أبو الغيط لـ«الشرق الأوسط»: المشكلات العربية أوراق ضغط تستخدمها إيران لمواجهة الغرب

وصف الهجمات الحوثية بالأمر «المفزع والمُدان»... وأكد أن {عودة سوريا للجامعة لم تُحسم»

الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
TT

أبو الغيط لـ«الشرق الأوسط»: المشكلات العربية أوراق ضغط تستخدمها إيران لمواجهة الغرب

الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)
الأمين العام للجامعة العربية لدى حديثه إلى «الشرق الأوسط» في نيويورك (الشرق الأوسط)

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا «تؤثر سلباً» على عديد من الدول العربية التي يعتمد أمنها الغذائي إلى حد بعيد على المصدرين الروسي والأوكراني. ورأى أن «التفاهم» المحتمل بين واشنطن وطهران على العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة «لا يُنهي» التهديد النووي الإيراني، مطالباً إيران بوقف «المغامرات» على الأرض العربية، والكف عن استخدام المشكلات العربية كـ«أوراق ضغط» على العالم الغربي وإسرائيل.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط» خلال وجوده في نيويورك، شدد أبو الغيط على أن استهداف السعودية من قبل ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران «أمر مفزع ومُدان»، معتبراً أن النظام الإيراني يريد منه أن يظهر أهمية رفع العقوبات عن النفط الإيراني.
وإذ أشار إلى انفتاح بعض الدول العربية على إعادة العلاقات مع الحكومة السورية، أكد أن مسألة دعوة الرئيس بشار الأسد لحضور القمة العربية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الجزائر، لم تُحسم بعد، مضيفاً أن «لا قرار حالياً» حول عودة سوريا إلى الجامعة، والتي «قد تتطلب سنوات».
وحض الأمين العام للجامعة العربية لبنان على «إنقاذ نفسه» عبر إجراء الانتخابات التشريعية، وإطلاق حكومة جديدة، ثم إجراء انتخابات رئاسية، بالتزامن مع التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى «الإفراج عن الأموال المجمدة للمواطنين اللبنانيين».
وفيما يلي نص الحوار:

> لنبدأ من المشكلة الأكبر في العالم حالياً: أوكرانيا تشغل العالم أكثر من أي شيء آخر في هذه الأيام. أين هَمّ العالم العربي فيما يتعلق بهذه الأزمة الدولية الكبرى؟
- هي أولاً أزمة دولية كبرى تهدد الإنسانية؛ لأنها تهدد الأمن والسلم الدوليين. في أي لحظة يحصل خطأ يمكن أن تندلع حرب أوسع من الحرب الروسية- الأوكرانية. على سبيل المثال، وقعت الحرب العالمية الأولى بطريق الخطأ. حسابات كل الأطراف وقتها لم تكن تستهدف الحرب. هذه المرة الأمر كذلك. القلق هو قلق على أمن العالم.
هناك كثير من القضايا الضاغطة على العالم العربي وعلى الدول العربية. وعندما يؤخذ الاهتمام من هذه القضايا إلى قضية أخرى، فهذا يؤثر بالسلب على العالم العربي؛ لأن لدينا اهتماماً بتسوية في سوريا، وتسوية في اليمن، وتسوية في ليبيا، وتحسين للوضع في لبنان.
التأثر الثالث هو الأمن الغذائي، إذ إن هناك كثيراً من الدول العربية التي تستورد حاجاتها من أوكرانيا أو من روسيا. هذان المصدران يمدان العرب بالأقماح والغلال. وهم سيواجهون مشكلات في الإمداد. وهذا قد يؤثر بالسلب على أوضاع الاستقرار في العالم العربي، وعلى الأوضاع الغذائية في العالم العربي.
وكذلك فإن كثيراً من الدول العربية -مثلما أرصد- تتلقى سياحة أجنبية من أوكرانيا أو من روسيا. هذه السياحة ستتأثر نتيجة للضغط المالي على روسيا. وفي أوكرانيا، الوضع الإنساني مأسوي ولن يخرج أحد للسياحة.
وهناك نقطة إضافية تضع العالم العربي والدول العربية أمام كثير من الضغوط؛ لأن روسيا تطالب العرب بأن يبقوا على علاقة طيبة معها. والعالم الغربي يطالب العرب بأن يضغطوا على روسيا.
> هذا ما كنت أود أن أسأله: هل تتعرضون لضغوط من الجانبين؟
- في الجامعة العربية، أنا لا أرصد هذا؛ لكني أتصور أن كثيراً من الدول العربية، عندما يحصل تصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة، فستتلقى هذه الدول كثيراً مما لا أسميها ضغوطاً؛ بل «طلبات» بأن عليكم أن تنصرونا، وهذه دولة صغيرة (أوكرانيا) تم الاعتداء عليها، وهكذا.
بصفة عامة، هذا وضع يجب أن ينتهي بسرعة، والعالم العربي لديه رغبة في أن ينتهي بسرعة بالتأكيد.

