سلطان بن فهد وحديث حول الفن وذاكرة الأشياء

يهوى جمع القطع القديمة ويرى في كلٍ منها ذكريات لأشخاص مروا عليها

سلطان بن فهد مع عمله الذي عُرض في معرض «ديزرت إكس» بالعلا
سلطان بن فهد مع عمله الذي عُرض في معرض «ديزرت إكس» بالعلا
TT

سلطان بن فهد وحديث حول الفن وذاكرة الأشياء

سلطان بن فهد مع عمله الذي عُرض في معرض «ديزرت إكس» بالعلا
سلطان بن فهد مع عمله الذي عُرض في معرض «ديزرت إكس» بالعلا

في عالم الفنان سلطان بن فهد، الأشياء والقطع المادية لها كيانها الخاص ومعناها ورمزيتها وقصصها، معظمها قطع قديمة جمعها الفنان بدأب وشغف عبر سنوات طويلة. في الحل والترحال يتجه بن فهد للأسواق الشعبية وأسواق الأنتيكات، وما يطلق عليه «فلي ماركت» في الغرب، هناك يجد الفنان ضالته من الأغراض التي تحمل معها ذكريات لأناس مضوا و«أماكن عاصرتها».
عبر معارضه، كانت تلك القطع المقتناة هي أدوات تعبيره. بعض الفنانين قد يلجأون للألوان والأحجار والتراب للتعبير عن أفكارهم، ولكن في عالم سلطان بن فهد؛ الأشياء والقطع القديمة هي ما يسطر به وما يعبر به عن فكرة وحالة تملكته، وأوحت له بعمل فني مختلف عن غيره.


ثريات متكسرة ضمن معرض «القصر الأحمر»  -  الزمزميات الملونة من تذكارات الحج

- «القصر الأحمر» ذكريات ماضٍ وحاضر
مع سلطان بن فهد، كان لي حديث طويل ومتشعب، أخذني معه في رحلة عبر رؤيته للتاريخ والفن والحضارات، وما تتركه من آثار لنا. يتحدث بحماسة وشغف ومعرفة كبيرة جداً بكل قطعة اقتناها واستخدمها لبناء عمل فني. أتذكر معه معرض «القصر الأحمر» الذي زرته بمدينة جدة في شهر يوليو (تموز) من عام 2019. يعود اسم المعرض للقصر الأحمر التاريخي، ويعد أول المباني المشيدة بالإسمنت والحديد المسلح في مدينة الرياض. تم تشييده في عام 1943م ليكون سكناً للأمير سعود بن عبد العزيز. وقد نظمت وزارة الثقافة هذا المعرض الفني لتسليط الضوء على المكانة الوطنية للقصر الأحمر، بهدف توثيق دوره المحوري في تاريخ السعودية منذ إنشائه في الرياض عام 1943م.
وانقسم المعرض إلى 7 فصول تتوّزع على 14 غرفة، تعرض بداخلها مجموعة من الأعمال الفنيّة التي تعكس تاريخ القصر الأحمر وتاريخ السعودية خلال تلك الفترة الزمنية. كان المعرض المحطة الأولى لي ولكثير من الجمهور، مع أعمال سلطان بن فهد الذي بدا كأنه ظهر إلى الساحة الفنية وهو في قمة عطائه الفني.


