«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة

الحزب الفاشي الجديد... انتقل من بدايات انشقاقية متواضعة

«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة
TT

«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة

«إخوان إيطاليا» يسعون إلى السلطة

ثمّة تعبير يعشقه الإيطاليون في لغتهم ويحلو لهم استخدامه في الأحاديث التي تدور حول سباق السيارات والمنافسات الرياضية، وصراعات الأحزاب في المشهد السياسي الذي يتبدّل وتتغيّر تحالفاته باستمرار. هذا التعبير هو «سورباسو» Sorpasso الذي يدلّل على تجاوز أحد المتبارين خصومه، والذي كان أيضاً عنواناً لأحد أشهر الأفلام السينمائية التي أخرجها دينو روسّي مطالع ستينات القرن الفائت ومرجعاً فنّياً لما يعرف بالكوميديا الإيطالية، وانتقل بصيغته الأصلية إلى اللغات اللاتينية الأخرى لشدة دلالته. منذ مطلع هذا الأسبوع يكثر استخدام هذا المصطلح لتوصيف المشهد السياسي اليميني في إيطاليا، بعد الانتخابات البلدية الأخيرة التي أجريت يوم الأحد الفائت وأسفرت، كما توقعت الاستطلاعات، عن فوز تحالف اليمين الوسط بفارق غير كبير عن الأحزاب التقدمية واليسارية. إلا أن الجديد اللافت كان تصدّر حزب الفاشيين الجدد «إخوان إيطاليا» الأحزاب اليمينية، متجاوزاً حزب «فورتسا إيطاليا» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلوسكوني، بل مضاعفاً نتائج حزب «الرابطة» الذي يرأسه ماتّيو سالفيني. وكان هذا الأخير لأشهر قليلة خلت يتزعّم التحالف اليميني، ويتطلّع للوصول إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات العامة في ربيع العام المقبل.
في نهاية العام 2012 قرّر وزير الدفاع الإيطالي الأسبق إيغناسيو دي لا روسّا، المنسّق العام لحزب «شعب الحرية»، الانشقاق عن الحزب الذي كان يتزّعمه سيلفيو برلوسكوني. وعقبه بعد أيام قليلة انشقاق آخر بقيادة جيورجيا ميلوني يضمّ الجناح اليميني الذي كان يجمع الأعضاء السابقين في حزب «الحلف الوطني»، الذي بدوره قام على أنقاض «الحركة الاجتماعية الإيطالية» الفاشية التي كانت تعتبر نفسها الوريثة الشرعية للحزب الفاشي الذي أسسه بنيتو موسوليني.
وقبل انقضاء أسبوع واحد على ذلك الانشقاق المزدوج - الذي تبيّن لاحقاً أنه حصل بتنسيق تام بين الطرفين - قرّر التيّاران المنشقّان تشكيل كتلة برلمانية واحدة تضمّ 10 أعضاء في مجلس الشيوخ، وخوض الانتخابات التشريعية في العام التالي تحت اسم «إخوان إيطاليا»، أو «فراتيلي ديتاليا». وهذا الاسم الذي اختارته ميلوني مقتبس من البيت الأول للنشيد الوطني الإيطالي الذي وُضع أواسط القرن التاسع عشر بعد توحيد إيطاليا على يد جيوزيبي غاريبالدي.

شعار حزب «إخوان إيطاليا»