النفط والغاز العربيان

> تحدثت عن حاجات العالم العربي. ولكن لنكن صريحين: لدى الدول العربية إمكانات هائلة والعالم تبين أنه بحاجة إليها، من نفط وغاز... إلخ.
- ليس كل الدول العربية لديها هذا النفط. النفط موجود فقط في منطقة الخليج. هناك دول عربية مضغوطة، ودول عربية تحتاج إلى التفهم الدولي لمشكلتها. ومع ذلك، أتفق معك، أثبتت الأيام والتجربة في الأسابيع الأخيرة أنه فعلاً هناك حاجة إلى النفط العربي والغاز العربي. ولذلك الموقف العربي حاسم طبعاً.
> ذكرت مشكلات عديدة في المنطقة، ولعل أبرزها -إذا ابتعدنا قليلاً عن أوكرانيا رغم أن الأمور صارت كلها مترابطة- موضوع إيران الذي يشكل هاجساً كبيراً للعالم العربي، وأنت أشرت إليه خلال اجتماع مجلس الأمن، حول العلاقة بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. يبدو أن الأمور تتجه إلى نوع من العودة إلى الاتفاق النووي. ما هي الهواجس العربية فيما يتعلق بهذه العودة؟
- الهواجس العربية كثيرة. أحدها أن هذا التفاهم لا ينهي التهديد النووي الإيراني، إنما يجمده لعدة سنوات فقط. العالم العربي يحتاج إلى ضمانات مؤكدة من طرفين: من إيران ومن إسرائيل، أن التهديد بالسلاح النووي والتسلح النووي يجب أن يتم التخلي عنه. وبالتالي فإن العالم العربي على مدى 40 عاماً يطالب بإخلاء الشرق الأوسط وإعلانه منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهي الأسلحة الكيماوية والأسلحة البيولوجية. هذه نقطة أساسية.
النقطة الأخرى هي الأداء الإيراني في الإقليم العربي: إيران تتدخل في مشكلات عربية وفي أرض عربية، وهذا ينبغي أن يتوقف. إيران موجودة بقوة في اليمن من خلال الحوثي. إيران موجودة في سوريا بصورة ميليشيات مسلحة على الأرض السورية. هناك تأثير إيراني واضح جداً في لبنان. وهناك ميليشيات في العراق يتردد أن لديها تواصلاً مع «الحرس الثوري» الإيراني. هذا كله يجب أن يتوقف. وآمل إذا ما تم التوافق على الاتفاق النووي الإيراني، أو تم إطلاقه مرة أخرى، أن يكون هذا دافعاً لإيران لكي تتوقف عن التدخل في الإقليم؛ لأنه منذ كنت وزيراً للخارجية المصرية، من 2004 و2005 و2006، كنت أرصد أن إيران تستخدم كثيراً من المشكلات العربية كأوراق ضغط على العالم الغربي وعلى إسرائيل. وبالتالي عليها أن تتوقف.
البعد الثالث للاهتمام بهذا الأمر هو مسألة الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة. وعلى سبيل المثال، لما انتهت سياسة «الأبارتايد» (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا، وحصل الأفارقة على حقهم في حكم جنوب أفريقيا عام 1994، أعلنت جنوب أفريقيا أنها تخلت عن السلاح النووي؛ لأنها كانت لديها ترسانة نووية، وكانت أجرت تجارب نووية بالمشاركة مع إسرائيل، وأعدمت كل الدراسات وكل الأوراق التي تؤشر إلى أنه كانت هناك أبحاث وكان هناك جهد يبذل وهناك قدرة نووية جنوب أفريقية. تخلوا عنها بالكامل.
وبالتالي أتصور أن إيران عليها أن تتخلى عن هذا الملف النووي. إذا وجهنا هذا السؤال لإيران، فسيردون: «ومن قال إن لدينا برنامجاً نووياً عسكرياً، ليس لدينا برنامج نووي عسكري». هناك تأكيدات وكثير من الدراسات التي تقول إن هناك ملفاً نووياً عسكرياً إيرانياً، ويزعجني على سبيل المثال أن الإسرائيليين استحوذوا على أطنان من المعلومات ومن المستندات من داخل الأرض الإيرانية تؤشر إلى هذا الكلام.

