صاحب سلسلة «ماد ماكس» لـ«الشرق الأوسط»: على الفيلم تجسيد حالات إنسانية بأبعاد مختلفة

‬بحث عن شيء مختلف ووجده في «3000 سنة»

المخرج الأسترالي جورج ميلر
المخرج الأسترالي جورج ميلر
TT

صاحب سلسلة «ماد ماكس» لـ«الشرق الأوسط»: على الفيلم تجسيد حالات إنسانية بأبعاد مختلفة

المخرج الأسترالي جورج ميلر
المخرج الأسترالي جورج ميلر

يحط المخرج الأسترالي جورج ميلر السنة الحالية، في «كان» من دون ماد ماكس. العلاقة هي أنه في آخر مرّة جاء فيها إلى هذا المهرجان، اصطحب معه الجزء الرابع من السلسلة تحت عنوان «ماد ماكس: طريق الغضب». كان ذلك في عام 2015 والفيلم، كما يعرفه الجميع، كان فانتازيا تقع أحداثها في مستقبل غير بعيد على الإنسان، حيث يدافع عن نفسه ضد أشرار بلا رادع من أي نوع. فانتازيا عنيفة قادها توم هاردي وتشارليز ثيرون.
هذه المرّة ليس من حلقة خامسة من هذا المسلسل، لكن هذا لا يعني أن فيلمه الجديد «3000 سنة من الشوق» ليس فانتازياً بحد ذاته.
تيلدا سوينتن تؤدي دور المرأة التي غرفت من أدب الروايات كل ما استطاعت الوصول إليه. لديها قناعة بأنها تعرف كل الحكايات ولم يعد هناك جديد تحت الشمس، إلى أن فوجئت بجن (إدريس ألبا) يخرج لها عارضاً تلبية ثلاثة طلبات. لكن هذا كله ليس سوى مدخل لحكاية عاطفية تنتقل في أرجاء الأزمنة والأماكن، مقتبسة عن رواية «الجن وعين العندليب»، شغفت قلب ميلر الذي طالما حاول الابتعاد وبنجاح، عن عنف سلسلة «ماد ماكس» نحو فانتازيات رقيقة ومنها هذا الفيلم.
الخيار والصدى
> ما الذي عنته الرواية إليك بداية؟
- كنت أبحث عن شيء مختلف. شيء لم أقم به من قبل ولا قام به سواي، إلا في إطار حكاية مختلفة. لم أرد أن أركّز كثيراً على حيل المؤثرات ولا على أي مدى أستطيع الاعتماد على الخيال. وجدت في رواية أنطونيا بايات ما أبحث عنه. هي رواية مختلفة أساساً، وهو ما حقق لي رغبتي الأولى. الرغبة الثانية كانت شرطاً. أحياناً قد تجد حكاية غير مطروقة، لكنها تستخدم أحداثاً وشخصيات تقليدية (كليشيهات). هذه الرواية لم تفعل ذلك. الطريقة التي صاغت فيها الكاتبة الحكاية مثيرة ومختلفة.
> في أي مرحلة إذن، قررت أن تيلدا سوينتن وإدريس ألبا هما الممثلان الأفضل لدوري البطولة؟
- اخترت تيلدا سوينتن أولاً. كانت لدي رغبة كبيرة منذ سنوات أن نعمل معاً. إنها نوع من الممثلات اللواتي تستطيع الركون إليهن بصرف النظر عما سيؤديانه. تتوقع منها الكثير وتحققه. فاتحتها بالموضوع وأبدت رغبتها بقراءة السيناريو، ومن ثَم وافقت على الدور بلا تأخير. مع وجودها كان لا بدّ من البحث عن الممثل الذي يستطيع خلق التوازن المطلوب. لا يمكن اختيار ممثل معروف بنمط معيّن لمثل هذه الغاية، ولا يمكن أن تتطلع إلى من هو أفضل من يستطيع تمثيل دور الجني، لأن هذا الفيلم لا يقدم جني علاء الدين، بل يمنحه شخصية خاصة وحاضرة.
> الممثل الجيد يتطلب ممثلاً جيداً أمامه.
- تماماً. هي أبعد من مسألة اختيارات. على من تختاره أن يكون قادراً على منح الشخصية ما هو غير تقليدي في الأداء. لا يمكن له أن يكون صدى للمطلوب، بل فاعل فيه، وهذا ما يفعله ألبا وسونتون في هذا الفيلم.
التاريخ والإنسان
أفلامك تختلف حتى عندما تنتمي إلى نوع (Genre) معيّن. فيلمك «هابي فيت» (نال أوسكار أفضل فيلم أنيميشن سنة 2006)، عكس روحاً إنسانية لم نعد نرى مثيلاً لها حتى في الأفلام المرسومة. كذلك «زيت لورنزو» (1992).
- (مقاطعاً) طبعاً. حتى «ماد ماكس»، من جذوره أردت له أن يعكس حالة إنسانية، لكنك لا تستطيع أن تلبس الفيلم رداءً لا يناسبه. عليك أن تكون حذراً. في حياتي الخاصة أنظر إلى مختلف التجارب، التي أقدم عليها الإنسان منذ العصر الحجري وإلى اليوم. هذا تاريخ بعيد جداً وما يزال ماضياً من دون توقف. ما يسوده هو العنف والحروب والمشاكل المتأتية من غياب العدالة والفرص المتساوية، لكن إذا بحثنا جيداً سنجد أن الإنجازات الإنسانية أهم من كل ما حصده الإنسان من هذه الحروب. علينا أن نتذكر ذلك ونبلوره كلما كان ذلك مناسباً في حكاياتنا. الفيلم عليه أن يبقى عملاً جاذباً غير محمّل بما يصعب حمله، لكن في الوقت نفسه قادر على أن يجسّد حالة إنسانية بأبعاد مختلفة.
> على صعيد التاريخ نفسه، تجد السينما نفسها منساقة لمستقبل غامض. هل توافق؟
- إنه مستقبل غامض، لكن ليس على نحو يوحي بالنهاية. عليها أن تتأقلم مع المعطيات الجديدة، وأعتقد أنها تستطيع ذلك. هي منتوج مطلوب، وإلا لما كان لها مستقبل بصرف النظر عن «الفورم»، الذي تعرض من خلاله.
> هل سيُعرض «3000 سنة من الشوق» في الصالات أم في المنصّات أو في كليهما معاً؟
- سيعرض في الصالات. سيتمتع بكل ما تمتعت به الأفلام السابقة من شروط عرض، ومن جمهور يدخل الصالات، كما لو كانت المتنفس الوحيد الباقي للخيال. ليس هناك خطط موضوعة لعرضه في المنصّات الافتراضية قبل إيفائه حق العروض الصالاتية.
> أسمع حنيناً لسينما الأمس حين تتكلم.
- نحن (يقصدنا معاً)، من جيل نما على حب السينما الكبيرة. تلك التي لا تستوعبها إلا الشاشات العريضة. لا داعي لأن أخبرك والقراء، أن عرض فيلم على أي شاشة منزلية (حتى تلك الكبيرة نوعاً)، لا يوازي حسنات مشاهدته على شاشة عريضة مخصصة. هناك تقنيات لا تعمل عبر الإنترنت، ولو أنها تبدو كما لو كانت تعمل جيداً. شاهد أي فيلم في الصالة وشاهده هو نفسه في البيت لتدرك الفروقات.
> هل «ماد ماكس: طريق الغضب» هو آخر أفلام السلسلة؟
- (يضحك) لا. سيكون آخر فيلم يحمل عنوان «ماد ماكس» لسنوات عدة، لكني أحضر لفيلم يكون الأول في سلسلة جديدة مشتقّة من السلسلة الأولى.
> متى؟
- حال عودتي من «كان» إلى أستراليا. «فيوريوسا» سيكون مختلفاً، لكنه في الفترة الزمنية نفسها.
> تعني أنه سيكون هناك «ماد ماكس» خامس.
- نعم. لا أدري بعد متى، ولكن نعم.


