المبعوث الأميركي للأمن الغذائي: 3 عوامل تهدد غذاء العالم... و200 مليون معرّضون للجوع

فاولر قال لـ«الشرق الأوسط» إن 45 % من أطفال اليمن يعانون من التقزم

د. كاري فاولر (موقعه الخاص)
د. كاري فاولر (موقعه الخاص)
TT

المبعوث الأميركي للأمن الغذائي: 3 عوامل تهدد غذاء العالم... و200 مليون معرّضون للجوع

د. كاري فاولر (موقعه الخاص)
د. كاري فاولر (موقعه الخاص)

«نسحب الطعام من أفواه الأطفال الجوعى، لنُطعم الأكثر جوعا». شهادة نقلها كاري فاولر، المبعوث الأميركي الخاص للأمن الغذائي، عن أحد موظفي برنامج الغذاء العالمي، وتعكس في نظره معضلة الغذاء التي يواجهها العالم اليوم.
قال فاولر في حوار مع «الشرق الأوسط» إن حرب أوكرانيا عرّضت 40 مليون شخص إضافي لانعدام الأمن الغذائي، ليصبح 200 مليون شخص مهددا بالجوع الحاد حول العالم. وشدد فاولر، الذي عينه وزير الخارجية أنتوني بلينكن مبعوثا خاصا قبل شهر واحد، على «الحاجة إلى بناء أنظمة غذائية أكثر مرونة، تعزز قدرة الدول على التعامل مع الصدمات».
ودق المسؤول الأميركي ناقوس الخطر جراء تداعيات انعدام الأمن الغذائي على دول أفريقيا والشرق الأدنى وجنوب آسيا، لافتا إلى أن 45 في المائة من أطفال اليمن يعانون اليوم من التقزم.
كما أشاد بدور «قبو سفالبارد للبذور» في الحفاظ على السلالات النباتية حول العالم، وحمايتها من تداعيات الكوارث الطبيعية والحروب، مذكرا بنجاح تجربة حماية احتياطيات «بنك بذور» كان مقره في حلب السورية.
- أزمة متفاقمة
يقول فاولر، وهو خبير زراعي مخضرم: «كانت هناك أزمة غذاء عالمية قبل الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لكن الحرب أدت إلى تفاقم الوضع. والدول الأكثر عرضة لتداعياتها هي الدول في نهاية السلسلة الغذائية»، مشيرا بشكل خاص إلى أفريقيا جنوب الصحراء ودول في الشرق الأدنى وجيوب في جنوب آسيا وآسيا. ويرى فاولر أن حرب أوكرانيا سلطت الضوء على الترابط بين أنظمة العالم الغذائية. «لدينا سوق عالمية، والاضطرابات في جزء واحد من العالم يمكن أن تتسبب في حدوث آثار متشعبة في جميع أنحاء العالم. في هذه الحالة بالذات، أدرك العالم أهمية أوكرانيا للأمن الغذائي العالمي. فهي مُصدر رئيسي للحبوب والقمح والذرة وزيت دوار الشمس، وهو زيت نباتي رئيسي للطهي وعدد من الأغراض الأخرى»، لافتا إلى أن أوكرانيا تحتل المرتبة الخامسة في جميع هذه الفئات من حيث الصادرات العالمية.
ونوه المسؤول الأميركي أن جزءا كبيرا من هذه المواد الغذائية كان يُصدر تاريخيا إلى أفريقيا والشرق الأدنى. «تعطلت هذه الإمدادات الغذائية بسبب الحرب، وبدأنا نشهد عواقبها الآن، الأمر الذي يدفع على الأرجح بـ40 مليون شخص إضافي إلى فئة انعدام الأمن الغذائي، لتجاوز إجمالي الأشخاص الذين يعانون منه 200 مليون حول العالم».
- سبل تخفيف حدة الأزمة
«يمكن التسبب في أزمة غذاء عالمية بين عشية وضحاها – كما أظهر لنا السيد بوتين - لكن من الصعب حل أزمة الغذاء هذه بالسرعة نفسها». وأوضح فاولر أن ذلك يستلزم «انتظار موسم حصاد جديد للحصول على إمدادات إضافية».
ونوه المبعوث الأميركي إلى ضرورة الاستثمار في المساعدات الإنسانية على المدى القصير، لافتا إلى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في هذا الإطار خلال الأشهر القليلة الماضية، مشددا في الوقت نفسه على «الحاجة إلى بناء أنظمة غذائية أكثر مرونة، حيث تصبح الدول أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات».
- ثلاثية خطيرة
حدد المبعوث الأميركي ثلاثة عوامل أساسية تفاقم انعدام الأمن الغذائي، هي «التغير المناخي، والصراعات والجائحة». وتوقف فاولر عند المناخ، فقال: «نشهد اليوم ظواهر مناخية غير مسبوقة تاريخيا، مع درجات حرارة عالية لسنوات متتالية، دون انقطاع، مشيرا إلى أن «محاصيلنا الزراعية ليست مهيأة لهذه الظروف المناخية».
ورهن المسؤول الأميركي ضمان الأمن الغذائي في المستقبل بالتأقلم مع متطلبات مناخ المستقبل. وقال: «يتطلب ذلك الاستثمار. فالولايات المتحدة لديها رؤية طويلة المدى في هذا المجال، شجعتها على الاستثمار في (مبادرة غذاء المستقبل)، التي تسعى لدعم المزارعين على تحسين نظم الزراعة الخاصة بهم، ومساعدتهم في حل مشاكل المياه، وتعزيز أنواع المحاصيل التي تتحمل الجفاف».
- الحمائية الغذائية
في وجه تراجع إمدادات الغذاء، تتجه بعض الدول نحو سياسات حمائية تحد من تصدير أصناف غذائية. وأثار قرار الهند، الشهر الماضي، حظر تصدير القمح استياء حول العالم، وتسبب برفع أسعار هذه المادة الغذائية الأساسية.
وفي تعليقه على هذا القرار، قال فاولر: «نود أن نرى عالما تكون فيه التجارة أكثر حرية ولا تخضع لهذا النوع من القيود». وأضاف «تتسبب هذه القيود في انعدام اليقين في الأسواق العالمية»، لافتا إلى أنه غداة قرار الهند، ارتفعت أسعار القمح في السوق المفتوحة بأكثر من 5 في المائة.
واعتبر فاولر أن هذا النوع من القرارات يشوش خطط الدول، خاصة الفقيرة منها، كما يعقد عمل منظمات مثل برنامج الغذاء العالمي، الذي تعاني ميزانيته المخصصة للغذاء بسبب ارتفاع الأسعار.
- تقزم الأطفال
تعتمد المنظمات المهتمة بالغذاء معايير مختلفة لقياس مستويات الأمن الغذائي ونجاعة برامجها في تعزيزه.
ويعتبر فاولر مقياس «تقزم الأطفال»، الذي اختارته مبادرة غذاء المستقبل الأميركية والتي يساهم في الإشراف عليها كعضو في «المجلس الأميركي للتنمية الدولية للأغذية والزراعة»، «بسيطا» و«فعالا». ويقول: «تعاني دولة مثل اليمن من مستويات مرتفعة للغاية من تقزم الأطفال، تعادل 45 في المائة. فإذا نجحنا في تخفيض هذه النسبة، فسوف نكون نجحنا في تطوير النظام الغذائي في هذا البلد».
- قبو سفالبارد... والتجربة السورية
وصف وزير الخارجية الأميركي الدكتور فاولر بـ«عراب قبو سفالبرد العالمي للبذور»، وذلك نسبة لدوره في تأسيس بنك بذور فريد من نوعه، يقع في أرخبيل سفالبارد بالقطب الشمالي.
وقال فاولر: «تُوفر بنوك البذور المواد الأساسية لتربية سلالات نباتية تنتج أصناف بذور محسنة وذات إنتاجية أعلى، من الذرة والقمح وغيرها من المحاصيل. إلا أن بنوك البذور، كغيرها من المباني، معرضة للكوارث الطبيعية، وتأثيرات الحرب - كما يحصل اليوم في أوكرانيا، ما يهدد بفقدان أصناف نباتية فريدة».
ومن هنا استلهم فاولر فكرة تأسيس أكبر مرفق لتخزين احتياطات البذور في العالم، وأوضح: «عملت مع حكومة النرويج على إنشاء منشأة آمنة، في منطقة جبلية بالقرب من القطب الشمالي، تتيح تخزين نسخ من مجموعات البذور المختلفة في دول العالم».
وجاء أول اختبار لـ«قبو سفالبارد» استجابة لتداعيات الحرب السورية. ففي عام 2008 خزن المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا)، والذي كان مقره في تل هادية بالقرب من حلب، نسخا من مجموعة بذوره في القبو القطبي. وأعادت «منشأة سفالبارد» مجموعات البذور في عام 2015 لباحثي «إيكاردا» عقب انتقالهم إلى بيروت ومراكز أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتكون هذه المرة الأولى التي يفتح أبوابه لنقل سلالات بذور إلى الخارج. وقال فاولر إن «المرة الأولى التي اضطررنا فيها إلى سحب البذور من هذه المنشأة، كانت بعدما غادر (إيكاردا) مقره الذي كان يقع في حلب بسبب الحرب».
وتابع: «كنا قد حصلنا على نسخ من البذور (التي كان يدرسها باحثو المركز)، وحافظنا عليها بقبو سفالبارد، ثم أعدنا إرسالها لمراكز الأبحاث الموجودة في لبنان والمغرب، حتى تواصل عملها في تربية سلالات نباتية».


