بوتين يتعهد مواصلة العملية العسكرية حتى «تطبيع الوضع» في دونباس

مسودة روسية لاتفاق سلام... وتشكيك بجدية كييف في المفاوضات

بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)
بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)
TT

بوتين يتعهد مواصلة العملية العسكرية حتى «تطبيع الوضع» في دونباس

بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)
بوتين مترئساً اجتماعاً في الكرملين أمس (رويترز)

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، أن العمليات الحربية سوف تتواصل حتى تحقق أهدافها. وقال إن «الأوضاع المأساوية» في دونباس «أجبرتنا على شن العملية العسكرية»، متعهدا بأن تضمن موسكو «إحلال السلام واستئناف الحياة الطبيعية» في المنطقة.
وكان بوتين يتحدث خلال اجتماع لمنظمات غير حكومية دعيت للمشاركة فيه طفلة لجأت من لوغانسك إلى مدينة سيفاستوبول، وتعمد إجراء مقاربات بين الوضع الحالي في دونباس وفي المدينة التي ضمتها روسيا مع القرم في العام 2014. وقال الرئيس الروسي مخاطبا الطفلة اللاجئة: «ذكرت أن حياتك تغيرت بشكل ملموس منذ مغادرتك لوغانسك... وللأسف فقد تغيرت الكثير من الأمور خلال السنوات الماضية في لوغانسك لكن للأسوأ، لأنه على مدى السنوات الثماني تواصلت هناك غارات وعمليات قصف مدفعي وأعمال قتالية، وبطبيعة الحال عاش الناس ظروفا صعبة للغاية». وأشار بوتين إلى أن «حياة سكان شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول تغيرت تماما عن الوضع في دونباس»، مضيفا أن «المأساة في دونباس وخصوصا جمهورية لوغانسك الشعبية هي التي أجبرت روسيا على بدء هذه العملية العسكرية».
وجدد الرئيس الروسي التأكيد على أن هدف العملية العسكرية التي أطلقتها موسكو في 24 فبراير (شباط) الماضي يكمن في «مساعدة مواطنينا في دونباس»، وزاد: «سوف نتصرف تدريجيا وسنحقق وضعا يضمن تطبيع الحياة هناك وتغييرها نحو الأفضل كما حصل في سيفاستوبول».
وفي موضوع آخر، شدد الرئيس الروسي خلال اجتماع مع قادة عسكريين على أهمية اختبار صاروخ «سارمات» الباليستي الروسي العابر للقارات، لأول مرة أمس. وشدد على أن «هذه المنظومة لا نظير لها في العالم حاليا». وكان لافتا تركيز الكرملين على أهمية اختبار هذا الصاروخ الأحدث في ترسانة روسيا الصاروخية، على خلفية تقارير غربية تحدثت عن أن الحرب الأوكرانية أظهرت وجود ثغرات كبيرة في قدرات روسيا العسكرية.
بدورها، أفادت وزارة الدفاع في بيان بأن الصاروخ «سارمات» أطلق بنجاح في الساعة الـ15:12 بتوقيت موسكو من نفق في مطار «بليسيتسك» الفضائي في مقاطعة أرخانغيلسك شمال البلاد. ووفقا للبيان، فقد «تم تحقيق أهداف عملية الإطلاق بالكامل، وتم تأكيد المواصفات المعلنة في كافة مراحل تحليق الصاروخ، ووصلت الرؤوس الحربية التدريبية إلى منطقة محددة في معسكر (كورا) في شبه جزيرة كامتشاتكا (في أقصى شرق البلاد)». وتعد هذه أول عملية إطلاق تجريبي ضمن برنامج اختبارات «سارمات»، والذي ستسلم المنظومة الجديدة منه بعد إتمامه إلى القوات الصاروخية الاستراتيجية للجيش الروسي. وأكدت الوزارة أن الاستعدادات جارية في الجيش الروسي لانتقال الأفواج الصاروخية الرئيسية إلى استخدام «سارمات» بدلا عن صاروخ «فيوفودا».
وهنأ بوتين قادة وزارة الدفاع، خلال اجتماع افتراضي ترأسه بالاختبار الناجح لـ«سارمات»، واصفا هذا الاختبار بأنه «حدث كبير ومهم في تطوير المنظومات الدفاعية المستقبلية للجيش الروسي». ولفت الرئيس الروسي إلى أن المنظومة الصاروخية الجديدة تحظى بـ«أرفع مواصفات تكنولوجية تكتيكية»، مؤكدا قدرة «سارمات» على اختراق كل وسائل الدفاع الصاروخي المعاصرة. وزاد: «ليس هناك أي نظير له في العالم حاليا ولن يظهر على مدى وقت طويل. إنه سلاح فريد في الواقع يعزز القدرات الدفاعية لقواتنا المسلحة ويضمن أمن روسيا بشكل موثوق في مواجهة أي تهديدات خارجية، ويجبر الذين يحاولون تهديد بلدنا في خضم خطاباتهم العدوانية المسعورة على التفكير جيدا».
