أبو الغيط لـ«الشرق الأوسط»: المشكلات العربية أوراق ضغط تستخدمها إيران لمواجهة الغرب

وصف الهجمات الحوثية بالأمر «المفزع والمُدان»... وأكد أن {عودة سوريا للجامعة لم تُحسم»

الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
TT

أبو الغيط لـ«الشرق الأوسط»: المشكلات العربية أوراق ضغط تستخدمها إيران لمواجهة الغرب

الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا «تؤثر سلباً» على عديد من الدول العربية التي يعتمد أمنها الغذائي إلى حد بعيد على المصدرين الروسي والأوكراني. ورأى أن «التفاهم» المحتمل بين واشنطن وطهران على العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة «لا يُنهي» التهديد النووي الإيراني، مطالباً إيران بوقف «المغامرات» على الأرض العربية، والكف عن استخدام المشكلات العربية كـ«أوراق ضغط» على العالم الغربي وإسرائيل.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط» خلال وجوده في نيويورك، شدد أبو الغيط على أن استهداف السعودية من قبل ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران «أمر مفزع ومُدان»، معتبراً أن النظام الإيراني يريد منه أن يظهر أهمية رفع العقوبات عن النفط الإيراني.
وإذ أشار إلى انفتاح بعض الدول العربية على إعادة العلاقات مع الحكومة السورية، أكد أن مسألة دعوة الرئيس بشار الأسد لحضور القمة العربية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الجزائر، لم تُحسم بعد، مضيفاً أن «لا قرار حالياً» حول عودة سوريا إلى الجامعة، والتي «قد تتطلب سنوات».
وحض الأمين العام للجامعة العربية لبنان على «إنقاذ نفسه» عبر إجراء الانتخابات التشريعية، وإطلاق حكومة جديدة، ثم إجراء انتخابات رئاسية، بالتزامن مع التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى «الإفراج عن الأموال المجمدة للمواطنين اللبنانيين».
وفيما يلي نص الحوار:

> لنبدأ من المشكلة الأكبر في العالم حالياً: أوكرانيا تشغل العالم أكثر من أي شيء آخر في هذه الأيام. أين هَمّ العالم العربي فيما يتعلق بهذه الأزمة الدولية الكبرى؟
- هي أولاً أزمة دولية كبرى تهدد الإنسانية؛ لأنها تهدد الأمن والسلم الدوليين. في أي لحظة يحصل خطأ يمكن أن تندلع حرب أوسع من الحرب الروسية- الأوكرانية. على سبيل المثال، وقعت الحرب العالمية الأولى بطريق الخطأ. حسابات كل الأطراف وقتها لم تكن تستهدف الحرب. هذه المرة الأمر كذلك. القلق هو قلق على أمن العالم.
هناك كثير من القضايا الضاغطة على العالم العربي وعلى الدول العربية. وعندما يؤخذ الاهتمام من هذه القضايا إلى قضية أخرى، فهذا يؤثر بالسلب على العالم العربي؛ لأن لدينا اهتماماً بتسوية في سوريا، وتسوية في اليمن، وتسوية في ليبيا، وتحسين للوضع في لبنان.
التأثر الثالث هو الأمن الغذائي، إذ إن هناك كثيراً من الدول العربية التي تستورد حاجاتها من أوكرانيا أو من روسيا. هذان المصدران يمدان العرب بالأقماح والغلال. وهم سيواجهون مشكلات في الإمداد. وهذا قد يؤثر بالسلب على أوضاع الاستقرار في العالم العربي، وعلى الأوضاع الغذائية في العالم العربي.
وكذلك فإن كثيراً من الدول العربية -مثلما أرصد- تتلقى سياحة أجنبية من أوكرانيا أو من روسيا. هذه السياحة ستتأثر نتيجة للضغط المالي على روسيا. وفي أوكرانيا، الوضع الإنساني مأسوي ولن يخرج أحد للسياحة.
وهناك نقطة إضافية تضع العالم العربي والدول العربية أمام كثير من الضغوط؛ لأن روسيا تطالب العرب بأن يبقوا على علاقة طيبة معها. والعالم الغربي يطالب العرب بأن يضغطوا على روسيا.
> هذا ما كنت أود أن أسأله: هل تتعرضون لضغوط من الجانبين؟
- في الجامعة العربية، أنا لا أرصد هذا؛ لكني أتصور أن كثيراً من الدول العربية، عندما يحصل تصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة، فستتلقى هذه الدول كثيراً مما لا أسميها ضغوطاً؛ بل «طلبات» بأن عليكم أن تنصرونا، وهذه دولة صغيرة (أوكرانيا) تم الاعتداء عليها، وهكذا.
بصفة عامة، هذا وضع يجب أن ينتهي بسرعة، والعالم العربي لديه رغبة في أن ينتهي بسرعة بالتأكيد.

