موسكو «تعاقب» بايدن وأركان إدارته... وترفض تأكيد واشنطن «سحق الاقتصاد الروسي»

المفاوضات مستمرة بالتوازي مع التصعيد العسكري... وإيران تدخل على خط الوساطة

موسكو «تعاقب» بايدن وأركان إدارته... وترفض تأكيد واشنطن «سحق الاقتصاد الروسي»
TT

موسكو «تعاقب» بايدن وأركان إدارته... وترفض تأكيد واشنطن «سحق الاقتصاد الروسي»

موسكو «تعاقب» بايدن وأركان إدارته... وترفض تأكيد واشنطن «سحق الاقتصاد الروسي»

أطلقت موسكو، أمس، رزمة غير مسبوقة من العقوبات ضد الإدارة الأميركية، في تطور حمل بعداً سياسياً رمزياً، وفق معلقين في روسيا، لكنه كان من وجهة نظرهم، ضرورياً في إطار سياسة المعاملة بالمثل. وأعلنت الخارجية الروسية، إدراج الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن على قائمة العقوبات. وأفادت في بيان، بأن «فرض عقوبات شخصية روسية ضد قادة أميركيين وأشخاص متصلين بالإدارة جاء رداً على سلسلة عقوبات غير مسبوقة، بما فيها تلك التي تحظر دخول كبار مسؤولي روسيا الاتحادية إلى أراضي الولايات المتحدة». وأكدت، أن قائمة الشخصيات الأميركية التي تخضع بدءاً من 15 مارس (آذار) لقيود روسية، بينها منع دخول الأراضي الروسية، تضم فضلاً عن الرئيس بايدن والوزير بلينكن، كلاً من وزير الدفاع لويد أوستن، ورئيس هيئة الأركان المشتركة مايك ميلي، ومسؤولين كبار آخرين في الإدارة. وتعمل موسكو في الوقت ذاته، على إعداد لائحة عقوبات مماثلة تستهدف شخصيات أوروبية.
وتزامن التطور، مع إعلان موسكو انسحابها من مجلس أوروبا، بعدما كان المجلس جمّد عضويتها أخيراً. وأعلن نائب رئيس مجلس الدوما الروسي بيوتر تولستوي، أن روسيا سلمت المجلس الأوروبي رسالة من وزير الخارجية سيرغي لافروف تتضمن إشعاراً بالانسحاب من المنظمة.
وأوضح، أن روسيا خرجت من مجلس أوروبا بإرادتها الخاصة، مشيراً إلى أن جميع المسؤوليات عن كسر الحوار مع مجلس أوروبا تقع على دول «الناتو».

