مسودة أميركية لاتفاق سوري ـ إسرائيلي: التخلي عن إيران و«حزب الله»... مقابل استعادة كامل الجولان

كتاب فريد هوف «بلوغ المرتفعات» يكشف تفاصيل المحادثات السرية بين دمشق وتل أبيب بين 2009 و2011

الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)
الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)
TT

مسودة أميركية لاتفاق سوري ـ إسرائيلي: التخلي عن إيران و«حزب الله»... مقابل استعادة كامل الجولان

الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)
الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري في دمشق في 2010 (أ.ب)

بين أبريل (نيسان) 2009 ومنتصف مارس (آذار) 2011، كان الدبلوماسي والمبعوث الأميركي فريد هوف «يعيش الحلم». فكرة تحقيق سلام بين سوريا وإسرائيل، خطرت في ذهنه للمرة الأولى عندما كان يزور دمشق وهو في السادسة عشرة من عمره، باعتباره طالباً أميركياً زائراً. وبعد 45 عاماً، سنحت له فرصة تحويل الفكرة إلى «حقيقة». لكنها كغيرها من فرص السلام الضائعة، سرعان ما وصلت إلى «فشل يلاحقني بقية أيام حياتي».
قصة التحليق إلى قمة التفاؤل والانحدار إلى قعر الخيبة، يرويها هوف في كتابه الجديد «بلوغ المرتفعات: قصة محاولة سرية لعقد سلام سوري - إسرائيلي»، الذي صدر عن «المعهد الأميركي للسلام» في واشنطن.
وساطة هوف خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، لم تقم على المقايضات السابقة «الأرض مقابل السلام»، أي أن تقوم إسرائيل بإعادة هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل توقيع دمشق اتفاق سلام وإقامة علاقات طبيعية، لا على معادلة «السلام مقابل السلام»، كما اقترحت أفكار أخرى.
مقاربة هوف، قامت على مقايضة من نوع آخر: إعادة الأرض مقابل التموضع الاستراتيجي. ماذا يعني هذا؟ أن تعيد تل أبيب الجولان مقابل تخلي دمشق عن تحالفها وعلاقاتها العسكرية مع إيران و«حزب الله» و«حماس». هذا هو جوهر الحراك الأميركي السري بين 2009 و2011. وهذا ما فهمه أيضاً المبعوث الأميركي السابق دينس روس؛ إذ يقول إن «بلوغ المرتفعات» لم يقدم «صيغة الأرض مقابل السلام، وإنما قدمت صيغة الأرض مقابل إعادة الترتيب الاستراتيجي لسوريا، مع ابتعاد سوريا عن إيران و«حزب الله».
هوف، الخبير والمبعوث والعسكري، الذي عُرف بأنه بين أوائل من رسموا «خط 4 يونيو (حزيران) 1967» الذي كان محور جدل ومقترحات لإبرام الاتفاق السوري - الإسرائيلي، كثيراً ما يتساءل حالياً عما إذا كان الرئيس بشار الأسد بالفعل يريد صفقة «الجولان - التموضع الاستراتيجي»، خصوصاً أنه عزز تحالفه مع طهران و«حزب الله»، بعد احتجاجات 2011.
حالياً، سوريا مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ. إيران باتت حاضرة في ثلثي سوريا، وروسيا أيضاً. وغارات إسرائيل تلاحق «مواقع طهران» بصمتٍ من موسكو. أميركا وتركيا حاضرتان عسكرياً فيما تبقى من البلاد. وهناك مبادرات سرية وعلنية كثيرة وخطوات «تطبيعية» مع دمشق، لفك الارتباط بين سوريا وإيران و«حزب الله». ولا شك أن محاولة هوف قبل أكثر من عقد، تشكل مرجعاً فيه الكثير من الدروس.

غلاف كتاب فريد هوف «بلوغ المرتفعات: قصة محاولة سرية لعقد سلام سوري - إسرائيلي»

بعد انطلاق عملية السلام في مؤتمر مدريد 1991، جرت جولات عديدة من المفاوضات السورية - الإسرائيلية العلنية والسرية، السياسية والأمنية والعسكرية، في أميركا وأوروبا. وفي 1993، كانت هناك نقطة تحول قادها الرئيس الأميركي بيل كلنتون، لدى تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين بالانسحاب الكامل من الجولان مقابل علاقات سلمية وترتيبات أمنية. وعرفت تلك المبادرة بـ«وديعة رابين». وبعد جمود بسبب اتفاق أوسلو في 1993، جرت محاولات أميركية أخرى على المسار السوري، مع تغير الحكومات في تل أبيب. وكانت على وشك إنجاز اتفاق سلام في قمة الرئيسين حافظ الأسد وبيل كلنتون في 2000، لكن الخلاف على الخط النهائي للانسحاب من الجولان والوصول إلى بحرية طبريا في الهضبة السورية، حالا دون ذلك.
وبعد وصول الرئيس بشار الأسد، جرت محاولات أيضاً، كانت أبرزها خلال فترة العزلة الدولة على دمشق، الوساطة التركية بين عامي 2007 و2008. التي تعمقت في تحديد خط الرابع من يونيو، الذي كانت دمشق تريد الانسحاب الإسرائيلي إليه. كما تناولت تفاصيل الترتيبات الأمنية والعلاقات التطبيعية (دمشق كانت تسميها علاقات سلم عادية أو طبيعية)، إلى حد أن أنقرة اقترحت ترتيب لقاء مباشر سوري - إسرائيلي بين الأسد ورئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت. أيضاً، انهارت الاتصالات وشنّت إسرائيل الهجوم على غزة دون تشاور مع أنقرة.
على هذه الخلفية، جاء جهد هوف بالانضمام إلى الخارجية الأميركية في أبريل 2009، بعد فوز بنيامين نتانياهو (الذي كان فاوض الأسد الأب عبر الوسيط السري الأميركي رولاند لاودر بين 1996 و1999) وقيام أوباما بتكليف السيناتور جورج ميتشل قيادة فريق السلام في الشرق الأوسط.

المبعوث الأميركي جورج ميتشل ومساعده فريد هوف في دمشق في يوليو 2009 (غيتي)

في 2009، قام ميتشل وهوف بزيارة دمشق مرتين وتل أبيب أيضاً، لاختبار احتمال استئناف مفاوضات المسار السوري. وفي 2010، تواصلت رحلات هوف الدورية إلى سوريا وإسرائيل. مفتاح التحرك للوساطة الأميركية، تحول تدريجياً من الحصول على «الوديعة» إلى إقناع قادة إسرائيل بالفوائد الأمنية المحتملة من السلام مع سوريا بدلاً من صيغتهم «الأرض مقابل السلام».
في خضم ذلك، وفي مايو (أيار) 2010، اجتمع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، جون كيري، بالرئيس الأسد في دمشق، حيث ظهر من خلال وثيقة خطية «انفتاح الأسد على اتفاق سلام يلبي جميع المتطلبات الإسرائيلية في مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط 4 يونيو 1967».
في موازاة ذلك، نجح المبعوث الأميركي السابق دينيس روس في ترتيب عقد لقاءات له وهوف مع نتنياهو. في هذه اللقاءات، عرض الأميركيان مسودة وثيقة، قبل تقديمها إلى الأسد. وحسب قراءة هوف، فإنه «رغم الشكوك القوية حول وثيقة كيري والنوايا السورية، يتفق في نهاية المطاف على أن (ورقة المناقشة) التي صاغتها أميركا لمسودة معاهدة سلام إسرائيلية - سورية، من الممكن أن تشكل الأساس لوساطة السلام الأميركية».
هوف أُطلع ميتشل على لقاءاته مع نتنياهو وعلى مقاربة «ورقة المناقشة». وسافر ميتشل وهوف إلى دمشق في سبتمبر (أيلول) في محاولة للحصول على موافقة الأسد على إجراء من شأنه تجنب طريق «الوديعة» المسدود. و«وافق الأسد فوراً على منهجية الوساطة الجديدة»، حسب قول هوف. وكان هوف وروس كتبا «ورقة المناقشة»، وناقشا المسودة الأولى مع فريق صغير من الإسرائيليين يعينهم نتنياهو.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والمبعوث الأميركي جورج ميتشل في 13 ديسمبر 2010 (غيتي)