- بداية متواضعة لـ«الإخوان»
في تلك الانتخابات التي فاز بها تحالف الأحزاب اليسارية بقيادة الحزب الديمقراطي بغالبية ساحقة، لم يحصل «إخوان إيطاليا» سوى على 9مقاعد في مجلس الشيوخ و11 مقعداً في مجلس النواب. وبالتالي، بقي لسنوات حزباً ثانوياً على هامش الائتلاف اليميني الذي كان يقوده برلوسكوني قبل أن ينضمّ إليه حزب «الرابطة» (الانفصالي سابقاً) الذي كان نشاطه يقتصر على مقاطعات الشمال، وكان قد أسس أصلاً بهدف المطالبة باستقلالها عن إيطاليا.
وبعدها، في انتخابات العام 2018 فازت حركة «النجوم الخمس» بالمركز الأول، وتلاها حزب «الرابطة» بزعامة ماتّيو سالفيني الطامح إلى قيادة المعسكر اليميني الذي كان لواء زعامته معقوداً لبرلوسكوني منذ سنوات، بينما لم يحصل «إخوان إيطاليا» على أكثر من 4.3 في المائة من الأصوات. وهكذا، ظل لاعباً ثانوياً في المشهد السياسي الذي كان سالفيني يحدد أجندته اليمينية من موقعه وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الحكومة التي ولدت من الائتلاف بين «الرابطة» وحركة «النجوم الخمس»... التي كانت فرضت لرئاستها أستاذ الحقوق جيوزيبي كونتي، رغم عدم انتمائه للحركة، ولا عضويته في البرلمان.

