإسرائيلية) في لبنان، والانسحاب من المناطق التي تحتلها في لبنان، وهذه مسؤولية الحكومة الأميركية».

وأتى على ذكر تفاصيل فتح مضيق هرمز وإدارته مستقبلاً في رواية تتضارب مع الرواية الأميركية، حيث ذكر، أنه «لا يجب التدخل في إدارة مضيق هرمز من قبل أي طرف، وأن مضيق هرمز تحت إدارة إيران، وبعد إزالة العوائق ستعود الأمور لسابق عهدها، ولا مسؤولية لأي جهة في عمل مضيق هرمز، وأي شيء غير ذلك يخالف مذكرة التفاهم مع واشنطن».

وأشار عراقجي إلى أنه «أطلع وزير الخارجية فؤاد حسين على تطورات المباحثات مع واشنطن وملف هرمز»، معرباً عن «شكره للعراق على مواقفه الجيدة في دعم الشعب الإيراني».

واختتم قائلاً: «الهدف الآخر من الزيارة هو التنسيق مع بغداد لوضع آلية لتشييع السيد الشهيد علي خامنئي في العتبات المقدسة بالعراق».

وحسب مصادر، فإن جثمان خامنئي قد يصل إلى العراق يوم 8 يوليو (تموز) من أجل تشييعه في النجف وكربلاء بمشاركة شعبية ورسمية، لكن الحكومة العراقية لم تعلن رسمياً عن هذه المراسيم وإذا ما كانت قد قبلت بها أم لا.


خبير لـ«الشرق الأوسط»: لا تنظيم مسلحاً منتظماً جنوب سوريا

أهالي قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي يمنعون الجنود الإسرائيليين من دخول القرية 16 ديسمبر 2024 (درعا 24)
أهالي قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي يمنعون الجنود الإسرائيليين من دخول القرية 16 ديسمبر 2024 (درعا 24)
TT

خبير لـ«الشرق الأوسط»: لا تنظيم مسلحاً منتظماً جنوب سوريا

أهالي قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي يمنعون الجنود الإسرائيليين من دخول القرية 16 ديسمبر 2024 (درعا 24)
أهالي قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي يمنعون الجنود الإسرائيليين من دخول القرية 16 ديسمبر 2024 (درعا 24)

بينما لم يتسرب كثير من التفاصيل حتى الآن حول العملية العسكرية التي أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذها السبت في جنوب سوريا، سواء لناحية هوية وعدد المسلحين الذين زعم أنه قتلهم أو مكان تنفيذها الدقيق، لم يستبعد باحث سوري في الشؤون الأمنية والعسكرية وجود أطراف مسلحة في المنطقة، لكنه نفى وجود تنظيم مسلح يعمل بصورة منتظمة من حوض اليرموك أو القنيطرة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي وقت سابق اليوم، أعلن المتحدث الرسمي السابق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر منصة «إكس»، أن قوات الفرقة «210»، قضت أمس السبت على عدد ممن وصفهم بـ«المسلحين» فيما سماه «منطقة التأمين الدفاعية» جنوب سوريا، من دون أن يذكر تفاصيل إضافية حول العملية لناحية عدد القتلى وهويتهم ومكانها الدقيق، كما لم يوجه اتهاماً بانتماء هؤلاء المسلحين إلى تنظيم معين.

وبينما رجحت تقارير صحافية أن تكون العملية الإسرائيلية قد تم تنفيذها جنوب بلدة حضر في الريف الشمالي لمحافظة القنيطرة، أكدت مصادر محلية في البلدة لـ«الشرق الأوسط»، عدم وجود مؤشرات أو معلومات حول تنفيذ جيش الاحتلال للعملية المعلن عنها من قبله في تلك المنطقة.

من جانبه، ذكر مصدر إعلامي رسمي في محافظة القنيطرة لـ«الشرق الأوسط»، أنه بمتابعة ما أعلن عنه جيش الاحتلال من تنفيذه عملية أمنية في جنوب سوريا، وكذلك ما جرى تداوله في تقارير صحيفة من ترجيحات بأن العملية تم تنفيذها جنوب بلدة حضر، لكن مصادرنا نفت وقوع أي عملية أمنية خلال الليلة الماضية وما قبلها.