وعليه، يُنسى ما يعرف بـ«ما بعد الوديعة»: وجوب تسوية الجوانب الإقليمية لورقة المناقشة قبل كل أمر آخر، ثم تناول أي موضوع آخر تختاره إسرائيل. موقف إسرائيل، كان: وجوب تناول جميع عناصر ورقة المناقشة في آن واحد، بما في ذلك تراجع سوريا وضبط العلاقات الإقليمية التي تشكل تهديدا لأمن إسرائيل. سوريا توافق على أن بحر الجليل (بحيرة طبريا) بأكمله يمكن أن يكون تحت السيادة الإسرائيلية.
«هذا التنازل» الذي كان وراء انهيار قمة الأسد - كلنتون قبل عشر سنوات من ذلك، أي في العام 2000، «شجع الفريق الإسرائيلي على الانخراط بجدية في تحديد خط 4 حزيران 1967، على اعتباره حدوداً مستقبلية بين إسرائيل وسوريا. لكن الجزء الأعلى من نهر الأردن الذي يصب في بحر الجليل لا يزال موضع خلاف»، حسب هوف.
وفي بداية 2011، استمرت جهود بلورة ورقة المناقشة. وتنقل هوف بين دمشق وتل أبيب، مع مشاركة دينيس روس في المباحثات مع الفريق الإسرائيلي. وإذ أبلغ نتنياهو ضيفيه الأميركيين بـ«شكوكه المتزايدة في التزام الأسد الشخصي بوساطة السلام وبالسلام نفسه»، حسب وثائق الاجتماعات، فإنه «رحب بالفكرة الأميركية الخاصة بربط رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بتنفيذ دمشق لالتزامات معاهدة السلام».

الرئيس السوري بشار الأسد والمبعوث الأميركي جورج ميتشل في 26 يوليو 2009 (غيتي)

- لقاء مباشر
هذا التفاؤل، شجع هوف في اجتماع مع نتنياهو وفريقه على «السعي لعقد اجتماع مباشر مع الأسد لتقييم التزام الرئيس الشخصي بإعادة توجيه الاستراتيجية السورية التي من شأنها تعزيز الأمن الإسرائيلي». هنا، وفي محادثات هاتفية مع نتنياهو ووزير الخارجية السوري الراحل وليد المعلم والأسد، أكدت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على النوايا الإسرائيلية وتمهد الطريق للقاء هوف مع الأسد.
قبل وصول هوف إلى دمشق في فبراير (شباط) 2011، أبلغ الأسد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركيين الزائرين، أن السلام مع إسرائيل لا بد أن يستند إلى «مراجع محددة» تغطي الأرض والأمن. عندها، قام روس وهوف بصوغ هذه «المراجع المحددة».
في 28 فبراير، وافق الأسد، في اجتماع مع هوف في دمشق، على «المراجع المحددة بشأن الأمن (التي تقضي بإنهاء الأنشطة والعلاقات السورية التي تشكل تهديدا للأمن الإسرائيلي)»، حسب المبعوث الأميركي. ويضيف، أن الرئيس السوري أكد أن «لبنان وإيران و(حزب الله) سوف يلتزمون بمعاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل». كما أعرب عن ارتياحه لمفهوم رفع العقوبات الأميركية مع تنفيذ سوريا لالتزاماتها التعاهدية. خلال كل ذلك، بقي الانسحاب الإسرائيلي الكامل حتى خط 4 يونيو 1967 مطلباً أساسياً للأسد.
وفي 2 مارس، أطلع هوف نتنياهو وفريقه على اجتماع الأسد. وعبّر نتنياهو عن ارتياحه، وأعلن أن الوساطة وإمكانيات السلام «حقيقية». وتركزت الاجتماعات اللاحقة مع فريق نتنياهو على خصائص الأراضي ومذكرة الاتفاق. وبقي الاتفاق بشأن أعالي نهر الأردن بعيد المنال، لكن هذا لم يمنع هوف وروس من البدء بترتيب «محادثات تقارب» سورية - إسرائيلية في أوروبا الشرقية في أبريل.

دخان يتصاعد من مزارع شبعا جنوب لبنان في يوليو 2020 (رويترز)

