اللوائح الانتخابية أقصى شمال لبنان تبحث عن تأمين «التمويل الذاتي»

لأن المرجعيات السياسية في عكار تنأى بنفسها عن التدخل

TT

اللوائح الانتخابية أقصى شمال لبنان تبحث عن تأمين «التمويل الذاتي»

قال مصدر عكاري إن استمرار المفاوضات التي تتولاها القوى السياسية المعنية بالانتخابات عن دائرة عكار (7 مقاعد نيابية) تؤخر ولادة اللوائح باستثناء اللائحة التي تشكلت من النواب هادي حبيش، وليد البعريني، محمد سليمان، والمرشحين إبراهيم المصومعي، جوليا حنا، سجيع عطية، أحمد رستم. ولفت إلى أن المنافسة الانتخابية ستدور بين اللائحة التي شكلت، وبين ثلاثة لوائح الأولى مدعومة من محور «الممانعة» الذي يضم «التيار الوطني الحر» وحزبي «البعث» الموالي للنظام السوري و«السوري القومي الاجتماعي»، في حال توصل السفير السوري لدى لبنان علي عبد الكريم علي بالتعاون مع «حزب الله» إلى إقناع جناحي أسعد حردان وربيع بنات بالتوحد بإعطاء أفضلية الترشيح لمن هو الأقوى والأكثر حضوراً من خلال المفاضلة بين المرشح الأرثوذكسي الآخر الذي يحظى بمباركة من بنات.
وبالنسبة إلى اللائحة الثالثة فهي تعتمد على تحالف حزب «القوات اللبنانية» مع الوزير السابق أشرف ريفي ونواب سابقين عن الطائفة السنية، فيما اللائحة الرابعة تحظى بتأييد قوى الثورة والتغيير، إلا إذا قررت قوى أخرى من الحراك المدني الدخول على خط المنافسة الانتخابية، برغم أن حظوظها بتسجيل اختراق يبقى دون المستوى المطلوب الذي يتيح لها الحصول على حاصل انتخابي. لكن من غير الجائز في معرض الحديث عن حصر المنافسة الانتخابية بـ4 لوائح وربما أكثر، القفز فوق السؤال عن موقفي رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في ضوء ترشح مسؤول تيار «العزم» هيثم عز الدين للانتخابات ونائب رئيس الحكومة الأسبق عصام فارس، وأيضاً عن دور تيار «المستقبل» بعد عزوف زعيمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عن الترشح.
وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» بأن ميقاتي يميل للنأي بنفسه عن التدخل في انتخابات عكار، وإن كان يفضل التفاهم مع فارس الذي كان التقى شقيق رئيس الحكومة طه ميقاتي في فرنسا لتوفير الدعم للائحة توافقية، لكن تسارع التطورات بإعلان ولادة لائحة البعريني - حبيش وآخرين كان وراء قرارهما بمواكبة الحدث الانتخابي عن بُعد من دون أن يتدخلا اقتراعاً أو ترشحاً.
وانسحب موقف ميقاتي على فارس الذي كان طلب فتح مكتبه في حلبا ووضعه بتصرف رئيس الحكومة، ونقلت مصادره عنه قوله بأنه اتخذ قراره بالوقوف على الحياد إصراراً منه للبقاء على مسافة واحدة من جميع المرشحين تاركاً للناخبين العكاريين اختيار ممثليهم في الندوة البرلمانية.
وتردد بأن رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة آثر عدم التدخل، بخلاف ميل رموز أساسية تدور في فلك الحريرية السياسية لتأييد لائحة البعريني - حبيش انطلاقاً من وجود مرشحين أعضاء في كتلة «المستقبل» من غير المنتمين إلى التيار الأزرق على رأس لائحتهما ويخوضون الآن معركة سياسية في مواجهة اللائحة المدعومة من محور «الممانعة» والأخرى التي يترشح عليها مرشح «القوات» وسيم منصور عن المقعد الأرثوذكسي.
فإصرار من يدورون في فلك الحريرية السياسية على توفير الدعم للائحة البعريني - حبيش يأتي في إطار الدخول في تصفية الحسابات مع «القوات» على خلفية تأزم علاقة رئيسه سمير جعجع بالرئيس الحريري، وأيضاً مع «التيار الوطني» بتحميله ورئيس الجمهورية ميشال عون مسؤولية مباشرة حيال اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة من دون تبرئة «حزب الله» الذي وفر لهما الغطاء السياسي للإطاحة به بخلاف موقفه المُعلن بدعمه لتشكيل الحكومة.
