صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض

الفرنسي سورج شالاندون في روايته «مهنة الأب»

صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض
TT

صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض

صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض

أكثر ما لفتني في رواية «مهنة الأب» لسورج شالاندون هو عنوانها بالذات. فلقد ظننت بداية أن الرواية تتناول الأبوة كمهنة قائمة بذاتها، في مقابل الأمومة. ووجدتني مشدوداً لمعرفة ما يجب على البشر المتزوجين أن يفعلوه لأبنائهم وبناتهم، لكي يحسبوا في مصاف الآباء «الأسوياء» والصالحين. ومع أنني اكتشفت مع التقدم في القراءة، أن المكتوب لا يقرأ بالضرورة من عنوانه، وأن أحداث الرواية تدور حول رجل فرنسي غريب الأطوار، ولا مهنة له سوى اختلاق الأوهام، فإن ذلك الاكتشاف لم يقلل من قيمة الرواية، ولا من براعة مؤلفها في تقديم عمل أدبي محكم الحبكة والسرد. لا بل إن الرواية قد بدت في عمقها الأخير تجسيداً بالغ الدلالة لوضع فرنسا المأزقي، ولتراجع دورها في العالم في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
يبدأ شالاندون، الحائز على جائزة غونكور عام 2013، روايته المميزة من خواتيمها، مستعيداً من خلال مشهد الابن والأم السائرين خلف جنازة الأب أندريه شولان، مسيرة حياة العائلة التي قادها هذا الأخير نحو مآلاتها المأساوية. لكن المؤلف الذي يحاذر الوقوع في الإنشاء العاطفي الميلودرامي، لا ينتظر طويلاً لكي يفصح عن أسلوبه الخاص الذي يحرص على تقديم الأحداث بالكثير من البرود الحيادي، أو تفخيخ الواقع التراجيدي بعناصر الطرافة والسخرية السوداء والعبث الوجودي. وهي ميزة في الأسلوب تتضح منذ الصفحة الأولى، حيث لا يتوانى الابن – الراوي عن وصف جنازة الأب الراحل على الشكل التالي «لم يكن أحد سوانا، أمي وأنا. حين سيق نعش أبي إلى القاعة محمولاً على عربة، عن بخاطري مشهد عربات الخدمة في المطاعم. كان هناك ثلاثة متعهدي دفن. وجوه شاحبة، سترات سود، ربطات عنق معقودة بإهمال، سراويل قصيرة للغاية. لقد عدموا اللياقة والوقار، فما كانوا يحفلون بمنظرهم وحركاتهم، ما جعلني أقاوم ابتسامتي، متخيلاً أبي وهو يصرف إلى العالم الآخر على أيدي حراس علب ليلية».
وإذا كانت الرواية، الصادرة عن دار مسكيلياني والتي تقاسم ترجمتها عن الفرنسية كل من إيناس العباسي ووليد الفرشيشي، تبدأ من نهاياتها لتستعيد على طريقة «الفلاش باك» مسيرة حياة المثلث العائلي، فإن زمنها لا يتخذ شكلاً طردياً، بل يعمد المؤلف إلى تقديمه وتأخيره وفقاً لموجبات الحبكة ومقتضيات السرد، ودفعاً لأي شعور لدى القارئ بالرتابة والملل. فبعد مشهد الجنازة الذي تجري وقائعه عام 2011، يعيدنا شالاندون إلى العام 1961 حيث يزف الأب إلى عائلته الصغيرة نبأ قيام ضباط أربعة بإعلان الحرب على ديغول بسبب إسهامه «الخياني» في سلخ الجزائر عن «هويتها» الفرنسية.
ومع تقدم السرد يضعنا المؤلف بالتدريج أمام صورة صادمة للأب الشبيه بدون كيشوت معاصر، والذي ينتمي إلى فرقة إنجيلية شديدة التزمت، ويحاول معالجة ابنه المصاب بالربو عن طريق التعازيم، ويجري على مسامع زوجته وطفله اتصالات هاتفية غاضبة مع ديغول، يهدده خلالها بأوخم العواقب. وإذ يخبر الأب ابنه الطفل بأنه ينسق خطواته مع الضابط الأميركي تيد الذي فقد ذراعه في الحرب، والذي كان يطلق عليه بالمقابل اسم فرنشي، يعترف له في الوقت ذاته بمشاركته الفاعلة بتأسيس تنظيم سري يهدف إلى اغتيال ديغول واستعادة الجزائر إلى الحضن الفرنسي في آن واحد.
هكذا كان على الابن المعنف أن ينشأ في كنف أكثر الظروف قسوة وتشوشاً وغرابة. ورغم كل المهن التي كان يدعي أبوه مزاولتها، حيث هو مغنٍ ولاعب كرة قدم ومدرس وجاسوس وقس في كنيسة، فهو لم يعثر على نعت مناسب لمهنة الأب في بياناته المدرسية سوى القول إنه «بلا مهنة». والأدهى من كل ذلك أن الأب يحاول أن ينشئ الابن على صورته ومثاله، فيضمه إلى تنظيمه السري ويكلفه بمهمات أمنية لا تتناسب مع سنه، قبل أن يعمد إلى توريط زميل له في الدراسة يسمى لوكا في عملية الاغتيال المتخيلة، التي انتهت بطرد الفتى الساذج من المدرسة.
ولا يتوانى الابن في محاولة منه للتماهي الكامل مع الأب، إلى ارتداء ملابس البوليس السري، واضعاً مسدس أبيه على خصره أثناء التقاط الصورة المدرسية التذكارية، الأمر الذي اضطر أباه إلى الاستعانة بأحد الأطباء النفسيين لاعتقاده بأنه مجنون، كما إلى إعطائه جرعات زائدة من الدواء سببت له المزيد من الصداع والإنهاك.