قرية معرية بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي (سانا)

ورجح المصدر أن تكون العملية في منطقة ‏حوض اليرموك بريف درعا الغربي، لكن مصادر محلية في حوض اليرموك ذكرت لـ«الشرق الأوسط»، أنها «لم تسمع بتنفيذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية قتل خلالها مسلحين في قرى المنطقة»؛ ما يعني أن دخول الجيش الإسرائيلي كان حجة للتوسع.

سلاح المزارعين والرعاة

الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، نوار شعبان، أوضح أن استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري قائمة على تفريغ المنطقة من أي وجود رسمي، سواء لوزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، وبالتالي «هو خلق البيئة لانتشار السلاح في المنطقة».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» لم يستبعد شعبان «وجود أطراف مسلحة في الجنوب السوري، ولكن ليس هناك وجود لتنظيم مسلح يعمل بصورة منتظمة من حوض اليرموك أو القنيطرة ضد الاحتلال الإسرائيلي».

ووصف شعبان بيان جيش الاحتلال الإسرائيلي حول العملية، بأنه «مبهم، إذ لم يكشف هوية القتلى وانتمائهم، بمعنى ليس هناك طبيعة تهديد واضحة، ولذلك لا يمكن التعامل مع الرواية الإسرائيلية بوصفها حقيقة مثبتة قبل ظهور أي معلومات مستقلة».

وبيّن شعبان، أن «استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري تهدف إلى خلق هذه الذرائع، وبالتالي عند منع وجود قوات رسمية في الجنوب السوري يخلق لنفسه هذه الذرائع».

وعَدّ الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، أن وجود أشخاص مسلحين في جنوب سوريا «مبرر غير كافٍ» لقيام الاحتلال بتنفيذ عمليات أمنية في المنطقة. وأضاف أن «وجود أشخاص مسلحين، إن ثبت، لا يعني تلقائياً أنهم يستعملون السلاح لتنفيذ هجوم، فنحن نتحدث عن بيئة أغلبيتها من المزارعين ورعاة الغنم، وثقافة السلاح موجودة فيها، بالتالي كلام الاحتلال لا يقدم دليلاً واضحاً ومباشراً».

وتابع: «أهم شيء فيما جرى، أن العملية جرت في داخل الأراضي السورية ضمن ما تسميه إسرائيل من طرف واحد (المنطقة الأمنية)، وهي تسمية لا تمنح وجودها العسكري أي شرعية، خصوصاً أن اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 تنص على أنه لا يجوز لإسرائيل إنشاء منطقة أمنية داخل سوريا أو تنفيذ عمليات قتل واعتقال فيها، وللأسف هذه الخروقات مستمرة، سواء القتل والاعتقال أو الانتهاكات ضد المزارعين وغيرهم».

توغل إسرائيلي في حوض اليرموك جنوب سوريا (أرشيفية)

ثبتت نقطتين عسكريتين جديدتين

شهود عيان في منطقة حوض اليرموك ذكروا بدورهم لـ«الشرق الأوسط»، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يكثف منذ أسبوع توغلاته في المنطقة وانتهاكاته بحق الأهالي. وأوضحوا أن قوة الاحتلال وأثناء توغلها الأخير ثبّتت نقطتين عسكريتين متقدمتين جديدتين في المنطقة، الأولى في «سرية المغر» مقر اللواء 60 سابقاً على طريق قريتي معرية – عابدين، والثانية في «سرية جملة» على طريق قريتي جملة - صيصون، وذلك بعد أن أقام الاحتلال «قاعدة الجزيرة» في تلة تتبع لقرية معرية بعد أشهر قليلة من سقوط النظام السابق.

وأكدوا، أن جيش الاحتلال نصب في النقطتين الجديدتين خياماً عسكرية وجلب إليهما عربات قتالية وعربات اتصال وناقلات جنود يقدر عددهم ما بين 25 و30 جندياً. ومن غير المعروف، حتى الآن، إن كانت النقطتان الجديدتان مؤقتتين وسيزيلهما جيش الاحتلال بعد فترة، أم سيجعل منهما نقاطاً ثابتة تضاف إلى القواعد العسكرية المتقدمة التي أقامها في الأراضي التي يتوغل فيها بريفي القنيطرة ودرعا منذ سقوط نظام بشار الأسد.