قبل ذلك، اندلعت الاحتجاجات السورية في منتصف مارس. وفي 18 مارس، ردت قوات الأمن السورية بالعنف الشديد على المتظاهرين في درعا. كما ردت قوات الأمن بعنف على الاحتجاجات في دمشق. وقتها، علقت الوساطة «بسبب الفوضى الرسمية» في سوريا. سعى هوف إلى زيارة دمشق، لكنه مُنع الحصول من على إذن من البيت الأبيض كي يناقش مع الأسد الآثار المترتبة على الوساطة إثر العنف الحكومي السوري.
وفي 13 مارس، استقال ميتشل من منصبه كمبعوث خاص للسلام في الشرق الأوسط، وفي 19 من الشهر نفسه، قال أوباما، في خطاب لوزارة الخارجية، إن «الأسد يجب أن يقود انتقال سوريا إلى الديمقراطية أو يتنحى عن الحكم». وفي في 18 أغسطس (آب)، أعلن أوباما أن «الوقت قد حان لتنحي الأسد». أما هوف، فانتقل من فريق السلام في الشرق الأوسط إلى تقديم المشورة إلى وزير الخارجية ومكتب الشرق الأدنى بشأن تفاقم الأزمة السورية.
وفي أغسطس، رفض أوباما توصية من كبار مسؤولي الأمن القومي بأن تساعد الولايات المتحدة في تنظيم وتدريب وحدات عسكرية تابعة للمعارضة السورية. وتم إنهاء عمل «المجموعة الصغيرة» و«الاستعاضة عنها بجهد مشترك بين الوكالات لتحديد الاحتياجات السورية المحتملة بعد الأسد». كما أعلن أوباما أن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا يشكل بالنسبة له «خطا أحمر». وفي سبتمبر، استقال هوف من وزارة الخارجية الأميركية.
وتطورت الأمور في سوريا وانحدرت لسنوات مؤلمة وطويلة. وفي 25 مارس 2019، أصدر الرئيس دونالد ترمب إعلاناً يعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان: الجزء الرئيسي من الأراضي موضوع النزاع خلال وساطة السلام بين عامي 2009 و2011، والمسألة المحورية في الجهود الدبلوماسية السابقة التي بذلتها تركيا في عامي 2007 و2008، والولايات المتحدة بين عامي 1993 و2000.
يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الإعلان قد رفع مرتفعات الجولان والمناطق المتاخمة المتنازع عليها من جهة الغرب من طاولة محادثات السلام المستقبلية بين إسرائيل وسوريا.
- تعهد خطي من بايدن للأسد
في 22 مايو 2010، زار رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جون كيري دمشق والتقى الأسد في القصر الرئاسي. وقد شجع البيت الأبيض، الذي «انزعج بشدة من التقارير التي تفيد بأن نظام الأسد ينقل صواريخ سكود إلى (حزب الله)»، كيري على القيام بزيارة سوريا و«مواجهة الأسد بشأن هذه المسألة»، موضحاً للرئيس السوري أن «الفوائد التي ستعود على سوريا من الحوار الثنائي، ستنتهي ما لم تكن سوريا راغبة في التخلص من مهمة تزويد حلفاء إيران اللبنانيين وعملائها بالأسلحة الفتاكة».
حسب المحضر الأميركي للاجتماع الذي عقد في التاسعة صباحاً من يوم 22 مايو، قال كيري للأسد «طلب الرئيس أوباما مني شخصياً أن آتي لمقابلتكم. لقد استدعاني إلى البيت الأبيض، وتحدثنا عن المنطقة، وأعرب عن قلقه بشأن الأوضاع الراهنة».
رحب الأسد بكيري، وقال «أنتم أحد أصدقائنا القليلين في الولايات المتحدة. وهذا هو لقاؤنا الخامس منذ عام 2004. نحن نثق بكم. وأنتم تثقون بالرئيس أوباما. لذا؛ فنحن نثق بالرئيس أوباما. ونثق بكم سيناتور كيري. ونرغب منكم الاضطلاع بدور الوساطة. أنت شخصية مستقلة، ولستم جزءاً من مؤسسة بعينها. وليست لديكم أجندة خاصة. ونحن لن نسمح لمسؤولين أميركيين آخرين بالولوج إلى التفاصيل. سنسمح للسيناتور كيري فحسب بالاطلاع على تفاصيل عملية السلام». ورد كيري «ربما أستطيع الاضطلاع بذلك الدور. وأعتقد أن إسرائيل تحمل مسؤولية إعادة الجولان بالكامل حتى حدود الرابع من يونيو 1967».
وصل كيري حاملاً مسودة رسالة مُعدة لتوقيع الرئيس الأسد، تُنقل إلى الرئيس أوباما «من خلال السيناتور كيري. وتتضمن مسودة الرسالة تأكيد الأسد على ما يلي:
1.أن معاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل، بما في ذلك الحدود التي تعكس استعادة سوريا الكاملة للأراضي التي فقدتها في يونيو 1967، من شأنها أن تنهي كل دعم سوري للأعمال، والسياسات، والتعاون الذي يهدد أمن إسرائيل من جانب الدول وغير الدول على حد سواء.
2.من شأن معاهدة السلام أن تنهي الصراع بين إسرائيل وسوريا، وأن تشتمل على تسوية جميع المطالبات الناشئة عن الأحداث قبل إبرام الاتفاق.
3.ينجم عن ذلك تطبيع العلاقات الدبلوماسية، بما في ذلك فتح السفارات.
4.تكون علاقات سوريا مع الدول وغير الدول متسقة تماما مع التزاماتها التعاهدية والتزاماتها تجاه إسرائيل كما هي محددة بما يبعث على ارتياح الطرفين.
5.في حال التوصل إلى معاهدة سلام مع إسرائيل، فإن سوريا، تمشياً مع مبادرة السلام العربية، ستقدم دعمها وتعاونها الكاملين لتحقيق سلام عربي - إسرائيلي شامل، بما في ذلك تأمين اتفاقيات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إسرائيل ولبنان، وما يترتب على ذلك من تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجميع أعضاء جامعة الدول العربية.
قال كيري للأسد «تعكس هذه الرسالة التفاهمات التي توصلنا إليها في المرة الأخيرة». وفي اجتماع سابق، قرأ كيري على الأسد بنود هذه الرسالة، وهي المذكرة التي أعطاها هوف للسيناتور كيري في وقت سابق من عام 2010، والتي تحدد وجهات نظره بشأن البنود الأساسية لاتفاقية السلام المحتملة بين سوريا وإسرائيل.
كان رد فعل الأسد إيجابياً على الفور «يجب أن نوافق على هذه الرسالة». إلا أن وزير الخارجية المعلم اعترض، قائلاً إنه يجب أن يسبق ذلك رسالة من إسرائيل إلى الولايات المتحدة، تؤكد فيها أن الاتفاق الشامل يستلزم انسحاب إسرائيل الكامل إلى خط 4 يونيو 1967. وقد تدخل كيري على الفور قائلاً «هذا ليس ضرورياً: لقد أكدت مع نائب الرئيس (جوزيف بايدن) بالأمس أن موقف الولايات المتحدة يستلزم عودة الجولان بالكامل إلى خط 1967». وكان كيري يحاول استبدال «الوديعة الإسرائيلية»، أي «وديعة رابين» للعام 1993، بموقف سياسي أميركي أحادي الجانب.
تطرق لقاء الأسد وكيري إلى علاقة سوريا بـ«حزب الله»، بالتزامن مع قيام مساعديهما بتنقيح مسودة الاتفاق السوري - الإسرائيلي، بحيث تضمن خمس نقاط، هي:
