«مواجهة كلامية» بين واشنطن وموسكو في مجلس الأمن

نيبينزيا حمل على «نفاق» الغرب... وغرينفيلد رفضت «نظريات المؤامرة»

جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)
جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)
TT

«مواجهة كلامية» بين واشنطن وموسكو في مجلس الأمن

جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)
جانب من جلسة مجلس الأمن في نيويورك الخميس الماضي (إ.ب.أ)

حض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دول العالم على الوحدة من أجل وقف حرب روسيا في أوكرانيا، واصفاً الحرب الجارية منذ نحو عشرة أسابيع بأنها «بلا معنى» و«لا حدود لقدرتها على إحداث ضرر عالمي». وتبادل المندوبان الأميركي والروسي الاتهامات في جلسة مجلس الأمن مساء الخميس، مع سعي الولايات المتحدة ودول أخرى إلى «محاسبة» روسيا على «الجرائم» التي ترتكبها في أوكرانيا، وإدانة موسكو «مكر» الغرب وعدد من المسؤولين الأمميين.
تزامنت الجلسة الأممية مع تواصل عمليات لإجلاء المزيد من المدنيين المحاصرين في مصنع آزوفستال للصلب في مدينة ماريوبول. وساعدت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع الجيش الروسي والسلطات الأوكرانية حتى الآن في إجلاء نحو 500 مدني من المنطقة في عمليتين خلال الأسبوع الماضي. ولم يوضح غوتيريش تفاصيل عملية ثالثة بدأت بالفعل «تلافياً لتقويض النجاح المحتمل».
وعقد مجلس الأمن جلسة مساء الخميس بتوقيت نيويورك، هي الأولى برئاسة الولايات المتحدة منذ توليها رئاسة المجلس لشهر مايو (أيار) الجاري، عرض فيها أحدث التطورات فيما يتعلق بالوضعين الأمني والإنساني وجهود الأمم المتحدة لمساعدة المدنيين وإنقاذهم في العديد من المناطق الأوكرانية. واستمع أعضاء المجلس إلى إحاطات من المسؤولين الكبار في الأمم المتحدة، وبينهم الأمين العام ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية منسق المعونة الطارئة مارتن غريفيث والمفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشال باشيليت.
وتحدث غوتيريش عن الزيارة التي قام بها أخيراً لكل من موسكو وكييف، واجتماعاته مع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال إنه خلال وجوده هناك «لم ألطف الكلمات»، مكرراً أن «الغزو الروسي لأوكرانيا هو انتهاك لوحدة أراضيها ولميثاق الأمم المتحدة»، وأضاف أنه «يجب أن يتوقف من أجل الشعبين الأوكراني والروسي والعالم بأسره». وإذ ذكر بمناشدته الرئيس الروسي على ضرورة تمكين وصول المساعدات الإنسانية وعمليات الإجلاء من المناطق المحاصرة، بما في ذلك ماريوبول ومصنع آزوفستال، عرض العمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والسلطات الروسية والأوكرانية لتحقيق هذه الغاية بنجاح على رغم أن هذه «عملية إنسانية بالغة التعقيد، من الناحيتين السياسية والأمنية». وأمل في أن يؤدي التنسيق المستمر إلى مزيد من الهدنات الإنسانية بغية «إخراج الناس من هذا الجحيم». وقال غوتيريش: «يحدوني الأمل في أن يؤدي التنسيق المتواصل مع موسكو وكييف إلى مزيد من عمليات وقف القتال لأسباب إنسانية لتوفير ممر آمن للمدنيين بعيداً عن مناطق القتال والسماح بوصول المساعدات إلى أولئك المحتاجين إليها بشدة».
وتكلم غوتيريش أيضاً عن «الحاجة إلى إجراءات سريعة وحاسمة لضمان التدفق المستمر للغذاء والطاقة إلى الأسواق»، داعياً إلى رفع قيود التصدير ومعالجة الزيادات في أسعار المواد الغذائية وتهدئة تقلبات السوق. وقال إن «الحرب على أوكرانيا لا معنى لها ولا ترحم في أبعادها ولا حدود لقدرتها على إحداث ضرر عالمي»، مشدداً على «وجوب أن تتوقف دورة الموت، والدمار، والتشريد، والاضطراب. حان الوقت للوحدة وإنهاء هذه الحرب».
- الوضع الإنساني
أفاد غريفيث بأن تدمير البنية التحتية المدنية صار من سمات هذا النزاع، مشيراً إلى تعرض المباني السكنية والمدارس والمستشفيات في المناطق المأهولة للهجوم. وقال: «أجبر أكثر من 13 مليون أوكراني الآن على الفرار من ديارهم، بينهم هنام 7.7 مليون نازح داخلياً». ولفت إلى أن الطرق مليئة بالذخائر، ما يعرض المدنيين للخطر ويمنع القوافل الإنسانية من الوصول إليهم. ومع ذلك، «وصلنا إلى أكثر من 4.1 مليون شخص بشكل من أشكال المساعدة في كل المقاطعات الـ24 في البلاد». وأوضح أن الأمم المتحدة «تمكنت حتى الآن من تنظيم خمس قوافل مساعدات مشتركة بين الوكالات إلى بعض المناطق الأشد تضرراً».
- انتهاكات جسيمة