مقالات ذات صلة

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

يوميات الشرق يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

على الرغم من أن فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) يجذب آلاف السياح سنوياً إلى مدينة سالزبورغ، فإن هذا العمل السينمائي لم يجذب قطّ سكان المدينة.

كاثرين هيكلي (سالزبورغ (النمسا))
سينما من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها،

محمد رُضا (لندن)
سينما «القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة.

يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان فينسيا للمرة الأولى (الشركة المنتجة)

أشجان الهمص: فيلم «البرانية» أعادني إلى حياة افتقدتها في أوروبا

قالت المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص إن فكرة فيلم «البرانية» بدأت معها قبل نحو أربعة أعوام.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده. تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان...

فاطمة عبد الله (بيروت)

بيرهوف: إيطاليا تحتاج إلى ثلاثة أعوام للعودة بقوة

بيرهوف (د.ب.أ)
بيرهوف (د.ب.أ)
TT

بيرهوف: إيطاليا تحتاج إلى ثلاثة أعوام للعودة بقوة

بيرهوف (د.ب.أ)
بيرهوف (د.ب.أ)

قال نجم ألمانيا السابق أوليفر بيرهوف إن معالجة المشكلات التي تعوق إيطاليا على الساحة الدولية ستستغرق عامين أو ثلاثة أعوام، وشرح سبب تنحي صديقه باولو مالديني عن منصب المدير الفني للاتحاد الإيطالي لكرة القدم بعد أسبوعين فقط في وقت سابق من هذا الصيف.

