موسكو تتلقى عروضاً للوساطة... وتصعيد ميداني يسابق الجهود الدبلوماسية

اقتراحات روسيا حول الأمن في أوروبا «لم تعد مطروحة» وكييف متفائلة بقنوات الحوار

تدريبات السكان على السلاح والإسعافات الأولية في العاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)
تدريبات السكان على السلاح والإسعافات الأولية في العاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)
TT

موسكو تتلقى عروضاً للوساطة... وتصعيد ميداني يسابق الجهود الدبلوماسية

تدريبات السكان على السلاح والإسعافات الأولية في العاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)
تدريبات السكان على السلاح والإسعافات الأولية في العاصمة الأوكرانية (أ.ف.ب)

مع تصاعد حدة المواجهات العسكرية بين القوات الروسية والأوكرانية في محيط المدن الكبرى، خصوصاً كييف وماريوبول ومناطق أخرى عدة، بدا أن الجهود الدبلوماسية تسعى إلى استباق التطورات الميدانية، في حين أظهرت تصريحات مسؤولين روس أن موسكو لن تتراجع عن مواصلة العملية العسكرية في أوكرانيا حتى «تحقق كل أهدافها».
وعلى الرغم من بطء التقدم الميداني للقوات الروسية، بدا أمس، أن تشديد الضغوط على العاصمة كييف التي شهدت قصفاً متواصلاً خلال ساعات النهار ومحاولات التقدم على عدة محاور، انعكس في تسريع التحركات الدبلوماسية، وبعد اتصال هاتفي جديد أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس مع الرئيس فلاديمير بوتين، برزت دعوتان للوساطة من جانب أذربيجان وإسرائيل. وأعلن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي أن الاتصالات الجارية مع موسكو حققت نوعاً من التقدم، الذي «قد يبعث على التفاؤل» في إطار الجهود الجارية لوضع حد للأعمال القتالية في بلده، علماً بأن موسكو وكييف أعلنتا أمس، أن فريقي التفاوض في البلدين واصلا محادثات مكثفة عبر شبكة تلفزيونية برغم تعثر عمل الممرات الإنسانية التي اتفقا على إطلاقها في وقت سابق.
وأوضح زيلينسكي أن المفاوضين الأوكرانيين والروس «بدأوا في مناقشة مسائل محددة بدلاً من طرح إنذارات نهائية». ووصف الرئيس الأوكراني هذه التغيرات في المواقف التفاوضية بأنها «نهج جديد مختلف نوعياً»، مشيراً إلى أن هذا النهج مطلوب لإنجاح التفاوض بين طرفي النزاع.
وأعرب زيلينسكي عن استعداده للتفاوض مع روسيا، مبدياً أمله في أن «تنطلق عملية سلام بالأفعال وليس بالأقوال»، محملاً في الوقت ذاته، موسكو المسؤولية عن رفض التفاوض معه حتى الآونة الأخيرة. وتقدم الرئيس الأوكراني بمبادرة تنظيم محادثات سلام بين موسكو وكييف في القدس، مرجحاً أن «إسرائيل قد تلعب دوراً مهماً في تسوية النزاع وتكون بين الأطراف التي تنتظر منها أوكرانيا أن تكون شريكاً في تقديم ضمانات أمنية».

