السنيورة: فوز «حزب الله» بالأكثرية البرلمانية «يغيّر وجه لبنان»

قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحريري لم يدعُ لمقاطعة الانتخابات

فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)
فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)
TT

السنيورة: فوز «حزب الله» بالأكثرية البرلمانية «يغيّر وجه لبنان»

فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)
فؤاد السنيورة (إ.ب.أ)

يخوض رئيس الحكومة اللبنانية السابق فؤاد السنيورة سباقا مع الوقت في مسعاه لحث المسلمين السنة على عدم «الانكفاء» عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي انطلقت أمس في دول الاغتراب، وتنتهي منتصف الشهر باقتراع اللبنانيين في الداخل، والتي يراها السنيورة «مفصلا أساسيا في مواجهة سعي حزب الله وحلفائه للسيطرة على لبنان».
ويلخص السنيورة في حديث مع «الشرق الأوسط» أسباب اتخاذه قرار دخول معترك الانتخابات، رغم قرار رئيس كتلة «المستقبل» سعد الحريري تعليق العمل السياسي، لقناعته أنه «لا يجوز ترك الساحة فارغة ليصار إلى ملئها من قبل طارئين وأصحاب مصالح شخصية» معتبرا أن هؤلاء «يخدمون بعض القوى التي تحاول أن تطبق على الدولة اللبنانية والمؤسسات الدستورية اللبنانية من خلال المجلس النيابي، والتأثير على عملية انتخاب رئيس جمهورية واستعمال الأكثرية إذا حصلوا عليها بالمجلس النيابي وما يمكن أن يحصلوا عليه من دعم آخرين في مجلس النواب بسبب التهويل والتهديد والتأثيرات لكي يساهموا في تعديل الدستور وتشريع سلاح (حزب الله)».
ويرى السنيورة أن المقاطعة عبثية، مستدلا إلى ذلك بتجربة المقاطعة المسيحية في العام 1992، والتي نجحت فيها إحدى المرشحات بـ47 صوتا فقط، كما يذكر بتجربة العراق بالنسبة للفريق السني الذي امتنع قسم منه عن المشاركة بالانتخابات، «فالانتخابات أجريت وحتى الآن ما زال هناك من يتأثر سلبا بتلك الانتخابات».
أما قراره عدم الترشح ولعب دور «صانع النواب»، فيبرره السنيورة بمنطق بسيط: «أنا حصلت على كل ما يمكن أن يحلم به أي ناشط بالعمل السياسي بلبنان، كنت وزيرا للمالية في 5 حكومات من تلك التي ألفها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم بعد استشهاده أصبحت رئيسا للحكومة لأربع سنوات ونصف وبعد ذلك عملت أيضاً وترشحت للعمل النيابي وكنت رئيسا لكتلة «المستقبل» لمدة 8 سنوات. ويقول: «اتخذت قراراً أن لا أترشح وأردت أن أعطي نموذجا لإنسان يستطيع العمل بالشأن العام وليس بالضرورة أن يكون ساعيا لموقع أو منصب. أنا أشعر أني وضعت كل النجوم فلست ساعيا لزيادة عددها».
وهذه الوقائع تدفع السنيورة أيضاً للاستشهاد بها كسبب رئيسي لعدم «إدارة الظهر للناس». وقال: «بادرت للقيام بهذا العمل وتحملت عذاباته ومخاطره أيضاً، وعندما قمت بهذا العمل حصل ذلك بعد أن تشاورت مع عدد من أصحاب الرأي ورؤساء المؤسسات الاجتماعية في لبنان وجميعهم أشاروا إلى أنه لا يجوز أن تترك الساحة بهذا الشكل، هذا الأمر هو الذي دفعني لاتخاذ هذا الموقف ورأيت أصداء إيجابية من قبل المكون السني بلبنان ومن المكونات الوطنية أيضاً وتجاوبا عربيا، لأن العرب يريدون أن ينهض لبنان من كبوته وأن يقف إلى جانبهم إذا أراد اللبنانيون أن ينهضوا بوطنهم بالتالي هم حريصون على لبنان وعلى أن لا تتأزم الأمور أكثر مع ما يحمل من شرور على الوطن العربي».