مليارات الاتفاق النووي

> يبدو هذا التدخل الإيراني في الشؤون العربية والصواريخ الباليستية وغيرها، كأنه موضوع جانباً في الوقت الذي تحصل فيه المفاوضات للعودة إلى الاتفاق النووي.
- المزعج والمؤسف أن المفاوضات تجري بين إيران وأربع من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا؛ لكن الدولة الخامسة، وهي الولايات المتحدة، لا تشارك، علماً بأنها على اطلاع بالكامل، وهي العنصر الحاسم والفاصل في هذا الموضوع. هذه الأطراف لا تتحدث عن المُسيَّرات أو الصواريخ الباليستية أو الأداء الإيراني. يركزون فقط على هذا الملف، بما يعني أنه لا يعنيهم كثيراً. وعندما تثير الأمر معهم، يكون الجواب: «سوف نتحدث مع الإيرانيين عندما نتوصل إلى هذا الاتفاق». هذا الاتفاق سيتيح مليارات من الدولارات المجمدة تحت اليد الإيرانية، وبالتالي سوف يطلق قدرات لدى إيران. لو كانت الأموال تستخدم في التنمية وبناء القدرات الاقتصادية ورفع مستوى المعيشة، وكل ما يفيد الشعب الإيراني، فالإنسان يرحب جداً بهذا التوجه. ولكن المسألة هي المغامرات على الأرض العربية. وهذا شيء مؤسف للغاية، ويجب أن تتوقف إيران. وتحدثت أمام مجلس الأمن في هذا الموضوع تحديداً.
> في إطار هذا النفوذ الإيراني، أو هذه الهيمنة الإيرانية في عديد من الدول، أشرت إلى واحدة، وهي طبعاً سوريا التي يبدو أن ثمة توجهاً عربياً لإعادة التطبيع معها، أو إعادة العلاقات معها. شهدنا الرئيس بشار الأسد يذهب إلى أبوظبي، وهناك اتصالات على أكثر من مستوى. ما الهدف النهائي لهذه المشاورات؟ علماً بأنكم تتعرضون علناً لضغوط من الجانب الأميركي لكي لا تكملوا هذا الطريق.
- نهاية المطاف طبعاً ستكون في عودة سوريا إلى شغل مقعدها. هذا أمر طبيعي؛ لأن سوريا دولة عربية جُمدت عضويتها لوضع ما. هذا الوضع صحيح أنه لم يدخل عليه تغيير رئيسي؛ لكن مضى 11 عاماً منذ وقت التجميد. ستكون هناك عودة. متى؟ لا أعرف. ربما في القمة القادمة، وربما بعد سنوات قادمة. لا أعرف. ما أرصده كأمين عام لجامعة الدول العربية هو أن بعض الأطراف العربية من أعضاء الجامعة تبدي اهتماماً بالعودة السورية. منها دول تعلن هذا على الملأ، مثل: الجزائر، ولبنان، والعراق. وهناك دول أخرى تتحدث مع الإخوة في دمشق، وتقيم علاقة طيبة معقولة. ولكن لم أرصد أن هناك توجهاً حالياً لعودة سوريا سريعاً أو حالياً. اليوم 25 مارس (آذار). القمة القادمة في الجزائر، في الأول والثاني من نوفمبر من العام الحالي، أي أن أمامنا حوالي 8 أشهر.