1.أن معاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل، بما في ذلك الحدود التي تعكس الاستعادة السورية الكاملة لمرتفعات الجولان حتى خط 4 يونيو 1967، ستسفر عن علاقة ثنائية بين سوريا وإسرائيل لا يقدم فيها أي من الطرفين المساعدة أو الموافقة على أي عمل يقوم به طرف ثالث، أو دولة أو غير دولة، بما يهدد أمن الطرف الآخر.
2.من شأن معاهدة السلام المذكورة أن تُنهي الصراع بين إسرائيل وسوريا، وأن تشمل تسوية جميع المطالبات الناشئة عن الأحداث قبل إبرام الاتفاق.
3.من شأن ذلك أن يؤدي إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية، بما في ذلك فتح السفارات.
4.احترام سوريا وإسرائيل، في علاقاتهما المتبادلة، بنود معاهدتهما.
5.في حال التوصل إلى معاهدة سلام، فإن سوريا، تمشياً مع مبادرة السلام العربية، ستقدم دعمها وتعاونها الكاملين لتحقيق سلام عربي - إسرائيلي شامل، بما في ذلك المساعدة على إبرام اتفاقات سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وما يترتب على ذلك من تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجميع أعضاء جامعة الدول العربية».
- الأسد: مزارع شبعا سورية... والجميع سيفاجأون بسرعة التزام نصر الله باتفاقنا مع إسرائيل
- أبلغ هوف في فبراير 2011 أن «سوريا ليست عميلة إيران»... وطهران لم تعترض على وساطة أنقرة بين دمشق وتل أبيب
في 27 فبراير (شباط) 2011، وصل هوف إلى دمشق للقاء الأسد، حيث تحدث المبعوث الأميركي عن اهتمامه بتحقيق «سلام سوري - إسرائيلي وبناء علاقة رسمية ودية بين دمشق وواشنطن، يتجلى من خلالها دفء علاقات الصداقة التي تربط بين الشعبين». وقد رد الأسد بشكل إيجابي.
وبعد تناول تصريحات صحافية وزيارات أميركيين لسوريا وعقوبات واشنطن ضد دمشق، تحدث هوف عن مسودة الاتفاق التي كان صاغها وتوصل إليها (نصها موجود هنا لاحقاً). وحسب نص الكتاب «مع ذلك، سيكون ردك على الحواشي، سيدي الرئيس، أساسياً لتحديد بلادي للقرار الخاص بمواصلة هذه العملية. نحن في حاجة إلى معرفة ما إذا كانت سوريا والولايات المتحدة الأميركية متفقتين على ما تحتاج سوريا إلى القيام به لتنفيذ التزاماتها المتعلقة بمعاهدة السلام، ما يلزم الولايات المتحدة الأميركية برفع العقوبات أم لا».
طلب الأسد توضيح ومعرفة ما إذا كانت تلك الحواشي مهمة للطرف الآخر، فأجاب هوف «نعم، لكني أكدت على أن تلك النقاط لها القدر نفسه من الأهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأن موافقته عليها سوف تمكّن أميركا من المُضي قدماً الآن باتجاه القضايا المتبقية المتعلقة بالأرض، وبدء عملية التخطيط المتعلقة برفع العقوبات. وسوف يتيح تنفيذ سوريا تلك الأمور، بمجرد إقرار معاهدة السلام، للولايات المتحدة الأميركية رفع العقوبات، وقد أشار الأسد إلى تفهمه وموافقته».
سلم هوف الورقة إلى الأسد، وقرأها ببطء وحرص على ما يبدو. وأعرب قبل تطرقه إلى الحواشي عن اهتمامه بفهم أفضل لجوانب النقاط الخمس. وأشار إلى أن النقاط الأربع الأولى تتضمن مرجعيات خاصة بلبنان، لكن النقطة الرابعة فقط ذاتها هي التي تذكر اسم البلد صراحة. وتساءل عما إذا كان من الملائم ذكر لبنان في نص معاهدة سلام سورية - إسرائيلية. وقال إن «هذا هو تحفظه الوحيد».
أعرب الأسد، حسب الكتاب، عن موافقة حماسية على النقطة الخامسة بما تتضمنه من دعوة إلى سلام عربي - إسرائيلي شامل، ثم تحدث لدقيقتين عن «المصالح». وكان مقصده هو أنه في حال توقيعه على معاهدة تلبي «المصلحة» الرئيسية لسوريا، وهي إعادة إسرائيل كامل الأراضي السورية التي احتلتها عام 1967، لن يكون منطقياً بالنسبة إليه القيام بأي فعل يهدد الدولة اليهودية. كذلك، أوضح أن مثل تلك التهديدات سوف تثير الارتياب مما يجعل الناس يسألونه عما إذا كانت هناك معاهدة سلام سوريا مع إسرائيل أم لا.
ويقول هوف «امتنعت عن الرد على النقطة التي أثارها بشأن لبنان؛ لأنني أردت التطرق إلى لبّ المسألة دون التورط في الأمر، فأنا في النهاية لم أكن أعلم الوقت الذي سيمنحه لي الرئيس الأسد، وافترضت أنه نحو ساعة كحد أقصى، وكانت قد مرت خمس عشرة دقيقة بالفعل، واقترحت أن يقرأ أو يعيد قراءة الحواشي حتى نتمكن من مناقشة كل واحدة منها. بدأ بالتركيز على الشرط الخاص بطرد حركة «حماس» وجماعات أخرى، وسأل عما سيكون مطلوباً من سوريا في حال ظهور أحدهم على شاشة التلفزيون السوري وطلبه التزام إسرائيل بالعدالة مع الشعب الفلسطيني؟ هل يعني ذلك أنه من الضروري طرده من البلاد؟ وكان ردي بالنفي، لكنني أضفت أنه سيكون على أي شخص يؤيد أو يخطط أو ينفذ أعمال عنف أو تهديد بتنفيذ أعمال عنف ضد إسرائيل من الأراضي السورية الرحيل بمجرد دخول معاهدة السلام حيز التنفيذ».
تحول انتباه الأسد بعد ذلك نحو اللغة الخاصة بـ«حزب الله»، حيث أشار إلى أن «الجميع سيفاجأون بالسرعة التي سوف يلتزم بها حسن نصر الله، أمين عام (حزب الله)، بالقواعد بمجرد إعلان كل من سوريا وإسرائيل التوصل إلى اتفاق سلام»، حسب هوف. وزاد «أجبته بقولي إنني سأكون من بين الأشخاص الأكثر تفاجؤاً، وسألت الرئيس كيف ستكون لديه تلك القناعة بالنظر إلى ولاء نصر الله لإيران و(للثورة الإسلامية) الإيرانية. بدأ الأسد بإيضاح أن نصر الله عربي لا فارسي، وأشار إلى ضرورة أن تكون سوريا ولبنان ضمن مسار عملية السلام العربي – الإسرائيلي؛ إذ يعتمد المسار اللبناني على سوريا، وقد أخبر ميشال سليمان، الرئيس اللبناني، بضرورة تجهيز فريق مفاوض مع اعتزام سوريا المضي قدماً في حال تعاون إسرائيل. لقد أكّد لي أنه في حال توصل سوريا إلى سلام مع إسرائيل، لن يتمكن نصر الله من الحفاظ على منصبه الحالي كزعيم «للمقاومة». كما وصف الأسد «(حزب الله) بأنه الحزب السياسي اللبناني الوحيد الحقيقي، مشيراً إلى أنه ممثل أكبر جماعة طائفية في لبنان وهي الشيعة، وهي مؤسسة قدرها هو الاضطلاع بدور قيادي في السياسة اللبنانية الداخلية».