النفط والغاز العربيان

> تحدثت عن حاجات العالم العربي. ولكن لنكن صريحين: لدى الدول العربية إمكانات هائلة والعالم تبين أنه بحاجة إليها، من نفط وغاز... إلخ.
- ليس كل الدول العربية لديها هذا النفط. النفط موجود فقط في منطقة الخليج. هناك دول عربية مضغوطة، ودول عربية تحتاج إلى التفهم الدولي لمشكلتها. ومع ذلك، أتفق معك، أثبتت الأيام والتجربة في الأسابيع الأخيرة أنه فعلاً هناك حاجة إلى النفط العربي والغاز العربي. ولذلك الموقف العربي حاسم طبعاً.
> ذكرت مشكلات عديدة في المنطقة، ولعل أبرزها -إذا ابتعدنا قليلاً عن أوكرانيا رغم أن الأمور صارت كلها مترابطة- موضوع إيران الذي يشكل هاجساً كبيراً للعالم العربي، وأنت أشرت إليه خلال اجتماع مجلس الأمن، حول العلاقة بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. يبدو أن الأمور تتجه إلى نوع من العودة إلى الاتفاق النووي. ما هي الهواجس العربية فيما يتعلق بهذه العودة؟
- الهواجس العربية كثيرة. أحدها أن هذا التفاهم لا ينهي التهديد النووي الإيراني، إنما يجمده لعدة سنوات فقط. العالم العربي يحتاج إلى ضمانات مؤكدة من طرفين: من إيران ومن إسرائيل، أن التهديد بالسلاح النووي والتسلح النووي يجب أن يتم التخلي عنه. وبالتالي فإن العالم العربي على مدى 40 عاماً يطالب بإخلاء الشرق الأوسط وإعلانه منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهي الأسلحة الكيماوية والأسلحة البيولوجية. هذه نقطة أساسية.
النقطة الأخرى هي الأداء الإيراني في الإقليم العربي: إيران تتدخل في مشكلات عربية وفي أرض عربية، وهذا ينبغي أن يتوقف. إيران موجودة بقوة في اليمن من خلال الحوثي. إيران موجودة في سوريا بصورة ميليشيات مسلحة على الأرض السورية. هناك تأثير إيراني واضح جداً في لبنان. وهناك ميليشيات في العراق يتردد أن لديها تواصلاً مع «الحرس الثوري» الإيراني. هذا كله يجب أن يتوقف. وآمل إذا ما تم التوافق على الاتفاق النووي الإيراني، أو تم إطلاقه مرة أخرى، أن يكون هذا دافعاً لإيران لكي تتوقف عن التدخل في الإقليم؛ لأنه منذ كنت وزيراً للخارجية المصرية، من 2004 و2005 و2006، كنت أرصد أن إيران تستخدم كثيراً من المشكلات العربية كأوراق ضغط على العالم الغربي وعلى إسرائيل. وبالتالي عليها أن تتوقف.
البعد الثالث للاهتمام بهذا الأمر هو مسألة الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة. وعلى سبيل المثال، لما انتهت سياسة «الأبارتايد» (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا، وحصل الأفارقة على حقهم في حكم جنوب أفريقيا عام 1994، أعلنت جنوب أفريقيا أنها تخلت عن السلاح النووي؛ لأنها كانت لديها ترسانة نووية، وكانت أجرت تجارب نووية بالمشاركة مع إسرائيل، وأعدمت كل الدراسات وكل الأوراق التي تؤشر إلى أنه كانت هناك أبحاث وكان هناك جهد يبذل وهناك قدرة نووية جنوب أفريقية. تخلوا عنها بالكامل.
وبالتالي أتصور أن إيران عليها أن تتخلى عن هذا الملف النووي. إذا وجهنا هذا السؤال لإيران، فسيردون: «ومن قال إن لدينا برنامجاً نووياً عسكرياً، ليس لدينا برنامج نووي عسكري». هناك تأكيدات وكثير من الدراسات التي تقول إن هناك ملفاً نووياً عسكرياً إيرانياً، ويزعجني على سبيل المثال أن الإسرائيليين استحوذوا على أطنان من المعلومات ومن المستندات من داخل الأرض الإيرانية تؤشر إلى هذا الكلام.