وكان بيرهوف من بين المتحدثين الضيوف في مهرجان الرياضة في ترينتو، الجمعة، حيث ناقش دوره في الاتحاد الألماني لكرة القدم، ونصائحه للمنتخب الإيطالي، ومحادثاته مع مالديني، ومباراة دوري الأمم الأوروبية ضد فرنسا اليوم.

وتم تعيين مالديني مديراً فنياً للاتحاد الإيطالي لكرة القدم بعد انتخاب جيوفاني مالاجو رئيساً للاتحاد في يونيو (حزيران). وتولى بيرهوف منصب مدير المنتخب الألماني لكرة القدم من عام 2004 حتى عام 2017، قبل أن ينتقل إلى منصب المدير التقني، كما فعل مانشيني، وذلك ضمن عملية إعادة هيكلة للجهاز الفني الألماني.

ويقول بيرهوف إن مالديني كان كثيراً ما يتصل به لطلب المشورة في المراحل الأولى من إدارته للاتحاد.

وقال بيرهوف في تصريحات نقلها موقع «توتو ميركاتو ويب» الإيطالي: «كنا نتحدث عبر الهاتف باستمرار؛ كنت أطلعه على تجاربي وأشجعه. لقد لمست مدى العزيمة التي كان يمتلكها للمساهمة في إعادة بناء كرة القدم الإيطالية».

وأضاف مهاجم إي سي ميلان السابق: «كانت لديه أفكار واضحة، لكنني قلت له منذ البداية إنه يجب أن تشعر أيضاً بأن المنظومة مستعدة للسير خلفك ودعمك. وربما لم يشعر هو بذلك».

وعن مشكلة المنتخب الإيطالي قال بيرهوف: «عليّ القول إن الأمر مزيج من عدة عوامل. يجب أن ندرك أن التغييرات لن تحدث في غضون عامين أو ثلاثة؛ فالأمر يتطلب وقتاً».

وأضاف: «في عام 2000، قمنا بتغيير أساليب التدريب والتعليم، وبدأنا الاستثمار بشكل أكبر في البنية التحتية والملاعب والأكاديميات. كنا نعتقد أن الأمر سيستغرق 10 سنوات. وبالفعل، رأينا منتخباً ألمانياً مختلفاً في كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، يضم لاعبين يتمتعون بمهارات فنية عالية. الأمر يتطلب الصبر، ولكنه يتطلب أيضاً القناعة والجرأة لقول: (علينا أن نتغير)».

وقال: «لا يمكنني الحكم على الوضع من الخارج، لكن أحياناً يتعين عليك الوصول إلى القاع لكي تبدأ رحلة العودة إلى القمة. بدا الأمر وكأن إيطاليا قد وصلت إلى تلك المرحلة، وبدأت تقول (كفى)».


التعليم وبرشلونة وثقافة الباسك: أركان سحرية وراء الهيمنة الكروية الإسبانية

منتخب إسبانيا يتوج بطلاً للعالم في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
منتخب إسبانيا يتوج بطلاً للعالم في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

التعليم وبرشلونة وثقافة الباسك: أركان سحرية وراء الهيمنة الكروية الإسبانية

منتخب إسبانيا يتوج بطلاً للعالم في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
منتخب إسبانيا يتوج بطلاً للعالم في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

إذا كانت برشلونة وكاتالونيا تمثلان الجانب الفني والإبداعي لكرة القدم الإسبانية، فإن إقليم الباسك يمثل طابعها المميز وهويتها.

أصبحت إسبانيا القوة المهيمنة على كرة القدم بالعالم في السنوات الأخيرة، فهي بطلة كأس العالم، وبطلة أوروبا، وبطلة دورة الألعاب الأولمبية. علاوة على ذلك، لم يخسر المنتخب الإسباني أي مباراة منذ عامين ونصف عام، كما فاز بـ5 ألقاب من أصل آخر 10 بطولات دولية كبرى. ويمتلك المنتخب الإسباني رقماً قياسياً دولياً يتمثل في عدم التعرض للهزيمة طوال 38 مباراة متتالية؛ إذ لم يخسر الفريق - حسب دان ماسي على موقع «بي بي سي» - منذ هزيمته بهدف دون رد أمام كولومبيا في مباراة ودية عام 2024. ولا يقتصر النجاح على منتخب الرجال الأول؛ فخلال تلك الفترة، فازت إسبانيا أيضاً بـ6 ألقاب في بطولة أوروبا تحت 19 عاماً، و3 ألقاب في بطولة أوروبا تحت 21 عاماً، بالإضافة إلى كأس العالم للسيدات عام 2023. وعلى مستوى الأندية، حصدت الفرق الإسبانية نصف الألقاب المتاحة في دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي منذ عام 2009.