سأل هوف الأسد «عما إذا كانت رؤيته بشأن خروج نصر الله من عالم المقاومة سوف تتطلب من سوريا إعادة مزارع شبعا إلى لبنان بمجرد جلاء إسرائيل عن قطاع هضبة الجولان؟». وأضاف «مع ذلك، في ظل عدم حديث الأسد الآن عن الحق في مزارع شبعا، أكّد لي أن الخرائط توضح أن مزارع شبعا هي أراض سورية، وربما يكون إجراء تعديلات مستقبلية مع لبنان أمراً ممكناً، لكن الأرض محل التساؤل كانت سوريا. وأكّد الأسد بشكل عفوي أن سوريا لم تكن دولة عميلة لإيران، حيث كان اتفاق سلام مع إسرائيل شأناً سورياً لا إيرانياً، وأضاف أنه لم يخطر إيران حين بدأت جهود الوساطة التركية في اتفاق السلام».
يضيف هوف «سألت الأسد عما إذا كان قد وجد أمراً مستهجناً في حواشي مسودة الاتفاق، وكان رده مباشراً وقاطعاً بالنفي، وطلب أن أخبر الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية كلينتون بأنه ليس لديه مشكلة في أي منها. وطلب الأسد أن يتم إخبار إسرائيل بأن سوريا أيضاً لديها رأي عام، وعلى السوريين الاقتناع بأنه قد تمت استعادة أرضهم بالكامل، فلا يوجد أي مجال للتلاعب. وكان ردي هو التأكيد مرة أخرى للأسد على اعتقادي بإحراز تقدم جاد في المسائل المتعلقة بالأرض، وبأننا قد تجاوزنا حقبة الاهتمام بالمخزون (المائي) وانخرطنا في مرحلة جديدة مع وجود مياه وادي الأردن في قلب النزاع الباقي. أقرّ الأسد بأن إسرائيل كانت في حاجة إلى المياه المذكورة وأن المشكلة قابلة للحل، وأشار أيضاً إلى أن المياه تتدفق نحو الأسفل لا الأعلى». وبالعودة إلى المرجعية المحددة الخاصة بالأمن المطروحة أمامه، أكّد الأسد مرة أخرى على عدم وجود مشكلة فيها، باستثناء تحفظ واحد. فقد أراد أن يتم الانتهاء من المرجعية الخاصة بالأراضي أولاً. مع ذلك، كنت أتمتع بحرية مناقشة المرجعية الخاصة بالأمن، بما في ذلك الحواشي، مع وليد المعلم».
وتابع «هممت بالمغادرة، وشكرت الأسد على وقته، وقد أكّد مرة أخرى تحياته إلى الرئيس أوباما، وكلينتون، وزيرة الخارجية، وميتشل المبعوث الخاص. كذلك طلب مني أن أبلغ الرئيس أوباما بموافقته على كل ما هو مطروح، وكان ممسكاً بنسخته من الورقة أثناء مغادرتي. كانت قد مرّت نحو خمسين دقيقة منذ بدء محادثتنا».
- «اتفاق الفصل»... مقدمة وديباجة وحواشٍ
> بعد جولات بين دمشق وتل أبيب وواشنطن، توصل الوفد الأميركي إلى مسودة اتفاق سلام سوري - إسرائيلي يتضمن ابتعاد دمشق عن طهران و«حزب الله»، يتضمن مقدمة وفقرات تنفيذية وحواشي، هذا نصه:
«سينهي هذا الاتفاق (اتفاق الإطار المحتمل/معاهدة السلام المحتملة) حالة الحرب بين سوريا وإسرائيل، ويرسي السلام، ويتطلب أفعالاً من جهة الطرفين لإقامة علاقة ثنائية وعلاقات مع كافة الأطراف الأخرى الفاعلة، اتساقاً مع هذا الواقع الجديد. وفقاً لذلك، لن يهدد أي من الطرفين، طبقاً لمبادئ القانون الدولي المعمول بها، ووثيقة الأمم المتحدة، أو يدعم بشكل مباشر أو غير مباشر، أي أفعال أو جهود أو خطط من جانب طرف يمثل دولة أخرى أو لا يمثل دولة، من شأنها تهديد أمن أو سلامة الطرف الآخر أو مواطنيه، بوجه خاص عند دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ:
1 - سيمتنع الطرفان عن ممارسة أي تهديد أو استخدام للقوة بشكل مباشر أو غير مباشر ضد بضعهما بعضاً، وسيعملان على تسوية كافة الخلافات والنزاعات بينهما بالطرق السلمية.
2 - سينهي الطرفان ويحظران القيام بأي أنشطة على أراضيهما أو من جانب مواطنيهما تساعد أي قوات نظامية أو غير نظامية أو شبه عسكرية تسعى نحو الإضرار بالطرف الآخر أو مواطنيه. (حاشية رقم 1).
3 - لن يستخدم أي من الطرفين حقه بموجب أي معاهدة أو اتفاق أو التزام مع أي طرف يمثل أو لا يمثل دولة في الاستخدام الجماعي للقوة ضد الطرف الآخر، أو يستجيب بالموافقة على أي طلب مساعدة في ممارسة تهديد أو استخدام لقوة ضد الطرف الآخر بموجب مثل تلك المعاهدة، أو الاتفاق أو الالتزام، أو المشاركة أو الحفاظ على المشاركة في تحالف عدائي ضد الطرف الآخر. (حاشية رقم 2).
4 - لن يقوم أي طرف بنقل أسلحة أو معدات عسكرية إلى لبنان، أو السماح بأن تتم مثل تلك العمليات عبر أراضيه، باستثناء تلك المرسلة إلى قوات الأمن الرسمية للحكومة اللبنانية. (حاشية رقم 3).
5 - يتشارك الطرفان هدف تحقيق سلام عربي - إسرائيلي شامل، ويدركان أن هذا سوف يتطلب إبرام اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولبنان وإسرائيل، وتطبيع العلاقات بين الدول الأعضاء كافة في جامعة الدول العربية وإسرائيل. وسوف يبذل الطرفان قصارى جهديهما لتحقيق هذا الهدف.
تمت صياغة الديباجة والنقاط الخمس بطريقة تتيح دمج جزء كبير من اللغة مباشرة في اتفاق إطار سوري - إسرائيلي أو معاهدة إطار سورية - إسرائيلية. وتطرقت الحواشي إلى حالات خاصة:
1 - عملياً، بالنظر إلى السياسات الحالية لتلك الجماعات، سينبغي على سوريا الامتناع عن تقديم المساعدة العسكرية والمالية، بما فيها الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، إلى تنظيم «حزب الله»، سواء في سوريا أو لبنان، وكذلك حركة «حماس» وغيرها من الجماعات الفلسطينية التي تخطط وتدعم وتشارك في أعمال عنف ضد إسرائيل والإسرائيليين، وتطرد من سوريا كل الأفراد التابعين لتلك الجماعات أو أي جماعة أخرى تستخدم الأراضي السورية في تنفيذ الأنشطة المحظورة إلى دول أخرى غير لبنان.
2 - يقال إنه لدى سوريا اتفاقات أمنية جماعية مع كل من إيران و«حزب الله» وأطراف في جامعة الدول العربية قد تقع ضمن نطاق هذا المتطلب. من الأمثلة على ذلك، أنه ينبغي على سوريا إنهاء علاقتها مع الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك «فيلق القدس»، ومنع عبور أفراده ومعداته عبر الأراضي السورية أو المجال الجوي السوري. كذلك، سيتعين على سوريا إنهاء أي اتفاقات تتيح وجود تهديد أو استخدام للقوة ضد إسرائيل والمواطنين الإسرائيليين إن وجدت.
3 - بناءً على ذلك، سوف يتعين على سوريا إنهاء مشاركتها في كل عمليات نقل الأسلحة والمعدات العسكرية، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، إلى تنظيم «حزب الله» سواء في لبنان أو إلى لبنان وتيسيرها لتلك العمليات، كما سيتعين على سوريا وقف تدفق الأسلحة إلى الجماعات الفلسطينية في لبنان ودعم الجهود الرامية إلى نزع سلاحها».



