سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر

تحرير بصرى ومعبر نصيب مع الأردن وإدلب وجسر الشغور ينذر نظام دمشق

سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر
TT

سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر

سوريا.. مستقبل جيش الأسد في خطر

ما حدث في شمال سوريا وجنوبها خلال الأيام والأسابيع الماضية ينذر ببوادر انهيار قوات بشار الأسد عسكريًا، ويعكس الانهيار القادم والوشيك للنظام برمته؛ ففي الخامس والعشرين من مارس (آذار) الماضي، تحررت مدينة بصرى الشام أحد معاقل النظام في حوران بجنوب سوريا. وتُعتبر هذه النقطة معقلاً بحكم الوجود العسكري الإيراني وأدواته وتحصيناته. بعد نحو شهر من ذلك التاريخ، سعى النظام عبر مرتزقة من جنسيات مختلفة وبإدارة مشتركة مع الإيرانيين وميليشيات حزب الله لاستعادة المنطقة، لكنه هُزم شر هزيمة. وبعد أسبوع من تحرير بصرى، سيطر الثوار على «معبر نصيب» الحدودي مع الأردن كآخر مركز حدودي للنظام مع محيطه (باستثناء جديدة يابوس التي تصله رسميا بلبنان)؛ وبذا باتت محافظة درعا محررة باستثناء «المربع الأمني» في مدينة درعا وبعض المناطق القريبة من ريف دمشق.
بالتوازي مع الجنوب، وفي الثامن والعشرين من مارس، تحررت مدينة إدلب؛ ليتبع ذلك - بعد شهر من ذلك التاريخ - تحرير مدينة جسر الشغور الاستراتيجية؛ ليليها بعد أيام استهداف مدينة أريحا وقاعدة المسطومة العسكرية؛ وليستمر الزخم التحريري باتجاه سهل الغاب الحاضن لأكثرية مُرشدية (من الطوائف العلوية) تشكل خزانًا مواليًا نسبيًا للنظام.

> قوة ذاتية تتغلب على الظرف الموضوعي:
رغم قتالهم على جبهتين منفصلتين شمالاً وجنوبًا فإن الثوار طوروا أساليبهم القتالية بوعي فائق وإرادة عالية عبر توحدهم وتكتلهم، ليتجاوز عددهم في الجنوب الثلاثين ألف مقاتل، ولتكون لهم الغلبة في المثلث الواقع بين دمشق والقنيطرة ودرعا. وفي الشمال تشكّل «جيش الفتح» الذي ضمّ ما يقارب العشرة آلاف مقاتل، تمكنوا بتلك الروح من تحرير محافظة تشكل بوابة الساحل السوري.
> توظيف غنائم الأسلحة في مقارعة العدو:
بعد التجارب المريرة السابقة، عندما كان صنف من المقاتلين يضعون أيديهم على غنائم عسكرية من النظام - تُباع أو تُخزّن ليعود النظام ويستولي عليها - فإن التجربة الحالية شهدت استخدامًا فاعلاً لتلك الغنائم بما في ذلك الدبابات والصواريخ والمدفعية؛ هذا إضافة إلى أسلحة مضادة للدروع وصلتهم من الخارج.
> استغلال ظرف الوفاق الخارجي:
ولّد التوافق العربي - العربي، والعربي - التركي تجاه الثورة السورية زخمًا أتى مواكبًا لـ«عاصفة الحزم» في اليمن وظّفه الثوار في تحدي ومقارعة النظام المدعوم إيرانيًا وروسيًا. كما أنهم التقطوا مغزى عبارة الرئيس الأميركي باراك أوباما: «لماذا لا يساعد العرب السوريين في الخلاص من الأفعال الإجرامية لنظام الأسد؟»، كإشارة تعطي ضوءًا أخضر وتجب ما قبلها من تلكؤ تعطيلي أميركي.