ولهذا يشعر السنيورة أن «هذا العمل على مقدار مصاعبه والمشكلات التي يطرحها هو أقل بكثير من المصائب أو المشكلات التي يمكن أن تحصل بلبنان إذا جرت المقاطعة»، ومن هذا المنطلق، يدعو الجميع إلى «موقف جدي وصارم في الرغبة بالاقتراع وأنا أدعوهم للاقتراع والمشاركة بالعملية الانتخابية التي هي حق وواجب على كل واحد كما أدعوهم أن يختاروا صح، بمعنى أن يختاروا من يقوم فعليا بدعم الدولة اللبنانية واستعادة دورها وسلطتها وهيبتها، ولمنع أن يصار إلى القبض على الدولة اللبنانية لخدمة مصالح آخرين».
ولا يشارك السنيورة بعض أنصار الحريري تفسيرهم قراره تعليق العمل السياسي وعدم الترشح للانتخابات، بأنه قرار بالمقاطعة.
ويقول: «النص الذي اعتمده الرئيس الحريري بهذه الدعوة يقتصر فقط على عدم ترشحه وعدم رغبته أن يترشح أحد من تيار المستقبل ودعوته من يريد أن يترشح بألا يترشح باسم تيار المستقبل أو أن يقدم استقالته.
أما أنه دعا المسلمين أو اللبنانيين أن يقاطعوا الانتخابات فهذا ليس صحيحا. هناك أناس إما مداهنون أو يريدون «تبييض وجوههم»، وهذا أمر لا أريد أن يصار إلى تحميل مسؤوليته للرئيس سعد الحريري». ويقول: «أنا أعتقد أن المصلحة الوطنية للبنان أن يصار إلى الإقبال بكثافة على الاقتراع، وليس بالاستماع إلى وجهات نظر من أشخاص لا يقدرون التأثيرات السلبية التي قد تنجم عن هذه المقاطعة إذا جرت، لذلك يجب ألا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل لكن هناك من يحب أن يكون ملكياً أكثر من الملك وهذا غير صحيح وغير مجدٍ». ويتابع: «لا يستطيع أحد أن يستنكف ويتخذ موقفا سلبيا ويبتعد ويعتقد أنه بهذه الطريقة يكون يخدم نفسه أو أن هذه المقاطعة هي الطريقة الوحيدة من أجل التعبير عن عدم الرضا عن قانون كان من المفروض أساسا أن لا يصار إلى إقراره»، ويستدرك: «أنا شخصيا كنت رافضاً لهذا القانون، كما كنت رافضاً لعملية انتخاب الجنرال عون رئيسا للجمهورية». ويشرح موقفه بأن «هذا القانون مخالف للدستور وخاطئ ويحد من حرية الناخب بأن يغير أسماء أو يعترض على شيء، كما يجبره على الالتزام بلائحة ويختار منها شخصاً يعطيه «الصوت التفضيلي»، وهذا برأي السنيورة «يخلق مشكلات إضافية لدى المرشحين لأن الخلاف يحصل بين المرشحين في اللائحة نفسها على الصوت التفضيلي وبدلا من أن يكونوا متعاونين يصار إلى تسليم كل منهم خنجرا يقتص به من زميله باللائحة». ويرى أنه بدلا من المقاطعة «كان من المفروض الاحتجاج على هذا القانون عند عرضه على مجلس النواب، الآن نبكي على الأطلال، بينما من الأفضل ألا نقوم بخطيئة أخرى وبأن نبادر بالتعبير عن رفض هذا القانون بانتخاب الذين هم ضد هذا القانون حتى نصل إلى تغيير، أما الطريقة التي يتم فيها التعبير عن بعض المواقف ففيها الكثير من الاستعجال وقلة البصيرة من قبل البعض».
ويشيد السنيورة بالبطريرك الماروني بشارة الراعي ومفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان «اللذين أخذا موقفا واضحا وصريحا بدعم المشاركة بالانتخابات للاقتراع الصحيح ومن أجل الوقوف ضد التدهور المستمر ومن أجل إنقاذ لبنان» فالإنقاذ لا يكون بالانكفاء ولا بالمواقف السلبية بل بالمواقف الإيجابية عبر انتخاب الناس الذين بإمكانهم أن يغيروا هذا القانون».