مواقف عربية وإسلامية موحدة «تُضيق الخناق» على تحركات إسرائيل بأرض الصومال

صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)
صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

مواقف عربية وإسلامية موحدة «تُضيق الخناق» على تحركات إسرائيل بأرض الصومال

صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)
صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

تتوالى المواقف العربية والإسلامية الموحدة، التي تتفق على «رفض الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة»، وتؤكد وحدة الأراضي الصومالية وسلامjih، في ظل نشاط بارز على مستوى الهيئات والمؤسسات الأممية والدولية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المواقف على حصار التحركات الإسرائيلة، وكان آخِرها زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى «الإقليم الانفصالي».

وأعربت دول عربية وإسلامية، الجمعة، عن إدانتها الشديدة لزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي غير القانونية إلى منطقة «أرض الصومال»، الثلاثاء، مؤكدين أنها تُشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، وتُقوض الأعراف الدولية الراسخة وميثاق الأمم المتحدة.

جاء ذلك في بيان لوزراء خارجية كل من السعودية ومصر والجزائر وبنغلاديش وجزر القمر وجيبوتي وغامبيا وإندونيسيا وإيران والأردن والكويت وليبيا والمالديف ونيجيريا وسلطنة عمان وباكستان وفلسطين وقطر والصومال والسودان وتركيا واليمن، ومنظمة التعاون الإسلامي.

وجدد الوزراء تأكيد دعمهم الثابت لسيادة الصومال ووحدة أراضيها، وعبّروا عن رفضهم تشجيع الأجندات الانفصالية، وأنها تهدد بتفاقم التوترات في منطقة غير مستقرة، مؤكدين أن احترام القانون الدولي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، والالتزام بالأعراف الدبلوماسية، تعد أساسيات لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي.

تأتي هذه الموقف عشية عقد منظمة التعاون الإسلامي اجتماعاً وزارياً طارئاً، السبت، في مقر الأمانة العامة للمنظمة بمدينة جدة السعودية؛ لبلورة موقف إسلامي إزاء اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

واتفق خبراء، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، على أن التحركات الجماعية الموحدة يمكن أن «تُضيق الخناق» على التحركات الإسرائيلية الأخيرة في «الإقليم الانفصالي»، بما لا يسمح بوجود اعترافات أخرى تسير على الخطوة الإسرائيلية نفسها، وأنها تستهدف «عزل» إسرائيل دولياً انتظاراً لخطوات أخرى يمكن أن تقوم بها الدولة الصومالية تجاه الإقليم، أو فتح المجال أمام مفاوضات صومالية- صومالية.

تحركات جماعية

ومنذ أن أعلنت إسرائيل خطوة «الاعتراف بالإقليم الانفصالي»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، جاء التحرك جماعياً من أربع دول هي مصر وتركيا وجيبوتي والصومال، نددوا، في بيان موحد، بالخطوة الإسرائيلية، وأكدوا «رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية مِن شأنها المساس بالسيادة الصومالية أو تقويض أسس الاستقرار في البلاد»، وكذلك «رفض أي كيانات موازية تتعارض مع وحدة الدولة الصومالية».

وفي اليوم التالي، صدر بيان من 21 دولة عربية وإسلامية إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي، شددوا فيه على أن «الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول يمثل سابقة خطيرة وتهديداً للسلم والأمن الدوليين وللمبادئ المستقرة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة»، وأكدوا «الرفض القاطع للربط بين هذا الإجراء وأي مخططات لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني خارج أرضه».

مواقف عربية وإسلامية موحدة ضد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال (الجامعة العربية)

وأكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، «أن المواقف العربية والإسلامية الموحدة نشطة وفاعلة وإيجابية وتتماشى مع المواقف الأخرى التي اتخذتها الهيئات والمؤسسات الدولية؛ بينها جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، كما أن الولايات المتحدة أكدت دعم وحدة الصومال، وإن كان موقفها رمادياً من الخطوة الإسرائيلية، ما جعل هناك مخاوف من إعلان اعترافات أخرى تبدو حتى الآن مترددة».

وأوضح، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقف الدولي الرافض للخطوة بكل هذا الزخم يقوّض أي اعترافات جديدة في الوقت الحالي، ويشكل ضغطاً على إسرائيل، لكنه قد لا يدفعها نحو مراجعة اعترافها، والهدف هو تضييق الخناق على تحركاتها، خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي «للإقليم»، ولا سيما أن ذلك قد تستتبعه خطوات خشنة من جانب الحكومة الصومالية ضد «صوماليلاند»، أو فتح المجال أمام مفاوضات صومالية- صومالية.

تضييق الخناق

وشدد البيان العربي الإسلامي الأخير على ضرورة «احترام إسرائيل الكامل لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدتها الوطنية وسلامة أراضيها، والوفاء بالتزاماتها، وفقاً للقانون الدولي»، وطالبوا «بسحب الاعتراف الصادر عن إسرائيل فوراً».

وأكدت مساعدة وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفيرة منى عمر، لـ«الشرق الأوسط»، أن إسرائيل اعتادت أن تضرب بعرض الحائط كل المناشدات والقرارات الدولية، غير أن المواقف الجماعية تزيد من عزلتها، وهناك صعوبة في أن تمضي نحو تنفيذ خططها في ظل الرفض الواسع لخطوة «الاعتراف».

وأضافت: «الهدف من المواقف الجماعية هو التقليل من تأثير زيارة ساعر إلى (أرض الصومال)، وكذلك الزيارة المرتقبة لعبد الرحمن محمد عبد الله رئيس ما يُعرَف (بإقليم أرض الصومال) إلى إسرائيل، إلى جانب تضييق الخناق على التحركات الإسرائيلية نحو إقامة قواعد عسكرية هناك، أو تنفيذ خطط تهجير الفلسطينيين».

وأوضحت أنه في حال اتخاذ الولايات المتحدة الأميركية مواقف أكثر إيجابية بشأن الحفاظ على وحدة وسلامة الصومال، فإن إسرائيل ستواجه عزلة حقيقية في «الإقليم الانفصالي»، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى سحب اعترافها.

جلسة سابقة لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

وفي حديث، لصحيفة «نيويورك بوست»، ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه «لن يسير على نهج نتنياهو في الاعتراف باستقلال أرض الصومال»، قائلاً إنه «يجب أن يدرس عرض نتنياهو»، وذلك بعد ساعات من الخطوة الإسرائيلية.

مواجهة شاملة

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت التحركات الجماعية تكفي «لوقف الاعتراف الإسرائيلي»، قال خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي إنه يمكن للمواقف العربية والإسلامية أن يكون لها تأثير، شرط أن تأتي ضمن مواجهة شاملة للتحركات الإسرائيلية، مشدداً على أهمية «اتخاذ مواقف استراتيحية شاملة» تهدف إلى «حماية استقرار القرن الأفريقي، ومنع تفكيك الدول الوطنية، وقطع الطريق على توظيف النزعات الانفصالية كأدوات في صراعات النفوذ الدولية».

وأضاف، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أن المواقف الموحدة تعكس «انتقالاً واضحاً من رد الفعل إلى الفعل الدبلوماسي المنسق، القائم على بناء التحالفات، وتدويل القضايا العادلة، والدفاع الصريح عن سيادة الدول ووحدة أراضيها»، مشيراً إلى أن هذه المواقف تُعد «رسالة ردع سياسية وقانونية واضحة، ليست موجهة لإسرائيل وحدها، بل لكل الأطراف التي قد تفكر في التعامل مع الكيانات الانفصالية خارج إطار الشرعية الدولية».