سوريا و«دهاليز» الجامعة

> هل ستوجه دعوة للرئيس الأسد من أجل حضور القمة؟
- لا نستطيع أن نوجه الدعوة إلا بتوافق عربي- عربي. والدعوة تقدمها الدولة المضيفة التي يجب أن تتشاور وتتفاهم. لم أرصد أن هناك تشاوراً.
> ولكن أنت كأمين عام للجامعة هل ستوجه تلك الدعوة؟
- كأمين عام للجامعة العربية، يجب أن يصدر قرار من مجلس الوزراء العرب قبل توجيه الدعوة. وبالتالي حتى هذا الأمر غير مثار في دهاليز الجامعة. يتحدثون في خلفية الصورة. ولكن لم أرصد جهداً فعالاً لتحقيق هذا الهدف.
> في هذا السياق، يبدو أن هناك محاولة لإبعاد سوريا قدر الإمكان عن النطاق الإيراني أو النفوذ الإيراني.
- هو أمر منطقي للغاية وطبيعي. هناك إعادة تفكير في أنه إذا فُتح الباب، لعل هذا يبعد سوريا عن إيران. وهناك رأي آخر يقول إن هذه علاقة استراتيجية قائمة منذ الرئيس الأسد الأب ولن تتغير. الأيام هي الكفيلة بكشف هذه الحقيقة.

> إذا ذهبنا إلى اليمن، ما هي برأيك صيغة الحل في ظل وجود مبادرة من المملكة العربية السعودية؟
- والحوثيون رفضوها.
> ما أردت أن أقوله هو أن الحوثيين يبدو أنهم يستمعون أكثر إلى الإيرانيين.
- لأن التأثير عليهم من الداعم الرئيسي لهم: إيران. وبالتالي ليست من المصلحة الإيرانية تسوية أي من هذه المشكلات في الوضع الحالي، وهي لم تتوصل بعد إلى اتفاق مع «5+1». والحقيقة هي أن هذا يؤكد أن هذه المشكلات العربية هي أوراق ضغط تستخدمها إيران في مواجهتها مع العالم الغربي.
> هذا الموضوع ألا يثير المخاوف بالنسبة لك كأمين عام لجامعة الدول العربية؟
- منذ سنوات وسنوات أرصد هذا، وأنبه الجميع، وأتحدث في الأمر. ولكن الأمين العام لجامعة الدول العربية ليست لديه هذه القدرات الخارقة. هو يتحدث. ما عليه إلا أن ينبه.
> لكن الأمر يزداد خطورة؛ باستهداف السعودية والإمارات والملاحة.
- هذا أمر مفزع ومدان تماماً منذ عام 2019. عندما ترى الاقتراح يأتي من مجلس التعاون بدعوة كل هذه الأطراف، فيكون الرد بالصواريخ والمُسيَّرات على مناطق إنتاج النفط السعودي! هو يلعب لعبة أخرى، إيران تريد أن تُظهر أن النفط الإيراني يجب أن يُفرج عنه. وبالتالي هذه وسيلة ملتوية للضغط.
> هل تعني أن هدف إيران هو إفهام العالم أن هناك حاجة ملحة للنفط والغاز؟
- نعم، وبالتالي إلى الاتفاق.
> إذا كان لك أن توجه كلمة للمسؤولين الإيرانيين، فماذا ستقول؟
- عليكم أن تتفاعلوا مع العالم العربي بشكل إيجابي؛ لأن هناك علاقة تاريخية تمتد لآلاف السنوات، وليست فقط منذ بداية العصر الإسلامي في المنطقة؛ بل سبقت ظهور الإسلام. وبالتالي أظهِروا النيات الطيبة تجاه العالم العربي وتجاه العرب لكي يتجاوبوا معكم؛ لأن هذه المنطقة تحتاج إلى تنمية واقتصاد ورفع مستوى المعيشة والتطوير والتحديث، وليس للتفجيرات والمواجهات العسكرية المسلحة.

