مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر

الدبلوماسي المخضرم عاصر عهوداً من التحولات السياسية والثقافية

مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر
TT

مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر

مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر

منذ التحاقه بمنظمة الشباب العربي الاشتراكي في النصف الثاني من عقد الستينات في عصر عبد الناصر حتى توليه رئاسة مكتبة الإسكندرية حالياً، كان د. مصطفى الفقي شاهد عيان على عصر من التحولات السياسية والاجتماعية، انخرط في بعضها، وعاش بعضها الآخر عن قرب، بالإضافة إلى كونه دبلوماسياً مخضرماً عمل نائباً للقنصل العام المصري في لندن ثم سفيراً لبلاده في فيينا، كما شغل منصب سكرتير الرئيس الأسبق حسني مبارك للمعلومات لسنوات كثيرة. كل ذلك يجعل سيرته الذاتية «الرواية - رحلة الزمان والمكان» الصادرة حديثاً عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة تحظى بأهمية خاصة.
تقع المذكرات في 511 صفحة من القطع الكبير، وتغطي قوساً زمنياً واسعاً لبعض أبرز محطاته ومنها الطفولة وبدايات التكوين، وهوية البلاد وكيف ألقت التحولات السياسية بظلالها السوداء على أبناء الوطن الواحد.
يروي الفقي، ابن مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، كيف أنه «ذات صباح مع بداية العام الدراسي في سبتمبر (أيلول) عام 1956 دخل مدرس اللغة العربية والدين الإسلامي الأستاذ عبد العظيم، الفصل، السنة الثانية من المرحلة الإعدادية، وقال إن هذه حصة الدين وطلب من أشقائنا المسيحيين أن ينتقلوا إلى فصل مجاور مع زملائهم من الفصول الأخرى لتلقي حصة الدين المسيحي أيضاً، فخرج أربعة أو خمسة من زملائنا ثم قال المدرس: جميعكم الآن تدرسون دينكم الإسلامي، فرفع التلميذ رحمين إبراهيم رحمين يده قائلاً: أنا لست مسلماً. فقال له المدرس: لقد خرج زملاؤك المسيحيون، فما ديانتك؟ هل أنت مجوسي؟ رد رحمين: بل أنا يهودي مصري! فأُسقط في يدَي الأستاذ ولم يجد ما يقوله سوى أن يتمتم ببعض عبارات غير واضحة تدل على الحيرة وعدم القدرة على اتخاذ قرار».
كان رحمين زميلهم في الفصل ويحبه زملاؤه كثيراً ويلعبون معه في أثناء الفسحة لعبة الفرسان بالأدوات المدرسية كالمسطرة بدلاً من السيوف، ولم يخطر ببالهم قط مسألة اختلاف الديانة، فلم يكن أحد واعياً بها أو مهتماً بالتعليق عليها. طلب المدرس من رحمين أن يذهب إلى حجرة الناظر وينتظره هناك. عندما انتهت حصة الدين عاد التلميذ إلى الفصل مبتسما وقال إن ناظر المدرسة استمع إلى وجهة نظر المدرس وأنه لا يوجد من يستطيع تدريس الديانة اليهودية فهو الطالب الأوحد في مدرسة دمنهور الإعدادية وعليه فقد تقرر أن يقضي حصة الدين في فناء المدرسة يلهو وحده إلى أن تتمكن المدرسة من تدبير مدرس له يعطيه مقرر الدين اليهودي ويرصد له درجة فيه. ولم تمر أسابيع قليلة حتى وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وتوقفت الدراسة لشهرين تقريبا وحين عادت لم يجدوا رحمين مرة أخرى وعندما استفسروا عنه قيل لهم إنه هو وأسرته رحلوا من البلاد.
ويعلق الفقي على الواقعة قائلاً: «لم ندرك بالطبع وقتها الملابسات والتداعيات المرتبطة بذلك الحدث ولكننا كنا نشعر أننا فقدنا زميلاً عزيزاً يرتبط بنا برباط براءة الطفولة البعيدة تماماً عن الحياة السياسية».
كانت بداية انخراط المؤلف في العمل العام خلال المرحلة الثانوية فقد أصبح مسؤولاً عن اتحاد طلاب محافظة البحيرة بدعم ورعاية من محافظها الراحل وجيه أباظة شخصياً، هذا الرجل الذي يعده مهندس دمنهور الحديثة وصاحب المشروعات الباقية حتى الآن في إقليم البحيرة. لقد كان واحداً من الضباط الأحرار القريبين من عبد الناصر ومع ذلك لم يكن يهتم بحدود الروتين بل كان يمضي في تنفيذ أهدافه بلا تردد.
في ذلك الوقت بدأ مصطفى الفقي يشارك في الأحداث الوطنية في عصر الرئيس عبد الناصر، ففي أثناء انطلاق إحدى المظاهرات الكبرى بسبب الثورة العراقية، طلب أستاذه الراحل الدكتور ثروت بدوي الذي كان يدرّس له القانون الدستوري أن يلقي خطاباً أمام زملائه طلاب الجامعة. وكان معهم زميلة لم يتعرفوا على شخصيتها الحقيقية إلا بعد أسابيع من بدء العام الدراسي وهي هدى جمال عبد الناصر فقد كانت طالبة عادية تأتي إلى الجامعة بلا حراسة تقريباً. وبعد أن ألقى خطابه في ذلك اليوم أمام جموع الطلاب اكتسب شعبية كبيرة.
في تلك المرحلة عرف أيضاً الطريق إلى الصحف القومية ومعايشة كبار الكتاب ومتابعة أعمالهم، ويذكر كيف ذهب آنذاك إلى مؤسسة «الأهرام» في مطلع ستينات القرن الماضي لتوجيه دعوة إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل، رئيس التحرير وأشهر كاتب سياسي عربي، باسم اتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لإلقاء محاضرة وإجراء حوار معه. قابلت الفقي سكرتيرة هيكل السيدة نوال المحلاوي، وأخبرته عن امتناع هيكل عن الحديث في السياسة خارج مقالاته فأخبرها الطالب المتحمس أنه اختار موضوع «أزمة المثقفين» وهو بعيد عن السياسة التي يرفض هيكل الحديث فيها فنظرت إليه في دهشة قائلة: كيف لا تعد أن أزمة المثقفين موضوعاً سياسياً مع أنك طالب علوم سياسية؟