سيدات إسبانيا المتوجات ببطولة كأس العالم عام 2023 (أ.ب)

وفي حديثه لإذاعة «بي بي سي»، أوضح خبير كرة القدم الإسبانية، غيليم بالاغي، أن هناك «3 ركائز» تفسر ثقافة التدريب في إسبانيا وأسباب نجاحها غير المسبوق. وقال بالاغي: «الركيزة الأولى هي الجامعة، تحديداً مؤسسة تُعرف باسم المعهد الوطني للتربية البدنية. لقد أدخلت الجامعات برامج التربية البدنية في إسبانيا منذ وقت طويل، تحديداً في التسعينات من القرن الماضي، حيث خرّجت مدربين للتربية البدنية ومدربين لكرة القدم يتمتعون بفهم عميق لعمليات التعلم والتدريب». وأضاف: «لقد أصبح بعض هؤلاء المدربين البدنيين مدربين كباراً؛ مثل رافا بينيتيز ومارسيلينو غارسيا تورال؛ فقد جاءوا بعد أن تعلموا ودرسوا ما هي كرة القدم وأبعادها قبل أي شخص آخر». وتابع: «أما الركيزة الثانية فهي الثقافة الباسكية؛ إذ يمثل إقليم الباسك تاريخياً مرجعية خاصة في كرة القدم الإسبانية، لارتباطه بأخلاقيات العمل - تحديداً أخلاقيات العمل الهائلة والجهد اليومي الدؤوب. أما الركيزة الثالثة فهي ما يعرفه الجميع: تأثير برشلونة، ويوهان كرويف، والثورة التكتيكية التي تلت ذلك بفضله».

إيميريك لابورت ركيزة أساسية في خط دفاع إسبانيا (رويترز)

تأثير برشلونة

ضمّت قائمة المنتخب الإسباني، الفائز بكأس العالم 2010، تحت قيادة فيسنتي ديل بوسكي، 8 لاعبين من أكاديمية «لا ماسيا» التابعة لبرشلونة، كما ضمّت قائمة لويس دي لا فوينتي - التي توّجت باللقب مجدداً هذا الصيف - 8 لاعبين آخرين من الأكاديمية ذاتها. وفاز برشلونة بأول لقب له في كأس أوروبا عام 1992 تحت قيادة كرويف، معتمداً على أسلوب «الكرة الشاملة» - وهو الأسلوب الذي أرسى دعائمه المنتخب الهولندي في السبعينات من القرن الماضي بمشاركة كرويف نفسه، ثم طُبّق لاحقاً في ملعب «كامب نو» تحت قيادة جوسيب غوارديولا خلال الفترة بين عامي 2008 و2012. وشهدت تلك الفترة فوز برشلونة بلقب الدوري الإسباني الممتاز 3 مرات متتالية، بينما أحرز المنتخب الإسباني لقب بطولة كأس الأمم الأوروبية مرتين متتاليتين في عامي 2008 و2012، وتخلل ذلك تتويجه بكأس العالم 2010. لقد تدرج كل من تشافي وأندريس إنييستا وسيرجيو بوسكيتس في نظام تدريبي يتعلم فيه اللاعبون فن الاستحواذ على الكرة، واللعب المعتمد على التمركز بأبهى صوره.

وفي حديثه لإذاعة «بي بي سي»، قال جوردي غراتاكوس - الذي شغل منصب المدير الدولي لأكاديميات برشلونة خلال الفترة بين عامي 2009 و2011، ثم خلال الفترة من 2016 إلى 2020: «الأمر الأهم هو استيعاب المعنى التكتيكي للتحرك داخل الملعب؛ فالمقصود هو إعداد لاعبين يتمتعون بالذكاء وبمستوى فني عالٍ جداً». وأضاف: «على هذا المستوى، يتميز جميع اللاعبين بمهارات فنية ممتازة، لكن الأهم هو أولئك اللاعبون القادرون دائماً على اختيار الحل الأمثل داخل الملعب، والارتقاء بمستوى زملائهم. يتمثل الهدف الرئيسي في إعداد اللاعبين لشغل مراكزهم بفاعلية. إنها عملية تعليمية مفتوحة تعتمد على خلق سيناريوهات وسياقات وبيئة تتطلب من اللاعب اتخاذ قرارات، بينما يتدخل المدير الفني ليقول: كان هذا هو الخيار الأفضل، أما في المرة المقبلة، فاختر الخيار الآخر. الأمر الأهم أنه يتعين على اللاعبين اتخاذ القرارات بأنفسهم أثناء المباراة».