سكان كييف يتلقون التدريبات استعداداً لمعركة العاصمة (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي: «أعتقد أنه ليس من الصواب اليوم عقد اجتماعات في أوكرانيا أو روسيا أو بيلاروسيا، لأنها ليست من الأماكن التي نستطيع فيها التوصل إلى تفاهمات ووقف الحرب. أتحدث عن اجتماع على مستوى الزعماء. هل يمكن لإسرائيل أن تكون مكاناً لهذا اللقاء، نعم حسب اعتقادي». وأشار الرئيس الأوكراني إلى أن بلده لن يكتفي بضمانات أمنية قد تقدمها إليها روسيا، بل تنتظر ضمانات من دول أخرى أيضاً. تزامن ذلك، مع إعلان حكمت حاجييف مساعد الرئيس الأذري للشؤون الخارجية، أن بلاده «مستعدة لعقد اجتماع بين روسيا وأوكرانيا، لما تتمتع به باكو من خبرة في عقد اجتماعات روسيا والناتو». وقال حاجييف على هامش المنتدى الدبلوماسي في أنطاليا التركية: «كان هناك مثل هذا الاقتراح من الجانب الأوكراني. وفي حالة وجود مثل هذه النية، فنحن مستعدون لاستضافة مثل هذا الاجتماع». وأضاف: «أذربيجان ليست عضواً في الناتو ولا عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وترأس حركة عدم الانحياز، ولديها نوع من حالة عدم الانحياز»، مشيراً إلى أن «هذه الظروف توفر ظروفاً لأن يشعر كلا الجانبين بالراحة حيال هذا الاقتراح، أذربيجان مستعدة لدعم وتقديم مساهمتها». ولم يعلق الكرملين على العرضين، لكنه لفت في بيان إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحث آخر مستجدات الوضع في أوكرانيا مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس.
وذكرت الرئاسة الروسية في بيان، أن الزعيمين الفرنسي والألماني أثارا مسائل متعلقة بالوضع الإنساني في مناطق إجراء العملية العسكرية الروسية، مضيفة أن بوتين بدوره أطلعهما على «واقع الوضع هناك».
في الأثناء، شنت موسكو هجوماً عنيفاً على واشنطن واتهمتها بمحاولة «فرض أجندة خاصة بها على المجتمع الدولي». وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في تعليق على تصريحات الرئيس جو بايدن حول أن «التصعيد الروسي باندلاع حرب عالمية ثالثة»، إن موسكو «لم تتخذ أي خطوات ولم تدلِ بأي تصريحات يمكن تقييمها للتصعيد».
وزاد الدبلوماسي الروسي أن «أرفع مسؤول أميركي يتحدث علناً عن خطر الحرب العالمية الثالثة. يأتي ذلك في محاولة لإثارة الأعصاب وفرض أجندة خاصة بهم على المجتمع الدولي ككل، والأهداف التخريبية لهذا النهج واضحة لنا».
ورأى ريابكوف أن ما يجري حالياً هو «إعلان الغرب حرباً اقتصادية على روسيا»، مرجحاً أن الولايات المتحدة وحلفاءها استخدموا العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا كذريعة لتبني إجراءات عقابية بحق موسكو، وأن هذه العقوبات كانت ستفرض على أي حال تحت ذرائع أخرى لو لم تبدأ روسيا حملتها العسكرية في أوكرانيا. واللافت أن حديث ريابكوف حمل إشارات واضحة إلى الرؤية الروسية للوضع فيما بعد الحرب الأوكرانية، إذ قال الدبلوماسي الروسي المسؤول عن ملف الأمن الاستراتيجي في الوزارة، إن «المطالب الروسية المتعلقة بهندسة الأمن الجماعي في أوروبا لم تعد مطروحة على الطاولة»، مشيراً بذلك إلى تراجع موسكو عن مناقشة ملف الضمانات الأمنية التي كانت تطالب بها سابقاً من حلف شمال الأطلسي. وقال ريابكوف إن على الغرب أن يتعامل مع موازين القوى الجديدة بعد العملية العسكرية، وموسكو «لم تعد بحاجة إلى ضمانات من أي طرف»، لافتاً إلى أن بلاده سوف تواصل برغم ذلك متابعة ملفات مع واشنطن بينها الحد من الأسلحة الاستراتيجية ومسائل انتشار الصواريخ المتوسطة والقصيرة القادرة على حمل رؤوس نووية في أوروبا.
ميدانياً، بدا أمس، أن موسكو صعدت عملياتها العسكرية في محيط العاصمة كييف وعدد من المدن الأخرى المحاصرة. وتم الإعلان عن تكثيف الضربات الصاروخية وضربات المدفعية الثقيلة في محيط كييف، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع في محيط ماريوبول الاستراتيجية في الجنوب. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها أسقطت في أوكرانيا اليوم مروحية من طراز مي - 24 و3 مسيرات بينها واحدة من طراز بيرقدار تركية الصنع. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع إيغور كوناشينكوف إن القوات الروسية وجهت خلال الساعات الـ24 الماضية ضربات مركزة إلى 79 منشأة للبنية التحتية العسكرية في أوكرانيا، بما في ذلك 4 مراكز قيادة وتحكم ومراكز اتصالات، ونظامان للصواريخ المضادة للطائرات، و3 منشآت رادار ومحطة قيادة إلكترونية واحدة، و6 مستودعات للذخيرة والوقود و54 منطقة لتخزين المعدات العسكرية. وزاد أن «إجمالي نتائج العمليات منذ انطلاق العملية الخاصة، هو تدمير 61 طائرة هليكوبتر، و126 طائرة من دون طيار، و1159 دبابة ومركبات قتالية مصفحة أخرى، و118 قاذفة صواريخ متعددة، و436 قطعة مدفعية ميدانية وهاون، و973 وحدة من المركبات العسكرية الخاصة». كما أشار إلى أن «القوات المسلحة الروسية واصلت هجومها على جبهة واسعة، وفرضت سيطرتها على بلدات نوفواندريفاكا وكيريلوفكا، كما وصلت إلى خط نوفومايورسكو - بافلوفكا - نيكولسكو - فلاديميروفا - بلاغوديت، حيث تقدمت اليوم (أمس) لمسافة 12 كيلومتراً».
وقال الناطق العسكري إن «قوات لوغانسك الشعبية سيطرت على بلدات فوغوريا ويوث، وعلى جنوب ووسط بلدة بوباسنايا، فيما واصلت وحدات أخرى التقدم باتجاه ضواحي مدينة سيفرودونيتسك». في الوقت ذاته، أعلن رئيس دونيتسك دينيس بوشيلين، أن قواته حررت 85 بلدة على أراضيها منذ بدء العملية العسكرية الروسية بمنطقة دونباس في 24 فبراير (شباط).


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