المساحة المشتركة في النص العراقي المغترب

«وأقبل الخريف مبكرا هذا العام» لقصي الشيخ عسكر نموذجا

المساحة المشتركة في النص العراقي المغترب
TT

المساحة المشتركة في النص العراقي المغترب

المساحة المشتركة في النص العراقي المغترب

تنتمي رواية «وأقبل الخريف مبكرا هذا العام» للكاتب العراقي قصي الشيخ عسكر إلى نمط الروايات المهجّنة التي تجمع بين أزمنة وأمكنة وشخصيات متعددة غالبيتها دنماركية وأخرى عراقية. وعلى الرغم من أن بطل الرواية وراويها المهيمن هو شخصية عراقية إشكالية تنطوي على قدر كبير من الصبر والجلَد والتحدّي فإن الشخصيات الدنماركية الأخرى لا تقل أهمية عن هذا البطل، لأنها ستؤثث الفضاء الروائي برمته عبر الجد الطاعن في السن يوهان ماترلنك وحفيدته تيرينا. كما تتشظى المسارات السردية لتغطي شخصيات مستديرة أخرى مثل مريته هولم، خالة بكيت راغسموسن، زوجة يوهان المتوفاة، وحارس المقبرة بنت، والعراقي عبد الله اللوريني الذي سيسجل حضورا لا بأس به عبر الاستعادات الذهنية لبطل الرواية وساردها الأول.

* الشخصية المحورية
تتكئ الرواية في جانب كبير منها على شخصية اللاجئ العراقي الذي يتبنّى عملية السرد غير أنه لا يحمل اسما أو ملامح محددة، لكننا سنُحاط علما منذ مستهل الرواية بأنه كان متذمرا من المعونات الاجتماعية التي تقدمها الدولة له أسوة بكل اللاجئين الأجانب. وقد وجد ضالته فعلا حينما عثر على عمل في دار المسنّين. كما أرشدته المشرفة الاجتماعية تيرينا إلى العمل مع جدها يوهان ماترلنك. وقد اقترح عليه هذا الأخير أن يكمل نصابه من العمل بخدمة مريته هولم، خالة زوجته ليتحرر كليا من نظام المساعدات الاجتماعية ومن وصاية المشرفين والمشرفات، خصوصا أن الدنماركيين فضوليون ويسألون أي شخص غريب عن مصدر رزقه. ستتضح شخصية الراوي وطويته وطريقة تفكيره منذ الفصل الأول حيث يعترف في مناجاته بأن الدول الإسكندنافية تدفع على نفقتها الخاصة أكل اللاجئين وشربهم ومنامهم ومتعهم أيضا، كما يذكِّرهم في هذه المناجاة بأنهم كانوا لاجئين في أميركا زمن الاحتلال النازي، وأكثر من ذلك فإن أكثر من نصف مليون دنماركي هاربون من الضباب إلى البلدان المشمسة.
ثمة مفتاح لكل شخصية مركبة في هذا النص الروائي. فالجد يوهان ماترلنك رجل أرمل، مريض، مصاب بتليّف الرئتين. كما أنه وحيد وعاجز عن الحركة فلا غرابة أن يشعر بالعزلة شأنه شأن الكثير من الدنماركيين الكبار في السن الذين يبدون منغلقين كما يعتقد الراوي، لكن عائلة يوهان بدت له منفتحة ولا تجد ضيرا في التعاطي مع الأجانب. توفيت زوجته بكيت راغسموسن عن 59 عاما سنة 1979 وهو يحتفظ برمادها في قارورة على الرف. كان يوهان مستعدا لفكرة الموت منذ سنوات طويلة، فلا غرابة أن يشتري له قبرا في كوبنهاغن منذ عام 1960، فأوروبا صغيرة، وقد لا يجد الإنسان مساحة صغيرة يُدفن فيها. أما الهمّ الوحيد الذي يقلقه فهو مستقبل حفيدته تيرينا. ويشعر الراوي بعد أن تتطور علاقته بهذه الأسرة أن الجد يوهان والخالة ميرته هولم يوحيان له بشكل من الأشكال أن يقترب أكثر من تيرينا، علّه يجد حلا لهذا الإشكال، خصوصا أن الجد يريد أن ينقل ملكية شقته إلى حفيدته بدل أن ترثها أمها المغيبة في النص الروائي، ولا نعرف عنها شيئا سوى أنها متزوجة من دبلوماسي في إسبانيا، وأن تيرينا لا تريد الاتصال بها لأسباب مجهولة. ما كنا نخشاه على مدار الرواية سوف يقع في الفصل الأخير، حيث يموت الجد وحيدا، قبل أن يتمكن من الاتصال بالإسعاف أو بحفيدته، فيوارونه الثرى في القبر الذي اشتراه قبل ربع قرن.