في غضون ذلك، رفض الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، تصريحات ممثلة البيت الأبيض، جين بساكي، بشأن نجاح العقوبات الأميركية في «سحق الاقتصاد الروسي تماماً». وقال، إن الاقتصاد الروسي رغم أنه «يواجه صعوبات جدية»، لكنه قادر على تجاوز الأوضاع الحالية، مشيراً إلى «ميزات» بسبب العقوبات قد لا تكون ظاهرة، لكنها تدفع إلى تعزيز الاقتصاد الوطني وميله إلى الاعتماد على النفس. وزاد «هذه فرصة للتطور والتجديد وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال وإنشاء صناعات جديدة وغير ذلك من الميزات». وفي ملف المفاوضات مع أوكرانيا، قال بيسكوف، إن «من المبكر الإفصاح عن مسار المفاوضات أو توقعات محددة بشأن نتائجها المحتملة». وزاد، أن وفدي البلدين «يقومان بعملهما وهو عمل صعب، وحقيقة أن المفاوضات متواصلة هو أمر إيجابي». في السياق، قال بيسكوف، إن إدارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «لم تطلب خلال المفاوضات ترتيب اتصال مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين».
لكنه كرر الموقف الروسي المعلن حول أن «ترتيب لقاء بين الرئيسين أمر غير مستبعد، ولكن على وفدي البلدين والوزراء من الجانبين أن يبذلا جهوداً ليكون اللقاء المحتمل جوهرياً، وليس من أجل اللقاء بحد ذاته».
وكان زيلينسكي أعلن أول من أمس، أنه كلف الوفد الأوكراني طرح موضوع عقد لقاء رئاسي لتسوية الأزمة.
في الأثناء، أعلن مستشار الرئاسة الأوكرانية ميخائيل بودولياك، أمس، أن الطرفين واصلا المشاورات أمس، عبر تقنية الفيديو كونفرنس. وكتب بودولياك في صفحته على «تليغرام»، «المفاوضات لا تزال مستمرة. تم استئناف المشاورات حول الأسس الرئيسية المطروحة للبحث، وهي المسائل العامة للتسوية ووقف إطلاق النار وانسحاب القوات الروسية من أراضي البلاد».
وتعد هذه النقاط التي تصرّ عليها كييف لإنجاح الحوار، في حين تطرح موسكو رزمة من المطالب في المقابل، بينها إعلان وقف القتال فوراً، والاعتراف بسيادة روسيا على القرم، والاعتراف باستقلال لوغانسك ودونيتسك، وتوثيق مبدأ الحياد في الدستور الأوكراني. في الأثناء، بدا أمس، أن إيران دخلت على خط الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وأعلن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان الذي يزور العاصمة الروسية، أن نظيره الأوكراني دميتري كوليبا طلب منه في اتصال هاتفي نقل رسالة إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تتعلق بالأزمة في أوكرانيا. وقال عبداللهيان، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، إن «المفاوضات التي جرت بين زميلي السيد لافروف ووزير خارجية أوكرانيا، بدأت في أنطاليا وتواصلت عبر تقنية الفيديو. نحن نؤيد ذلك». وزاد، أنه أجرى «مساء أمس (اول من أمس) محادثة مستفيضة مع وزير خارجية أوكرانيا. وطلب مني أن أنقل للسيد لافروف رسالة مفادها أن أوكرانيا تؤيد التركيز على التسوية السياسية».
وشكّل ملف الصراع في أوكرانيا محوراً أساسياً للمحادثات بين الوزيرين الروسي والإيراني. وأعرب لافروف عن «تقدير روسيا لموقف إيران الموضوعي» بشأن أحداث أوكرانيا.
في الوقت ذاته، بدا أن تركيا أيضاً تسعى لتنشيط دورها في هذا الملف، وبعدما كانت لعبت دوراً في عقد لقاء وزاري جمع لافروف ونظيره الأوكراني قبل أيام، أعلنت أنقرة أمس، عن زيارة لوزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، ينتظر أن تبدأ اليوم.