جيورجيا ميلوني  -  ماتيو سالفيني

- حكومة ماريو دراغي
عندما سقطت حكومة كونتي الثانية بعد المناورة الفاشلة التي قام بها سالفيني، طارحاً الثقة بالوزارة - التي كان أحد أبرز أعضائها - بهدف فرض إجراء انتخابات مبكرة كانت الاستطلاعات ترجّح فوزه بها، ألقى رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلّا بكامل ثقله لإقناع الحاكم السابق للمصرف المركزي الأوروبي ماريو دراغي بقبول تشكيل حكومة ائتلافية واسعة. وكان هدف رئيس الجمهورية تحاشي إجراء انتخابات عامة في ذروة جائحة «كوفيد 19» والانقسامات السياسية الحادة التي كانت تنذر بخلافات عميقة بين الأحزاب يمكن أن تحرم إيطاليا من الاستفادة من حصة الأسد التي حصلت عليها من صندوق الإنعاش، الذي كان أقره الاتحاد الأوروبي لمساعدة الدول الأعضاء على النهوض من تداعيات الجائحة.
وعندما فرض دراغي شروطه لتأليف الحكومة الائتلافية بمشاركة جميع أطياف الكتل البرلمانية وتعهدها بتأييد البرنامج الحكومي، وقبلت «الرابطة» الانضمام إلى الوزارة الجديدة والتعهد بألا تعرقل أعمالها، أدركت جيورجيا ميلوني، زعيمة «إخوان إيطاليا» أنها أمام فرصة توسيع قاعدتها الشعبية بين الناقمين الكثيرين على فشل الأحزاب السياسية التقليدية في التوافق على تكليف رئيس للحكومة من داخل البرلمان، واللجوء - للمرة الثالثة على التوالي - إلى اختيار شخصية لم يسبق لها أن خاضت انتخابات أو تولّت مناصب عامة.
- قيادة المعارضة اليمينية
لذا رفضت ميلوني الانضمام إلى الحكومة الائتلافية التي ضمّت جميع الأطياف الممثلة في البرلمان. وبقي حزبها «إخوان إيطاليا» وحده في المعارضة متفرّداً بانتقاد الحكومة، التي حظيت بتأييد واسع في المرحلة الأولى بعد تأليفها، لكنها سرعان ما بدأت شعبيتها تتراجع بفعل التناقضات العميقة والتضارب في مصالح الأحزاب التي تشكّلها.
في موازاة ذلك، كانت شعبية «إخوان إيطاليا» تصعد باطّراد في استطلاعات الرأي، وتتقدّم ميلوني على زعماء الأحزاب الأخرى، وبالأخص، على حساب سالفيني الذي فشل غير مرة في محاولاته إنشاء اتحاد للقوى والأحزاب اليمينية يستثني ميلوني. إذ كان يدرك أنها تشكّل وحدها الخطر الداهم على شعبيته وزعامته للمشهد اليميني المتقدّم بخطى ثابتة للفوز في الانتخابات التشريعية المقبلة.
أما ميلوني، فبعدما تيقّنت من صعود شعبية حزبها، وتجاوزها «الرابطة» في جميع الاستطلاعات، قررت أن تخوض منفردة الانتخابات البلدية التي أجريت دورتها الأولى يوم الأحد الفائت، رافضة التحالف مع القوى اليمينية الأخرى حتى في المعاقل التي كان مضموناً فيها فوز التحالف. وجاءت النتائج لتؤكد صواب خيار «إخوان إيطاليا» الذي فاز وحده بما يعادل نتائج الأحزاب اليمينية الأخرى مجتمعة. وبالتالي، رسّخ موقعه في صدارة المشهد اليميني، واضعاً جيورجيا ميلوني على أبواب رئاسة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة... لتكون أول امرأة تتولاها في تاريخ إيطاليا.
- المزاج الشعبي... وأوكرانيا
تكمن أهمية هذه الانتخابات البلدية التي تجري قبل سنة تقريباً من الانتخابات العامة، في أنها تحدد المزاج السياسي الشعبي، وغالباً ما تطابق نتائجها تلك التي تسفر عنها الانتخابات التشريعية اللاحقة. وفي حين استوعبت كل الأحزاب السياسية أن الفاشيين الجدد بزعامة ميلوني أصبحوا قاب قوسين من رئاسة حكومة الجمهورية التي قامت على أنقاض النظام الفاشي - الذي يحظره الدستور الإيطالي ويمنع الدفاع عنه - يحاول سالفيني الآن تجاهل هذا الواقع الجديد. وهذا، مع أن حزب «إخوان إيطاليا» زادت شعبيته في جميع معاقل الرابطة، ولم يعد مستبعداً انكفاؤه إلى المقاطعات الشمالية، كما تطالب القيادات التقليدية التي كان سالفيني أبعدها بعد تولّيه زعامة الحزب... وقراره التمدد في جميع المناطق الإيطالية.
الواقع أنه بعد هذه الانتخابات، بات هامش المناورة أمام زعيم «الرابطة» محدوداً جداً، ولا سيما أن ميلوني تنشط في الملعب نفسه وبالأدوات ذاتها التي وفّرت لسالفيني شعبيته وصعوده في السنوات المنصرمة... مثل الشعارات المناهضة للهجرة والتنظيمات الإسلامية وحقوق المثليين، ورفض الانصياع لمشيئة المؤسسات الأوروبية والنظام المالي العالمي.