وخلال أول موسمين له على رأس القيادة الفنية لبرشلونة، يكرر هانسي فليك ما فعله غوارديولا؛ ولا يقتصر الأمر على فوزه بلقب الدوري الإسباني الممتاز مرتين متتاليتين، وسعيه نحو اللقب الثالث. وتُشكل المواهب الصاعدة من أكاديمية الناشئين جوهر مشروعه؛ إذ يمثل كل من لامين يامال وداني أولمو وباو كوبارسي ركائز أساسية للنجاح على المستويين المحلي والدولي، تماماً كما فعل جيل برشلونة خلال الفترة بين عامي 2008 و2012. لقد عثرت إسبانيا على الوصفة المثالية لتكرار النجاح، وتأتي برشلونة في قلب هذه المعادلة.

إقليم الباسك

إذا كانت برشلونة وكاتالونيا تمثلان الجانب الفني والإبداعي لكرة القدم الإسبانية، فإن إقليم الباسك يمثل طابعها المميز وهويتها، وقد ضمّت قائمة المنتخب الإسباني في كأس العالم 2026 خمسة لاعبين من هذا الإقليم، حيث تدرجوا في صفوف ناديي أتلتيك بلباو أو ريال سوسيداد؛ وهما الناديان اللذان انضم منهما 8 لاعبين إلى قائمة إسبانيا الفائزة ببطولة كأس الأمم الأوروبية 2024. وهناك أيضاً ميكيل ميرينو، الذي سجل هدف الفوز في مباراة ربع النهائي ضد ألمانيا في كأس الأمم الأوروبية 2024، ثم واصل تألقه بتسجيل 6 أهداف في 6 مباريات ضمن تصفيات كأس العالم، بالإضافة إلى تسجيله أهدافاً حاسمة في اللحظات الأخيرة ضد البرتغال وبلجيكا خلال الصيف.

ميكيل ميرينو نجم ساطع من إقليم الباسك (أ.ب)

ورغم أنه ليس باسكي الأصل، فإن ميرينو ينحدر من مدينة بامبلونا في منطقة نافارا ذات الحكم الذاتي؛ وهي منطقة تتأثر بشكل كبير بكل من الثقافتين الإسبانية والباسكية. وعلى بُعد 5 كيلومترات فقط من بامبلونا تقع بلدة «زيزور مايور»، وهي البلدة التي نشأ فيها سيزار أزبيليكويتا، قائد تشيلسي السابق ولاعب المنتخب الإسباني. وعندما طُلب منه وصف الثقافة الباسكية، صرّح أزبيليكويتا لإذاعة «بي بي سي» قائلاً: «الانضباط، وثقافة العمل الجاد، والمثابرة والمرونة؛ هي سمات قد لا تكون براقة أو استعراضية. وعادةً ما يميل الناس لإبراز ثقافة القتال والصلابة على غرار كرة القدم الإنجليزية التي تتسم بكثرة الالتحامات والاعتماد على القوة البدنية أكثر من المهارة الفنية. لكن الأمر يتعلق أيضاً بالنهج التكتيكي: التماسك الدفاعي، والوعي الكبير بأماكن التحرك، واللعب ببساطة عند الاستحواذ على الكرة، مع محاولة التقدم للأمام بأسرع وقت ممكن».

لقد شكل اللاعبون الباسكيون الخمسة في قائمة إسبانيا بمونديال 2026، جزءاً مهماً من نجاح إسبانيا الأخير، وهم يجسدون نظرة كرويف للاعبي تلك المنطقة؛ فقد قال كرويف ذات مرة: «أول شيء فعلته بصفتي مديراً فنياً هو التعاقد مع 4 لاعبين من إقليم الباسك؛ فهم لا يخشون شيئاً». وفي قائمة المنتخب الإسباني بكأس العالم 2026 تحت قيادة المدير الفني الحالي دي لا فوينتي، شارك أوناي سيمون في حراسة المرمى، بينما كان مدافع مانشستر سيتي السابق إيميريك لابورت ركيزة أساسية في خط دفاع لم يستقبل سوى هدف واحد في 8 مباريات خاضها الفريق طوال البطولة.