مليارات الاتفاق النووي

> يبدو هذا التدخل الإيراني في الشؤون العربية والصواريخ الباليستية وغيرها، كأنه موضوع جانباً في الوقت الذي تحصل فيه المفاوضات للعودة إلى الاتفاق النووي.
- المزعج والمؤسف أن المفاوضات تجري بين إيران وأربع من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا؛ لكن الدولة الخامسة، وهي الولايات المتحدة، لا تشارك، علماً بأنها على اطلاع بالكامل، وهي العنصر الحاسم والفاصل في هذا الموضوع. هذه الأطراف لا تتحدث عن المُسيَّرات أو الصواريخ الباليستية أو الأداء الإيراني. يركزون فقط على هذا الملف، بما يعني أنه لا يعنيهم كثيراً. وعندما تثير الأمر معهم، يكون الجواب: «سوف نتحدث مع الإيرانيين عندما نتوصل إلى هذا الاتفاق». هذا الاتفاق سيتيح مليارات من الدولارات المجمدة تحت اليد الإيرانية، وبالتالي سوف يطلق قدرات لدى إيران. لو كانت الأموال تستخدم في التنمية وبناء القدرات الاقتصادية ورفع مستوى المعيشة، وكل ما يفيد الشعب الإيراني، فالإنسان يرحب جداً بهذا التوجه. ولكن المسألة هي المغامرات على الأرض العربية. وهذا شيء مؤسف للغاية، ويجب أن تتوقف إيران. وتحدثت أمام مجلس الأمن في هذا الموضوع تحديداً.
> في إطار هذا النفوذ الإيراني، أو هذه الهيمنة الإيرانية في عديد من الدول، أشرت إلى واحدة، وهي طبعاً سوريا التي يبدو أن ثمة توجهاً عربياً لإعادة التطبيع معها، أو إعادة العلاقات معها. شهدنا الرئيس بشار الأسد يذهب إلى أبوظبي، وهناك اتصالات على أكثر من مستوى. ما الهدف النهائي لهذه المشاورات؟ علماً بأنكم تتعرضون علناً لضغوط من الجانب الأميركي لكي لا تكملوا هذا الطريق.
- نهاية المطاف طبعاً ستكون في عودة سوريا إلى شغل مقعدها. هذا أمر طبيعي؛ لأن سوريا دولة عربية جُمدت عضويتها لوضع ما. هذا الوضع صحيح أنه لم يدخل عليه تغيير رئيسي؛ لكن مضى 11 عاماً منذ وقت التجميد. ستكون هناك عودة. متى؟ لا أعرف. ربما في القمة القادمة، وربما بعد سنوات قادمة. لا أعرف. ما أرصده كأمين عام لجامعة الدول العربية هو أن بعض الأطراف العربية من أعضاء الجامعة تبدي اهتماماً بالعودة السورية. منها دول تعلن هذا على الملأ، مثل: الجزائر، ولبنان، والعراق. وهناك دول أخرى تتحدث مع الإخوة في دمشق، وتقيم علاقة طيبة معقولة. ولكن لم أرصد أن هناك توجهاً حالياً لعودة سوريا سريعاً أو حالياً. اليوم 25 مارس (آذار). القمة القادمة في الجزائر، في الأول والثاني من نوفمبر من العام الحالي، أي أن أمامنا حوالي 8 أشهر.

سوريا و«دهاليز» الجامعة

> هل ستوجه دعوة للرئيس الأسد من أجل حضور القمة؟
- لا نستطيع أن نوجه الدعوة إلا بتوافق عربي- عربي. والدعوة تقدمها الدولة المضيفة التي يجب أن تتشاور وتتفاهم. لم أرصد أن هناك تشاوراً.
> ولكن أنت كأمين عام للجامعة هل ستوجه تلك الدعوة؟
- كأمين عام للجامعة العربية، يجب أن يصدر قرار من مجلس الوزراء العرب قبل توجيه الدعوة. وبالتالي حتى هذا الأمر غير مثار في دهاليز الجامعة. يتحدثون في خلفية الصورة. ولكن لم أرصد جهداً فعالاً لتحقيق هذا الهدف.
> في هذا السياق، يبدو أن هناك محاولة لإبعاد سوريا قدر الإمكان عن النطاق الإيراني أو النفوذ الإيراني.
- هو أمر منطقي للغاية وطبيعي. هناك إعادة تفكير في أنه إذا فُتح الباب، لعل هذا يبعد سوريا عن إيران. وهناك رأي آخر يقول إن هذه علاقة استراتيجية قائمة منذ الرئيس الأسد الأب ولن تتغير. الأيام هي الكفيلة بكشف هذه الحقيقة.

