رغم الهدوء الظاهري... في جنوب غرب أوكرانيا «لا شيء على ما يرام»

أطفال ونساء عند نقطة الجمارك الأوكرانية
أطفال ونساء عند نقطة الجمارك الأوكرانية
TT

رغم الهدوء الظاهري... في جنوب غرب أوكرانيا «لا شيء على ما يرام»

أطفال ونساء عند نقطة الجمارك الأوكرانية
أطفال ونساء عند نقطة الجمارك الأوكرانية

قد يبدو للزائر أن كل شيء على حاله في باريس الصغيرة، مدينة شيرنفستسي، جنوب غربي أوكرانيا، إلا أن من يعبر الحدود الرومانية الأوكرانية أو يتجول مساءً في المدينة الصغيرة، أو يلتقي بأبناء المدينة ومتطوعي «الدفاع الوطني» يعلم أن المدينة لم تعد على حالها، حتى لو شاهدت شاباً يقبل فتاة في الشارع، أو امرأة تنزه كلبها على الطريق العام.
يمكن أن تلحظ تبدلاً في نمط الحياة لحظة صعود الطائرة المتوجهة من أحد مطارات لندن نحو مطار ستشافا (شمال رومانيا على مبعدة 35 كلم من الحدود الأوكرانية)، لم تعد رحلة الطيران المباشرة تنقل عمالاً وموظفين روماناً يعملون في بريطانيا، بل أضيف إليهم عدد من الأوكران، الذين تقطعت بهم السبل نحو وطنهم.
إيفان سوروشان (32 عاماً) هو أحد هؤلاء، أوكراني يعمل ويعيش في لندن منذ 15 عاماً، أحد أبناء المناطق الحدودية المتخمة لرومانيا، ابنته نيسا (13 عاماً) كانت حتى اليوم تعيش في شيرنفستسي، ولكن إيفان قرر إخراجها مؤقتاً نحو إيطاليا إلى أن يستكمل إجراءات لجوئها في بريطانيا.
إلا أن انشغال إيفان بمهمة إنقاذ ابنته لم يمنعه من مد يد العون لصحافي يريد الدخول إلى أوكرانيا، إيفان قطع الحدود التقى ابنته، أصر على تعارف سريع مع الصحافي القادم من بريطانيا وعاد، ساعات قليلة واتصل ليقول إنه في رومانيا ويسأل عما يمكنه أن يقدم كمساعدة لإيجاد مسكن في المدينة الأوكرانية.

في رومانيا نحو الحدود الاوكرانية

إيفان ليس وحده من يعرض المساعدة، رغم غرابة وضع المطار الصغير جداً في شيرنفستسي الرومانية، وشبهه بمحطة باصات صغيرة، فإن موظف الأمن العام الحدودي يسأل إن كان القادم من بريطانيا متأكداً بأنه ليس بحاجة لفيزا، ثم يجيب بصبر عن أسئلة حول الانتقال إلى أوكرانيا وطول المسافة وإمكانية العثور على تاكسي.
الحدود الرومانية
على امتداد 3 كيلومترات قبل الوصول لنقطة الجمارك الحدودية الرومانية امتدت على جانبي الطريق خيم لكل الجمعيات الإغاثية، الشرطي الروماني، الذي يتحدث الإنجليزية بتلقائية يطلب من الجميع الترجل من سياراتهم والصعود في باصات صغيرة لمتطوعين لنقلهم نحو الجمارك الرومانية. المتطوعون من مختلف الجمعيات يعرضون كل أنواع المساعدات العينية للآتين للتو من أوكرانيا، الطعام والشراب الساخن أو الماء، الثياب ومستلزمات الأطفال، على هذا الجانب من الحدود لا يوجد نقص، ثمة من سيتولى مساعدة الآتين، حتى رجال الدين المسيحيون الأرثوذكس نصبوا خيمتهم ووقفوا يعرضون مد يد العون لعابري الحدود.
لن تفهم بالضبط سبب هذا الاستنفار للجمعيات الأهلية خصوصاً أن عدد الموجودين قرب الخيم ممن تبدو عليهم الحاجة لا يتجاوز بضع مئات، وهم يتحركون بالباصات إجمالاً نحو مناطق رومانية قريبة، أو نحو دول أوروبية وصولاً إلى إيطاليا، وسائقو الباصات هنا يعرضون تسعيرة لا تتجاوز ثمن المحروقات لنقل العائلات نحو وجهات متعددة: رومانيا، بولندا، هنغاريا، إيطاليا، أو حتى فرنسا. إذاً لماذا هذا الاستنفار؟
قبل أن نصل إلى الحدود من ناحية أوكرانيا، نقف على نقطة الحدود الأخيرة لرومانيا، الجندي يحتج بشدة: «بريطانيا لم تعد في أوروبا، كيف أدخلوك إلى البلد؟ وكيف تريدني أن أخرجك من رومانيا؟ أنتم لستم أوروبيين». بعد نقاش قصير يقتنع الجندي الحدودي بأن يختم جواز السفر، بينما يتطوع سائق حافلة أوكراني لا يعرف أي كلمة باللغة الإنجليزية بنقل الزائر إلى داخل أوكرانيا. اللغة العالمية للإشارات تحتل حيز التفاهم هنا. ويبعد بشدة اليد الممتدة بالمال رافضاً تقاضي أي مقابل.
ما أن نصل إلى الجانب الأوكراني للحدود حتى يتضح سر استنفار الجمعيات الأهلية على الجانب الروماني، آلاف من اللاجئين الأوكران يصطفون في طوابير راجلة طويلة بانتظار خروجهم من البلاد المنكوبة، النساء والأطفال والعجزة لهم الأولوية، بينما اتخذت الحكومة الأوكرانية قراراً بالتحفظ على إخراج الذكور من عمر 16 وحتى 60 ما عدا حالات خاصة.
آلاف العابرين ينتظرون دورهم ليصبحوا لاجئين، وتنتظرهم الجمعيات على الجانب الآخر بالمساعدة الممكنة، سينتظر كل عابر بما معدله أربع إلى خمس ساعات قبل أن يتمكن من الوصول إلى الجانب الروماني، بينما العربات الآلية قد تنتظر ليومين أو أكثر.