وطالب أهالي المنطقة الأمم المتحدة بوضع حد لتصعيد وانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي، لأن السكوت عنها يشجعه على القيام بتوغلات أكثر وقضم المزيد من الأراضي السورية، الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على استقرار الأهالي وأوضاعهم المعيشية.

في الأثناء، أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، بأن قوة للاحتلال الإسرائيلي توغلت الأحد باتجاه بلدة معرية في منطقة ‏حوض اليرموك بريف درعا الغربي، وصولاً ‏إلى قرية عابدين، ومنطقة تلة ‏المغر.‏

وذكرت الوكالة، أن قوة الاحتلال مؤلفة من أربع آليات عسكرية، وقد انطلقت ‏من «ثكنة الجزيرة» وتوغلت باتجاه بلدة معرية، وصولاً إلى قرية عابدين، قبل ‏أن تتجه إلى منطقة «تلة المغر»، وذلك بعد أن شهد ريف القنيطرة ودرعا 6 توغلات إسرائيلية منفصلة، تخللتها مداهمات للمنازل وإقامة حواجز عسكرية مؤقتة، واستجواب عدد من المدنيين، واعتقال شاب من أبناء ريف القنيطرة، قبل الإفراج عنه بعد ساعات.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لجنود ينفذون عمليات بالقرب من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان في يوليو 2025

يذكر أن إسرائيل وسّعت انتشار قواتها في جنوب سوريا إلى جبل الشيخ وأبعد من المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، عقب سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وأكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الخميس، أن إسرائيل ستبقى في هذه المنطقة كما في جنوب لبنان وقطاع غزة «لفترة غير محدودة» لإزالة أي تهديد.

وتؤكد سوريا أنَّ «جميع الإجراءات التي تتخذها قوات ‌‏الاحتلال ‏في ‏الأراضي السورية باطلة وملغاة، ولا ‏يترتب ‏عليها أي آثار ‏قانونية ‌‏بموجب القانون الدولي، ‏مجددة ‏مطالبتها المجتمع الدولي ‏بتحمُّل ‏مسؤولياته، ‏ووضع حد ‏لهذه الانتهاكات، وإلزام إسرائيل ‌‏بالانسحاب ‏الكامل ‏من ‏الجنوب السوري».


«اعترافات وكشف دلالة» يشعلان «ليلة الاعتقالات» في العراق

صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026
صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026
TT

«اعترافات وكشف دلالة» يشعلان «ليلة الاعتقالات» في العراق

صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026
صورة متداولة تظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026

في أكبر تحرك من نوعه منذ سنوات، شنت السلطات العراقية حملة أمنية وقضائية واسعة النطاق ضد متهمين بقضايا فساد، شملت مداهمات واعتقالات في بغداد وعدد من المحافظات، وسط إجراءات أمنية مشددة وإغلاق المنطقة الخضراء، بينما أكدت هيئة النزاهة الاتحادية أن الإجراءات نُفذت بموجب أوامر قبض قضائية ووفق أحكام القانون، متوعدة بالمزيد، وفق بيان حكومي.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن قوة مشتركة ضمت جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي وأجهزة أمنية مختصة بقضايا النزاهة انتشرت ليل السبت - الأحد، في مواقع عدة داخل المنطقة الخضراء وسط بغداد، مع تشديد الإجراءات الأمنية عند عدد من المداخل والطرق المؤدية إليها.

وأضافت المصادر أن القوة باشرت تنفيذ أوامر قبض قضائية استهدفت مسؤولين سياسيين وحكوميين ونواباً وأمنيين ورجال أعمال، على خلفية ملفات تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ «وردت في اعترافات وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي»، الذي سبق أن تم اعتقاله الأسبوع الماضي، ولا يزال يخضع للتحقيق.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الاعتقالات جاءت بعد ساعات قليلة من إجراء قوة أمنية كشف دلالة، مساء السبت، برفقة الجميلي داخل المنطقة الخضراء، شمل منازل ومواقع يُشتبه بأنه زارها أو سلم فيها أموالاً لشخصيات.