مقالات ذات صلة

«الأغذية العالمي»: لبنان يواجه أزمة أمن غذائي حادة جراء الحرب

المشرق العربي أطفال نازحون يتدافعون للحصول على الطعام المتبرع به بجانب الخيام التي يستخدمونها ملاجئ بعد فرارهم من القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان... بيروت 9 أبريل 2026 (أ.ب)

«الأغذية العالمي»: لبنان يواجه أزمة أمن غذائي حادة جراء الحرب

قال برنامج الأغذية العالمي، الجمعة، إن لبنان يواجه أزمة أمن غذائي حادة، نتيجة لتعطيل الحرب لإمدادات السلع للبلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد سفن وقوارب قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية التي تطل على مضيق هرمز (رويترز)

تحذير دولي من أزمة أمن غذائي عالمية وشيكة

أطلق رؤساء كبرى المؤسسات المالية والإنسانية الدولية صرخة تحذير من تداعيات الأزمات الجيوسياسية الراهنة على استقرار الغذاء في العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)

خاص صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

يواصل صندوق التنمية الزراعية السعودي خطواته لتعزيز الأمن الغذائي واستدامة القطاع الزراعي، عبر رفع معدلات الاكتفاء الذاتي وتعزيز المخزون الاستراتيجي.

سعيد الأبيض (جدة)
الاقتصاد رجل في سوبر ماركت بمدينة كامبريدج باي في كندا (رويترز)

«الفاو» تُحذّر من ارتفاع أسعار الغذاء العالمية إذا استمرت حرب إيران

قالت منظمة «الفاو» إن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في مارس لأعلى مستوى لها منذ سبتمبر 2025، وقد ترتفع أكثر من ذلك إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

خاص ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

موفق محمد (دمشق)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.