وفي الارتدادات المحتملة لتلك العبارة، فقد يكون أوباما تفاجأ بالتجاوب العربي مع عبارته وسيندفع لتذكُّر استخدام النظام للأسلحة المحرّمة دوليًا، ويطالب بمعرفة المرتكب؛ وليظهر بمظهر المهتم والداعم لجهود العرب الخليجيين تمهيدًا لاستقبالهم في اجتماع كامب ديفيد، الذي ستحضره فرنسا من دون أن تكون موجودة.
> إشعاع «عاصفة الحزم» والتقاط السعودية لزمام المبادرة:
بات الحال السوري الجديد انعكاسًا طبيعيًا للحال والوهج الذي أشاعته «عاصفة الحزم»، وكأنه خطة موازية أو مكمّلة للفعل في اليمن. ومن هنا قرأ مراقبون حال النظام وكأنه يستشعر قوة مغناطيسية في «عاصفة الحزم» توشك على اقتلاعه عن بعد.
زد على ذلك فإن إعلان السعودية عن احتضان مؤتمر للمعارضة السورية لرسم ملامح مرحلة ما بعد الأسد دون مواربة يعني نهاية العهد الأسدي. وهذا الأمر قد يتم طوعيًا حسب مقررات مؤتمر «جنيف 1»، أو عنوة حيث الخطط العسكرية تبدو جاهزة كما كانت خطط «عاصفة الحزم» جاهزة دون إعلانية.
وفي ظل هكذا قرار ودعوة للاجتماع، فإن المعارضة أو حتى «المعارضات» السورية لن تمتلك رفاهية التخاصم الفضائحي أو شد الشعر أو المحاصصة أو الاصطفافات على خطوط التناقضات بين الرعاة، لأن هؤلاء أضحوا حلفًا وصفًا واحدًا.
من جانبه، لن يفيد النظام من محاولات الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا لإنقاذه عبر سلسلة أي «جنيف» جديد؛ ولا حتى من الاستعانة بحضور الصديق الإيراني؛ فالقرار حول «ما بعد الأسد» لم يأت على ذكر دي ميستورا أصلا؛ كما أنه تجاوز إيران عبر إلزامه بما تتعهد به في أوراقها النووية بأن تلتزم بإقامة «علاقات طبيعية مع محيطها»، وهذا أقل ما يمكن إنجازه في «كامب ديفيد» المقبل.

على الضفة الأخرى
> تبعات رفض الحل السياسي والعلاقة المهتزة مع الداعمين:
بات معروفًا للجميع نزوع النظام إلى تخريب أي جهد سياسي مستندًا إلى تفوق عسكري وفّرته له إيران عبر مرتزقتها من حزب الله وغيره. ومن هنا تراه قد فشل وحلفاؤه في تحقيق أي نتائج سياسية عبر دي ميستورا أو لقاءات موسكو. وزاد الطين بلة بالنسبة للنظام أن موسكو - حسب مصادر مطلعة - حمّلته مسؤولية إفشال مساعيها. وتجلى ذلك بالزيارة الفاشلة التي قام بها محمد الشعار، وزير داخلية النظام، وبالانكفاء الروسي غير المسبوق تجاه ما يجري في الوضع السوري مؤخرًا.
زد على ذلك التوترات غير المرئية مع النظام الإيراني، والتي تجلت في الزيارة الاستجدائية والاستنجادية لوزير دفاع النظام إلى طهران، حيث تقول مصادر قريبة من وزارة الدفاع إن الوزير فهد جاسم الفريج عاد من إيران خالي الوفاض، إلا من وعود بالدعم. وطبعًا كان قد سبق ذلك إحساس النظام بفقدان سيادته أمام التمادي الإيراني المكشوف والذي تمثل بالهيمنة الإيرانية على النظام في سوريا، بحيث أضحى قاسم سليماني شبه الآمر الناهي بتغييب شبه كامل حتى لرأس النظام، مما دفع بالنظام للحفاظ على بعض ماء وجهه؛ فوجد نفسه وجهًا لوجه مع هيمنة سليماني؛ الأمر الذي دفع النظام ثمنه خلال زيارة وزير الدفاع التي غاب عنها سليماني الحاكم الفعلي لسوريا.
