لبنان: تصفية حسابات بين «صقور» الموارنة في دائرة «الشمال الثالثة»

TT

لبنان: تصفية حسابات بين «صقور» الموارنة في دائرة «الشمال الثالثة»

لن يؤثر تسجيل اللوائح الانتخابية في مهلة أقصاها الرابع من أبريل (نيسان) المقبل على المسار العام للمنافسة في دائرة الشمال الثالثة التي تضم أقضية زغرتا - بشري - الكورة - البترون، بمقدار ما تؤدي إلى تصفية من لم يحالفهم الحظ للترشُّح على اللوائح أكانت مكتملة أو ناقصة، وبالتالي إلى إخراجهم من المبارزة الانتخابية في دائرة تُعد الأكبر مسيحياً لملء المقاعد النيابية العشرة المخصصة لها، والتي تدور بين ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية هم: رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وزعيم تيار «المردة» سليمان فرنجية، ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل.
وتبقى المنافسة في هذه الدائرة موضع اهتمام محلي وخارجي وتدور بين أربعة لوائح تضم مرشحين ينتمون إلى القوى السياسية التقليدية في مواجهة لوائح تتشكّل من قوى التغيير، وإن كانت تقتصر حتى الساعة على اللائحة المدعومة من تحالف «شمالنا» وتتمتع بحضور سياسي على مساحة الأقضية الأربعة التي تتألف منها الدائرة الانتخابية.
وتتصدر المنازلة الانتخابية اللوائح المدعومة من فرنجية وحزب «القوات» و«التيار الوطني» وتحالف «الكتائب» والنائب المستقيل ميشال معوض، من دون التقليل من الآمال المعقودة على تحالف «شمالنا» الممثل الوحيد حتى الساعة لمجموعات الحراك المدني، أو إدارة الظهر للانقسام الحاصل داخل الحزب «السوري القومي الاجتماعي» بين «جناح الروشة» برئاسة ربيع بنات، وبين الآخر بقيادة النائب أسعد حردان، لما سيكون له من ارتدادات تهدّد وحدة الحزب بعد إخفاق الجهود لإعادة توحيده سواء تلك التي تولاّها مسؤول ملف الانتخابات في «حزب الله» نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، أو التي قام بها السفير السوري لدى لبنان علي عبد الكريم علي بإيعاز من نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية اللواء علي المملوك.
فالانقسام داخل هذا الحزب لا يقتصر على دائرة الشمال الثالثة، وإنما ينسحب على الدوائر الانتخابية الأخرى بعد أن تقدّم بنات بلائحة بأسماء مرشحيه في مواجهة لائحة المرشحين التي أعلنها حردان، فيما تعرّض حزب الكتائب إلى انتكاسة باستقالة النائب السابق سامر جورج سعادة احتجاجاً على تسمية القيادة الكتائبية لمجد بطرس حرب كمرشح عن المقعد الماروني في البترون بدلاً من سعادة.
وفي سياق الاستعدادات لتركيب اللوائح تمهيداً لتسجيلها في وزارة الداخلية، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر مواكبة للمشاورات الجارية لوضع اللمسات الأخيرة لاختيار المرشحين أن تيار «المردة» و«التيار الوطني» وتحالف الكتائب – معوّض، هم الآن في سباق لضم المرشحين عن بشرّي ملحم (ويليام) جبران طوق وروي عيسى الخوري، للوائحهم في مواجهة مرشحي «القوات»: ستريدا جعجع وجوزف إسحق.
ورغم أنه تردّد في الساعات الأخيرة أن فرنجية الأب تمكّن من إقناعهما بالانضمام للائحة التي يرأسها نجله طوني فرنجية، فإن المعلومات تؤكد أن لا شيء نهائياً في هذا الخصوص حتى الساعة، وإن كانا لم ينقطعا عن التواصل معه.
وبات بحكم المؤكد أن لائحة «المردة» أصبحت شبه مكتملة، وهي في حاجة إلى وضع بعض التعديلات لإعلانها بصورة نهائية في ضوء ما ستؤدي إليه مفاوضات فرنجية الأب مع ويليام طوق، فيما حسم أمره بالتحالف مع النائب سليم سعادة المدعوم من حردان، وفادي غصن شقيق النائب الراحل فايز غصن، عن الكورة، وجوزف نجم عن البترون.
وبالنسبة إلى «القوات» فإن العمود الفقري للائحة يتشكّل من جعجع وإسحق عن بشرّي، وفادي كرم عن الكورة، وغياث يزبك عن البترون، إضافةً إلى مرشحيه عن زغرتا، وتُبدي مصادره ارتياحه لسير الاستعدادات التي تُشرف عليها ماكينته الانتخابية في موازاة ماكيناته الانتخابية في بلاد الاغتراب التي تُسجّل من وجهة نظرها تقدُّماً ملموساً في كسب تأييد المقيمين فيها ممن بادروا إلى تسجيل أسمائهم للاقتراع من أماكن سكنهم في الخارج.