وصنع نيكو ويليامز هدف الفوز الذي سجله فيران توريس في المباراة النهائية ضد الأرجنتين، كما ترك مارتن زوبيميندي بصمة إيجابية عند مشاركته بديلاً في المباراتين النهائيتين لكأس الأمم الأوروبية 2024 وكأس العالم، في حين سجل ميكيل أويارزابال 18 هدفاً في آخر 20 مباراة دولية له مع إسبانيا. ولا يقتصر هذا التأثير على أرض الملعب فحسب؛ بل يمتد ليشمل المدربين الباسكيين الذين يتولون قيادة 4 من أكبر الأندية الإنجليزية: ميكيل أرتيتا في آرسنال، وأوناي إيمري في أستون فيلا، وتشابي ألونسو في تشيلسي، وأندوني إيراولا في ليفربول.

تكوين المدربين

ننتقل الآن إلى الركيزة الأخيرة: التكوين والتعليم، حيث أوضح رافائيل بينيتيز، المدير الفني السابق لليفربول، ذلك قائلاً: «كنا نعمل في إسبانيا على إعداد مجموعة من مدربي اللياقة البدنية الذين يمتلكون دراية واسعة بكرة القدم». وأضاف: «لقد زرت جامعة ليفربول جون مورز للاطلاع على برنامج علماء الرياضة هناك، ووجدت أنهم لم يكونوا يمتلكون المعرفة الكروية التي كنا نتمتع بها. كانوا يتمتعون بلياقة بدنية عالية حقاً، لكنهم لم يكونوا يدركون كيفية التعامل مع الكرة أو التصرف داخل الملعب؛ فلم يكن يتوفر في إنجلترا ذلك النوع من المحترفين أو المتخصصين في كرة القدم والطب الرياضي، وكل تلك المجالات التي كنا ندرسها في الجامعة». واختتم حديثه قائلاً: «لقد كان ذلك عنصراً جوهرياً في تشكيل مسار تطور الكرة الإسبانية، وهو التطور الذي استمرت وتيرته منذ ذلك الحين».

لامين يامال أحد خريجي أكاديمية «لا ماسيا» (إ.ب.أ)

وإلى جانب الأكاديميات، يشير مسؤولون فنيون إسبان إلى وجود هوية تكوين بدأت تتبلور مع المنتخب الأول منذ التحول الذي قاده المدرب الراحل لويس أراغونيس عام 2008. وقال ديفيد غوتيريز، مدير المدرسة الوطنية للمدربين في الاتحاد الإسباني، وخوسيه فرانسيسكو مولينا، المدير الرياضي السابق للمنتخب، في تصريحات نشرها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، إن أراغونيس أدرك نوعية اللاعبين الذين تنتجهم الأندية الإسبانية، وبنى طريقة لعب تتناسب مع خصائصهم. وتشير دراسة رابطة الدوري الإسباني إلى أن المنتخب المتوج بكأس أوروبا 2024 اعتمد أسلوباً أكثر مباشرة وسرعة في التحولات، في حين برز المنتخب الفائز بمونديال 2026 بأسلوب أكثر ترابطاً واعتماداً على الاستحواذ. وترى الدراسة أن قدرة عدد من اللاعبين أنفسهم على النجاح في السياقين تعكس نموذجاً يركز على تكوين لاعب متكامل وقادر على التكيف، بدل حصره في أسلوب واحد.


حراك الطلاب يهزّ فرنسا... والحكومة تسابق اتساع الغضب

كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)
كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)
TT

حراك الطلاب يهزّ فرنسا... والحكومة تسابق اتساع الغضب

كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)
كرّ وفرّ خلال مظاهرة الجمعة في باريس بين الشرطة والمتظاهرين وإطلاق غاز مسيل للدموع (أ.ب)

من المبكر رصد محصلة نهائية للحراك الطلابي في فرنسا. فرغم التدابير الجذرية التي أقرتها السلطات، ومنها إغلاق 500 مدرسة وجامعة ومنع التجمهر أو التظاهر قريباً منها وتوقيف نحو 2000 شخص يوم الخميس وحده، ودعوة وزير الداخلية جيرالد دارمانان المدعين العامين في البلاد إلى التشدد في التعامل مع مرتكبي أعمال الشغب المتنوعة، وتحميل الأهل مسؤولية ما يقوم به أبناؤهم، فإن الحراك متواصل. بل إنه قد يبلغ الثلاثاء 6 أكتوبر (تشرين الأول) ذروته بسبب الدعوة إلى التعبئة العامة وإلى يوم حراك على كامل الأراضي الفرنسية. واللافت في ما تشهده فرنسا راهناً السرعة التي توسعت فيها الحركة المطلبية، التي انطلقت متواضعة بداية الأسبوع الماضي من ثانوية في ضاحية باريس اشتكى تلامذتها من نقص في الجسم التعليمي ومن تدهور الظروف المدرسية.