> إذا ذهبنا إلى اليمن، ما هي برأيك صيغة الحل في ظل وجود مبادرة من المملكة العربية السعودية؟
- والحوثيون رفضوها.
> ما أردت أن أقوله هو أن الحوثيين يبدو أنهم يستمعون أكثر إلى الإيرانيين.
- لأن التأثير عليهم من الداعم الرئيسي لهم: إيران. وبالتالي ليست من المصلحة الإيرانية تسوية أي من هذه المشكلات في الوضع الحالي، وهي لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع «5+1». والحقيقة هي أن هذا يؤكد أن هذه المشكلات العربية هي أوراق ضغط تستخدمها إيران في مواجهتها مع العالم الغربي.
> هذا الموضوع ألا يثير المخاوف بالنسبة لك كأمين عام لجامعة الدول العربية؟
- منذ سنوات وسنوات أرصد هذا، وأنبه الجميع، وأتحدث في الأمر. ولكن الأمين العام لجامعة الدول العربية ليست لديه هذه القدرات الخارقة. هو يتحدث. ما عليه إلا أن ينبه.
> لكن الأمر يزداد خطورة؛ باستهداف السعودية والإمارات والملاحة.
- هذا أمر مفزع ومدان تماماً منذ عام 2019. عندما ترى الاقتراح يأتي من مجلس التعاون بدعوة كل هذه الأطراف، فيكون الرد بالصواريخ والمُسيَّرات على مناطق إنتاج النفط السعودي! هو يلعب لعبة أخرى، إيران تريد أن تُظهر أن النفط الإيراني يجب أن يُفرج عنه. وبالتالي هذه وسيلة ملتوية للضغط.
> هل تعني أن هدف إيران هو إفهام العالم أن هناك حاجة ملحة للنفط والغاز؟
- نعم، وبالتالي إلى الاتفاق.
> إذا كان لك أن توجه كلمة للمسؤولين الإيرانيين، فماذا ستقول؟
- عليكم أن تتفاعلوا مع العالم العربي بشكل إيجابي؛ لأن هناك علاقة تاريخية تمتد لآلاف السنوات، وليست فقط منذ بداية العصر الإسلامي في المنطقة؛ بل سبقت ظهور الإسلام. وبالتالي أظهِروا النيات الطيبة تجاه العالم العربي وتجاه العرب لكي يتجاوبوا معكم؛ لأن هذه المنطقة تحتاج إلى تنمية واقتصاد ورفع مستوى المعيشة والتطوير والتحديث، وليس للتفجيرات والمواجهات العسكرية المسلحة.

العراق ولبنان

> أنتقل إلى العراق؛ حيث أُجريت الانتخابات أخيراً، وقال الشعب كلمته، أنه يريد العودة فعلاً إلى الحضن العربي، وهناك جهود مساعدة من الدول المحيطة عربياً.
- أعتقد أن هذا الأسبوع يحتمل أن ينعقد البرلمان للتوصل إلى توافق على رئيس. أتمنى أن يحدث هذا.
> ما رأيك في هذا الزخم الموجود في العراق للعودة إلى الحاضنة العربية؟
- العراق موجود. وهو يتحمل مسؤولياته بالكامل تجاه الجامعة العربية، ويتفاعل بالكامل ومنذ سنوات، ولا تقيده أي أوضاع سياسية داخلية. هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة ورئيس برلمان، ولي لقاءات كثيرة معهم، وهم يقومون بزيارة القاهرة، وهناك تعاون كامل ودعم من قبل العراق للجامعة العربية، والعكس صحيح أيضاً. عندما يتعرض العراق لأي تفجيرات أو استفزازات، فإن الجامعة تقف معه بالكامل.
> يبدو أنك تلعبون دوراً كجامعة في لبنان. ذهب أخيراً السفير حسام زكي.
- وأنا ذهبت إلى لبنان في مارس وفبراير (شباط) مرتين. هناك تواصل مع الجانب اللبناني، وأيضاً هناك تواصل مع الأطراف العربية ذات الاهتمام بالشأن اللبناني، لتشجيعها على تحسين العلاقة مع لبنان، وبما يؤدي إلى دعم الاقتصاد اللبناني، وبما يخرج لبنان من أزمته.