تاريخ المملكة حاضر بقوة في أعمال بن فهد

- من التايكوندو للفن
أبدأ حواري معه وأسأله: لماذا ظهر متأخراً على الساحة الفنية؟ يقول لي: «لم أبدأ العمل الفني متأخراً، ولكني بدأت في الظهور متأخراً». يعزو التأخر في الظهور لظروف ارتبطت بممارسته رياضة التايكوندو؛ حيث كان ضمن أفراد منتخب السعودية في الرياضة، غير أن توالي الإصابات أخذ به لمنحى آخر أقل ضرراً على الجسد، وأكثر تعلقاً بالإبداع الوجداني، فقد كان مغرماً منذ الصغر بالرسم، واعتاد عرض لوحاته على الأصدقاء بعد ذلك؛ لكنه لم يقتنع بأن ما ينتجه هو فن حقيقي، بسبب عدم دراسته للفن، ولكنه لاقى التشجيع من زوجته وأصدقائه ومعارفه: «الأميرة جواهر بنت ماجد رأت أعمالي، ونصحتني بضرورة عرضها». يرجع تردده في دخول المجال مبكراً إلى الخوف من النقد: «كان عندي تخوف كبير من النقد، كرياضي أنا معتاد على نقد المدرب، وكلاعب كنت أعرف قواعد اللعبة وتمرنت عليها وأعرف الأخطاء. ولكن في الفن الوضع يختلف؛ فقد تولد عندي تخوف من الانتقاد؛ لأنه لم تكن لدي الأسس التي لدى غيري، كان هذا اعتقادي». ولكن التشجيع أتى بالنتيجة المرجوة، وعرض أعماله للمرة الأولى في غاليري فني: «البداية غريبة قليلاً، ولكني تشجعت بعد ذلك».
من الرسم الذي مارسه في البداية تحول إلى الأعمال التركيبية، بسبب إصابات في الكتف منعته من الرسم، ويرى في ذلك اكتشافاً لطريقة جديدة في التعبير. وينصح غيره من الفنانين بتجربة كل الوسائل الفنية، وألا يركن لنوع واحد فقط يألفه: «ممكن الواحد يكتشف في نفسه أشياء لم يكن يعرفها».
نعود لمعرض «القصر الأحمر» الذي قدم من خلاله عدداً من التيمات والمواضيع، قسمها إلى 7 فصول، منها: حرب الخليج، والاقتصاد المقدس، وعشاء القصر، والمصلى، وقد تم تأطير الأعمال في هذه الفصول ضمن الأحداث التاريخية والسياسية التي وقعت خلال فترة استخدام القصر الأحمر بالرياض. لم يكن معرضه الأول كما أكد لي، ولكنه كان معرضاً متكاملاً يضم الأعمال التركيبية والفيديو والتصوير الفوتوغرافي.
معرض «القصر الأحمر» كان مختلفاً من نواحٍ عدة؛ فقد كان يتميز بالوفرة والعدد؛ خصوصاً في عدد القطع المعروضة، من مجموعة من الثريات المتكسرة التي جمعها الفنان في أطر أجهزة تكييف قديمة الصنع، أو من قوارير الماء (الزمزميات) التي تحمل رسومات بسيطة للأماكن المقدسة، أو مائدة الطعام المتخمة بالأطباق وأدوات الطعام، وغيرها من أقسام المعرض.
أشير إلى ذلك الجانب، وأسأله عن عشقه لتجميع القطع القديمة، يجيب: «أحب جمع القطع، وأرى من واجبي أن أخرج ذكريات منها، سواء كانت قطعاً أثرية أو عادية». يشير إلى أن كثيراً من زوار معارضه علقوا على أعماله بالقول: «أنت تطرح تساؤلات فقط». ويضيف: «هو فعلاً ما أفعله، فأنا أطرح التساؤل، وأريد من المتفرج أن يساعدني في العثور على الإجابة عن طريق البحث. على سبيل المثال في قسم (عشاء القصر) لم أجد كثيراً من المعلومات حول أدوات المائدة التي كانت مستخدمة خلال فترة حكم الملك سعود، ولا حتى عن الأكلات قديماً، وكنت أرحب بأي معلومة تصل إليَّ... كنت أحب أن أسمع من الناس معلومات لم أكن أعرفها».
تاريخ السعودية، أو الجزيرة العربية بشكل عام، حاضر بقوة في أعمال بن فهد، ومنها على سبيل المثال عمل بعنوان «كان حاكماً» الذي يصور تماثيل عملاقة من بني لحيان، يتحدث عن العمل ويقول: «من أول الأعمال التي عُرضت لي كانت ضمن مؤتمر حول معرض (روائع آثار المملكة)، وكانت المجسمات الكبيرة لملوك لحيان، وهذه الآثار طويلة بالأمتار، كان هناك قلق من أن يظنها البعض آلهة، ولكنها ليست آلهة، هي تماثيل لحكام، ومن هنا جاءت فكرتي أن أعمل لها (إكس راي)، وأضفت لها الأشعة السينية الخاصة بي، التي تصور كسور الكتف وغيرها من الإصابات التي أصبت بها خلال ممارستي الرياضة»، أعلق قائلة: «كأنك أعطيتَ تلك التماثيل البعد الإنساني؟»، ويجيب: «أردت أن أبين أنها تماثيل لحكام وليست لآلهة. في تلك الفترات التاريخية كان الحكام يتباهون بقوتهم عبر بناء مجسمات ضخمة... كانت تعطيهم هيبة أكبر».