أما باشيليت، فقالت إن بعثة المفوضية السامية إلى أوكرانيا «تواصل التحقق من مزاعم انتهاكات قانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي في سياق الهجمات المسلحة التي تشنها روسيا على أوكرانيا»، مضيفة أن مكتبها «سجل 6731 حالة من الخسائر في صفوف المدنيين» منذ بدء الهجوم الروسي المسلح على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط)، علماً بأن «العدد الحقيقي أكبر بكثير». وأكدت أن التقارير عن الحوادث المميتة مثل تلك التي طالت مستشفى رقم ثلاثة والمسرح في ماريوبول ومحطة القطار في كراماتورسك والمناطق السكنية في أوديسا «أصبحت تتواتر بشكل صادم». وأشارت إلى رصد 180 حالة، خمس منها انتهت بوفاة الضحايا، من «الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري لممثلين عن السلطات المحلية وصحافيين ونشطاء مجتمع مدني وأفراد من القوات المسلحة والعسكريين المتقاعدين، وغيرهم من المدنيين، على يد القوات الروسية المسلحة والمجموعات المسلحة الموالية لها».
واستمع أعضاء المجلس أيضاً إلى إحاطة من منسقة المناصرة في منظمة «الحق في الحماية» الأوكرانية تاتيانا لوزان، التي تحدثت عن الجهود المشتركة التي «تهدف إلى دعم الأوكرانيين الشجعان الذين يقاتلون في الصفوف الأمامية» لمقاومة الحرب الروسية.
- «مكر ونفاق»
استهل المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، كلمته بانتقاد الإحاطات التي قُدمت، بما في ذلك «التقييم الأحادي» من باشيليت. وكذلك حمل على «مكر» بعض الدول التي «لطالما حلمت بتحويل أوكرانيا جسراً وساحة معركة ضد روسيا». وأكد أن مسؤولي تلك الدول «فعلوا ذلك منذ استقلال أوكرانيا قبل 30 عاماً، سياسياً وآيديولوجياً، واليوم يواصلون القيام بذلك من خلال تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا». واعتبر أن «سلطات كييف أيضاً ماكرة وغير قادرة على التفاوض وتنتهج الأكاذيب وأساليب الخداع، بما في ذلك ضد شعبها طوال هذه السنوات (…) بدلاً من تلبية حاجات الدولة، مع الوجود المتنامي للفساد والأوليغارشيين في أوكرانيا»، فضلاً عن «محاولة نكران كل ما هو روسي». ووصف ما يحدث الآن بأنه «حرب بالوكالة بين الغرب وروسيا». وقال: «اليوم لا نزال نُصعق بسبب نفاق الشركاء الغربيين، فمسألة الاعتداء الأميركي على العراق وليبيا وسوريا ويوغوسلافيا أو الحملة على أفغانستان أو ما حصل أيضاً في فيتنام، كأنه أصبح من الماضي».
- «محاسبة» روسيا
في المقابل، قالت رئيسة مجلس الأمن، للشهر الجاري، المندوبة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد إن «روسيا انتهكت ميثاق الأمم المتحدة. وتجاهلت دعوتنا العالمية الموحدة لإنهاء هذه الحرب»، مضيفة أن «الرسالة التي ما زلنا نسمعها بصوت عالٍ وواضح من موسكو هي أن روسيا لا تحترم أو تؤمن بالأمم المتحدة وميثاقنا، ولن تكون جهة فاعلة مسؤولة في النظام الدولي». وذكرت أن «روسيا كذبت على هذا المجلس مراراً وتكراراً بسلسلة جامحة من نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة. كذب أكثر سخافة مما سبقه». وحضت المجلس على مساعدة أوكرانيا وشعبها من أجل «العودة إلى الحياة الطبيعية. يمكننا القيام بذلك بطريقتين: من خلال دعم الشعب الأوكراني وجهوده، ومحاسبة روسيا». وأكدت أن الولايات المتحدة تدعم مجموعة من التحقيقات الدولية في الفظائع المرتكبة في أوكرانيا، بما في ذلك جهود المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وغيرها.
ودعا معظم أعضاء مجلس الأمن، بمن في ذلك ممثلو الصين والولايات المتحدة وإيرلندا وفرنسا والمكسيك إلى «إنهاء الحرب». وقال المندوب الصيني تشانغ جون إن «الحوار والمفاوضات وحدهما سيسمحان بوقف المعارك»، منتقداً إرسال أسلحة إلى أوكرانيا. ودعا نظيره الكيني مارتن كيماني الأمين العام للمنظمة الدولية إلى القيام بعملية «وساطة» لوقف الحرب.
وأخيراً، اتهم المندوب الأوكراني سيرغي كيسليتسيا روسيا بإطلاق أكثر من ألفي صاروخ على المدن الأوكرانية، مشيراً إلى أن غالبية تلك الصواريخ طالت المدنيين وليس البنى التحتية العسكرية. وكذلك اتهم روسيا باستهداف الأمن الغذائي لبلاده والعالم. وقال: «سرقت روسيا نحو 400 ألف طن من الحبوب من المناطق المحتلة... إضافة إلى سرقة الحبوب تقوم روسيا بشن هجمات على صوامع الحبوب والبنى التحتية الزراعية وأماكن الأسمدة وتواصل سرقة معدات الزراعة».
وكشف دبلوماسيون أن النرويج والمكسيك، وهما عضوان غير دائمين في المجلس، قدما نصاً إلى شركائهما يعبر عن «دعم قوي لمساعي الأمين العام الحميدة في البحث عن حل سلمي». ولكن لم يتضح ما إذا كان مجلس الأمن سيتمكن من اتخاذ أول موقف موحد من المجلس المنقسم منذ بدء الحرب في 24 فبراير الماضي. ولم تعلن موسكو أي موقف بعد من النص.


مقالات ذات صلة

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

العالم العربي «اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

قالت الأمم المتحدة اليوم الاثنين إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».