يضاف إلى ما سبق أن ميلوني أصابت في اختيار موقعها من الحرب الروسية الأوكرانية. إذ أيدت موقف الحلفاء الغربيين، ودعت إلى تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من الأسلحة لمواجهة الغزو الروسي، في حين يدفع سالفيني ثمن علاقاته الوطيدة مع موسكو، وتصريحاته التي كان يعرب فيها عن إعجابه الشديد بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وللعلم، دخل سالفيني مرة مبنى البرلمان الأوروبي وهو يرتدي قميصاً عليه صورة زعيم الكرملين، ولقد ذكّره بها المتظاهرون الذين كانوا يحتجون على زيارته أخيراً أحد مراكز استقبال النازحين الأوكرانيين في بولندا.
ولا شك في أن موقف ميلوني من الحرب الأوكرانية كان الدافع وراء اختيار الحزب الجمهوري الأميركي لها ودعوتها لحضور مهرجانه الانتخابي الأخير وإلقاء كلمة فيه، على حساب سالفيني الذي كان يجهر إعجابه بالرئيس السابق دونالد ترمب وكان قد أعلن دعمه لإعادة انتخابه.
- تساؤلات... وهواجس
في أي حال، السؤال المطروح اليوم في الدوائر الأوروبية التي تراقب بقلق صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة، وتتوجّس من احتمال وصول الفاشيين الجدد إلى الحكم في إيطاليا هو التالي؛ ما هو المنسوب الحقيقي للموروث الفاشي في برنامج «إخوان إيطاليا»... وقدرة هذا الحزب - أو استعداده - على ضرب دعائم المشروع الأوروبي من الداخل في دولة وازنة مثل إيطاليا؟
إذ تواجه المجتمعات الديمقراطية صعوبة متزايدة في التعامل مع الطفرات الفاشية، أو «الفاشية الجديدة»، لأن هذه تتغذّى من التصادم بين الحق في حرية التعبير والحق المشروع أيضاً في أن يحمي المجتمع نفسه من الحركات المتعصبّة والعنيفة التي تهدف، في نهاية المطاف، إلى تقويض النظام الديمقراطي لتسود على أنقاضه.
وفعلاً تشهد بلدان أوروبية كثيرة منذ سنوات «صحوة» لهذه الحركات والتيارات التي تستغلّ الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تنشأ عن الأزمات، مثل الانهيار المالي في العام 2008 وجائحة «كوفيد 19»، وغالباً ما تنخرط في المظاهرات الاحتجاجية متماهية مع مطالبها. جدير بالذكر أن الدستور الإيطالي ينصّ في مادته الـ12 على حظر إعادة بناء الحزب الفاشي، الذي أسسه بنيتو موسوليني عام 1921 ولا يزال إرثه من أبشع الصفحات في التاريخ الإيطالي. وليست هذه المادة الدستورية مجرد «إعلان نيات» يهدف إلى طي صفحة الماضي الفاشي، بل هي وسيلة للدفاع عن النظام الديمقراطي الذي قام في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، تضع خارج إطار الشرعية كل حزب يستخدم العنف، أو يهدد باستخدامه، لتحقيق أهدافه السياسية، كما يمنع استخدام أي شعارات فاشية.
- الفاشية وليدة الأزمات
طبعاً، العالم اليوم يختلف عما كان عليه في العقود الثلاثة الأولى من القرن الماضي الذي شهد قيام الحركات الفاشية وازدهارها من «إيطاليا موسوليني» إلى «ألمانيا هتلر» و«إسبانيا فرنكو» و«برتغال سالازار». لكن كثيرين لا ينسون أن تلك الحركات إنما تولّدت من رحم الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تشبه إلى حد كبير الظروف الراهنة التي نشأت عن أزمات متلاحقة توّجتها جائحة «كوفيد 19» قبل أن تنشب الحرب في أوكرانيا. وكانت هذه الظروف الأرض الخصبة التي نمت فيها الحركات اليمينية المتطرفة لتصل إلى الحكم وتبدأ بتنفيذ برامجها وخططها العنصرية بتأييد شعبي واسع. ويضاف إلى ذلك أن أزمة الهجرة التي تتعاقب على أوروبا منذ سنوات ساهمت بنسبة كبيرة في صعود شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة التي كانت هامشية جداً قبلها، وأوصلت بعضها إلى السلطة في حكومات ائتلافية.