بعد صولات وجولات قاسم سليماني، الذي كاد يتحوّل إلى حاكم فعلي لسوريا؛ لم نعد نسمع بأي إنجاز إيراني على الأرض السورية، باستثناء الهزيمة النكراء لمرتزقتها الأفغان والباكستانيين في الجنوب السوري. أما إنجازها الآخر قيد التداول فهو مساهمتها بـ«موت» (!) رستم غزالة وتغييب علي مملوك لاحتمال تصديهما للتغوّل الإيراني في القرار السوري وتحوّل رأس النظام إلى حالة مسلوبة الإرادة تنفذ ما تريده إيران. وهنا يكفي إيران للإيعاز بالتخلّص منهما أو المساهمة في ذلك أن غزالي حاول الاتصال بسعد الحريري للبوح بشيء مهم - كما أفاد الأخير؛ والثاني لانكشاف تواصله مع تركيا - منافسة إيران الإقليمية - خلال وجوده في محافظة الحسكة السورية، كما أفادت مصادر تركية.
ومن هنا، فإنه بات من الواضح أن إيران لم تعد مقتنعة بأي دعم لنظام أضحت متأكدة أنه غير قابل للحياة أو حتى للتسويق في صفقتها النووية. وكأننا بإيران بدأت تعد نفسها للالتزام بعبارة وردت في البيان الختامي لاجتماع مجلس التعاون الخليجي في الرياض «تأسيس علاقات طبيعية» مع إيران؛ والتي لا تعني إلا وقف تدخل إيران في الدول العربية؛ وسوريا ليست استثناء. وعدم التدخل يعني السقوط الحر لمن تحمله على راحتيها.
> النقص الحاد في الكادر البشري وانهيار الروح المعنوية:
سبّب الانحسار شبه الكامل في الالتحاق بالخدمة الإلزامية، نظرا لهروب الشباب أو هجرتهم أو تمنعهم عن خوض غمار حرب يشعلها من يريد الاحتفاظ بكرسيه، نقصًا في الكادر البشري المقاتل؛ فهناك مواقف اتخذتها بعض المكونات السورية، محافظة السويداء مثالا، بألا يسمحوا لأبنائهم بالخروج من المحافظة لمقاتلة أبناء وطنهم كما أراد النظام. وهناك أيضًا روايات من الساحل السوري تتحدث عن قرى لم يبق فيها إلا نساء يتشحن بالسواد لفقد أبنائهن في القتال. إن ما حدث مؤخرًا أثار الذعر والتوتر في مناطق الموالاة خاصة في الساحل السوري بعد السيطرة على جسر الشغور - بوابة الساحل - الأمر الذي ترافق مع خوف شديد من المجهول وإحساس بالتهديد الوجودي.
يُضاف إلى ذلك ضعف شديد في الروح المعنوية بين مقاتلي النظام وتفشي الإحساس بعبثية مهمتهم، مما تسبب في هزيمتهم النفسية ودفع البعض إلى الاستسلام أو الفرار. وترافق ذلك مع تفشي الذعر والخوف في صفوف مقاتلي حزب الله وجماعات أبو الفضل العباس من إيرانيين وعراقيين ومرتزقة أفغان وشيشان، وقد وقف الثوار على حقيقة هؤلاء عندما أسروا مجموعات منهم؛ حيث اتضح أن معظم هؤلاء لا يعرفون أين هم؛ ولماذا.
> الاقتصار على البراميل:
مع غياب القدرة على المواجهة الميدانية للأسباب المبيّنة أعلاه، حصَر النظام نفسه في خانة الاعتماد على سلاح الطيران. لم تنجز تلك القوة التدميرية للبراميل، التي احتوت أحيانا على مواد محرّمة دوليا، ما كانت تبتغيه، بل كللته بفضائح أثرت سلبا على معنويات النظام ككل؛ وما زاده إنكار استخدامها - على لسان رأسه - إلا مزيدًا من الافتضاح وتبخّر المصداقية التي سعى إليها.