وفي المقابل، فإن «التيار الوطني» اختار المرشحين الذين يشكّلون رأس حربة لخوض الانتخابات والذين يتزعّمهم باسيل، وهو يتواصل حالياً لضم وليد حرب الرئيس السابق لمستشفى تنورين الحكومي إلى لائحته للترشُّح عن المقعد الماروني الثاني في البترون، خصوصاً أنه ضمّ إلى لائحته المرشحين عن الكورة النائب جورج عطا الله ووليد عازار، والأخير رشحه الحزب «السوري القومي الاجتماعي» - قيادة الروشة، في مواجهة سعادة المدعوم من حردان، ويواصل باسيل مشاوراته لاستكمال تشكيل لائحته، وهو يقوم الآن بغربلة المرشحين عن زغرتا ليقرّر إمكانية ضم مرشح آخر عنها إلى جانب مرشح «التيار الوطني» الوزير السابق بيار رفّول، لأنه ليس في وارد التعاون مع العميد السابق في الجيش فايز كرم الذي كان قد حوكم بتهمة التعامل مع إسرائيل لئلا يستفز حليفه «القومي» والآخر الاستراتيجي أي «حزب الله»، على أن يترك الباب مفتوحاً للتفاوض مع ويليام طوق.
وعلى صعيد تحالف الكتائب - معوض، فإنه أنجز العيّنة الأولى من تحالفاته بدءاً بمجد حرب عن البترون وأديب عبد المسيح وإميل فياض عن الكورة، بينما -مثل سواه من منافسيه- يتطلع للتعاون مع ويليام طوق الذي كان قد التقى معوّض الذي يتشاور مع رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميل، بأسماء مرشحين آخرين لضمّهم إلى تحالفه، وإن كان يراهن على التعاون مع شخصيات منخرطة في الحراك المدني من خارج تحالف «شمالنا».
وبيّن السؤال موقف نائب رئيس المجلس النيابي السابق فريد مكاري الذي لم يترشّح على غرار عزوفه عن خوض الانتخابات في الدورة السابقة، وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تواصل مع جعجع وفرنجية الأب واتخذ قراره بالوقوف على الحياد، مع أن نجله نبيل مكاري على علاقة جيدة بفرنجية الابن. فقرار مكاري بوقوفه على الحياد بين فرنجية الأب وجعجع لا يعني أنه يقف بينهما في منتصف الطريق من دون أن يلتفت إلى مؤيديه تاركاً لهم حرية الاقتراع، خصوصاً أنه يتمتع بحضور انتخابي في الكورة، وهو على تواصل مع محازبي وجمهور تيار «المستقبل» بعد عزوف رئيسه سعد الحريري عن الترشّح.
واللافت على هذا الصعيد أن الجمهور المنتمي إلى التيار الأزرق يمر بحالة من الإرباك بعد عزوف رئيسه لأنه يتمتع بثقل انتخابي في الدائرة الثالثة وتحديداً في أقضية الكورة والبترون وزغرتا، رغم أن مقاعدها النيابية هي من حصة المسيحيين، فيما يتمتع الشيعة بحضور رمزي لا يوازي الحضور السنّي، وقد تتوزّع الأصوات بين باسيل في البترون بإيعاز من «حزب الله» وفرنجية في الكورة بطلب من رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
لذلك، تشهد الدائرة الثالثة واحدة من كبرى المواجهات في الساحة المسيحية، ويتعامل معها البعض على أنها «أم المعارك» الانتخابية كونها تدور بين ثلاثة مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية، هم، إضافةً إلى جعجع، فرنجية وباسيل المتخاصمين ضمن الحلف السياسي الواحد الذي يرعاه «حزب الله».
وعليه يواصل فريق «الصقور» برؤوسه الثلاثة جعجع وباسيل وفرنجية في الطائفة المارونية استعداداته لخوض أشرس المعارك الانتخابية التي تتّسم بتصفية الحسابات من دون أن يتمكن أحدهم من السيطرة على الشارع المسيحي بحصده منفرداً للمقاعد النيابية في هذه الدائرة ما يتيح له إلغاء الآخرين، مع أن جعجع يواجه حليفين «لدودوين» هما باسيل وفرنجية من موقع انعدام الكيمياء السياسية بينهما منذ أن افترقا بعد انتخابات عام 2009.
فالمقاعد النيابية لن تكون من حصتهم وحدهم، وإنما يحسبون الحساب لتحالف «معوض - الكتائب» ولقوى التغيير في خوضها المعركة الانتخابية للمرة الأولى، وبالتالي يبقى السباق بين «الصقور» محصوراً بمن يحل في المرتبة الأولى بحصوله على الحصة الوازنة من هذه المقاعد، شرط عدم تغييب «الصقر» الماروني الرابع، أي رئيس الكتائب سامي الجميل الذي يخوض المعركة بنفحة تغييرية شكّلت انقلاباً من الداخل على «الحرس القديم» في حزبه.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.