* الحفيدة تيرينا
على الرغم من ثراء شخصيتي الجد والراوي العراقي، الذي كشف لنا جانبا من شخصيته حينما أسرّ ليوهان بأنه محكوم بالإعدام، وقد تعرّض للسجن والتعذيب لأنه هارب من الحرب، فإن شخصية تيرينا لا تقل ثراء وإشكالية عن الشخصيتين السابقتين. فهي مشرفة اجتماعية، وتطمح أن تكون عارضة أزياء لكنها قصيرة بعض الشيء وفقا لمعايير الجمال الأوروبية، لأن طولها يحتاج إلى سنتيمترين آخرين، وأنها فتاة حساسة ورقيقة، وربما يسبب لها الإخفاق في المسابقة بعض المعاناة والألم. وقبل أن تتعمق علاقتها بالراوي خرجت معه إلى مدينة الألعاب، واطمأنت إليه. ونظرا للتشجيع الذي يلقاه الراوي من يوهان ومريته هولم، يدعو تيرينا إلى العشاء في منزله، وقبل أن تغادر قبّلها على خدها ثم نظر في عينيها طويلا فرأى بريق الحب والرغبة الغامضة في الوصال، فطلب منها أن تنام في بيته فاكتشف أن يوهان كان مخطئا، وأن حفيدته لم تكن عذراء، فلربما نامت مع رجل آخر أو هتكت عذريتها بإصبعها كي تثبت أمام بقية الفتيات أنها امرأة.
ربما تكون مريته هولم هي الشخصية الأكثر تمردا في الرواية. وقد خرجت على العادات والتقاليد المحافِظة للأسر الأرستقراطية، وهربت من أهلها بمجرد بلوغها سن الـ18. وكانت تبيت في مقر الحزب الشيوعي، وقد تزوجت من شخصين؛ الأول دنماركي، ثم اقترنت بأميركي من أصول أفريقية، لكنها انفصلت عنه لتمحو من رأسها فكرة الزواج نهائيا. وهي شخصية مرحة وحيوية على الرغم من بلوغها الـ77 لكنها تبدو أنشط من شابة في الثلاثين. لقد ساهمت مريته هولم في حث الراوي على الاقتراب من الحفيدة تيرينا، والإيحاء له بحاجتها الجنسية، خصوصا أنها تعيش في مجتمع مرفّه تحرر منذ سنين طويلة من منظومة القيم الاجتماعية التي تحد من تلبية الحاجات الجسدية للإنسان.

* المساحة المشتركة
مهما اتسعت الهوة بين الشعوب والثقافات المتنوعة في العالم، فإن المساحة الإنسانية المشتركة تظل أكبر مما يتخيله العقل البشري. ولو قارنا بين شخصية الراوي العراقي وأي من الشخصيات الدنماركية الأخرى لوجدناها قريبة من بعضها بعضا. وقد ساهم هذا الراوي بتحطيم بعض الجدران التي تقف حائلا بينه وبين اندماجه في المجتمع الدنماركي، لأنه نظر إلى النصف المملوء من الكأس من دون أن يعير اهتماما إلى الفروقات الطبيعية بين المجتمع العراقي الذي ينظر إلى الغراب والبوم كطيور مشؤومة قبيحة، بينما ينظر إليها الأوروبيون على أنها طيور حكمة جميلة. أو أن مقابرنا المهجورة مليئة بالعقارب والأفاعي بينما تحتشد المقابر الدنماركية الجميلة بالفتيات الحسناوات اللواتي يلوحن بأجسادهن تحت الشمس. لا يجد الدنماركي البروتستانتي ضيرا في أن تُحرق جثته بعد الموت، ويوضع رمادها في قارورة زجاجية تُركن على أحد الأرفف، كما هو حال بكيت راغسموسن، بينما لا يؤمن يوهان الكاثوليكي بحرق الجثث، وهو لا يريد أن يتصور بأنه يحترق، ويتحول إلى رماد، على الرغم من أنه ليس مؤمنا ولا كافرا، لكنه ببساطة شديدة لا يُعنى بالدين ولا يحتوي ذهنه على مساحة كافية للتفكير في خلق الكون أو طبيعة الحياة الأخرى التي نتجه إليها بعد الموت. وفي السياق ذاته، يغيّر البستاني «بنت» قناعاته الدينية، ويتحول إلى البوذية، لأنها ديانة تحرّم القتل. كما يقرر عدم السفر إلى أي بلد في العالم، باستثناء الهند لأنه يعتبرها أُمّا للعالم برمته.
لا تكتفي الرواية بمناقشة منظومة القيم الاجتماعية والثقافية والدينية، وإما تتحدث عن الحرب في العراق وأوروبا على حد سواء، ويكفي أن نشير هنا إلى أن الجد يوهان المنحدر من أصول ألمانية كان يتحدث عن الاحتلال النازي ومقاومته له، ويفتخر بأنه أنقذ ثمانية جنود أميركيين هبطت طائرتهم هبوطا اضطراريا في مزرعته، ثم هرّبهم إلى الساحل ومنه إلى السويد ليتلقى بعد مدة وجيزة كتاب شكر من الرئيس إيزنهاور.
خلاصة القول: يمكننا أن نصنّف هذا النص الروائي بالنوفيلا، إلا أنه توفر على مجمل الاشتراطات الروائية التي تتعلق بالزمان والمكان والحدث والشخصيات النموذجية التي قالت أشياء كثيرة، وطرحت كما كبيرا من التساؤلات الفكرية والثقافية والاجتماعية والدينية على حد سواء في 86 صفحة لا غير!



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».