«متفائل... بشروط» حول لبنان

> ما المطلوب من لبنان لمساعدة نفسه في هذا الموضوع؟
- حُسن النيات. الرئيس (ميشال) عون يتحدث و(رئيس مجلس الوزراء) نجيب ميقاتي يتحدث. وهناك تواصل مع دول مجلس التعاون، وعودة للسفير السعودي، ومبادرة وزير الخارجية الكويتي. وهذا كله يؤشر إلى أنه ربما تتحسن الظروف قريباً.
> أنت متفائل فيما يتعلق بلبنان؟
- عندما تسأل هذا السؤال يجب أن أرد عليه: «نعم، ولكن». نعم بشروط. شروط هي أن ينقذ لبنان نفسه أيضاً من أوضاعه الداخلية الضاغطة. لبنان يحتاج إلى انتخابات، يحتاج إلى إطلاق حكومة جديدة، إلى انتخابات رئاسية، إلى تفاوض مع صندوق النقد الدولي، إلى اتفاق جديد يحقق قدراً من التهدئة لليرة اللبنانية، إلى دعم خارجي للبنوك اللبنانية لكي تسير في المسار المطلوب؛ إلى الإفراج عن الأموال المجمدة لدى لبنان من قبل المواطنين اللبنانيين. وهذا كله يعيد لبنان مرة أخرى إلى الحاضنة العربية. ولبنان يبدي دائماً استعداده لهذا كلما التقيت سواء مع الرئيس عون أو مع الرئيس ميقاتي، أو مع رئيس البرلمان نبيه بري.
> لماذا تتجنب ذكر «حزب الله» الذي هو لب المشكلة اللبنانية؟
- لا أتدخل في الشأن اللبناني بجانب طرف على طرف. هناك قرارات في مجلس الجامعة صادرة بتوصيف «حزب الله» توصيفات لا يرضى هو عنها. ولكن هو موجود في الحكومة اللبنانية، وبالتالي لا ينبغي لي -كأمين عام للجامعة- أن أتخذ موقفاً من أحد الأطراف الموجودة في الحكم. لا ينبغي هذا تسهيلاً للتوصل إلى هذه التسويات المطلوبة.

«القضية الفلسطينية لا تُنسى»

> وزير الخارجية الأميركي موجود في المنطقة، في إسرائيل ورام الله والمغرب والجزائر، في جهد لتعزيز اتفاقات السلام مع إسرائيل. ويبدو أن ذلك يحصل بموازاة جهود أخرى تتعلق بأوكرانيا وغيرها من الملفات.
- المفتاح في الشرق الأوسط فيما يتعلق بالتهدئة والاستقرار والتحرك نحو تسوية فلسطينية هو فلسطين، وبالتالي الالتفاف حول التسوية الفلسطينية بتسويات عربية إسرائيلية، هذا أمر مفهوم، بمعنى أن الدول العربية ترى مصالحها في هذا الاتجاه. ولكن هذا لا يعني أن القضية الفلسطينية نُسيت. ولا ينبغي أن تُنسى. القضية الفلسطينية هي أساس كل الإشكاليات في الشرق الأوسط، ويجب السعي إلى هذا. أنا أرصد اهتماماً أميركياً بالتحدث مع الفلسطينيين. إدارة الرئيس ترمب لم تكن تفعل هذا. ولكن المشكلة هي أنكم تتحدثون مع الفلسطينيين من دون إجراءات عملية، ومن دون تحرك حقيقي؛ لماذا؟ لأن الحكومة الإسرائيلية متزمتة للغاية ومتشددة للغاية، ورئيس الحكومة الإسرائيلية صباح مساء يردد أنه ليس على استعداد لبدء التحرك أو الحديث عن السلام أو حتى التفاوض مع الفلسطينيين.
يقول: «سوف أساعدكم على رفع مستوى الاقتصاد والمعيشة»، تماماً مثلما رصدته نحو 30 عاماً مع شمعون بيريز في مؤتمرات الشرق الأوسط. هذه الإدارة يجب أن تتحرك في اتجاه تسوية حقيقية وإطلاق مفاوضات مع الفلسطينيين، وأن يكون مفهوم الدولتين هو الأساس؛ لأنه قريباً جداً بالمعيار التاريخي، أي في سنوات قليلة، سيكون عدد سكان فلسطين أكبر من الشعب الإسرائيلي في المنطقة ما بين النهر والبحر، وبالتالي ستكون دولة «أبارتايد»، أي أن هناك احتلالاً، وعنصراً مهيمناً على عنصر آخر.
هذا «الأبارتايد» لا يمكن قبوله إنسانياً أو قانونياً أو دولياً، وبالتالي ماذا سيفعل العالم عندئذ؟ عندما يبلغ عدد السكان العرب في المنطقة من النهر إلى البحر 8 ملايين، أو 10 ملايين، أو 12 مليوناً في عام 2050، وعدد سكان إسرائيل اليهود 8 ملايين أو 7 ملايين أو 6 ملايين، أي أن العرب أكثر من اليهود بنسبة 40 في المائة، ماذا ستفعلون؟