إلا أن حزب «القوات» يصر على أن يخوض معركته في مواجهة محور «الممانعة» الذي يحظى بدعم سوري، سواء من خلال التدخل المباشر للسفير عبد الكريم علي أو عبر «حزب الله» الذي يستخدم ما لديه من فائض قوة لتعويم حليفه باسيل، وهذا ما يفسر دخوله على خط تنقية الأجواء بين جناحي «القومي» لسحب أحد المرشحين سلفادور مطر (جناح حردان) وشكيب عبود (جناح بنات) إفساحاً في المجال أمام ترشح أحدهما على لائحة محور «الممانعة» إلى جانب مرشح البعث عمار أحمد عن العلويين والنائب السابق محمد يحيى عن السنة ومرشحَي «التيار» الماروني جيمي جبور والأرثوذكسي النائب أسعد درغام، فيما الاتصالات لم تنقطع مع المرشح علي طليس لإقناعه بالانضمام إلى اللائحة لتأمين تمويله بالشراكة مع يحيى من خلال شقيقه مصطفى للمصاريف الانتخابية.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن السفير السوري بالتنسيق مع «حزب الله» يواصل مساعيه لحل الخلاف بين جناحي القومي، برغم أن باسيل يميل للتعاون عكارياً مع مطر، على أن يُكافأ جناح بنات بحسب الوسطاء بضم مرشحه النائب السابق أنطون خليل إلى لائحة «التيار» في المتن الشمالي، برغم أن المعطيات الأولية تشير إلى احتمال ترشحه على لائحة حزب «الطاشناق» المتحالف حتى الساعة مع المرشح ميشال إلياس المر.
وبالنسبة إلى الاتصالات الجارية لتشكيل اللائحة التي سينضم إليها مرشح «القوات» منصور، يتردد بأن الأخير يسعى لفك الحصار السياسي المفروض عليه، ليس من محور «الممانعة» فحسب، وإنما من حليف الأمس المقصود به تيار «المستقبل»، فيما بعض الشخصيات التي تدور في فلك الحريرية السياسية لم توقف حملاتها بالتحريض عليه بذريعة الثأر منه للعلاقة المتأزمة بين جعجع والحريري، وإن كان محور «الممانعة» هو أحد المستفيدين من الحرب بين حلفاء الأمس.
وتردد بأن «القوات» تُبدي انفتاحاً على التعاون مع القيادي السابق في الجماعة الإسلامية النائب السابق خالد الضاهر، وأيضاً مع النائب السابق طلال المرعبي بعد عزوف ابنه النائب الحالي طارق المرعبي عن الترشح انسجاماً مع قرار الحريري بعدم خوض الانتخابات، خصوصا أن هناك من يستبعد انضمام المرعبي الأب للائحة المدعومة من محور «الممانعة» رغبة منه بعدم تحدي التيار الأزرق.
لذلك فإن الأيام المقبلة ستشهد ولادة اللوائح الانتخابية المنافسة للائحة البعريني - حبيش، خصوصا أن القيمين على تشكيلها يضعون حالياً اللمسات الأخيرة استعداداً للإعلان عنها، على أن تتلازم ولادتها مع التحضيرات الجارية لتركيب لائحة مستقلة مدعومة من الحراك المدني ويتولاها حالياً وسيم غاندي المرعبي المدعوم من الجامعة المرعبية برئاسة رجل الأعمال غسان المرعبي.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن العلاقة بين الجامعة المرعبية وطلال المرعبي ليست على ما يرام وأن رئيسها يشجع على تشكيل لائحة من المستقلين، وأن الاتصالات جارية بين المرشح وسيم المرعبي وبين مرشحين عن قوى التغيير ومن أبرزهم وفاء جميل (أرثوذكسية) محمد بدر (سني) سامر حمدان أو جنان حمدان عن العلويين، وإدغار الضاهر عن الموارنة على أساس أنه يتقدم على منافسه العميد المتقاعد جورج نادر.
وعليه، فإن معظم اللوائح التي أعدت العدة لخوض الانتخابات في عكار تعتمد على «التمويل الذاتي»، وتحديداً الأولى التي تضم إلى جانب حبيش ثلاثة من المتمولين هم إبراهيم المصومعي، محمد سليمان، ووليد البعريني، وإن كان يتصرف على أن تمويله للائحة يقتصر على قدرته التجييرية التي تسمح له بتوزيع النفقات الانتخابية على حلفائه في اللائحة، إضافة إلى اللائحة الثانية المدعومة من محور «الممانعة» الذي يبحث عن متمولين آخرين غير محمد يحيى، وهذا ما يفسر انفتاحه على المرشح طليس لضمه إلى اللائحة ليتقاسم معه تأمين المصاريف الانتخابية.
فمعظم اللوائح العكارية في حاجة لتأمين «التمويل الذاتي» لغياب معظم المرجعيات السياسية في الشمال، إضافة إلى كبار الناخبين عن المبارزة الانتخابية العكارية، تاركين للمرشحين الاعتماد على «التمويل الذاتي» ليس لتفاديهم الإحراج وإنما تجنباً لوقوعهم في مطبات في حال تبين بأن هناك علامة استفهام كبيرة حول بعض مصادر التمويل، خصوصا أن المراقبة الدولية للعملية الانتخابية ستكون حاضرة بامتياز.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».