لفرط المخاوف في داخلها، أُغمي على عفراء سلطان يوم تقدّمت لتجارب أداء الموسم الثاني من «عراق أيدول» وتلقّت الإشادة والترحيب. نشأت الشابة العراقية مع أصوات من حولها تُحرّم الفن وتحرم المرأة جماله. أمام ملايين مشاهدي «إم بي سي العراق» و«شاهد»، اعترفت بالمرارة: «حلمتُ بالغناء، والمجتمع لم يتقبّل. تحدّيتُ الجميع من أجل حلمي. أفهموني أنّ الفشل سيكون مصيري. دخلتُ البرنامج محاربة ورفضتُ صورة الفاشلة التي رسموها لي». هذه العنيدة، المرتجفة بشجاعة، نالت لقب «محبوبة العراق» عن جدارة.
احتدمت المنافسة طوال 12 أسبوعاً، وفي النهائيات، خفقت ثلاثة قلوب فسُمع الخفقان في أرجاء العالم العربي: بدر باسم، وعلي السلام وعفراء سلطان. ثلاثة أصوات تستحق الفرص، إلا أنّ التصويت عبر تطبيق «إم بي سي vote»، اختار فائزة واحدة باللقب وبعقد مع «بلاتينوم ريكوردز» لإنتاج أغنيتين وفيديو كليب، لخطوة واثقة على درب صعب.
عفراء سلطان وفرحة «محبوبة العراق»
تُوجه المقدّمة العراقية ميس عنبر التحية «إلى ملايين المتابعين يلي يتابعونا هسّة». أمامها اللجنة الثلاثية، داعمة المشتركين في النصيحة والمدّ بالمعنويات، حاتم العراقي، ورحمة رياض وسيف نبيل. والجمهور في الاستوديو، مراعياً إجراءات صدّ الوباء. وترحّب بالحضور الرسمي، كنقيب فناني العراق جبار جودي والسفير والقنصل العراقيين في لبنان. ثم تُطرب الحناجر الآذان. مروران لكل مشترك، أغنيات جماعية للمشتركين الـ12. واللجنة، كلٌ بأغنية على المسرح.
الـ«آه» العراقية مختلفة عن آهات أوطان العرب. فالعراقي يُخزّن في صوته شيئاً من جنازات الأرض وكثيراً من آلام الشعب وأحزانه. وحين يصدح بموال، يكون بمثابة مواساة، وحين تتفتح موهبة تكون بمرتبة الأمل. «عراق أيدول» كزهور مصرّة على الألوان، وملء البساتين بالعطر عوض مشهد الاحتراق. قوته، مع التنظيم المحترف والأصوات الجميلة وإخراج كميل طانيوس، الفنان؛ هي عشقه للحياة وإعلاؤه قيمة الفن كانتصار نبيل على رائحة الموت.
لحظة إعلان فوز عفراء سلطان باللقب
لم تتوقع سلطان البقاء للنهائيات. يشكك الخوف المرءَ في مهاراته ويهز ثقته بنفسه. ومشوار علي السلام لم يكن سهلاً. يهوى تحدّيين: الموسيقى والشطرنج، وحين تقدّم إلى تجارب الأداء، أذهل صوته رحمة رياض، فوصفته بـ«الخطير». في العرض المباشر الأول، قدّم «أشهد ألا امرأة» لكاظم الساهر بجمالية برغم التوتر. وفي النهائيات غنّى «أي دمعة حزن لا». يعلق حاتم العراقي: «أنت محترف يا أخي». وأغنية عبد الحليم حافظ لا تزال على اللسان: «جي ليه يا زمان... بعد إيه يا زمان».
تُجمع اللجنة على أنّ ثلاثي النهائيات مجتهدون وليتهم معاً يفوزون. يعتري عفراء شيء من الإحساس بالكآبة لنهاية التجربة، وحين يُسأل بدر وعلي عن شعورهما، تتجمّد الكلمات: «غريب، ولا يوصف». تمرّ مسيرة المشتركين من البداية إلى ما قبل خط النهاية. ويقدّم البرنامج تقارير عن الواقع الجديد: العلاقة بـ«الشوسيال ميديا» وحضورها في حياة الفنان وسائر البشر. ينتقل الودّ والاطمئنان إلى الأحبة من الـ«ألو»، إلى الفيديو بالصوت والصورة. يهاتف الجميع عائلاتهم، للبركة والدعاء بالتوفيق. كل عائلة ترى في ابنها فخراً للعراق بأسره، وسيف نبيل يترجم الإبهار: «لقد رفعتم رأسنا».
قد تبالغ اللجنة في الإطراء، ولا انتقاص هنا من شأن صوت أو موهبة. فإكثار المديح أمام الكاميرا، قد يعمّق خيبة البعض حين لا تجري الرياح بما تشتهي السفن بعد الكاميرا. صحيح أنّ اللجنة طوال حلقات البرنامج نصحت وانتقدت، ولعلها احتفظت بالكلام الرقيق إلى النهائيات، فتُخفف به على المشتركين التوتر والقلق، لكن الخوف يظل مشروعاً على مصير الشباب بعد إطفاء الأضواء، وانكشاف الواقع على قساوته.
تساءلت ميس عنبر، هل يكون «محبوب العراق» بَصْرياً، أي من البصرة نسبة إلى بدر باسم، آخر مَن مرّ بتجارب الأداء وآخر المشتركين المتأهلين، لكن بين الأوائل في الإيمان بالأحلام. والشاب خفق قلبه وتوسل من الأعماق ليحسم التصويت مصيره لمصلحته. يصف سيف نبيل نشأته بـ«العبقرية»، ويقول إنه «مجتهد، صوته رائع بالفطرة، شدّنا منذ البداية، وفي كل حلقة يغني لوناً مختلفاً». ويشعر حاتم العراقي بأنه «متشرّب للفن ومتوارثه، كل الأغنيات سهلة بصوته». تُذكّر رحمة رياض بأنّ صوتاً واحداً يصنع الفرق في تحديد مصير المشتركين وتدعو لمن يحب بدر بالتصويب له، ولمن يجد أنّ عفراء تستحق بالتصويت لها، ولمن يفضل صوت علي بعدم حجبه عنه.
حين لُف العلم العراقي على كتفي عفراء سلطان بعد فوزها، وحولها زملاء المنافسة، تقدّمت نحوها رحمة رياض وأحاطتها بعناق وسند. خلال الحلقة، نفت أن تكون منحازة لها، وأكدت الموضوعية بالقول إنها منحازة للمشتركين الثلاثة على مسافة واحدة، وإن كانت العاطفة تجرها نحو عفراء لكونها امرأة تسعى إلى الأحلام الكبيرة. تسميها «وردة العراق» وتمسك بيديها المرتجفتين، كصوتها وكلماتها ونظراتها. تعبّر اللجنة عن «خسارة لنا جميعاً» بنهاية الموسم وذهاب المشتركين إلى حياتهم ومصيرهم. وتحرص على ألا تنسى تعب أحداً، فتوجه الشكر الجماعي وبالأسماء. الختام مع أغنية أفراح العراقيين في كل المناسبات: «عيد وحب» للقيصر. والدبكة رقصة روح، لا خبطة أقدام.