على صعيد آخر، حذر الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أوكرانيا من رد فعل في حال تواصلت ما وصفها «الاستفزازات» ضد بلاده. وقال لوكاشينكو، إن صاروخاً باليستياً من طراز «توتشكا أو» تم إطلاقه من أراضي أوكرانيا باتجاه بيلاروسيا قبل يومين. وأوضح خلال اجتماع مع قادة وضباط هيئة أمن الدولة البيلاروسية أمس «لقد قلت لكم سابقاً إنه ستكون هناك محاولات لجرنا إلى هذه الحرب... ومما يدل على ذلك إطلاق صاروخ جديد باتجاه أراضينا، وهو صاروخ من طراز (توتشكا أو) أطلق ليلاً قبل يومين وجرى اعتراضه وتدميره فوق نهر بريبيات بنجاح بالتعاون مع زملائنا الروس». وزاد الرئيس البيلاروسي «ما معنى ذلك؟ هل يظنون أن بمقدورهم تدمير بيلاروسيا بصاروخ؟ هذا أمر مستحيل، لكن السبب كما يبدو السعي المتواصل لاستفزازنا وحملنا على خطوات جوابية. لكننا لسنا حمقى إلى هذا الحد، وإذا قررنا أن نرد، فسيكون ردنا قوياً وسيشعر به الجميع. لكننا ما زلنا صابرين».
اللافت، أن تصريحات لوكاشينكو جاءت بعد يوم من إعلان سلطات دونيتسك، أن 20 شخصاً بينهم أطفال لقوا حتفهم نتيجة هجوم شنته القوات الأوكرانية باستخدام صاروخ من الطراز نفسه على مدينة دونيتسك. وكان الكرملين، أمس، ندد بـ«تجاهل العالم الغربي لهذا الهجوم ضد المدنيين».
وفي إطار مسار التصعيد المتواصل على خلفية الحرب الأوكرانية، لوح دميتري روغوزين، المدير العام لوكالة الفضاء الروسية «روس كوسموس» إلى احتمال أن تستخدم روسيا محطتها المدارية الجديدة لأغراض عسكرية «في ظل الوضع الجيوسياسي المعادي للبلاد». وتعد هذه أول إشارة روسية إلى احتمال استخدام الفضاء في المواجهة المتصاعدة بين روسيا والغرب. علماً بأن موسكو كانت تندد باستمرار في السابق بـ«سعي واشنطن إلى عسكرة الفضاء».
في الأثناء، أعلن سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، نيقولاي باتروشيف، أن لدى بلاده معلومات تؤكد ضلوع أوكرانيا في تنفيذ برامج بيولوجية عسكرية بمشاركة مستشارين أجانب وتمويل أميركي.
وجاء تجديد الاتهامات الروسية لكييف وواشنطن خلال اجتماع أمني أمس، وقال باتروشيف، إن عدداً كبيراً من المستشارين الأجانب، ممن استقروا على أراضي أوكرانيا، «يثيرون باستمرار تهديدات جديدة للأمن القومي الروسي».
وتابع باتروشيف، أن «التمدد النشط لحلف (الناتو)، وتطوير البنى التحتية العسكرية بالقرب من حدود روسيا، وتدمير نظام الحد من التسلح، ثم تطوير أراضي أوكرانيا كمسرح محتمل لعمليات عسكرية، هذا كله ما أدى في النهاية إلى الأزمة الأمنية في أوروبا».
ميدانياً، تواصل التصعيد العسكري حول المدن الأوكرانية بالتوازي مع استمرار المفاوضات الجارية بين الطرفين. وشهدت العاصمة كييف تعزيزا للهجمات الصاروخية في محيطها، واستمرار القصف على مناطق في داخلها؛ ما دفع إلى فرض نظام منع التجول في أنحائها. تزامن هذا، مع إعلان القوات الروسية فرض سيطرة كاملة في مقاطعة خاريسون؛ ما يعني توسيع مساحة المناطق التي باتت في قبضة الروس في محيط المدينة التي كانت موسكو أعلنت أول من أمس، عن إحكام السيطرة عليها.
في الوقت ذاته، بدا أن موسكو نجحت بالتعاون مع القوات الانفصالية في مناطق الجنوب من توسيع مساحة تقدمها حول ماريوبول وفي بعض أحياء المدينة المحاصرة منذ نحو أسبوعين. وقال رئيس دونيتسك دينيس بوشيلين، إن قواته «تمكنت من التقدم بشكل كبير في مدينة ماريوبول».
موضحاً أنه «لدينا تطور جدي نسبياً خلال الليلة الماضية، مع الأخذ بالاعتبار أن ماريوبول مدينة كبيرة». ووفقاً له، لم يتبق لدى القوات والفصائل الأوكرانية، إلا القليل من الإمكانات لنقل الذخيرة والأسلحة والمؤن إلى هذه المدينة. وشدد على أنه «في ماريوبول، تم قطع جميع الإمدادات من فترة بعيدة نسبياً، ويبدو ذلك واضحا من طبيعة تصرفات العدو». وأقر في الوقت ذاته، بوقوع خسائر كبيرة في صفوف قواته، وزاد «الحرب كالعادة تترافق بالخسائر، وللأسف تحدث خسائر من جانبنا أيضاً. لكن هذا لا يوقفنا بأي حال من الأحوال، بل يجعلنا نتحرك بشكل أكثر كثافة». وشدد بوشيلين، على أن المعارك «لا تزال ضارية هناك، ويتم تطهير المدينة بوتيرة مستمرة».


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...