في الجناح السعودي ببينالي فينيسيا للفنون، هناك كائن أسطوري ضخم يشغل أغلب المساحة الممتدة من مدخل إلى مخرج الجناح. نحن أمام كائن ضخم أسود يتنفس بعمق ويتحرك كأنه يتمدد في الفضاء أمامنا. الانطباع الأول للداخل للقاعة يأتي من تجمع كثيف من سعف النخل المطلي باللون الأسود، تفاجئنا بقوة، وتحيرنا أيضاً. نتتبع ذلك الانفجار وتمدده إلى داخل القاعة، حيث نكتشف المزيد، ونرى بداية التكوين الضخم على الجهة المقابلة. ننظر لأعلى ونرى بداية الكائن: خط من السعف الأسود. نقطة بداية تتطور وتتمدد وتكتسب كثافة، من سعفة لآلاف السعفات تنضم في جسم وتكوين ضخم يمر متلوياً عبر القاعة، نرى ظله على الأرض، ونسمع بين الفينة والأخرى صوتاً يشبه التنفس، وفجأة نستوعب أن الكائن الضخم أو «الوحش» كما سماه أحد الزوار، هو في حالة تطور وتمدد، ينبض بالحياة ويصل لنقطة الذروة والانفجار لتتفتح سعفاته فيما يشبه الباقة الضخمة السوداء، التي تكاد تستولي على كل المساحات الفارغة حولها.
«منطق الشجر» هو عنوان الجناح والعمل المكون من هيكل واسع بطول 40 متراً تمت صناعته عضوياً من سعف النخيل المطلي باللون الأسود، الذي تُحركُه آليات تعمل بضغط الهواء.
حسب بيان هيئة الفنون البصرية بوزارة الثقافة السعودية، الجهة المكلفة للجناح، فالعمل الفني هنا يسعى «لاستكشاف موضوعات الابتكار والتجدد والطبيعة والأساطير، عبر استثمار قوة الخط، وتأثير الكتابة، وتوليد الأفكار؛ حيث يعد ترك الأثر ورسم الخط مهمة أساسية لدى مهند شونو، بدءاً برواياته المصورة ورسوماته الأولية، ووصولاً لأعماله الفنية التركيبية الروبوتية الأخيرة».
بشكل ما يدلنا العمل على الفنان، إذ إن الفنان مهند شونو لديه ولع خاص بالتكوينات الضخمة المتمددة وأيضاً باللون الأسود. عبر أعماله السابقة بدا لنا افتتان الفنان بالخط وباللون الأسود وبالعناصر الطبيعية المولودة من رحم الطبيعة في الصحراء العربية.
أطلق حواري مع الفنان بالإشارة إلى ضخامة العمل، وحب الفنان لما أطلق عليه «التركيبات ذات الرسالة» أو «Statement pieces»، يقول شارحاً عمله، «أعتقد أنني أحاول هنا التعبير عن الخيال الحي المتمتع بالقوة والذي لا يمكن تقييده»، يرى الفنان في عمله أيضاً تعبيراً عن «قوة الإبداع الذي ينمو على الرغم مما قد يحده فيجعله أكثر صموداً».
لشونو رؤية خاصة لمعوقات الإبداع، يلجأ للطبيعة في تشبيهاته دائماً، «نتعلم منها دائماً». وهنا يرى أن الدمار يتبعه ميلاد «دورات التدمير تؤدي للبعث، فإحراق غابات الخيال إنما يؤدي لتخصيب التربة (كالأشجار التي تتغذى على رماد الحرائق)». أذكر أن الفنان كانت له تجربة من خلال إقامة فنية في العلا هذا العام، حيث ركز عمله المعنون «في هذا اليوم المقدس» على البعث بعد الدمار، الذي يمثله بقايا سعف النخل المحروقة. يجيبني: «عملية الحرق المحكومة هي طريقة لإحداث التغيير، إذا لم نتبن هذا النوع من الحرائق المحكومة، فالناتج سيكون حرائق خارجة عن السيطرة».
رغم رمزيتها وإشاراتها المخفية، يظل لكلمات شونو تأثيرها القوي، وتغرس في داخلنا الإحساس بأهمية الخيال والإبداع وحمايته في كل الأحوال.
الخيال والإبداع لدى شونو لهما مراتب عالية يرى فيهما الملجأ من قسوة العالم «عندما يصبح الواقع حولنا مبهماً وعصياً على الفهم مثل الكابوس، فليس أمامنا سوى التراجع داخل مخيلتنا، وخلق عوالم وأشخاص لتصبح هي ملجأنا». لا تظل المخيلة الإنسانية مقيدة طويلاً، فمن طبائعها التسرب لتغير العالم، «أرى أنه من الخطر أن نحاول تقييد الخيال أو تحجيمه». ويرى أن العواقب تتمثل في «تكلس العقل والخيال، فمن المهم أن نحافظ على تدفق الخيال وسيولته». في عقل شونو تدفق الخيال يرتبط بسيولة الحبر الأسود الذي يستخدمه في أعماله، بالنسبة له من يستخدم الحبر ويكتب به مهم جداً، الخط الذي يرسمه الحبر قد يكون مليئاً بالمعاني، أو قد يكون خطا «شاطباً» يلغي الكلمات.