وفي وقت مبكر الأحد، قال مسؤول عراقي لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد المعتقلين بلغ 38 شخصاً، بينهم أصحاب درجات خاصة ونواب ومحافظون، موضحاً أن أوامر الاعتقال استندت إلى اعترافات الجميلي، مشيرة إلى أن عدداً من الموقوفين نُقل إلى هيئة النزاهة الاتحادية، والقسم الآخر نقل إلى محكمة جنح الفساد في الكرخ، ببغداد.

إلا أن أرقام المعتقلين تباينت مع تقدم العمليات؛ إذ نقلت «وكالة الأنباء العراقية» عن مصادر رفيعة، أن عدد المعتقلين ارتفع إلى 47 متهماً من نواب ومسؤولين بتهم فساد، مؤكدة أن عمليات الملاحقة ما زالت مستمرة في بغداد والمحافظات، وقد تشمل أكثر من 100 شخصية.

وفي المقابل، قال مصدر مطلع لوسائل إعلام محلية، إن المرحلة الأولى من العملية أسفرت عن اعتقال 43 مسؤولاً وسياسياً، أُفرج عن عدد منهم لاحقاً، مضيفاً أن الحملة ستستكمل في مرحلة ثانية، وستطول شخصيات من «الدرجة الأولى». ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام أو هوية الموقوفين، إلا أن مصدراً من هيئة النزاهة أبلغ «الشرق الأوسط»، بأن اوامر القبض قد تصل إلى مزيد من المشتبه بهم.

وقال مسؤول حكومي لـ«الشرق الأوسط»، إن رئيس الوزراء علي الزيدي، أشرف بصورة مباشرة على حملة الاعتقالات التي استهدفت متورطين بشبهات فساد، مؤكداً أن جميع الإجراءات نُفذت استناداً إلى مذكرات قبض قضائية.

وأضاف أن الفرقة الخاصة وجهاز مكافحة الإرهاب شاركا في تنفيذ الحملة التي لم تقتصر على بغداد؛ بل امتدت إلى محافظات أخرى.

ووفق مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، شملت العمليات في داخل بغداد المنطقة الخضراء واليرموك والقادسية والشعب ومدينة الصدر وزيونة، إضافة إلى تنفيذ اعتقالات في محافظات ميسان وبابل وديالى وصلاح الدين، داهمت فيها الأمن منازل و«فلل».

كما داهمت قوة أمنية مقر شركة نفط الوسط جنوب بغداد، بحسب مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، في حين أفادت مصادر أخرى بأن العمليات امتدت أيضاً إلى أربيل، دون صدور تأكيد رسمي لذلك.

إجراءات «النزاهة»

أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، في بيان، أنها باشرت «إجراءاتها الحازمة» لتنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام.

وقالت الهيئة إن «هذا الإنجاز جاء ثمرة لتضافر الجهود المشتركة والتكاملية بين السلطات الثلاث (القضائية والتنفيذية والتشريعية) مع جهود الهيئة، التي أفضت بشكل مباشر إلى تنفيذ تلك الأوامر بوصفها حصيلة عمليات متابعة وتدقيق ومراقبة دؤوبة ومستمرة».

وأكدت أن «جميع إجراءاتها تجري بدقة بموجب أحكام القانون وتحت مظلته»، مضيفة أنها تستمد «قوتها وعزيمتها من التأييد الشعبي المطلق وسلطة القانون، والدعم اللامحدود والمؤازرة المستمرة من رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب».

وجددت الهيئة التأكيد على التزامها «بإطلاع الرأي العام على تفاصيل عملها وإجراءاتها بدقة وشفافية، وفقاً لما تسمح به القوانين والأنظمة النافذة».

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، ظلت المنطقة الخضراء مغلقة حتى ساعات الأحد، بينما واصلت القوات الأمنية عمليات التفتيش في محيطها.