العراق ولبنان

> أنتقل إلى العراق؛ حيث أُجريت الانتخابات أخيراً، وقال الشعب كلمته، أنه يريد العودة فعلاً إلى الحضن العربي، وهناك جهود مساعدة من الدول المحيطة عربياً.
- أعتقد أن هذا الأسبوع يحتمل أن ينعقد البرلمان للتوصل إلى توافق على رئيس. أتمنى أن يحدث هذا.
> ما رأيك في هذا الزخم الموجود في العراق للعودة إلى الحاضنة العربية؟
- العراق موجود. وهو يتحمل مسؤولياته بالكامل تجاه الجامعة العربية، ويتفاعل بالكامل ومنذ سنوات، ولا تقيده أي أوضاع سياسية داخلية. هناك رئيس جمهورية ورئيس حكومة ورئيس برلمان، ولي لقاءات كثيرة معهم، وهم يقومون بزيارة القاهرة، وهناك تعاون كامل ودعم من قبل العراق للجامعة العربية، والعكس صحيح أيضاً. عندما يتعرض العراق لأي تفجيرات أو استفزازات، فإن الجامعة تقف معه بالكامل.
> يبدو أنك تلعبون دوراً كجامعة في لبنان. ذهب أخيراً السفير حسام زكي.
- وأنا ذهبت إلى لبنان في مارس وفبراير (شباط) مرتين. هناك تواصل مع الجانب اللبناني، وأيضاً هناك تواصل مع الأطراف العربية ذات الاهتمام بالشأن اللبناني، لتشجيعها على تحسين العلاقة مع لبنان، وبما يؤدي إلى دعم الاقتصاد اللبناني، وبما يخرج لبنان من أزمته.

«متفائل... بشروط» حول لبنان

> ما المطلوب من لبنان لمساعدة نفسه في هذا الموضوع؟
- حُسن النيات. الرئيس (ميشال) عون يتحدث و(رئيس مجلس الوزراء) نجيب ميقاتي يتحدث. وهناك تواصل مع دول مجلس التعاون، وعودة للسفير السعودي، ومبادرة وزير الخارجية الكويتي. وهذا كله يؤشر إلى أنه ربما تتحسن الظروف قريباً.
> أنت متفائل فيما يتعلق بلبنان؟
- عندما تسأل هذا السؤال يجب أن أرد عليه: «نعم، ولكن». نعم بشروط. شروط هي أن ينقذ لبنان نفسه أيضاً من أوضاعه الداخلية الضاغطة. لبنان يحتاج إلى انتخابات، يحتاج إلى إطلاق حكومة جديدة، إلى انتخابات رئاسية، إلى تفاوض مع صندوق النقد الدولي، إلى اتفاق جديد يحقق قدراً من التهدئة لليرة اللبنانية، إلى دعم خارجي للبنوك اللبنانية لكي تسير في المسار المطلوب؛ إلى الإفراج عن الأموال المجمدة لدى لبنان من قبل المواطنين اللبنانيين. وهذا كله يعيد لبنان مرة أخرى إلى الحاضنة العربية. ولبنان يبدي دائماً استعداده لهذا كلما التقيت سواء مع الرئيس عون أو مع الرئيس ميقاتي، أو مع رئيس البرلمان نبيه بري.
> لماذا تتجنب ذكر «حزب الله» الذي هو لب المشكلة اللبنانية؟
- لا أتدخل في الشأن اللبناني بجانب طرف على طرف. هناك قرارات في مجلس الجامعة صادرة بتوصيف «حزب الله» توصيفات لا يرضى هو عنها. ولكن هو موجود في الحكومة اللبنانية، وبالتالي لا ينبغي لي -كأمين عام للجامعة- أن أتخذ موقفاً من أحد الأطراف الموجودة في الحكم. لا ينبغي هذا تسهيلاً للتوصل إلى هذه التسويات المطلوبة.