لكن الزمن في «مهنة الأب» لا يتقدم بشكل طردي، بل يعمل المؤلف على التلاعب به تقديماً وتأخيراً. فبعد أن ينتقل شالاندون ثلاثين عاماً إلى الأمام، حيث يتلقى الابن الخمسيني مكالمة هاتفية غريبة من أبويه العجوزين، اللذين يتشاجران حول ما إذا كان إميل هو امتدادهما البيولوجي أم ابنهما بالتبني، يعود مرة أخرى إلى العام 1970، وهو عام رحيل ديغول، لنكتشف بأن الابن الذي صار يعمل دهاناً للأثاث المنزلي، قد خيب ظن أبيه الذي كان يعده ليكون طبيباً ماهراً أو قائدا مرموقاً في جيش بلاده. كما كان الأب قد كف آنذاك عن ذكر كل ما له علاقة بهوية الجزائر، أو الاقتصاص من ديغول بسبب تخليه عنها.
ورغم أن المؤلف لا يذكر السبب الفعلي الذي حدا بالأبوين إلى هجر ابنهما الوحيد وتركه إلى مصيره البائس، فإن لنا نحن القراء أن نستنتج بأن رحيل شارل ديغول هو السبب في ذلك، وأن الأب المصاب بالبارانويا لم يعد يرى ضرورة لبقاء الابن إلى جانبه، بعد أن فقد مخطط الاغتيال جدواه وذهب الرئيس «الخائن» إلى حتفه من تلقاء نفسه.
والأدهى من كل ذلك هو اللامبالاة الصادمة التي يواجهها الابن من قبل أبويه حين يقرر اللجوء إلى منزلهما الجديد، قبل أن يغادر المنزل مخذولاً وشبه ميت، للمبيت في إحدى الشاحنات المهجورة. ولعل ما آلمه أكثر من أي شيء آخر هو إذعان الأم لسطوة الأب، كما لو كانت ظله ورجع صوته وشطره الأنثوي.
ومع امتناع إميل عن زيارة أبويه لسنوات طويلة، تصله منهما رسائل متقطعة تظهر مدى ما انحدرا إليه من وضع مأساوي، ومدى غرق الأب في المزيد من التخيلات والأوهام. وحين قرر إميل بعد طول تردد أن يقوم بزيارة والديه، برفقة زوجته الجزائرية فضيلة وابنه كليمان، راح يعاين ذاهلاً مدى ما أصابهما معاً من الوهن والتغضن والضمور. وإذ راح والده ذو العقل المشوش يخبره بأن مقاومته السابقة للألمان كانت بلا معنى، لأن الفرنسيين لم يتوانوا عن وضع النسر الألماني على عملتهم الجديدة، وجد نفسه منخرطاً دون إرادته في بكاء عميق، قبل أن يتخذ قراره النهائي باللاعودة.
على أن الابن ما يلبث أن يضعف مرة أخرى أمام وضع أبويه المزري، فيعود لزيارتهما بذهنية من يريد الوقوف بالعين المجردة على مآل حياتهما المهشمة، أو بهدف التخفف من أوزار علاقته الصعبة مع ما تبقى من حطام أبيه العجوز. وهو ما يؤكده قوله «وإذ رحت أفتش عن نظرته المنكسرة، اكتشفت بأنني تخلصت من كل مشاعري حياله، ولم يعد الغضب يسكنني ولا الألم. كان جسدي قد نجا من لكماته ورأسي من أقراصه».
بعد ذلك تتوالى المفاجآت الصادمة، وتبدأ خيوط الحبكة بالانكشاف واحداً بعد الآخر. فالابن يكتشف أثناء مشاهدته أحد الأفلام أن تيد لم يكن عرابه ولا رفيق أبيه في الحرب، بل كان مجرد ممثل يؤدي دور ضابط أميركي جريح في أحد الأفلام، تماماً كما هو حال فرنشي الذي كان يؤدي دور زميله الفرنسي. ويكتشف بأن إيلغريس الذي رفض إدخال الأب إلى المصح، بدعوى أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك مع البطل الذي واجه ببسالة جهاز التجسس النازي، لم يكن طبيباً للأمراض العصبية بل منتحلاً لهذا الدور. أما الأب المهيض الذي شعر أخيراً بدنو الأجل، فقد استبق نهايته الوشيكة بطلب استدعاء عاجل للجنرال ديغول، لم تتيسر له سبل التحقق.
وفي حين أن الشريط المسجل الذي أوصى الأب ابنه إميل أن يطلع عليه بعد موته، لم يكشف بفعل تعرضه للتلف عن أي شيء يذكر، بدت مهنة الأب المفبركة مفتوحة على دلالات أوسع، وأقرب من بعض وجوهها إلى «المهنة «الملتبسة لفرنسا نفسها، كما إلى دورها المتراجع في عالم ما بعد الكولونيالية الذي تشكل أميركا محوره وعصبه وقطبه الأهم. ورغم أن إميل كان محبطاً وشبه مهشم بالقرب من جثمان أبيه المسجى، فقد شعر لاحقاً بشيء من الرضا عن النفس حين عثر على إجابة مناسبة عن سؤال ابنه له: «ما هي مهنتك يا أبي؟»، ليجيبه الأب بشيء من الثقة وقليل من الحرج «أنا مرمم لوحات، ومصلح للجمال». وحين علق ابنه بالقول «سأكتب أنك معالج اللوحات المريضة»، راح يحس في أعماقه بشيء من الرضا عن النفس، لأنه وإن لم يكن مبتكراً للجمال، فهو على الأقل منوط بحمايته من التآكل والاهتراء.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».