التفاهم في السودان

> سؤالي الأخير عن السودان ووضعه الحالي. كيف ترون المخرج؟
- التوافق الداخلي. الحديث. التفهم لرغبات القوى المعارضة، وأيضاً التفهم والحاجة إلى الاستقرار، والحاجة للجيش السوداني لكي يؤمن لهذا البلد المتسع الأرجاء أمنه واستقراره. التفاهم والتوافق والحديث والتفاوض. وأرصد بشكل متفائل أن هناك توجهاً نحو ذلك.


مقالات ذات صلة

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلى رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

تتوالى التحركات العربية والإسلامية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي للإقليم الانفصالي في الصومال، وقررت منظمة التعاون الإسلامي (56 دولة) عقد اجتماع وزاري السبت.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)

الجامعة العربية: قضية «الجنوب اليمني» لن تُحل إلا بالحوار

أكد المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية المستشار جمال رشدي أنه لا يمكن معالجة «القضية الجنوبية» باليمن إلا بالحوار اليمني - اليمني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا 
جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة» ترفض اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

رفضت الجامعة العربية اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال، ما يسمى «إقليم أرض الصومال»، مشددة على الوقوف ضد «أي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» تدين اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

أدان مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، الأحد، بـ«أشد العبارات اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال ما يسمى (أرض الصومال)»

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (د.ب.أ) play-circle

«الجامعة العربية»: الاعتراف بـ«أرض الصومال» اعتداء على الأمن القومي

وصف مجلس جامعة الدول العربية، الأحد، اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلةً بأنه «اعتداء على الأمن القومي العربي، ويزعزع الأمن والسلم الدوليَّين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.


ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)

رحّبت الحكومة اليمنية بالقرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي القاضي بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمةً إرهابية، وعدّت القرار خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح لمواجهة أحد أخطر مصادر زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وللحد من التهديدات المباشرة التي يُمثلها هذا الكيان للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.

وأكدت الحكومة اليمنية، في بيان رسمي، أن هذا القرار يعكس إدراكاً أوروبياً متقدماً لطبيعة الدور التخريبي الذي اضطلع به «الحرس الثوري الإيراني» على مدى سنوات، من خلال تغذية النزاعات المسلحة، ودعمه المنهجي للجماعات والميليشيات الخارجة عن مؤسسات الدولة الوطنية، وتهديده المتكرر للممرات المائية الدولية، وتقويضه المستمر لأسس الاستقرار والأمن العالميين.

وشدد البيان على أن تصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية يُمثل تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لسلوكيات إيران، وينهي مرحلة طويلة من التساهل السياسي مع أنشطة باتت تُشكل تهديداً مباشراً للأمن الجماعي، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه.

وأكّد البيان أن الجماعة الحوثية ليست سوى إحدى الأذرع العسكرية المباشرة لـ«الحرس الثوري الإيراني»، وأن مشروعها القائم على العنف والانقلاب وفرض الأمر الواقع بالقوة يُمثل امتداداً صريحاً للدور التخريبي الذي يقوده هذا الجهاز العسكري خارج حدود إيران.