«إخوان إيطاليا» يدركون جيداً أن الذي كان ممكناً في أوروبا مطالع القرن الماضي بات اليوم مستحيلاً تسويقه لبلوغ سدّة الحكم في بلدان الاتحاد الأوروبي، الذي تحدد معاهداته شروطاً ملزمة للعمل السياسي واحترام حقوق الإنسان وصلاحيات الأجهزة القضائية. وهو الأمر الذي دفع الحزب اليميني خلال الأشهر الأخيرة إلى الجنوح نحو برنامج معتدل - في الداخل والخارج - عندما تيقّن أنه بات قاب قوسين من قيادة المشهد السياسي اليميني والوصول إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات العامة المقبلة. وفي هذا السياق، كان سالفيني قد حاول في الفترة الأخيرة إقصاء «إخوان إيطاليا» عن مشروع لتشكيل تحالف يضمّ الأحزاب والقوى المحافظة، بحجة أنه الحزب الوحيد خارج الحكومة وهو ما يتيح للتحالف اتخاذ مواقف موحّدة من الأداء الحكومي، والاتفاق على أن يتولّى الحزب الذي يفوز بأعلى نسبة في الانتخابات المقبلة رئاسة الحكومة.
غير أن برلوسكوني، الذي ما زال يرفض مجرد التفكير بخلف له، تباطأ في التجاوب مع دعوة سالفيني، فيما كانت شعبية ميلوني تصعد في استطلاعات الرأي، وبخاصة على حساب زعيم «الرابطة»، إلى أن أصبح وجودها حتمياً داخل التحالف، وحظوظها راجحة في قيادته بعد الانتخابات.
ومع جنوح سالفيني نحو مزيد من التطرف لاستعادة شعبيته المتراجعة، كانت ميلوني تميل أكثر إلى الاعتدال مستقطبة مزيداً من الدعم بين أنصار حركة «النجوم الخمس» التي أخذت تتصدّع تحت وطأة الخلافات، والنزاعات بين التيارات الكثيرة داخلها. ثم إن ميلوني تقترب الآن حالياً بثبات من مراكز القرار الاقتصادي والمالي التي لم تشعر أبداً بالارتياح للمواقف العدائية التي كان سالفيني يجهر بها ضد الاتحاد الأوروبي ومؤسساته... التي لا غنى للاقتصاد الإيطالي عن مساعداتها.
رمزية ميلانو الخاصة... في حسابات جيورجيا ميلوني
> اختارت جيورجيا ميلوني «تقديم بطاقة التعريف الجديدة» لحزبها في المؤتمر الأخير، الذي عقده مطالع الشهر الفائت، في مدينة ميلانو.
وراء هذا الاختيار رمزية شديدة الوضوح والتحدي، ليس فقط لكونها العاصمة الاقتصادية لإيطاليا، بل هي أيضاً مسقط رأس كل من ماتيو سالفيني وسيلفيو برلوسكوني ومعقلهما السياسي. وفي هذه المدينة سجّلت شعبية «إخوان إيطاليا» صعوداً كبيراً في الفترة الأخيرة، مع أن منبَته كان في روما وجذوره في وسط إيطاليا وجنوبها. وأمام الانهيار المتواصل الذي يعاني منها حزب «فورتسا إيطاليا»، الممتنع زعيمه برلوسكوني عن اختيار خلف له رغم تجاوزه الخامسة والثمانين من العمر، والانحدار السريع لـ«الرابطة» وافتقاره لوجهة عقائدية واضحة بعد الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها سالفيني، ظهرت ميلوني وحدها القادرة على قيادة المشهد اليميني. وهي عملياً تقول لحليفيها إنهما إذا كانا يريدان الوصول إلى الحكم عن طريق التحالف، لا بد لهما من مواكبتها... وهي وحدها في موقع القيادة.
لكن المشكلة هنا أن العلاقات تدهورت كثيراً خلال الأشهر المنصرمة بين أطراف التحالف اليميني، وبالأخص، بعد تضارب مواقفهم خلال انتخاب رئيس الجمهورية، وتباعدها إزاء الحرب في أوكرانيا ومواصلة تزويد كييف بالأسلحة. ومن المرجّح أن يتعمّق الخلاف أكثر بعد قرار موسكو استخدام سلاح الغاز الذي يعتمد عليه الاقتصاد الإيطالي بنسبة عالية، ولا سيّما أن «الرابطة» كانت ألمحت مراراً إلى ضرورة وقف مسلسل العقوبات الأوروبية ضد روسيا، بل عرض سالفيني الذهاب إلى موسكو للوساطة.
لذا يسعى برلوسكوني منذ أيام إلى التخفيف من حدة الخلافات داخل التحالف، لأن تماسكه ووحدة صفه وتقديمه لوائح مشتركة خطوة أساسية في الانتخابات المقبلة، بحكم القانون الانتخابي الذي يعتمد نظام الغالبية، والذي يجازي الأحزاب والتحالفات الكبرى على حساب الأحزاب الصغيرة واللوائح المنفردة.
ولأن ميلوني مهتمة بترسيخ تجاوزها لحزب «الرابطة»، بقدر ما هي مهتمة بتجاوز الحزب الديمقراطي (أقوى مكونات اليسار)، ليصبح «إخوان إيطاليا» الكتلة الأولى في البرلمان، فإنها تسعى منذ فترة إلى إقصاء الجيوب المتطرفة التي ما زالت تحنّ إلى جذورها الفاشية، أو إلى عزلها. وكانت قد قررت للمرة الأولى في تاريخ «الفاشيين الجدد» المشاركة في العيد الوطني الذي تحتفل به إيطاليا في 25 أبريل (نيسان) بمناسبة تحرير البلاد من الفاشية والنازية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.