الشارع الرئيسي في المدينة: باريس الصغيرة وممر النازحين نحو رومانيا

لا، للأسف، الأمور ليست على خير ما يرام على الجبهة الغربية الجنوبية إذاً. والمدينة الصغيرة التي كانت هادئة ومتفاخرة بأن مبنى جامعتها على لائحة الأونيسكو للأماكن الأثرية قد أصبحت تغص بالنازحين.
لا غرف ولا إنجليزية
ما أن ترى قادماً جديداً تقول عاملة الاستقبال في الفندق بالإنجليزية: «لا غرف». مهما تحاول الشرح فإن الجواب نفسه، الحجز الإلكتروني لا يعني شيئاً: «هناك آلاف النازحين من كل أوكرانيا، لم يعد لدينا غرف».
ما تشعر به من خيبة لا يقارن بما ستشعر به حين تحاول في فنادق أخرى، حيث لن تجد من يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية، ولكن رجلاً عجوزاً عاش وعمل في أميركا اللاتينية يجيد الإسبانية يحاول القيام بمهمة الترجمة، ويحاول أيضاً أن يخبرك سائق سيارة تاكسي ليدور بك على الفنادق، ثم يساهم مترجم غوغل الآلي في التواصل، وتحار عاملة استقبال في كيفية إفهامك بأن ليس لديها غرف، ولم يساعد هنا لا غوغل ولا ترجمته الفورية، فتخرج قليلاً لتعود برفقة شاب وزوجته، يسألك الشاب عما أتى بك إلى أوكرانيا.
بلى يقول الشاب، نحن نتحدث الإنجليزية ولكن الأغلبية العظمى لم تتح لها إمكانية التعليم الجامعي. ألكسندر كرشوشينكو (32 عاماً) من كييف، أتى ليخرج زوجته نحو رومانيا، ويعود بعدها إلى أي مكان يحتاج لمتطوعين. ألكسندر سيعطيك رقم ألكسندر آخر هو مدير العمليات في الدفاع الوطني في المدينة، وكلاهما صديقان ويعملان في مجال البرمجة والمعلوماتية، وكانا على علاقة عمل مع شركات روسية، ويسافران بانتظام نحو موسكو، إلى أن بدأت الحرب.
ألكسندر، مدير عمليات الدفاع الوطني يدعوك إلى مطعم. تعال وسنتحدث بكل شيء. الطرق بدأت تقفر، الساعة لم تتجاوز الثامنة، نزهة الكلاب بدأت تنتهي هنا في باريس الصغيرة، لا تزال العمارة الجميلة والإضاءة الموزعة في المدينة تشير إلى الجمال والعراقة في هذه الأنحاء من البلاد. خرائط غوغل تقول إن كل المحال مغلقة، بما فيها المكان الذي دعاك إليه ألكسندر. ولكن ألكسندر يصر عبر الهاتف بأن تأتي.
لا ينفع أن تحاول الاسترشاد من المارة عن الطريق، لا أحد يجيد الإنجليزية، حين تعثر على شخص سيسألك بريبة هل تسكن في هذا العنوان؟ وحين يعلم أنه لديك صديقاً هناك يرشدك إلى مدخل لا يبعد أكثر من خطوات، الشاب نفسه من ضمن المتطوعين، وفي المطعم يجلس ألكسندر ومجموعة من الشبان والشابات، وهو متطوعون أكبرهم في الأربعين، يدخنون الشيشة رغم أن التدخين في المطاعم ممنوع، ولكن المطعم مغلق أمام الزبائن، وهو جزء من حياة المتطوعين الجديدة.
نيسا، فتاة عشرينية، تجيد الإنجليزية بطلاقة، تسأل وتسأل، ثم تقول كنا نختبر ما تعلمه عنا، تضحك، ثم تقول نحن في ورطة كبيرة، ولكن لا يمكن أن نخسر.
ألكسندر يقول ثمة مكان لك الليلة، وحين تريد مغادرة المدينة سنساعدك. ولكن لدينا 25 ألف نازح، كثر يغادرون إلا أن غيرهم يستمر بالتدفق. يصل ديما شاب عشريني هو الآخر يملك محلاً تجارياً لبيع أدوات التخييم، تحول إلى ملجأ للنازحين، نيسا تقول هذا هو رجلك. ستبيت الليلة عنده، يستمر الشبان بالحديث، بينما ديما يدعوك لمرافقته.