«القضية الفلسطينية لا تُنسى»

> وزير الخارجية الأميركي موجود في المنطقة، في إسرائيل ورام الله والمغرب والجزائر، في جهد لتعزيز اتفاقات السلام مع إسرائيل. ويبدو أن ذلك يحصل بموازاة جهود أخرى تتعلق بأوكرانيا وغيرها من الملفات.
- المفتاح في الشرق الأوسط فيما يتعلق بالتهدئة والاستقرار والتحرك نحو تسوية فلسطينية هو فلسطين، وبالتالي الالتفاف حول التسوية الفلسطينية بتسويات عربية إسرائيلية، هذا أمر مفهوم، بمعنى أن الدول العربية ترى مصالحها في هذا الاتجاه. ولكن هذا لا يعني أن القضية الفلسطينية نُسيت. ولا ينبغي أن تُنسى. القضية الفلسطينية هي أساس كل الإشكاليات في الشرق الأوسط، ويجب السعي إلى هذا. أنا أرصد اهتماماً أميركياً بالتحدث مع الفلسطينيين. إدارة الرئيس ترمب لم تكن تفعل هذا. ولكن المشكلة هي أنكم تتحدثون مع الفلسطينيين من دون إجراءات عملية، ومن دون تحرك حقيقي؛ لماذا؟ لأن الحكومة الإسرائيلية متزمتة للغاية ومتشددة للغاية، ورئيس الحكومة الإسرائيلية صباح مساء يردد أنه ليس على استعداد لبدء التحرك أو الحديث عن السلام أو حتى التفاوض مع الفلسطينيين.
يقول: «سوف أساعدكم على رفع مستوى الاقتصاد والمعيشة»، تماماً مثلما رصدته نحو 30 عاماً مع شمعون بيريز في مؤتمرات الشرق الأوسط. هذه الإدارة يجب أن تتحرك في اتجاه تسوية حقيقية وإطلاق مفاوضات مع الفلسطينيين، وأن يكون مفهوم الدولتين هو الأساس؛ لأنه قريباً جداً بالمعيار التاريخي، أي في سنوات قليلة، سيكون عدد سكان فلسطين أكبر من الشعب الإسرائيلي في المنطقة ما بين النهر والبحر، وبالتالي ستكون دولة «أبارتايد»، أي أن هناك احتلالاً، وعنصراً مهيمناً على عنصر آخر.
هذا «الأبارتايد» لا يمكن قبوله إنسانياً أو قانونياً أو دولياً، وبالتالي ماذا سيفعل العالم عندئذ؟ عندما يبلغ عدد السكان العرب في المنطقة من النهر إلى البحر 8 ملايين، أو 10 ملايين، أو 12 مليوناً في عام 2050، وعدد سكان إسرائيل اليهود 8 ملايين أو 7 ملايين أو 6 ملايين، أي أن العرب أكثر من اليهود بنسبة 40 في المائة، ماذا ستفعلون؟

التفاهم في السودان

> سؤالي الأخير عن السودان ووضعه الحالي. كيف ترون المخرج؟
- التوافق الداخلي. الحديث. التفهم لرغبات القوى المعارضة، وأيضاً التفهم والحاجة إلى الاستقرار، والحاجة للجيش السوداني لكي يؤمن لهذا البلد المتسع الأرجاء أمنه واستقراره. التفاهم والتوافق والحديث والتفاوض. وأرصد بشكل متفائل أن هناك توجهاً نحو ذلك.


مقالات ذات صلة

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلى رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

تتوالى التحركات العربية والإسلامية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي للإقليم الانفصالي في الصومال، وقررت منظمة التعاون الإسلامي (56 دولة) عقد اجتماع وزاري السبت.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في شهر سبتمبر الماضي (الجامعة العربية)

الجامعة العربية: قضية «الجنوب اليمني» لن تُحل إلا بالحوار

أكد المتحدث باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية المستشار جمال رشدي أنه لا يمكن معالجة «القضية الجنوبية» باليمن إلا بالحوار اليمني - اليمني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا 
جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة» ترفض اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

رفضت الجامعة العربية اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال، ما يسمى «إقليم أرض الصومال»، مشددة على الوقوف ضد «أي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي جانب من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

«الجامعة العربية» تدين اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»

أدان مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، الأحد، بـ«أشد العبارات اعتراف إسرائيل بانفصال إقليم الشمال الغربي بالصومال ما يسمى (أرض الصومال)»

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (د.ب.أ) p-circle

«الجامعة العربية»: الاعتراف بـ«أرض الصومال» اعتداء على الأمن القومي

وصف مجلس جامعة الدول العربية، الأحد، اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلةً بأنه «اعتداء على الأمن القومي العربي، ويزعزع الأمن والسلم الدوليَّين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.