التجاذب السياسي

ومنذ بدايتها، لم تعر السلطات المعنية هذه التحركات أي اهتمام، قبل أن تنتشر بسرعة فائقة وسط أجواء سياسية ملبدة بسبب الاستحقاق الرئاسي في الربيع القادم، وعلى خلفية أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية عنوانها الارتفاع الهائل لأسعار المشتقات النفطية والغاز.

والنتيجة أنه بعد أسبوع واحد، فإن 1027 ثانوية رسمية، من أصل 3700 في عموم البلاد، تأثرت بالحركة الاحتجاجية. وعرف العديد منها العنف المزدوج: عنف المتظاهرين ومثيري أعمال الشغب من جهة، وعنف الشرطة ورجال الأمن من الجهة المقابلة. كذلك، انضمّت ثلاثون جامعة إلى الحراك دعماً لطلاب المرحلة الثانوية.

تلامذة يرفعون لافتة كُتب عليها «المدرسة الثانوية محاصرة» خلال مظاهرة احتجاجية على نقص الموارد في المدارس بمدينة ليون يوم 2 أكتوبر (أ.ب)

واعتبر إدوار جيفراي، وزير التربية، الجمعة، أن «هناك بوضوح حملة تستهدف مهاجمة وتدمير مرفق التعليم العام»، وأن «أكثر من مائة مدرسة ثانوية تعرضت لأضرار جسيمة». وذكر الوزير المعني أن 67 مسؤولاً تربوياً، بينهم 40 مديراً، أصيبوا خلال الأيام الأخيرة، إضافة إلى 140 طالباً. وبالنظر إلى تدهور الوضع، فقد طلب مساعدة أولياء التلامذة والطلاب لكبح اندفاعة الحركة الاحتجاجية. وكتدبير إضافي، دعا لوران نونيز، وزير الداخلية، المحافظين والمسؤولين الأمنيين إلى التشدد ومنع المظاهرات، واصفاً ما يجري بأنه «عنف متفلّت» استهدف الشرطة والدرك، وأوقع 300 إصابة في صفوفهم.

قراءتان للحراك

ثمة قراءتان لما يجري في فرنسا. الأولى: قراءة السلطات ومعها اليمين (التقليدي والمتطرف)، وما يسمى الكتلة الوسطية الداعمة للرئيس إيمانويل ماكرون. وتقوم هذه القراءة على التنديد بعنف المتظاهرين وتأجيج الاحتجاجات والاستغلال السياسي للحراك والدفع باتجاه الفوضى. ويحمّل هذا المعسكر المسؤولية، بالدرجة الأولى، لحزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون. وبالمقابل، ثمة قراءة مختلفة لليسار بغالبية تشكيلاته تندد بتجاهل الدولة لمطالب المتظاهرين وللجوئها إلى العنف، وتنفي علاقتها المباشرة بما هو حاصل.

جانب من المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في ليون يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي لقاء صحافي الخميس، رد ميلوشون على الاتهامات الموجهة له ولحزبه، نافياً أي علاقة بما يجري وبتأجيج الحراك والعنف. ودعا المتظاهرين إلى «الانضباط»، قائلاً: «لا فائدة من إشعال الحرائق. نحن مقاتلون، ونحن منضبطون. لا نقوم بأي عمل يتعارض مع الهدف الذي حددناه لأنفسنا. ونحن ندعو إلى أساليب نضال سلمية وغير عنيفة».

وحذّر ميلونشون من الأعمال غير المنضبطة ومن استغلالها كحجة لاستهداف المتظاهرين، متوجهاً إلى الشباب قائلاً: «أدعوكم، أيها الشباب، أينما كنتم، إلى الانضباط في النضال. يجب ألا تستخدموا أي أسلوب آخر سوى أساليب النضال غير العنيفة». ويؤكد حزب ميلونشون أن الاتهامات المسوقة بحقه غرضها «حرف الأنظار» عن المطالب المشروعة التي يرفعها التلامذة ومعهم الطلاب.

ولم يتأخر الرد على ميلونشون وجاء صباح الاثنين، في مقابلة مع إذاعة «آر تي إل» لوزير الداخلية دارمانان، الذي اعتبر أنه «عندما يتم الاعتداء على الأساتذة، وعلى المرافق العامة، فمن الطبيعي أن تكون العدالة حاضرة. هناك أقلية نشطة وعنيفة. ويجب توقيف هؤلاء الأشخاص وإحالتهم أمام القضاء».