ديما في متجره السابق - الملجأ الحالي لأكثر من ١٥ نازح ونازحة

شوارع المدينة بدأت تشهد حركة لسيارات الشرطة، حظر التجول سيحل بعد قليل. المحل الذي كان يوماً لأدوات التخييم أصبح يحوي فرشاً إسفنجية وكنبات متهالكة للنوم. تمارا (85 عاماً) وابنها ديمتري وزوجته وابنهما مادي (14 عاماً) أتوا من كييف، الطريق استغرق وقتاً طويلاً لأن ديمتري كان يفضل البقاء قرب العاصمة، عسى أن تتوقف المعارك، ولكن اليوم قرر أن يرحل ابنه وزوجته إلى رومانيا، بينما والدته قررت البقاء معه. «غداً قد ننتقل إلى سكن طلابي جامعي، والدتي وأنا، ولا أعرف ما الذي سأفعله بعدها» يقول ديمتري.
ديما صاحب المحل التجاري سابقاً، والمتطوع في الدفاع الوطني حالياً يترك المقر المستحدث للاجئين دون أن ينسى أن يحضر كل الحاجيات الأساسية للسكان الجدد، الشاي والقهوة والطعام. بينما ديمتري ينشغل بالترجمة لوالدته كيف يمكن أن يأتي شخص من بريطانيا إلى أوكرانيا في حالة الحرب.
توقفه والدته تمارا عن الكلام، تطلق بعض الكلمات، يمكن أن تميز بينها اسم بوتين، وحين تصر على ديمتري للقيام بالترجمة يكتفي بالقول «وصفت بوتين بكلمات سيئة».
العاشرة ليلاً، الكثير من الصور المحيطة تقول إن الحياة هنا ليست هادئة أبداً، سيارات الشرطة تتجول في المدينة، ديمتري يغلق البوابة الحديدية للمحل التجاري السابق والملجأ الحالي، حظر التجول بدأ، لا تدخين في الخارج بعد. أوكرانيا ليست بخير.



اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

رفض كلٌّ من اليابان وأستراليا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب دولاً حليفة والصين إلى إرسال سفن للمساعدة في حماية الصادرات النفطية في المضيق.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن وزير الدفاع، شينجيرو كويزومي، قوله أمام البرلمان، اليوم الاثنين: «في ظل الوضع الحالي في إيران، لا ننوي إطلاق عملية أمنية بحرية».

من ناحيتها، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إن أي عملية أمنية بحرية ستكون «صعبة للغاية من الناحية القانونية».

ويُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالِمة رسمياً، حيث يدعم عدد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب.

وقال تاكايوكي كوباياشي، مسؤول الاستراتيجية السياسية في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه تاكايتشي، الأحد، إن العقبات «كبيرة للغاية» أمام طوكيو لإرسال سفنها الحربية.

من جهتها، صرحت وزيرة النقل الأسترالية، كاثرين كينغ، اليوم، بأن بلادها لن ترسل سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وقالت كينغ، لهيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي»: «لن نرسل سفينة إلى مضيق هرمز. نحن نعلم مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا القيام به وليس شيئاً نسهم فيه».

ودعا ترمب، السبت، دولاً عدة؛ من بينها اليابان، إلى إرسال تعزيزات، بعدما أعلن، في وقت سابق، أن «البحرية» الأميركية ستبدأ «قريباً جداً» مرافقة ناقلات النفط، عبر هذا الممر الحيوي للنفط في الشرق الأوسط.


تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».