الجميع يحبون الفضائح الخاصة، والفضائح الراقية أفضل كثيراً، حيث يتساقط الأفاضل والصالحون في الخزي والعار: إنها من القصص التي تستهوي الناس ويهتمون بمعرفتها.
«فضيحة بريطانية خالصة»، مسلسل من ثلاثة أجزاء، يُبث على منصة «برايم فيديو» بدءاً من 22 أبريل (نيسان) الحالي، حيث تلعب كلير فوي دور دوقة أرغايل، شخصية السيدة الأرستقراطية الحقيقية، التي كانت حياتها الخاصة محل قضية نُظرت أمام المحاكم في ستينيات القرن العشرين، التي تسببت في خلق حالة من الهوس الإعلامي وإثارة حفيظة الأمة بأسرها. وعندما بثت هيئة الإذاعة البريطانية نسختها الخاصة من «فضيحة بريطانية خالصة» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بلغ عدد المشاهدين ما يقرب من 7 ملايين شخص.
ويأتي المسلسل مناظراً لمسلسل قصير آخر يحمل الاسم نفسه «فضيحة إنجليزية للغاية»، في نسخة إنتاج مشترك أخرى بين «أمازون» و«بي بي سي»، وحظي بشعبية مشاهدة هائلة، حيث لعب «هيو غرانت» دور سياسي من الطبقة العليا بالمجتمع الذي عانى من مصير مماثل.
تقول الممثلة «فوي»، في مقابلة أخيرة، «تتفق هذه القصص مع مدركات من الشخصية الوطنية البريطانية. إذ نبدو وكأننا فاسدون بالسليقة، أليس كذلك؟ وفي قرارة أنفسنا، يحبها جميع البريطانيين: إننا نعشق النميمة والثرثرة، وتستهوينا الأمور المثيرة التي يفعلها أناس آخرون، وأياً ما كان يجري خلف الأبواب المغلقة، فنحن جميعاً مهووسون به تماماً».
كلير فوي (بي بي سي - أمازون برايم)
في الحلقة الأخيرة من المسلسل، ترثي إحدى صديقات الدوقة الأرستقراطيات لرغبة الجمهور البريطاني في معرفة ما تصنعه الطبقات العليا من المجتمع. وتقول الصديقة، التي لعبت شخصيتها جوليا ديفيس، «رعاع الناس يتطلعون إلينا دوماً من حفرهم القذرة لأننا لسنا مثلهم. لكن الحكايات عن حياة الدوقة الخاصة، كما تقول الصديقة: (تجرنا إلى الأسفل حتى نبدو وكأننا نساويهم تماماً)».
لم تكن شخصية فوي «الدوقة» واحدة من «رعاع الناس» أبداً، لكنها لم تكن أرستقراطية على الدوام كذلك.
ولدت مارغريت ويغام في اسكوتلندا سنة 1912، وقد انتقل والدها - مليونير النسيج العصامي - بعائلته إلى نيويورك عندما كانت صغيرة، فعاشت هناك حتى بلغت 14 عاماً من عمرها. ولما عادت إلى بريطانيا، ظهرت صورها الفوتوغرافية الأولى على صفحات جرائد ومجلات المجتمع بإطلالة وجهها المكسو بلمحات أطلسية باهرة. وبعد سلسلة من العلاقات رفيعة المستوى، والزواج الأول الذي انتهى بالطلاق، صارت تحمل لقب «دوقة أرغايل» منذ سنة 1951 بزواجها من الدوق إيان كامبل (الذي لعب دوره بول بيتاني في المسلسل)، الذي كانت أسرته جزءاً من الطبقة الأرستقراطية الاسكوتلندية منذ القرن الخامس عشر الميلادي.