وأكد أن «المطالبة الصريحة بسحب الاعتراف الإسرائيلي تمثل شكلاً من أشكال (الدبلوماسية المتصاعدة والخشنة)، لكنها دبلوماسية محسوبة تختبر جدية التزام المجتمع الدولي بالقانون الدولي وعدم ازدواجيته، وتعكس انتقالاً من مرحلة الإدانة الرمزية إلى (مرحلة الضغط السياسي والقانوني المنظم)».


تحركات ملادينوف بين إسرائيل ورام الله تُعجّل بلجنة «إدارة غزة»

صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تحركات ملادينوف بين إسرائيل ورام الله تُعجّل بلجنة «إدارة غزة»

صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر الدمار الذي لحق بمخيم البريج في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بحث المرشح لمنصب مدير «مجلس السلام» في غزة، نيكولاي ملادينوف، مع نائب رئيس فلسطين، حسين الشيخ، ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

هذا اللقاء، الذي جاء غداة اجتماع ملادينوف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رآه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يعزز فرص بدء المرحلة الثانية وإعلان تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة.

وكان نتنياهو أعلن اختيار الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط بين أوائل عام 2015 ونهاية 2020 ليشغل منصب المدير العام لمجلس السلام الذي يترأسه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، المكلف بالإشراف على عملية السلام في غزة.

واستقبل الشيخ، الجمعة، في مكتبه بمدينة رام الله، نيكولاي ملادينوف والوفد المرافق له، وذلك بحضور رئيس جهاز المخابرات العامة، اللواء ماجد فرج، بحسب ما نقلته وكالة «الأنباء الفلسطينية»، دون أن توصّف المبعوث الأميركي بصفته الجديدة.

وبحث الاجتماع «دور اللجنة الإدارية الفلسطينية وقوات الشرطة والأمن الفلسطيني في تولي مهامها وربطها مع السلطة الفلسطينية صاحبة السيادة والشرعية، وسبل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب في ظل قرب إعلان تشكيل مجلس السلام».

وشدد الشيخ على ضرورة البدء بتنفيذ تلك المرحلة، مؤكداً أهمية الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية التي تشمل نهاية حكم «حماس» وتسليم سلاحها، والذهاب إلى عملية إعادة الإعمار وفق خطة الرئيس ترمب.

وأكد الشيخ خلال اللقاء «أن قطاع غزة هو جزء من دولة فلسطين، وعلى أهمية الربط السياسي والإداري والقانوني بين المؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة والسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، واحترام مبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد».

وقال الشيخ: «في الوقت الذي يتم فيه تنفيذ خطة انتقالية في قطاع غزة فلا بد من وجود خطة عاجلة لوقف جميع الأعمال الأحادية الجانب التي تنتهك القانون الدولي وعلى رأسها وقف التوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة».

ومساء الخميس، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان، إن نتنياهو أصر على ضرورة نزع سلاح «حماس» وتجريد غزة من السلاح، وهما شرطان من خطة وقف إطلاق النار المكونة من 20 نقطة التي طرحتها إدارة ترمب.

ورأى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن ملادينوف، دبلوماسي محترف وسمعته جيدة وسيكون المدير المعين للمجلس، رغم أن ترتيبه رقم 2 بعد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي لم يحظ بقبول عربي، لافتاً إلى أنه «يرتب الأجواء ويُسرع من خطوات إعلان لجنة التكنوقراط برئاسة فلسطينية».

نائب رئيس دولة فلسطين يستقبل نيكولاي ملادينوف والوفد المرافق في رام الله الجمعة (وكالة الأنباء الفلسطينية)

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن ملادينوف ليس جديداً على قطاع غزة، خاصة أنه سبق أن كان له وجود أممي في الشرق الأوسط قبل سنوات، لافتاً إلى أنه زار نتنياهو والشيخ بهدف استطلاع الآراء وتقارب وجهات النظر بهدف الوصول إلى تفاهمات تقود لإدارة فلسطينية للقطاع بشكل جزئي يزداد طبقاً للتقدم في المرحلة الثانية، ومدى القدرة على حل العقبات خاصة المرتبطة بنزع سلاح «حماس» والقطاع.

وبموجب خطة ترمب للسلام في غزة، المؤلَّفة من 20 بنداً، ستُدير قطاعَ غزة لجنة فلسطينية انتقالية مؤقتة من التكنوقراط غير الحزبيين، تحت إشراف ومتابعة من مجلس السلام.

ونقل موقع «أكسيوس» الأميركي، عن مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة، أنه من المتوقع أن يعلن ترمب، الأسبوع الحالي، عن المجلس، في إطار المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُبرم بين إسرائيل وحركة «حماس»، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مساء الخميس، أهمية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، والإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية المؤقتة لإدارة شؤون القطاع، وتشكيل قوة الاستقرار الدولية.

ويتوقع فهمي إعلان مجلس السلام هذه الأيام، مع ضغوط لإعلان اللجنة وتلافي أي تحفظات على الأسماء المطروحة بهدف بدء تنفيذ المرحلة الثانية بشكل حقيقي بعيداً عن أي مناورات أو عراقيل إسرائيلية. فيما يعتقد مطاوع أن يتم الإعلان عن المجلس ولجنة الإدارة الأسبوع الحالي بهدف التقدم إلى المرحلة الثانية وبدئها بشكل فعلي.


حلّ «الانتقالي» يمهّد لتسويات هادئة في جنوب اليمن

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)
موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)
TT

حلّ «الانتقالي» يمهّد لتسويات هادئة في جنوب اليمن

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)
موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي يتظاهرون في عدن قبل أسبوع من حله (رويترز)

بينما تسعى الحكومة اليمنية بقيادة مجلس القيادة الرئاسي إلى توحيد القرار العسكري والأمني في الجنوب تحت وزارتي الدفاع والداخلية، لتحجيم أي ميل نحو الفوضى بعد الأحداث الأخيرة، ومنع تكرار التمرد والانزلاق إلى العنف، تقف مختلف القوى السياسية والاجتماعية أمام تحدي العودة إلى حراك سياسي يؤدي إلى حلول عملية وعادلة للأزمات والقضية الجنوبية.

وأدت التطورات الأخيرة، وفي مقدمها حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، والتي جاءت بعد أيام من مغادرة رئيسه عيدروس الزبيدي للمشهد، بالهروب ورفض المشاركة في أي حوارات مقبلة، تحولاً نوعياً في توازنات القوة السياسية والأمنية، وفتحت المجال أمام مرحلة تغيب فيها الانقسامات الكبرى، مفسحة المجال لترتيبات هادئة وحوارات تتصدرها القضية الجنوبية التي ستحظى بالنصيب الأول من الاهتمام الرسمي والشعبي تحت ضغط المخاوف من عودة الاضطرابات.

وبقدر ما يُعدّ خروج الزبيدي من المشهد وطيّ المجلس الانتقالي الجنوبي نهاية لمشروع استمر أكثر من 8 أعوام قبل أن ينزلق نحو الفوضى والعنف في الأسابيع الأخيرة، فإن الحكومة الشرعية والتحالف الداعم للشرعية بقيادة السعودية، أبديا مرونة كبيرة مع قياداته، في إطار التعامل مع الجنوب بصفته ملفاً أمنياً وإدارياً قبل أن يكون قضية سياسية قابلة للحسم السريع.