> الانهيار داخل دائرة الأسد الضيقة:
نقلت مصادر مقربة من تلك الدائرة خروج والدة الأسد وحاشيتها إلى روسيا البيضاء؛ وتحدثت عن توتر في العلاقة بينه وبين أخيه ماهر قائد الفرقة الرابعة؛ إضافة إلى وجود اللواء محمد ناصيف، صاحب الرأي الذي يعتمد عليه كثيرًا رأس النظام، في حالة سبات بمشفى الشامي منذ أكثر من شهر.
وكان البيت الداخلي قد تلقى ضربة سابقة بهرب أو خروج حافظ مخلوف، ابن خال رأس النظام، لرعونته وحماقته؛ إضافة إلى مقتل أو سجن أشخاص من عائلة الأسد.. وزادت الأمر توترًا الصراعات بين بعض أقطاب النظام والتي أدت إلى خروجهم من المنظومة الحاكمة؛ فالصراع بين اللواء رستم غزالة رئيس شعبة الأمن السياسي واللواء رفيق شحادة رئيس شعبة الأمن العسكري، أدى إلى موت أو قتل الأول وإزاحة الثاني.
> فشل إعادة تأهيل الأسد والظهور الإعلامي المتعثر
لقد باءت بالفشل كل محاولات إعادة تأهيل النظام ورأسه عبر عمليات تواصل مع مؤسسات أوروبية أمنية وغيرها، ومن خلال عمليات تلميع إعلامية انعكست عليه مزيدًا من فقدان المصداقية بسبب الانفصام عن الواقع ونكرانه.
وبعد سلسلة من المقابلات التلفزيونية الهادفة إلى إعادة تأهيل النظام وتلميعه عبر تقديم أوراق اعتماده للعالم بأنه يقاوم الإرهاب، وبعد افتضاح حالة الانفصام عن الواقع والتنكّر له، يظهر رأس النظام مؤخرًا أمام مجموعة منتقاة في مدرسة أبناء الشهداء بدمشق في مشهد يكلله الخواء ليتحدث عن قيمة الشهادة، ليُفهم من كلامه وكأنه يحث على ضرورة إلحاق الأبناء بالآباء للحفاظ على كرسيّه. في ذلك اللقاء البائس حاول إقناع مستمعيه ومشاهديه بأن خسارة معركة - لأول مرة يذكر عبارة خسارة - لا تعني خسارة الحرب؛ وحجم الخسارة التي يتحدث عنها في تلك المعركة «البسيطة» هي فقط ثلاثة أرباع سوريا. إنه يستشعر اقتلاع «عاصفة الحزم» له، وهي على بعد آلاف الكيلومترات عنه.
ومن هنا، فإن معنوياته المنهارة لن ترفع معنويات بعض الأتباع؛ فالغريق لا يمكنه انتشال غريق آخر؛ خاصة أن إيران التي حملته لسنوات هي ذاتها في حالة اندحار.
> الخوف الأميركي من سد الفراغ بما لا تريده سياسة اللاسياسة
ضغط الملف النووي الإيراني على أوباما أوقعه بين أكثر من مطرقة وسندان؛ فبعد تردد وتلكؤ وغياب استراتيجية تجاه المسألة السورية، كلفت السوريين مئات آلاف الضحايا وخرابًا ودمارًا وتشردًا غير مسبوقة؛ وبعد تركها فراغًا خدم أغراضها واستغله الآخرون على الضفة الأولى، تجد واشنطن نفسها وجهًا لوجه أمام من يبدي استعدادية لسد الفراغ السوري الخبيث. فهي غير قادرة فجأة على تجاوز ما اتُّفق عليه سعوديًا وقطريًا وتركيًا. عندها كانت عبارة أوباما الأشهر «لماذا لا يساعد العرب السوريين في إنقاذهم من الديكتاتورية؟!» ومن ثم توالت تصريحات المسؤولين الأميركيين مجددًا بأنه لا مستقبل للأسد في مستقبل سوريا؛ وحضرت بقوة تصريحات أميركية تعترف بضلوع النظامين الإيراني والسوري في دعم الإرهاب.