حريق على متن سفينة شحن بريطانية جراء هجوم حوثي في خليج عدن (إ.ب.أ)

وأوضحت الحكومة أن سجل الحوثيين الحافل باستهداف المدنيين، وقصف الأعيان المدنية، وشن الهجمات العابرة للحدود، وتهديد سفن الشحن والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، يعكس بوضوح طبيعة الارتباط العضوي والعملياتي بين الجماعة و«الحرس الثوري»، سواء على مستوى العقيدة أو التمويل أو التسليح أو التخطيط العسكري.

وأضاف البيان أن تعطيل جهود السلام الإقليمية والدولية في اليمن، وعرقلة المسارات السياسية، واستخدام العنف المنظم بوصفه أداة تفاوض، كلها ممارسات تتسق مع النموذج الذي اعتمده «الحرس الثوري» في إدارة وكلائه في المنطقة، وتحويلهم إلى أدوات ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي.

ودعت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي إلى استكمال هذه الخطوة المهمة باتخاذ قرار مماثل وحاسم بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، انسجاماً مع القوانين والتشريعات الأوروبية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يُسهم في تجفيف مصادر تمويل هذه المليشيات، وردع سلوكها العدواني، وتعزيز فرص السلام العادل والمستدام في اليمن والمنطقة.

إجراءات عملية

في سياق هذا الترحيب اليمني، قال وزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة تصريف الأعمال، معمر الإرياني، إن قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية يُمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع أحد أخطر مصادر زعزعة الاستقرار في المنطقة، بعد سنوات من التغاضي عن أدواره العسكرية والأمنية العابرة للحدود».

وأضاف الإرياني، في تصريح رسمي، أن أهمية القرار لا تكمن في رمزيته السياسية فحسب، بل فيما يجب أن يتبعه من إجراءات تنفيذية عملية، تشمل تجفيف منابع التمويل، وتجميد الأصول، وملاحقة الشبكات والواجهات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقطع قنوات الدعم والتهريب والتسليح التي يديرها عبر دول ومناطق متعددة.

تعنت الحوثيين أدى إلى تعطيل مسار السلام في اليمن (أ.ب)

وأشار الوزير اليمني إلى أن «الحرس الثوري» لعب في الملف اليمني دوراً مباشراً ومنظماً في إدارة مشروع الانقلاب الحوثي، ولم يقتصر تدخله على إمداد الميليشيات بالأسلحة والخبراء والتقنيات والتمويل، بل امتد إلى الإشراف العملياتي وإدارة الشبكات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن ذلك تثبته الأدلة الميدانية والأدوار التي اضطلع بها عناصره، ومنهم حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي، بوصفها أدوات تشغيل ميداني للمشروع الإيراني.

ولفت الإرياني إلى أن ما جرى في اليمن لا يُمثل حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط إقليمي ثابت يعتمد على بناء ميليشيات مسلحة موازية للدولة، وتغذية الصراعات، ونشر الفوضى والإرهاب، واستخدام الوكلاء فرض وقائع بالقوة وابتزاز المجتمع الدولي.

قرار تاريخي

يأتي هذا الموقف اليمني في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 29 يناير (كانون الثاني) 2026، بإدراج «الحرس الثوري الإيراني» على قائمة التكتل للمنظمات الإرهابية، في تحول وُصف بأنه نهاية مرحلة «الحذر الدبلوماسي»، وبداية عهد جديد من المواجهة الاقتصادية والقانونية مع العمود الفقري للنظام الإيراني.

وجاء القرار استجابةً مباشرة للقمع العنيف الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر 2025 ومطلع 2026، وأسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وفق تقديرات منظمات حقوقية، إضافة إلى الدور الإقليمي المتصاعد لـ«الحرس الثوري»، بما في ذلك تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة، وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

عناصر حوثيون في صنعاء خلال تجمع حاشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

ويترتب على هذا التصنيف حزمة من التداعيات القانونية والسياسية الصارمة، تشمل تجميد الأصول، وحظر السفر، وتجريم أي شكل من أشكال التعاون أو الدعم، إلى جانب تشديد العزلة الدبلوماسية، بما يحد من قدرة «الحرس الثوري» على العمل تحت أغطية سياسية أو اقتصادية داخل أوروبا.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الطريق إلى أمن المنطقة واستقرارها يبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق الجهات التي ترعى وتدير الميليشيات المسلحة العابرة للحدود، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، واحترام وحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها.

وجددت الحكومة اليمنية التزامها الكامل بالعمل الوثيق مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، من أجل إحلال السلام، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، وبناء مستقبل آمن ومستقر لشعوب المنطقة.