صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض

الفرنسي سورج شالاندون في روايته «مهنة الأب»

صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض
TT

صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض

صورة فرنسا الحديثة بين صناعة الأوهام وترميم الجمال المريض

أكثر ما لفتني في رواية «مهنة الأب» لسورج شالاندون هو عنوانها بالذات. فلقد ظننت بداية أن الرواية تتناول الأبوة كمهنة قائمة بذاتها، في مقابل الأمومة. ووجدتني مشدوداً لمعرفة ما يجب على البشر المتزوجين أن يفعلوه لأبنائهم وبناتهم، لكي يحسبوا في مصاف الآباء «الأسوياء» والصالحين. ومع أنني اكتشفت مع التقدم في القراءة، أن المكتوب لا يقرأ بالضرورة من عنوانه، وأن أحداث الرواية تدور حول رجل فرنسي غريب الأطوار، ولا مهنة له سوى اختلاق الأوهام، فإن ذلك الاكتشاف لم يقلل من قيمة الرواية، ولا من براعة مؤلفها في تقديم عمل أدبي محكم الحبكة والسرد. لا بل إن الرواية قد بدت في عمقها الأخير تجسيداً بالغ الدلالة لوضع فرنسا المأزقي، ولتراجع دورها في العالم في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
يبدأ شالاندون، الحائز على جائزة غونكور عام 2013، روايته المميزة من خواتيمها، مستعيداً من خلال مشهد الابن والأم السائرين خلف جنازة الأب أندريه شولان، مسيرة حياة العائلة التي قادها هذا الأخير نحو مآلاتها المأساوية. لكن المؤلف الذي يحاذر الوقوع في الإنشاء العاطفي الميلودرامي، لا ينتظر طويلاً لكي يفصح عن أسلوبه الخاص الذي يحرص على تقديم الأحداث بالكثير من البرود الحيادي، أو تفخيخ الواقع التراجيدي بعناصر الطرافة والسخرية السوداء والعبث الوجودي. وهي ميزة في الأسلوب تتضح منذ الصفحة الأولى، حيث لا يتوانى الابن – الراوي عن وصف جنازة الأب الراحل على الشكل التالي «لم يكن أحد سوانا، أمي وأنا. حين سيق نعش أبي إلى القاعة محمولاً على عربة، عن بخاطري مشهد عربات الخدمة في المطاعم. كان هناك ثلاثة متعهدي دفن. وجوه شاحبة، سترات سود، ربطات عنق معقودة بإهمال، سراويل قصيرة للغاية. لقد عدموا اللياقة والوقار، فما كانوا يحفلون بمنظرهم وحركاتهم، ما جعلني أقاوم ابتسامتي، متخيلاً أبي وهو يصرف إلى العالم الآخر على أيدي حراس علب ليلية».
وإذا كانت الرواية، الصادرة عن دار مسكيلياني والتي تقاسم ترجمتها عن الفرنسية كل من إيناس العباسي ووليد الفرشيشي، تبدأ من نهاياتها لتستعيد على طريقة «الفلاش باك» مسيرة حياة المثلث العائلي، فإن زمنها لا يتخذ شكلاً طردياً، بل يعمد المؤلف إلى تقديمه وتأخيره وفقاً لموجبات الحبكة ومقتضيات السرد، ودفعاً لأي شعور لدى القارئ بالرتابة والملل. فبعد مشهد الجنازة الذي تجري وقائعه عام 2011، يعيدنا شالاندون إلى العام 1961 حيث يزف الأب إلى عائلته الصغيرة نبأ قيام ضباط أربعة بإعلان الحرب على ديغول بسبب إسهامه «الخياني» في سلخ الجزائر عن «هويتها» الفرنسية.
ومع تقدم السرد يضعنا المؤلف بالتدريج أمام صورة صادمة للأب الشبيه بدون كيشوت معاصر، والذي ينتمي إلى فرقة إنجيلية شديدة التزمت، ويحاول معالجة ابنه المصاب بالربو عن طريق التعازيم، ويجري على مسامع زوجته وطفله اتصالات هاتفية غاضبة مع ديغول، يهدده خلالها بأوخم العواقب. وإذ يخبر الأب ابنه الطفل بأنه ينسق خطواته مع الضابط الأميركي تيد الذي فقد ذراعه في الحرب، والذي كان يطلق عليه بالمقابل اسم فرنشي، يعترف له في الوقت ذاته بمشاركته الفاعلة بتأسيس تنظيم سري يهدف إلى اغتيال ديغول واستعادة الجزائر إلى الحضن الفرنسي في آن واحد.
هكذا كان على الابن المعنف أن ينشأ في كنف أكثر الظروف قسوة وتشوشاً وغرابة. ورغم كل المهن التي كان يدعي أبوه مزاولتها، حيث هو مغنٍ ولاعب كرة قدم ومدرس وجاسوس وقس في كنيسة، فهو لم يعثر على نعت مناسب لمهنة الأب في بياناته المدرسية سوى القول إنه «بلا مهنة». والأدهى من كل ذلك أن الأب يحاول أن ينشئ الابن على صورته ومثاله، فيضمه إلى تنظيمه السري ويكلفه بمهمات أمنية لا تتناسب مع سنه، قبل أن يعمد إلى توريط زميل له في الدراسة يسمى لوكا في عملية الاغتيال المتخيلة، التي انتهت بطرد الفتى الساذج من المدرسة.
ولا يتوانى الابن في محاولة منه للتماهي الكامل مع الأب، إلى ارتداء ملابس البوليس السري، واضعاً مسدس أبيه على خصره أثناء التقاط الصورة المدرسية التذكارية، الأمر الذي اضطر أباه إلى الاستعانة بأحد الأطباء النفسيين لاعتقاده بأنه مجنون، كما إلى إعطائه جرعات زائدة من الدواء سببت له المزيد من الصداع والإنهاك.