وعن لائحة «بيروت تواجه» التي يدعمها في بيروت، يقول السنيورة: «بها ميزتان أساسيتان، الأولى أنها «ليست لائحة رمادية، بل واضحة في مواقفها من الدعوة لاستعادة الدولة اللبنانية وإعادة الاعتبار للدستور، واتفاق الطائف واستكمال تطبيقه والدعوة للالتزام بقرارات الشرعيتين العربية والدولية واحترام استقلالية القضاء والحرص على الممارسة الحقيقية للنظام الديمقراطي البرلماني الذي جرى تخريبه من خلال هذه الممارسة المبنية على بدعة اسمها الديمقراطية التوافقية التي خربت آليات النظام الديمقراطي، والأمر الثاني على الشعب أن يعي أن هؤلاء الناس ذاهبون إلى مجلس النواب وليس بنزهة، بالتالي عليك أن ترسل أناسا مؤهلين للقيام بهذا الدور وليس فقط أن لهم شعبية قوية».
أما مرحلة ما بعد الانتخابات، فيجب أن يتم التركيز على «ضم الصفوف لمن يؤمنون باستعادة الدولة اللبنانية لدورها وقدرتها على أن تؤكد على المبادئ الأساسية التي قامت عليها هذه الانتخابات، أي أن تكون فعليا معبرة عن صوت الناس». ويشدد السنيورة على «الدعوة إلى تكوين ائتلاف بمجلس النواب من قبل المؤمنين بهذه المبادئ».
ويقول: «نحن نريد أن نسترجع إرادة لبنان الحرة وقرار الدولة اللبنانية الحر من يحاولون اختطافها، وأعني بذلك حزب الله ومجموعات أخرى، وأيضاً يكون موقف هذه المجموعة الحرص على لبنان واستقلاله ومنع التعدي عليه من قبل إسرائيل التي هي العدو الذي نواجهه وأيضاً من الخصوم الآخرين الذين يحاولون القبض على لبنان ومنعه من أن يمارس قراره الحر».
وينطلق السنيورة من هذا الاستحقاق للدعوة لوقف ما سماه «بدعة حكومات الوحدة الوطنية» مشيرا إلى أن مثل هذه الحكومات «تكون في ظروف معينة مثل الحروب أو المشكلات الخطرة، ليعودوا بعدها إلى الظروف العادية حيث هناك أكثرية تحكم وأقلية تعارض».
ويعارض السنيورة الدخول في «دهاليز الديمقراطية التوافقية»، فهذه البدعة لديها هدف واحد برأي السنيورة وهو «تمكين حزب الله من أن يكون من خلال أقلية لديه أن يتحكم بالأكثرية». ويقول: «نحن انتقلنا إلى أن تكون أقلية صغيرة تمارس سلطتها على الأكثرية وأصبحنا بوضع لا يستطيع فيه مجلس الوزراء أن يكون مكاناً للقرار بل مكانا للمساجلات، وشهدنا عمليات التعطيل على مدى سنوات»، ويخلص إلى «أننا منذ عام 2008 إلى اليوم أضعنا 60 في المائة من هذه السنوات دون الوصول إلى أي اتفاق وإذا وصلنا يكون ناتجا عن مقايضة»، وبالنتيجة، يخلص السنيورة إلى «أنهم خربوا النظام الديمقراطي البرلماني».
أما ما بعد الحكومة، فهناك هناك عدة قرارات يجب اتخاذها منها انتخاب رئيس جمهورية وجملة من المشاريع الإصلاحية التي يجب على لبنان أن يتخذها من أجل إنقاذه من الانهيار وهذا لا يحصل إلا من خلال مجموعة قادرة بمجلس النواب.
وعما يعنيه فوز تحالف «حزب الله» بالانتخابات؟ يسارع السنيورة إلى القول بأن هذا الفوز إن حصل «يغير وجه لبنان الديمقراطي الاقتصادي الحر الثقافي والانفتاح واحترام دور الدولة وقرارها الحر والدستور واستقلالية القضاء»، مشيرا إلى «كل مظاهر التخريب للنظام الديمقراطي التي نراها بأعيننا ومظاهر تخريب استقلالية القضاء ومظاهر تخريب التوازنات الداخلية والتوازنات بسياسة لبنان الخارجية وعلاقته مع الأشقاء العرب والعالم والدول الصديقة، كل معالم ما يسمى احترام القرارات الشرعية العربية والدولية كلها تنهار، ولن يعود بالإمكان إنقاذ لبنان إذا استمررنا بهذا الأسلوب».
ويحاول السنيورة أن يكون «واقعيا»، فهذه الانتخابات «تؤشر إلى بداية النضال الحقيقي وبالتالي يجب أن يكون نضالا سلميا ديمقراطيا واضحا، وبالتالي يتحمل الناس مسؤولية التغيير»، معتبرا أن شعار «كلن يعني كلن» ليس صحيحا بل طريقة من أجل تجريد الفعل وتجهيل الفاعل وهذا لا يحل مشكلة».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.