لقطة مأخوذة من فيديو وثقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

وقال شهود عيان إن عربات مدرعة وعناصر أمن مدججين بالسلاح انتشروا حول منازل وفلل داخل المنطقة الخضراء.

وأضاف أحدهم أن قوة من جهاز مكافحة الإرهاب اشتبكت مع عناصر حماية إحدى الشخصيات أثناء محاولة تنفيذ مذكرة توقيف بحقها، دون أن تتضح طبيعة الاشتباك، أو ما إذا أسفر عن إصابات أو اعتقالات إضافية.

لكنّ مصدراً مطلعاً قال لوسائل إعلام محلية، إن العملية لم تشهد أي خروقات أمنية أو مقاومة أو تبادل لإطلاق النار، وإن تحريك المدرعات اقتصر على إغلاق مداخل المنطقة الخضراء تحسباً لأي طارئ، وهو ما لم يتسنَّ التحقق منه بشكل مستقل.

كما أفادت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، بأن القوات الأمنية نفذت مداهمات إضافية في مناطق متفرقة من العاصمة، وسط أنباء عن اعتقال مسؤول رفيع ومداهمة منزل مسؤول بارز في حكومة سابقة، دون تأكيد رسمي.

وقال مسؤول أمني إن ما جرى يمثل «حملة اعتقالات» استهدفت شخصيات مطلوبة بموجب مذكرات قضائية.

وتداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها تظهر إغلاق بوابات المنطقة الخضراء وانتشار دبابات ومدرعات داخلها، إلا أنه لم يتسنَّ التحقق من صحة تلك المقاطع بشكل مستقل.

اعترافات الجميلي

تأتي الحملة بعد أسابيع من توقيف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير عام شركة «مصافي الشمال» ومصفاة بيجي، عدنان الجميلي، في محافظة صلاح الدين، في قضية تعدّ من أبرز ملفات الفساد التي فتحتها السلطات العراقية خلال الفترة الأخيرة.

وكان قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية أعلن الأسبوع الماضي، استمرار التحقيقات في القضية، مشيراً إلى ارتفاع قيمة الأموال المضبوطة إلى 10 ملايين دولار و31 مليار دينار عراقي، بعد ضبط مبالغ إضافية وإحباط محاولة تهريب 5 مليارات دينار.

وقال عضو لجنة النزاهة البرلمانية حامد الفتلاوي، إن التحقيقات في قضية الجميلي لا تزال سرية، مضيفاً أنه «لا يوجد حتى الآن أي إعلان رسمي بأسماء المعتقلين، لكن تم اعتقال مسؤولين سياسيين ونؤكد ذلك، كما أن هناك أسماء وردت في التحقيقات لم تُكشف إلى الآن، والتحقيقات مستمرة منذ 15 يوماً».

وأضاف أن لجنة النزاهة تدعم مسار الحكومة في مكافحة الفساد، معتبراً أن الحملة الحالية تمثل «اختلافاً جذرياً» في استهداف كبار المسؤولين، داعياً إلى عدم الرضوخ لأي ضغوط سياسية قد تعرقل التحقيقات.

وفي ردود الفعل السياسية، قال رئيس «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، إنه «يدعم رئيس الوزراء والقضاة في حملة لملاحقة الفاسدين الذين عبثوا بأموال الشعب العراقي»، مؤكداً أهمية «ترسيخ العدالة ومحاسبة كل من أساء الأمانة».

من جانبه، دعا رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، لأن تكون «مكافحة الفساد شاملة ومستمرة، وغير خاضعة للتوازنات السياسية أو المصالح الضيقة، وأن يخضع الجميع للمعيار»، مشدداً على «إنهاء الفوضى والمحاصصة والتخادم، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون».

وطالب العبادي، الجميع، بـ«دعم هذه الإجراءات، تأييداً للإصلاح، وترسيخاً للأمانة الشرعية والوطنية والأخلاقية».

إلا أن «ائتلاف الإعمار والتنمية» الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، حذر مما وصفها بـ«حملات التشويه» وتداول المعلومات المغلوطة من قبل الفاسدين، وذلك في معرض تعليقه على حملة الاعتقالات التي طالت مسؤولين متهمين بالفساد.