كانت الدوقة، الشخصية الفاتنة، ومن أشهر مشاهير علية القوم، تعتبر كُتاب الأعمدة في المجتمع من أصدقائها، وتمكنت من فرض صورة إعلامية بالغة الروعة عن شخصيتها. وأدركت في وقت مبكر مقدرتها على جني المال مما نسميه الآن «علامتها التجارية الشخصية»، حيث تقبل الأموال من الصحف الشعبية مقابل الظهور في المقالات الصحافية المتخمة بالمداهنة والتزلف. («الجميلة! الثرية! المتميزة!» كما جاء في مقالة مشوقة نشرتها صحيفة «ديلي ميرور» اليومية سنة 1961 بعنوان: «إنها دوقة أرغايل التي يعرفها العالم»).
لكن عندما انهار زواجها من الدوق، فقدت سيطرتها على الزخم الإعلامي. كانت قضية الطلاق البغيضة بين الزوجين - التي عُرضت فيها صور الدوقة الحميمة أمام المحكمة - جعلتها موضوعاً لمقالات صحافية قبيحة وشائعات مفعمة بالتشكك والريبة، وبعد ذلك، مسلسل «فضيحة بريطانية خالصة»، ووصلت لعرض من عروض الأوبرا.
وعلى مدى بقية حياتها، أنفقت الثروة التي ورثتها عن والدها على سلسلة من الدعاوى القضائية غير الناجحة والاستثمارات المشبوهة. ولم تكن علاقاتها الشخصية أفضل حالاً: إذ نشأت الخلافات مع العديد من أصدقائها ثم مع ابنتها من زواجها الأول. ووافت الدوقة منيتها في حالة من الفقر المدقع بعد بلوغها الثمانين عاماً من عمرها في دار للمسنين في لندن. وبدأت الترنيمة الأولى في جنازتها سنة 1993، تقول: «أيها الرب القدير، يا إله البشر، اغفر لنا طرقنا الحمقاء في الحياة».
تقول سارة فيلبس، التي كتبت سيناريو «فضيحة بريطانية خالصة»، إن قضية الدوقة والصخب الإعلامي المصاحب لها يمثلان «نهاية حقبة بعينها. وكانت تمثل ولادة نوع مختلف من الصحافة، وطريقة للكتابة عن العلاقات الحميمة والفضائح بأسلوب شهواني للغاية». ومهدت الطريق للتصوير الإعلامي لاحقاً لشخصيات أمثال بريتني سبيرز، وإيمي واينهاوس، وميغان ماركل - «ذلك الخبث والغضب الموجه ضد المرأة في نظر العامة»، كما قالت.
وعندما خفت حدة الغضب الأولية، ظلت الدوقة موضوعاً لانتقادات حادة طالت عقوداً من الزمان.
سيكون جمهور اليوم على التلفاز أكثر تعاطفاً مع الدوقة، التي تبدو الآن وكأنها ضحية «فضح الذات»، فضلاً عن المشاركة غير المتوافقة لصورها كحالة من حالات «الانتقام». لن يحكم العديد من المشاهدين عليها، ومع ذلك قد يجدون صعوبة في التعاطف مع الدوقة، التي تلعب الممثلة «فوي» دورها كمغرورة، ومتكبرة، ومتغطرسة.
تقول فوي: «لقد كذبت وغشت، وصنعت كل أنواع الفظائع. تماماً كما فُعل بها في المقابل سواء بسواء».
كشخصية في نظر عامة الناس، تعاطفت مع الدوقة ومعاملتها من قبل الصحافة. وقالت فوي: «لقد كانت تمثل نمطاً معيناً، ثم قرروا أنها تمثل نمطاً مغايراً تماماً». ثم أضافت: «إن الصحافيين يملون علينا التصور العام في مجال عملي. أنتم رهينة قبضة الناس الذين يكتبون القصص الصحافية».
برغم لمحات الفضائح المتكررة، واصلت الدوقة حياتها النشطة في المجتمع الراقي بلندن طوال معظم حياتها، كما قالت السيدة كولن كامبل، إحدى قريباتها. قالت كامبل (72 سنة): «كانت مشهورة بكل تأكيد، لكنها لم تكن منبوذة قط. كان الناس يثرثرون ويقولون: (أوه، انظروا من هنا! إنها مارغريت أرغايل!)». «لكنها ترفعت عن ذلك وتجاهلته بكل بساطة».
* خدمة «نيويورك تايمز»