جانب من عمل الفنان مهند شونو في جناح السعودية (الفنان وهيئة الفنون البصرية)
«السعف هو أساس غابات الخيال»
الخط هو بداية الكائن المكون من سعف النخل المطلي باللون الأسود، ذلك الخط المعلق في الهواء هو نقطة البداية. يشرح لي: «العمل مصنوع من مواد مستمدة من النخل مثل السعف، وبداخله منظومة إلكترونية تشبه العضلات المتحركة»... السعف طبيعي ويأتي من الصحراء السعودية، طلي بالأسود وتم نظمه في هذا التكوين، «هو رمز من طبيعة المملكة، قمنا بتفكيكه ثم إعادة بنائه بشكل يفقده شكله الأصلي ليتخذ شكلاً جديداً ومفاجئاً... يبدأ من خط واحد محدد، فكرة واحدة متفردة مأخوذة من مخيلة شخص واحد تنضم لغيرها من الخطوط لتكون وحدة وتكون حركة تريد الحياة... من خط وحيد ينمو ويتطور لكيان أكبر يتمدد نحو أماكن أكبر، نحو مساحات أوسع للإبداع».
بملاحظة أن العمل كله باللون الأسود، ما سر اللون الأسود معك؟ «يعود لفكرة الحبر واستخدامه إما للتعبير أو لمنعه، ويقول «اللون الأسود هو الأصل» هو «الوسيلة التي يمكننا باستخدامها التحكم، سواء بالحذف أو بالتعبير، غير أن الحذف قد يأتي بالنتيجة العكسية، إذا حاول من يتحكم بالحبر إلغاء كلمة، فهو إنما يبرز أهميتها، ولهذا فالأسود ليس فراغاً، بل هو أساس كل شيء».
فكرة دورات الحياة والموت والبعث تأخذنا للأسود أيضاً، العودة للرماد ثم منه للبعث، بشكل ما هي دورات التعبير. الحركة التي نشعر بها في ذلك الكائن المتمدد التي يعبر عنها صوت تنفس أيضاً يأخذنا لفكرة التمدد والنمو حتى التفتح الكامل، «نحن نتراجع في داخلنا عندما يصبح العالم حولنا رافضاً للحوار، ولهذا نتراجع حتى نعيد البناء ونعود للحوار مرة أخرى».
جانب من عمل الفنان مهند شونو «منطق الشجر» في جناح السعودية بيبنالي فينيسيا (الفنان وهيئة الفنون البصرية)
مأخوذ بعناصر الطبيعة
أعود به لعناصر الطبيعة الظاهرة دائماً في أعماله، مثل الرمال والأشجار والنخيل، يقول: «أنا مأخوذ بكل المواد التي بها قابلية للتمدد والليونة، ولكني مفتون بشكل أكبر بالعناصر الأساسية لها، مثل ذرات الرمل. ذرة الرمل قد تكون فكرة والخط الواحد هو فكرة أيضاً، وعندما نستخدم أكثر من ذرة رمل وأكثر من خط ونجمعها سوياً، يصبح لها حركة وتصبح كائناً لا يمكن إنكاره، تصبح تعبيراً عن عالم متخيل، هذا أمر مهم جداً في أعمالي».
ما هو أول شيء فكرت فيه عندما أبلغت باختيارك لتمثل السعودية هنا؟ «بكيت في البداية، ثم شعرت بالرغبة في تجسيد ذلك العنصر الأساسي الموجود في كل أعمالي، وأن أصبح صوتاً أحمل معي موجة فنية وروحاً شابة مبدعة موجودة في السعودية حالياً، ولهذا فمشروعي هذا مشروع جماعي يحمل مجهودات فنانين أصدقاء من السعودية ومن خارجها. استطعت نقل فكرتي ومفهوم العمل لهم ليتخيلوه معي ولنترجمه في هذا الشكل».
وللتعبير عن تقديره للمجهود الجماعي لفريقه، دعا شونو الجمهور لتحيتهم أثناء المؤتمر الصحافي الذي أقيم لتقديم الجناح.
أسأله عن محطات ومؤثرات في مسيرته الفنية؟ سؤال تقليدي، ولكن الإجابة عليه كانت غير تقليدية، يقول: «أحاول أن أظل مدركاً ومحترماً لذلك الطفل الذي كنته، كثيراً ما يظن الآخرون أن الأطفال وحدهم لديهم الحق في اللعب بالخيال، ولكني أعتقد أنه بدون استحضار ذلك العالم الخيالي الذي خلقه الطفل داخلنا، لن يتحول العالم الذي نعيش فيه ليصبح كما نتمناه. بشكل آخر فليس من الضروري أن تستمر الأشياء كما كانت في الماضي، ولكن أن نكون على وعي بالأشياء التي مثلت أهمية لنا حين كنا صغاراً».
معرض «منطق الشجر» يعد الأول من تكليف هيئة الفنون البصرية بوزارة الثقافة السعودية، ومن هو من تنسيق القيم الفني ريم فضة، ومساعد القيم الفني روتانا شاكر.
مهند شونو في معرض «منطق الشجر» مع ريم فضة وروتانا شاكر أثناء المؤتمر الصحافي
من جانبها، عبرت دينا أمين الرئيس التنفيذي لهيئة الفنون البصرية بوزارة الثقافة السعودية، عن فخرها بالعمل الذي جسده الجناح السعودي وبالفريق الفني، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «(منطق الشجر) هو مشروع رائع يمثل الروح الإبداعية المتماوجة في السعودية اليوم بين فناني الأجيال الشابة، نحن فخورون بأننا استطعنا تقديم الدعم والبنية التحتية للمجتمع الفني المحلي، وبتسليط الضوء على هذه المواهب الناشئة من قلب المجتمع».