وشكر بوتين كل من أسهم في تصميم «سارمات»، مشددا على أن ذلك جاء باستخدام المكونات والتكنولوجيات الروسية، ما يسهل الإنتاج المتسلسل لهذه الصواريخ داخل البلاد، ويسرع تسليم المنظومة الجديدة إلى القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية.
ويعد «سارمات» أول صاروخ روسي الصنع بالكامل، إذا لم تستخدم روسيا تقنيات غربية لتطويره. وهذا أمر له أهمية خاصة على خلفية القيود وحزم العقوبات التي حرمت روسيا من واردات مهمة في المجال الدفاعي.
وتتيح مواصفات الصاروخ وفقا للوزارة توسيع قائمة الأسلحة التي يمكن تجهيزه بها، فيما يخص عدد الرؤوس الحربية وأنواعها على حد سواء، بما يشمل خصوصا رؤوسا فرط صوتية. ما يجعله «الصاروخ الأقوى والأبعد مدى على مستوى العالم ويعزز بشكل ملموس القدرات القتالية للقوات النووية الاستراتيجية الروسية».
في غضون ذلك، كشف الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن روسيا سلمت إلى الجانب الأوكراني مسودة وثيقة تتضمن «صيغة واضحة للتوصل لاتفاق»، وقال إن «الكرة الآن في ملعب كييف، وننتظر منها جوابا».
في الوقت ذاته، اتهم الناطق الرئاسي كييف بأنها «تنحرف باستمرار عن الاتفاقات التي سبق أن وافقت عليها، وتقوم بإدخال تعديلات على موقفها باستمرار»، محذرا من أن الموقف الأوكراني «يتسبب بعواقب وخيمة على مسار المفاوضات ومستوى جديتها وفاعليتها». وردا على سؤال حول ما إذا كانت موسكو طرحت مواعيد نهائية لتلقي الرد الأوكراني، قال بيسكوف: «الأمر يعتمد على الجانب الآخر، لكنني أكرر مرة أخرى، أن ديناميكية العمل في الجانب الأوكراني تسير بشكل سيئ، والأوكرانيون لا يظهرون رغبة كبيرة لتنشيط عملية المفاوضات».
ولم يكشف الكرملين تفاصيل عن مضمون الوثيقة التي سلمت إلى كييف، لكنه لمح إلى أن الصياغة الروسية تشكل ردا «يشتمل تفاصيل واضحة ومحددة» عن الملفات المطروحة للنقاش، وعلى الوثيقة الأوكرانية التي كانت كييف سلمتها إلى الجانب الروسي في اجتماع عقد في إسطنبول قبل أسابيع. وكانت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا قالت في إيجاز أسبوعي أمس، إن «المفاوضات الروسية الأوكرانية تتواصل بخصوص تسوية الوضع في أوكرانيا وضمان وضعها كدولة حيادية غير نووية خارج تكتلات عسكرية، وتشمل أجندة النقاش مسائل نزع السلاح واستئصال النازية واستئناف الوضع القانوني للغة الروسية والاعتراف بالوقائع الحالية على الأرض، منها تبعية شبه جزيرة القرم لروسيا واستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك». واتهمت زاخاروفا المفاوضين الأوكرانيين بـ«محاولة إطالة أمد العملية التفاوضية من خلال رفض اتخاذ مواقف بناءة إزاء المسائل ذات الأولوية ورفض الرد سريعا في بعض الأحوال على المواد والمقترحات المطروحة من الجانب الروسي». وقالت إنه «إذا كان نظام كييف ملتزما برغبة التفاوض التي عبر عنها علنا، فيتعين عليه الشروع في البحث عن صيغ واقعية للاتفاقات».
واتهمت زاخاروفا القيادة الأوكرانية بـ«فقدان السيطرة على الوضع» وقالت إن «واشنطن والناتو يديران العمليات حاليا وليس (الرئيس فولوديمير) زيلينسكي». وزادت أنه «في السنوات الأخيرة تم بناء نهج كييف للمفاوضات بالطريقة نفسها تماما، ومصير اتفاقيات مينسك معروف ولم يتم تنفيذها. النظام في كييف ليس مستقلا إنه خاضع للرقابة. ويستخدم المفاوضات كعنصر للتشتيت».
على صعيد آخر، قالت الدبلوماسية الروسية إن بلادها حذرت فنلندا والسويد من عواقب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو». وقالت إن «بروكسل، تحت رعاية الولايات المتحدة، عملت على جذب السويد وفنلندا إلى هياكلها منذ فترة طويلة، وتم اتخاذ تدابير مختلفة تحت ستار التدريبات لدمج البلدين فعليا في نشاطات الحلف. لقد حذرنا من ذلك بكل الطرق، سواء بشكل علني أو من خلال قنوات الاتصال الثنائية. إنهم يعرفون ذلك، لذلك لا يوجد ما يدعو للدهشة. تم إبلاغهم بكل شيء، وإلى أين سيؤدي ذلك». وكان نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، دميتري ميدفيديف، قال إن روسيا سوف تتخذ تدابير قوية بينها تعزيز الحدود الغربية عسكريا إذا انضمت السويد وفنلندا إلى الأطلسي.