لكن الزمن في «مهنة الأب» لا يتقدم بشكل طردي، بل يعمل المؤلف على التلاعب به تقديماً وتأخيراً. فبعد أن ينتقل شالاندون ثلاثين عاماً إلى الأمام، حيث يتلقى الابن الخمسيني مكالمة هاتفية غريبة من أبويه العجوزين، اللذين يتشاجران حول ما إذا كان إميل هو امتدادهما البيولوجي أم ابنهما بالتبني، يعود مرة أخرى إلى العام 1970، وهو عام رحيل ديغول، لنكتشف بأن الابن الذي صار يعمل دهاناً للأثاث المنزلي، قد خيب ظن أبيه الذي كان يعده ليكون طبيباً ماهراً أو قائدا مرموقاً في جيش بلاده. كما كان الأب قد كف آنذاك عن ذكر كل ما له علاقة بهوية الجزائر، أو الاقتصاص من ديغول بسبب تخليه عنها.
ورغم أن المؤلف لا يذكر السبب الفعلي الذي حدا بالأبوين إلى هجر ابنهما الوحيد وتركه إلى مصيره البائس، فإن لنا نحن القراء أن نستنتج بأن رحيل شارل ديغول هو السبب في ذلك، وأن الأب المصاب بالبارانويا لم يعد يرى ضرورة لبقاء الابن إلى جانبه، بعد أن فقد مخطط الاغتيال جدواه وذهب الرئيس «الخائن» إلى حتفه من تلقاء نفسه.
والأدهى من كل ذلك هو اللامبالاة الصادمة التي يواجهها الابن من قبل أبويه حين يقرر اللجوء إلى منزلهما الجديد، قبل أن يغادر المنزل مخذولاً وشبه ميت، للمبيت في إحدى الشاحنات المهجورة. ولعل ما آلمه أكثر من أي شيء آخر هو إذعان الأم لسطوة الأب، كما لو كانت ظله ورجع صوته وشطره الأنثوي.
ومع امتناع إميل عن زيارة أبويه لسنوات طويلة، تصله منهما رسائل متقطعة تظهر مدى ما انحدرا إليه من وضع مأساوي، ومدى غرق الأب في المزيد من التخيلات والأوهام. وحين قرر إميل بعد طول تردد أن يقوم بزيارة والديه، برفقة زوجته الجزائرية فضيلة وابنه كليمان، راح يعاين ذاهلاً مدى ما أصابهما معاً من الوهن والتغضن والضمور. وإذ راح والده ذو العقل المشوش يخبره بأن مقاومته السابقة للألمان كانت بلا معنى، لأن الفرنسيين لم يتوانوا عن وضع النسر الألماني على عملتهم الجديدة، وجد نفسه منخرطاً دون إرادته في بكاء عميق، قبل أن يتخذ قراره النهائي باللاعودة.
على أن الابن ما يلبث أن يضعف مرة أخرى أمام وضع أبويه المزري، فيعود لزيارتهما بذهنية من يريد الوقوف بالعين المجردة على مآل حياتهما المهشمة، أو بهدف التخفف من أوزار علاقته الصعبة مع ما تبقى من حطام أبيه العجوز. وهو ما يؤكده قوله «وإذ رحت أفتش عن نظرته المنكسرة، اكتشفت بأنني تخلصت من كل مشاعري حياله، ولم يعد الغضب يسكنني ولا الألم. كان جسدي قد نجا من لكماته ورأسي من أقراصه».
بعد ذلك تتوالى المفاجآت الصادمة، وتبدأ خيوط الحبكة بالانكشاف واحداً بعد الآخر. فالابن يكتشف أثناء مشاهدته أحد الأفلام أن تيد لم يكن عرابه ولا رفيق أبيه في الحرب، بل كان مجرد ممثل يؤدي دور ضابط أميركي جريح في أحد الأفلام، تماماً كما هو حال فرنشي الذي كان يؤدي دور زميله الفرنسي. ويكتشف بأن إيلغريس الذي رفض إدخال الأب إلى المصح، بدعوى أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك مع البطل الذي واجه ببسالة جهاز التجسس النازي، لم يكن طبيباً للأمراض العصبية بل منتحلاً لهذا الدور. أما الأب المهيض الذي شعر أخيراً بدنو الأجل، فقد استبق نهايته الوشيكة بطلب استدعاء عاجل للجنرال ديغول، لم تتيسر له سبل التحقق.
وفي حين أن الشريط المسجل الذي أوصى الأب ابنه إميل أن يطلع عليه بعد موته، لم يكشف بفعل تعرضه للتلف عن أي شيء يذكر، بدت مهنة الأب المفبركة مفتوحة على دلالات أوسع، وأقرب من بعض وجوهها إلى «المهنة «الملتبسة لفرنسا نفسها، كما إلى دورها المتراجع في عالم ما بعد الكولونيالية الذي تشكل أميركا محوره وعصبه وقطبه الأهم. ورغم أن إميل كان محبطاً وشبه مهشم بالقرب من جثمان أبيه المسجى، فقد شعر لاحقاً بشيء من الرضا عن النفس حين عثر على إجابة مناسبة عن سؤال ابنه له: «ما هي مهنتك يا أبي؟»، ليجيبه الأب بشيء من الثقة وقليل من الحرج «أنا مرمم لوحات، ومصلح للجمال». وحين علق ابنه بالقول «سأكتب أنك معالج اللوحات المريضة»، راح يحس في أعماقه بشيء من الرضا عن النفس، لأنه وإن لم يكن مبتكراً للجمال، فهو على الأقل منوط بحمايته من التآكل والاهتراء.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.