ووصف وزير الداخلية، الذي رأس اجتماعاً طارئاً ضمّ المحافظين ومديري الشرطة والدرك ومسؤولي أجهزة الاستخبارات، ما يجري بأنه «لم يعد له أي علاقة بالتعبير المشروع عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، بل بات يحمل الآن جميع سمات حالة من أعمال العنف في المناطق الحضرية»، أي المدن وضواحيها.

انتشار آلاف رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات ومكافحة أعمال الشغب في باريس يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)

بدوره، رأى وزير التربية جيفراي أن ما جرى يوم الخميس يشكّل «تحولاً» من مساعٍ لإغلاق المدارس الثانوية إلى أعمال عنف واسعة، مؤكداً أنه أصبح «مشروعاً لتدمير نظام التعليم العام» في البلاد، وأن حركة طلاب المدارس الثانوية باتت رهينة لـ«مجموعات هامشية شديدة العنف».

وكان برونو روتايو، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والمرشح الرئاسي، قد ندّد بـ«تسييس الحراك» وبالدور الذي يلعبه ميلونشون وحزبه، وذهب إلى حد الدعوة إلى منعه من الوجود. وفي السياق عينه، قال نائبه فرانسوا كزافيه بيلامي، الجمعة، إن «ما يحصل ليس حراكاً أو تعبئة لتلامذة التعليم الثانوي. إنه لفوضى»، لا بل إنه «تحضير للفوضى العامة التي يهيئ لها حزب (فرنسا الأبية)، ولذا فإن مسألة حله أصبحت اليوم مطروحة».

تقرير مخابراتي

يبدو سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، مقتنعاً بأن ميلونشون وحزبه يلعبان دوراً في الحراك الجاري، مستنداً في ذلك إلى تقرير أعدّته المخابرات الداخلية واطّلعت عليه صحيفة «لو فيغارو» اليمينية.

جانب من تداعيات المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في باريس يوم 2 أكتوبر (إ.ب.أ)

وحسب أجهزته، في تقرير يعود ليوم الثلاثاء الماضي، فإن ما لا يقل عن عشرين منتخباً ومسؤولاً في حزب «فرنسا الأبية» كانوا «منخرطين في الحركة الاحتجاجية» في مدن مثل ليل ورين وتولوز وألبي وروان وأفينيون. وجاء في التقرير المخابراتي أنه «من الواضح أن طلاب المدارس الثانوية يُدفَعون إلى القيام بهذه التحركات من قبل عناصر من اليسار المتطرف، تم رصدهم سواء داخل هياكل نقابية طلابية في جامعة (باريس الثامنة) أو في جامعة (باريس نانتير)، وكذلك داخل تنظيمات سياسية مثل (الشيوعيون الثوريون) أو (الثورة الدائمة) أو حزب (فرنسا الأبية)».

ووفق التقرير المذكور، فإن ما يميز الحراك الحالي «رغبة واضحة في إحداث الفوضى، ولا سيما من خلال ارتكاب أعمال عنف حضرية، من دون وجود مطالب اجتماعية محددة». وردّ منسق حزب «فرنسا الأبية» على لوكورنو متهماً إياه بـ«الانغماس في نظرية المؤامرة»، وأعاد الحراك إلى الصعوبات التي تواجه الثانويات وأيضاً الجسم التعليمي الذي يدعم بعض الحراك.

أولوية الحكومة

ما يهم السلطات بالدرجة الأولى احتواء الحراك وعدم تمدده أكثر. لذا، فقد عمدت الحكومة، بدايةً، إلى التراجع عن فرض رسوم تسجيل على طلاب «شهادة التقنية العالية» أو على طلاب الأقسام التحضيرية للجامعات، وهي خطوة كانت مدرجة في مشروع موازنة عام 2027.

كذلك، عجّل وزير التربية في الدعوة إلى مشاورات موسعة مع ممثلي التلامذة الثانويين وأولياء الأمر والمدرسين، بالإضافة إلى إطلاق «منصة» إلكترونية يستطيع التلامذة استخدامها للتعبير عن مطالبهم.

وحاول المسؤولون، من خلال تصريحاتهم، التمييز بين التلامذة وبين مرتكبي أعمال الشغب، بمعنى التعبير عن التفهم للأوائل واللجوء إلى الحزم بالنسبة للآخرين. وتواصل الحراك الجمعة، وإن خفت حدته بسبب تدابير منع التجمع والتظاهر أمام 400 مدرسة ثانوية، وتوقيف ما لا يقل عن ألفي شخص.