وأكد الائتلاف «مساندته لمسار إحالة الملفات المتعلقة بقضايا مكافحة الفساد إلى القضاء، والسير بها وفق الأطر الدستورية والقانونية، بما يرسخ مبدأ المساءلة والمحاسبة، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية».

أفراد من الأمن العراقي يطوِّقون أحد المنازل داخل المنطقة الخضراء فجر يوم 28 يونيو 2026 (إكس)

الحصانة البرلمانية

تزامنت الاعتقالات مع إجراءات قانونية خاصة بالحصانة البرلمانية. وقال مصدر برلماني لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة قدمت إلى القضاء قائمة بأسماء عدد من النواب المطلوب رفع الحصانة عنهم، مضيفاً أن رئيس مجلس النواب وافق على رفع الحصانة خلال العطلة التشريعية، وقبل سفره إلى القاهرة للمشاركة في مؤتمر البرلمان العربي.

وأوضح الخبير القانوني سيف السعدي لـ«الشرق الأوسط»، أن المادة (63) من الدستور تنظم إجراءات رفع الحصانة، مبيناً أن اعتقال النائب خارج الفصل التشريعي يتطلب موافقة رئيس مجلس النواب إذا كان متهماً بجناية، ما لم يكن متلبساً بالجريمة.

وأضاف أن قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (90/اتحادية/2019) قصر الحاجة إلى موافقة البرلمان أو رئيسه على حالات محددة تتعلق بالجنايات غير المشهودة، بما يسمح باتخاذ إجراءات قانونية مباشرة في قضايا أخرى.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (رويترز)

دعم سياسي وتحذيرات

قال رئيس هيئة النزاهة الأسبق موسى فرج لـ«الشرق الأوسط»، إن الاعتقالات الحالية تمثل حصيلة ملف فساد واحد مرتبط باعترافات الجميلي، مرجحاً استمرار الحملة واتساعها خلال الفترة المقبلة.

وأضاف أن الحملة أظهرت أن الاعتقالات شملت سياسيين من مكونات مختلفة، نافياً أن تكون مقتصرة على طرف سياسي بعينه.

وفي سياق متصل، نقلت تقارير محلية أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، بعث برسالة إلى رئيس الوزراء أعلن فيها دعمه الكامل لاستمرار حملة مكافحة الفساد ومحاسبة جميع المتورطين، بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم، إلا أن هذه الرسالة لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من مكتب الصدر.

من جانبه، قال المحلل السياسي نزار حيدر لـ«الشرق الأوسط»، إن السلطات تمتلك قائمة تضم نحو ألف مسؤول بدرجة مدير عام فما فوق، يشتبه بتورطهم في قضايا فساد منذ عام 2003، مضيفاً أن القائمة استندت، بحسب قوله، إلى معلومات ووثائق قدمتها وزارة الخزانة الأميركية.

وأضاف أن رئيس الوزراء أبلغ مسؤولين التقاهم، بأن حملة مكافحة الفساد «لن تتوقف عند أحد»، لكنه اعتبر أن تفكيك شبكات الفساد المتراكمة «لن يتحقق خلال أسابيع أو أشهر»، واصفاً الاعتقالات الحالية بأنها «الخطوة الأولى على طريق طويل».

بدوره، قال رئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكومة الزيدي تسعى لإثبات مصداقيتها في ملف مكافحة الفساد، خصوصاً أن الاعتقالات شملت شخصيات مؤثرة ومهمة سياسية، وربما هذا يكون تمهيداً لاعتقالات لاحقة»، مرجحاً «تغييراً في موازين القوى السياسية الداخلية، خصوصاً إذا طالت الحملة رؤوساً كبيرة».

وتعدّ مكافحة الفساد أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003؛ إذ تحتل البلاد مراتب متأخرة في مؤشرات الشفافية الدولية، بينما تعهدت حكومة الزيدي بجعل هذا الملف أولوية رئيسية، في وقت يترقب فيه الشارع العراقي نتائج التحقيقات، وما إذا كانت ستقود إلى محاكمات وإدانات بحق مسؤولين كبار.