مقالات ذات صلة

لماذا التزم بوتين الصمت عندما أطاح ترمب برئيس فنزويلا؟

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمد يده لمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أنكوردج (ألاسكا) 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

لماذا التزم بوتين الصمت عندما أطاح ترمب برئيس فنزويلا؟

سلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الضوء على موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه العملية العسكرية التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا عمال الإنقاذ في فولغوغراد خلال قصف أوكراني في مايو الماضي (رويترز) play-circle

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، بناءً على طلب أوكرانيا بعد غارات جوية روسية واسعة النطاق، واستخدام موسكو صاروخ «أوريشنيك» الباليستي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله نظيره التركي رجب طيب إردوغان في البيت الأبيض 25 سبتمبر 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا ترى فرصة لحل قضايا عالقة مع أميركا وتشعر بقلق من ارتدادات سياساتها

تعتقد تركيا بوجود فرصة لحل ملفات عالقة مع الولايات المتحدة، فيما يسود قلق من سياساتها دفع إلى المطالبة بامتلاك برنامج نووي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (أ.ب)

ميدفيديف: روسيا ترفض أي قوات أوروبية أو تابعة لـ «الناتو» في أوكرانيا

أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف مجدداً اليوم (السبت) أن روسيا لن تقبل نشر أي قوات أوروبية، أو تابعة لحلف شمال الأطلسي في الأراضي الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا إطفائيان في محيط مبنى أصيب بالضربات الجوية الروسية على كييف (رويترز)

مجلس الأمن يجتمع بشأن أوكرانيا الاثنين بعد ضربات روسية

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا الاثنين بناء على طلب أوكرانيا بعد غارات جوية روسية واسعة النطاق واستخدام موسكو صاروخ «أوريشنيك» البالستي من أحدث جيل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك - كييف)

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)
سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.


تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلنت فرنسا تأجيل قمة مجموعة السبع «جي 7»، هذا العام؛ لتجنب تعارضها مع المباراة النهائية للفنون القتالية المختلطة «يو إف سي»، المقرر إقامتها في البيت الأبيض في 14 يونيو (حزيران) المقبل، للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثمانين، وفقاً لتقرير مجلة «بوليتيكو» الإخبارية، اليوم الجمعة.

ونقلت «بوليتيكو» تقريرها عن مسؤولين مطّلعين ببرنامج قمة «جي 7»، مضيفة أن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن التأجيل الذي سيكون ليوم واحد جاء بعد «مشاورات مع الشركاء في مجموعة السبع».

يشار إلى أن الرابع عشر من يونيو هو أيضاً يوم العلم في الولايات المتحدة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، كانت باريس قد أعلنت سابقاً أن اجتماع قادة الاقتصادات الديمقراطية الرائدة، هذا العام، سيُعقد في الفترة من 14 إلى 16 يونيو، في إيفيان-ليه-بان، على الضفة الفرنسية الجنوبية لبحيرة جنيف.