من لندن إلى نيودلهي
ومن خلال موقعه كنائب للقنصل العام المصري في لندن، يروي الفقي شهادته حول الفريق سعد الشاذلي الذي تم تعيينه سفيراً لمصر في لندن، مشيراً إلى أنه كان طبيعياً أن يتم إبعاده عن الساحة بعد أن وضعت مجلتا «الحوادث» العربية و«باري ماتش» الفرنسية صورته على غلافهما بوصفه رئيس أركان الحرب العربية المنتصرة، ما أثار حفيظة الرئيس السادات! وعندما تسلم الفريق الشاذلي عمله في السفارة استقبله الدبلوماسيون فيها بقلق شديد ومخاوف مبررة، فالرجل معروف بصرامته العسكرية وقد لا تكون إدارته لبعثة دبلوماسية كبيرة على النحو المطلوب ولكنهم فوجئوا بـ«عسكري مصري يتحدث بلغة إنجليزية طليقة تفوق في جودتها لغات عشرات السفراء المدنيين، فضلاً عن أن لديه أفكاراً غير تقليدية في العمل وقدرة واضحة في الوصول إلى الهدف». ولعله من أوائل من فطنوا إلى قيمة وزيرة التعليم البريطاني آنذاك مارجريت تاتشر ومستقبلها السياسي المنتظر فدعاها إلى عشاء في بيت مصر بالسفارة في حي «ماي فير». وهو أيضاً الذي دعا في مرة أخرى «أسقف كانتربري» على العشاء في السفارة المصرية ودعا معه كبار الشيوخ من بعثة الأزهر الشريف في المركز الإسلامي بلندن، و«هو تفكير ينمّ عن سعة الأفق والفهم المبكر لقضية الوحدة الوطنية، كما أنه فاجأ الجميع ذات يوم بأن أعلن أن السفارة المصرية سوف تستضيف احتفال كل البعثات الأفريقية في لندن بيوم أفريقيا، وهو الخامس والعشرون من شهر مايو (أيار)». ونجح في ذلك بشكل واضح وحقق لمصر الأفريقية مكانة متميزة في العاصمة البريطانية، حيث حضر إلى السفارة رئيس الوزراء البريطاني ووزير الخارجية والقيادات المرموقة في العاصمة البريطانية كافة وفي مقدمتهم مندوب صاحبة الجلالة وقيادات الكومنولث كلها. لقد كان يوماً شعر فيه الفقي بأن «للرجل رؤية تستحق الإكبار». وهو أيضاً الذي وافق في بداية السبعينات على المشاركة في مواجهة تلفزيونية مع السفير الإسرائيلي في لندن من مكانين مختلفين. ويقول الفقي إن «الشاذلي اكتسح خصمه في المناظرة وأصبح حديث المدينة وبعثاتها الدبلوماسية لعدة أيام بعد ذلك وهو أيضاً العسكري المصري الصلب الذي ألقى محاضرة رائعة في مجلس العموم البريطاني حول إعادة فتح قناة السويس عام 1975 للملاحة وترك أثراً كبيراً لدى مشاهديه ومستمعيه على السواء».
وفي عام 1979 يشد صاحب المذكرات الرحال هو وأسرته الصغيرة المكونة من زوجته وطفلته صوب العاصمة الهندية لكي يتسلم عمله دبلوماسياً في السفارة المصرية بنيودلهي لأربع سنوات «شاهد فيها من العجائب والغرائب والمتناقضات ما يؤكد رؤية الفيلسوف العربي البيروني عندما زارها منذ عدة قرون وخرج بالانطباع ذاته».
الكتاب مليء بالوقائع المشوقة ويتسم بسلاسة السرد وجمال اللغة، لكن صاحب المذكرات لا يقدم هنا سوى ما يمكن تسميته «التاريخ العام» متجنباً التطرق إلى أي شأن شخصي أو خاص مثل وقائع الحب والزواج وعلاقته بالمرأة على سبيل المثال. وأرى أن قيمة أي مذكرات تنبع من مدى اقتراب صاحبها من الجانب المظلم في حياته وقدرته على تعرية جوانب الضعف الإنساني التي مر بها. يبقى أيضاً حرصه على أن تكون المثالية رمانة الميزان الحاكمة لعملية السرد والتذكر، وعدم انتقاص طرف على حساب طرف آخر... وهكذا لم ينسَ د. مصطفى الفقي أنه دبلوماسي!


مقالات ذات صلة

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)
ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.