لقطة لعيدروس الزبيدي في عدن عمرها 10 أعوام وتعود لما قبل تشكيل المجلس الانتقالي (غيتي)

وأعفى هروب الزبيدي جميع الأطراف من تكلفة التعقيدات التي كان سيفرضها حضوره في المشهد السياسي والميداني مستقبلاً، والثمن غير المحسوب لاستمرار إدارة الأزمة بالتوتر الأمني والعسكري.

ويطالب عتيق باحقيبة، القيادي في الحزب الاشتراكي في محافظة حضرموت، بما ورد في خطاب رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عند زيارته لحضرموت منتصف العام قبل الماضي، والذي وعد خلالها بأن تدير المحافظة نفسها إدارة كاملة، ويؤكد أن موقف حلف قبائل حضرموت يتمسك بحصول المحافظة على هذا المكسب، جزءاً من حل الأزمة في اليمن بما فيها القضية الجنوبية.

خيار الإدارة المرنة

لا يمكن لأي تسوية جنوبية أن تمرّ دون أن يكون لمحافظة حضرموت الدور الفاعل والصوت الأبرز في حدوثها، خصوصاً بعدما شهدته من أحداث وتطورات، وهو ما يفسرّ تكثيف الحراك السياسي والأمني فيها خلال الأسابيع الأخيرة.

يؤكد باحقيبة لـ«الشرق الأوسط» أن حلف قبائل حضرموت يتمسك بحكم المحافظة لذاتها كون ذلك أحد مطالب أبنائها ومختلف القوى السياسية والاجتماعية فيها، خصوصاً وأن الأحداث الأخيرة، والتي تورطت فيها قوى من خارجها، كادت أن تؤدي إلى غرقها في الفوضى الأمنية والعسكرية، لولا حزم القرارات الرئاسية وتدخل السعودية.

أفراد تابعون لحلف قبائل حضرموت في مدينة المكلا بعد خروج قوات «الانتقالي» منها (غيتي)

ويرى باحقيبة، أن مؤتمر الحوار الجنوبي الذي دعت له الرياض، يكتسب أهمية كبرى للمحافظة والجنوب في هذا الظرف الحساس؛ ما يقتضي مشاركة جميع القوى الحضرمية فيها بفاعلية، إلى جانب الاصطفاف مع السلطة المحلية بقيادة سالم الخنبشي، محافظ المحافظة، وقائد قوات «درع الوطن» فيها.

ومرة أخرى تعود القضية الجنوبية، بعد حلّ المجلس الانتقالي، إلى ملفات التفاوض المؤجلة، والمرتبطة بمآلات الحرب مع الحوثيين والتوازنات الإقليمية، وبقدر ما يقلّص هذا التحول مساحة الشعارات، إلا أنه يفتح الباب أمام مكاسب عملية على الأرض، شرط وجود قيادة جنوبية قادرة على إدارة الواقع بدلاً من الهروب إلى خطاب العنف.

وأفرزت الأحداث التي شهدها اليمن على مدى السنوات الماضية أن التعاطي بجدية واهتمام بالمطالب الجنوبية أكثر فاعلية وجدوى من تجاهلها أو مواجهتها؛ إذ يسمح خيار الإدارة المرنة بتحقيق الاستقرار ومنع فتح جبهات جديدة، ويؤدي إلى تحجيم الخطاب المناطقي دون تفكيك الخطاب المطالب بالعدالة والإنصاف.

ويرى علي الخولاني، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الفرصة الآن متاحة للعمل السياسي بعيداً عن الهيمنة الأحادية، بعد أن أثبتت الأحداث الأخيرة أن لا تهاون مع أي أعمال تسعى إلى تقسيم اليمن أو ممارسات تؤدي إلى الإضرار بالأمن القومي لجيرانها، خصوصاً تلك التي تشبه في طبيعتها تصرفات الجماعة الحوثية، والتي كان لا مفر من التعامل معها بالقوة.

يمثل استقرار الوضع الأمني في اليمن أهمية بالغة لتأمين الممرات المائية في منطقة الشرق الأوسط (غيتي)

ويشير الخولاني، وهو رئيس «المركز اليمني المستقل للدراسات الاستراتيجية» إلى أن حلّ المجلس الانتقالي، بعد موافقة قادته على المشاركة في حوار جنوبي - جنوبي، يضع جميع القوى الجنوبية أمام مسؤولية المشاركة في صنع القرار من خلال إعادة توزيع السلطة السياسية في الجنوب، بعيداً عن أي مغامرات تؤدي إلى الإضرار بأمن المنطقة أو التعاون مع أي قوى تسعى إلى إحداث اختراقات وفوضى فيها.

تسويق نموذج

دفعت القوى السياسية والاجتماعية في محافظة حضرموت باتجاه صياغة حلول أكثر قابلية للاستمرار، فلا سعي لتفكيك الدولة اليمنية، ولا عودة كاملة إلى مركزية ما قبل الحرب، وذلك من خلال دعواتها إلى إدارة ذاتية للمحافظات الجنوبية، وفي صدارتها المحافظة الأكبر في البلاد.

وتلعب حضرموت دوراً محورياً في مستقبل البلاد عموماً والجنوب خصوصاً، بصفتها المحافظة التي شهدت استقراراً أكثر من غيرها خلال سنوات الحرب، رغم ما مرّت به من ظروف معقدة، والأكثر جذباً لمشاريع الحكم المتحررة من المركزية المشددة.

مشهد من المواجهات التي شهدتها حضرموت خلال تقدم قوات «درع الوطن» الحكومية لاستعادتها (أ.ف.ب)

وترجح أحلام جابر، الناشطة السياسية في مدينة المكلا، أن يفضي مؤتمر الحوار المرتقب في الرياض إلى إعادة ترتيب المشهد الجنوبي على أسس سياسية عادلة تعترف بالوقائع والمعطيات على الأرض، وأن تكون محافظة حضرموت فاعلة في إحداث فارق جوهري وإنجاز قطيعة مع مرحلة الشتات السابقة.

وبيَّنت جابر لـ«الشرق الأوسط» أن حضرموت تمثل نموذجاً يمكن أن يفرض نفسه على باقي المحافظات، ليس في الجنوب فقط، بل في كامل البلاد؛ ما يسهل في تفكيك العقد المزمنة وتعديل طرق التعامل مع الأزمات، فهناك سلطة محلية تتحدث باسم المحافظة، وحلف القبائل الذي يمتلك حضوراً اجتماعياً وأمنياً فاعلاً، إلى جانب تيارات وشخصيات اجتماعية واقتصادية وأكاديمية وإدارية تضع الرؤى وتحدد الاستراتيجيات.

ولا تعدّ مرحلة ما بعد المجلس الانتقالي الجنوبي فراغاً سياسياً، بل إعادة تموضع، حيث يتجه الجنوب، بفعل حزم السلطة الشرعية ودعم التحالف بقيادة السعودية، نحو مرحلة من الاستقرار الذي ينتظر حسماً سياسياً وتسوية شاملة بدون توترات أمنية.