في سياق الملف النووي، وفي سياق ضرورة وجود تطمينات لجيران إيران، وفي سياق تغوّل إيران في أربع دول عربية، يأتي لقاء كامب ديفيد. هناك قد يتوافر من يجيب عن سؤال أوباما البلاغي: « لماذا لا يأتي العرب إلى تخليص السوريين من وحشية النظام»، القول: «سياستك هي التي كانت تمنعنا وتحول دون ذلك». ولكن لأسباب بروتوكولية قد لا تكون هناك ضرورة لإطلاق هكذا جواب.
يكفي أن يكون هناك لفت انتباه إلى أن الانخراط الأميركي الجديد في المسألة السورية يجب ألا يكون معرقلاًً لجهود من أرادوا أن يسدوا الفراغ الذي تركته واشنطن؛ أو رادعًا لجهودهم بدعم الثوار في تحرير سوريا من إيران والنظام المستبد القائم.

من هنا.. إلى أين؟
السيل السوري الجارف مستمر؛ والثوار على مشارف الساحل بعد جسر الشغور والاقتراب من السد المانع في الغاب؛ وضغط الغوطتين الشرقية والغربية يضيّق الخناق على دسّامات قلب النظام؛ والخطر الأكبر قادم من الجنوب، فالمنشآت الحكومية في درعا أخليت من محتوياتها. أما القادم من الشمال فهو استكمال تحرير حلب. ويبقى معقل العاصمة الذي يبدو الآن هادئًا، فلا بد أن قرار استثناء دمشق (المدينة) الدولي لا يزال ساري المفعول؛ إلا أن التصريح الإيراني الذي ربما أفلت سهوًا لا يزال ضجيجه يصم الآذان بخصوص نقل النظام مركزه إلى طرطوس الساحلية. وهذا إنذار واضح بالتقسيم.
في هذا السياق، ربما تأتي معارك القلمون التي وعد بها حزب الله. ولا يغيب عن مراقب أن هدف خطوة كهذه ليس إلا خلق «كوريدور» - أي ممر - يصل دمشق بحمص بالساحل لتشكيل دولة أكثر اتساعًا بقليل من دولة الساحل التي لا بد يفكّر بها. إذا كان الفشل مصير حرب فلول النظام وحزب الله سيجد هؤلاء المبرر للانكفاء على دولة للنظام تتجاوب مع تلك الدعوة الإيرانية لنقل العاصمة إلى طرطوس. وهنا يكون الاستناد التبريري للنظام ومن يدفعه وجود دولة لـ«داعش» وأخرى للأكراد وثالثة في حلب وإدلب ورابعة في الجنوب. ويكون ذلك وصفة اقتتال ودمار مستمر لسوريا الوطن الواحد لكل السوريين.
المستفيدون من ذلك كثر على رأسهم إسرائيل؛ وستكون النهاية لسوريا والسوريين.
أمر كهذا يخالف الطبيعة، وهو وصفة بؤس ودمار لا للسوريين فحسب بل لمن يرى نفعًا من ذلك - حيث ستصله الارتدادات عاجلاً أم آجلاً؛ فعلى المدى البعيد يستحيل على السوريين أن يكونوا بحالة تبعثر كامل هكذا؛ وبإرادتهم ودعم الإرادات الطيبة سيفشلون أي مشروع تقسيمي؛ ويكونون كيانًا واحدًا يتجاوز جروحه العميقة ويريح محيطه ويستريح.
أخيرًا، لا بد من القول إن تشعبات القضية السورية وتعقيداتها جعلت منها مسألة دولية، حيث تقرر مصير السوريين ومستقبل بلدهم أياد خارجية بعضها خيّر ويحترم القانون الدولي والإنساني وبعضها غير ذلك. قمة كامب ديفيد ستكون حاسمة بالنسبة لسوريا. في آخر مقال له يقول دينيس روس: «إذا ما أراد أوباما لقمة كامب ديفيد أن تنجح بهذا الصدد؛ فها هو الوقت المناسب للجد في إيجاد منطقة عازلة في سوريا»، وبذا يشعر قادة الخليج بجدية واشنطن في وقف تغوّل إيران في شؤون الدول العربية.
تلك ستكون نقطة التحول الأساسية بتاريخ سوريا الجديد. ما علينا إلا أن ننتظر ونعتبر.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».