من أعمال الفنان

- حلم المسافر والاقتصاد «المقدس»
من التماثيل العملاقة يأخذنا الحوار لعمل آخر للفنان، وهو بعنوان «شد الرحال» الذي عُرض في بينالي الدرعية للفن المعاصر، والمعتمد على شهادة حج تاريخية. استخدم الفنان الشهادة القديمة ليضعها خارج غرفة مضاءة مبطنة بلوحات قماشية ملونة، تحمل رسومات مستوحاة من تلك الشهادة ومن فنون الحجاج المختلفة. مشاهدة العمل تجربة روحية وبصرية ممتعة جداً، فللوصول إلى تلك الغرفة المضيئة، يمر الزائر عبر ممر خافت الإضاءة، وأمامه على بعد أقدام الغرفة المضيئة تدعوه لداخلها، وتغريه بألوانها ونورها الساطع. أول ما يلحظه الزائر لدى وصوله إلى الحجرة هو أرضيتها المضاءة التي استوحاها الفنان من فيلم «2001: أوديسة الفضاء» للمخرج ستانلي كوبريك. ومن الأرض يدور البصر بين جوانب الحجرة المبطنة بالأقمشة الملونة والمشغولة بالخرز، ليستقر على السقف المغطى بالقماش المطرز بالخرز الملون، ويحس الزائر نفسه في خيمة باهرة تأخذه لأجواء روحانية.
عنوان العمل بالإنجليزية هو «حلم المسافر»، وبالنسبة لبن فهد فذلك يرتبط بشكل كبير بما يعبر عنه في تلك الغرفة المضيئة: «كان توجهي لهذه الرحلة؛ لأن الحجاج حلمهم زيارة الحرمين، كانوا ينقلون معهم ثقافاتهم وتجاراتهم والصناعات الصغيرة في بلادهم». فكرة الحلم واضحة في العنوان العربي، كما يشير: «بالعربي (شد الرحال) ووقعها أجمل، فكأن الرسول الكريم كان يعطينا مجالاً للحلم عندما قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)».
يشرح لنا الفنان فكرة العمل، منطلقاً مما يطلق عليه اسم «الاقتصاد المقدس»، ويسارع في التوضيح بأن ما يعنيه المصطلح هو التجارات التي قامت على الحج والعمرة: «كان هناك اقتصاد قائم على زيارة الحرمين، هناك ناس أقاموا (بزنس) متكامل معتمد على بيع التذكارات المختلفة». اللافت في هذه التجارة هي أنها كانت متبادلة، فكان الحجاج يحضرون معهم أشياء مرتبطة ببلدانهم لبيعها للحجاج والمعتمرين: الآن تغيرت الأوضاع بالكامل، ولكن في فترات سابقة كانت تلك التجارات تشغل أهل البلد أو الحجاج القادمين من الخارج. هناك مثل شائع يعبر عن هذا الوضع، وهو: (حج وبيع سبح) يجمع بين الجانب الروحاني والاقتصادي للحج. فعلى سبيل المثال، كان بعض الحجاج يحضرون معهم قوارير المياه (الزمزميات) ليبيعوها في مكة أو المدينة، فهي بضاعة مصنوعة في الهند ولا يوجد لها مثيل هنا، وكانت تأتينا عن طريق الحجاج».
في معرض «القصر الأحمر» عرض الفنان بعضاً من هذه «الزمزميات»، وهي قوارير للماء مصنوعة من الألمنيوم، ومرسومة عليها بألوان متنوعة مناظر مختلفة مرفقة بكلمات. يقول إن القوارير التي جمعها من الأسواق الشعبية كان الحجاج والمصلون يبتاعونها من أسواق مكة المجاورة للحرم، ويملأونها بماء زمزم، ولكن مع توسعة الحرم وإغلاق عدد كبير من البوابات المطلة على الأسواق، تراجعت مبيعات القوارير وغيرها من التذكارات.


من معرض {القصر الأحمر}

- تلاقح الثقافات والتجارات
الحديث يتشعب بيننا ليدور حول الطرق الكثيرة التي تلاقحت فيها الثقافات؛ خصوصاً في الأراضي المقدسة: «على مر الزمان، تنقلت الثقافات والحضارات من جهة لأخرى، في مكة مثلاً، المأكولات، من المنتو واليغمش والرز الكابلي وغيرها، كلها تعود لثقافات مختلفة عنا، ولكنها ثقافات أثرت في مكة والمدينة». هذا بالنسبة لبلادنا، ولكن ما الذي أخذه الحجاج من هنا؟ في هذه النقطة يستفيض الفنان في الحديث عن شهادة الحج، الإلهام وراء «شد الرحال». «الشهادة توضح لنا الجانب الذي يأخذه الحاج من ماديات معه، ولكننا نعرف أن الحصول على مثل هذه الشهادات كان أمراً مكلفاً، وبالتالي هو مقتصر على من يستطيع الحصول عليها، ولكن لمن لا يملك المال فقد كانت هناك طرق أخرى لنيل شهادة الحج، مثلما نراه في البيوت الريفية بمصر وبلدان شمال أفريقيا؛ حيث كان الحجاج يزينون جدران بيوتهم بالرسومات التي تصور مشاهد من الحج». يستطرد قائلاً: «بالنسبة لجيلي والجيل الأسبق، لم تكن لدينا الفرصة لالتقاط (السيلفي)، أو تصوير المكان والأجواء. كانت في متناول يدنا نظارات بلاستيكية بسيطة جداً، مثبتة في عدساتها صور لمكة والمدينة. هي مشاهد تنقل الشخص للمكان، ولكن فعلياً كيف يمكننا نقل الرحلة وتفاصيلها بشكل فني؟ كانوا يصفونها دائماً عن طريق الرسومات على سجادات الصلاة، وعن طريق الهدايا التي يأخذونها». يعلق على أن تلك الصور كانت معتمدة على الذاكرة بشكل كبير جداً، وهو ما قد يفسر أن بعض الصور الموجودة على سجادات الصلاة القديمة قد تكون بها بعض الأخطاء في تصوير تفاصيل الأماكن المقدسة: «بعض السجادات كانت تحمل صوراً لمساجد أخرى، مثل المسجد الأزرق بتركيا، على اعتبار أنه المسجد النبوي. من صنع السجادة اعتمد على روايات المسافرين وخيالهم».


 «شد الرحال» لسلطان بن فهد الذي عُرض في بينالي الدرعية

في معرض «القصر الأحمر» كان هناك عدد ضخم من القطع التي كانت تباع في المحال المحيطة بالحرمين في السابق، جمع منها الفنان الكثير جداً، وما زال يبحث عن مثيلاتها: «هذه القطع الآن غير موجودة، لم تعد تُصنع. في السابق كان الناس ينظرون لها كتذكارات، هدايا من الأماكن المقدسة كانت متفردة وكانت جزءاً من الرحلة». تلك القطع نقلت للفنان الإحساس بخيال المسافر الذي وجد طريقه، ليصبح رسومات على قطع مثل سجادات الصلاة وقوارير الماء وقطع القماش الملونة: «كل اهتمامي كان: كيف أقدر على نقل تخيلهم، كيف كان شكل الحرم، كيف شكل المسجد، المنبر. كانت ذاكرتهم قوية، تنقل الخيال بتفاصيل جميلة، هذا الوصف الذي كنت أحاول نقله. كان الزوار والحجاج يأتون ويستوعبون المشاهد حولهم كأنهم يخزنون الخيال، في كل الأماكن التي مروا عليها، مثلما نجده في مدينة العلا التي كانت على طريق الحج، كان المسافرون ينقشون على الصخر خلال رحلتهم من مكان لمكان، كانوا يصفون حياتهم وما رأوا، أحس كأنهم أرادوا أن يسجلوا حضورهم في تاريخ وكيان هذا البلد. نقل التخيّل ووصف الرحلة لا شك أنه أخذ منهم وقتاً طويلاً، أعتقد أن خيالهم كان واسعاً، وأنا على قدر مقدرتي أحاول نقل ذلك، أحس أن هذه الأعمال يمكن اعتبارها فناً معاصراً لوقتها».
كان لا بد من سؤال الفنان بعد مشاهدة كل تلك القطع التي جمعها: «كيف تحصل على هذه القطع؟»، يجيب ببساطة: «أنا أحب المشي، وأحب (الفلي ماركت) بأنواعها، أحب أتفرج وأحس أنه تحدٍّ لي أن أرى شيئاً قد لا يراه غيري، وأجمع، حتى الاستوديو عندي تحول لمخزن، وصلت إلى مرحلة قلت إنني لن أشتري شيئاً إلا إذا كان له مكان، وهو ما أدى لنقصان مشترياتي للنصف. وأصبحت الآن إذا عجبني شيء ولسبب من الأسباب لا أنوي شراءه أكتفي بتصويره... أضعف الإيمان».
ينهي حديثه معي على نقطة مهمة؛ وهي أن القطع المقتناة لا تهمه بسبب المكان أو الأشخاص الذين امتلكوها: «ما يهمني منها هو الذكريات التي تحملها من أشخاص أمسكوا بها أو ارتبطت بهم».


عمل تركيب بعنوان {نافذة}
 



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».