«بيروت للكتاب» يعلن «الصمود» و«التحدي»

يُفتتح اليوم رغم غياب دور نشر وازنة

جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
TT

«بيروت للكتاب» يعلن «الصمود» و«التحدي»

جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)

يفتتح اليوم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» أبوابه بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الانقطاع، إذ إن آخر دورة له، وكانت تحمل الرقم (62) تعود إلى نهاية عام 2018، غير أن هذا لم يشفع للمعرض كي يبقى بمنأى عن الخلافات اللبنانية التي باتت تطال حتى الكتب. فقد انقسم الناشرون إلى فئتين: فئة ترى أن بيروت بحاجة لفسحة أمل، ولو متواضعة، وعلى الجميع مواجهة الظروف بما ملكوا من إمكانيات، كي لا تطول فترة الانقطاع أكثر. بينما عدّت دور نشر أخرى أن الوقت غير مناسب ويمكن الانتظار حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل، الموعد الرسمي للمعرض. وهو ما لا يريده «النادي الثقافي العربي»، أي الجهة المنظِّمة التي ترى أن الغياب الطويل ليس في صالح أحد، ولا بأس في معرض الآن، تعويضاً لما فات، على أن تُعقد دورة أخرى في ديسمبر المقبل.
وبالتالي فإن المعرض وللمرة الأولى في تاريخه، سيشهد غياباً لكبريات الدور المعترضة مثل «الآداب»، و«الساقي»، و«العربية للعلوم»، و«الجديد»، و«هاشيت أنطوان»، و«التنوير»، و«الجمل»، و«المدى»، و«سرد»، و«ضفاف». غير أن أحد أصحاب الدور المشاركة عدّ غياب من سماهم بـ«الحيتان» قد يكون في صالح الدور الصغيرة. ويقول د. عبد الحليم حمود، مؤسس «دار زمكان» الصاعدة، التي بدأت عملها منذ ثمانية أشهر فقط، أصدرت خلالها نحو 20 كتاباً، إنها فرصة للدور المبتدئة، لتلتقي مع القراء من دون منافسة كبيرة. ويقول حمود: «نحن من ناحيتنا عندنا 5 حفلات توقيع، وكتب جديدة كثيرة، بينها واحد عن فيروز وآخر عن زياد الرحباني. وكل دار من الدور الزميلة المشاركة عندها من ست إلى عشر حفلات توقيع». وإذا كان الجميع يترقب ليرى نتائج هذه الدورة غير المسبوقة، فإن حمود يعتقد أن «الحسابات الأولية، قد لا توحي بأن المعرض سينجح، بسبب الظروف غير العادية التي يعيشها لبنان». يكمل حمود: «لكن لو فكّرنا بطريقة أخرى، فإن 3 سنوات من الغياب، راكمت خلالها الدور عناوين كثيرة. كما أن مخازن الناشرين معبأة كتباً طُبعت قبل الأزمة، أي بأسعار رخيصة للغاية، يوم كان الدولار بألف وخمسمائة ليرة، ويمكنها أن تبيعها بأسعار مناسبة للجميع. وهذا إيجابي للدور نفسها، التي هي بحاجة لتصريف ما عندها. نحن من جهتنا سنبيع 4 روايات جديدة بسعر 100 ألف ليرة (نحو 5 دولارات) في الوقت الذي تبيع فيه بعض الدور الرواية الواحدة بسعر 200 ألف ليرة (نحو 10 دولارات)».
إذا كانت الجهة المنظمة قد أطلقت على هذه الدورة عنوان «بيروت الصمود... بيروت لا تنكسر»، بسبب كل ما تواجهه من عقبات، فإن صاحب «دار نلسن» سليمان بختي يعده «معرض التحدي» و«الاستكشاف». ويضيف: «ذلك، لأننا ما عدنا نعرف أين نحن من جمهور الناس، من عموم القراء. مضى وقت طويل، تغيّرت خلاله أشياء كثيرة. هذا أمر يقلقني كشخص يُعنى بالشأن الثقافي. هناك نوع من الانسحابات من الميدان، بينما واجبنا أن نخلق مساحات للتلاقي من خلال الكتاب، المسرح، الموسيقى، وغيرها. ليس من المهم أن يشتري الناس هذه المرة، الأهم أن يأتوا، أن يلتقوا، أن يخرجوا من بيوتهم وهمومهم. نحن نريد بعد الانهيار الاقتصادي وانفجار بيروت وكورونا، وكل الكوارث التي حلّت بنا خلال السنتين الفائتتين، أن نرى الناس تلملم نفسها من جديد».
كانت المعارض في السنوات السابقة تقام في «سي سايد آرينا» وسط بيروت، على مساحة 10 آلاف متر مربع، لكن هذ الصالة الضخمة، نُسفت بسبب انفجار المرفأ في 4 أغسطس (آب) 2020، وتم ترميم جانب منها، مساحته 4 آلاف متر سيستقبل كل الدور المشاركة، فيما ثمة وعد بأن الصالة كلها ستكون قد رُمِّمت في نهاية السنة، وحلول الموعد المقبل للمعرض.
جهاد شبارو، صاحب «الدار العربية للعلوم» التي لم تشارك في المعرض، مقتنع بأن الظروف غير مواتية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المبنى غير جاهز بعد، ومواقف السيارات لم ينظم وضعها بعد. وعندما سئل الناشرون عن تنظيم المعرض الآن غالبيتهم لم يوافقوا، كذلك حال النقابة التي لن تشارك. ولم نحب أن نكسر قرارها. قلنا لهم: نحن لا نريد فشلاً. دعوا المعرض يحدث في الوقت المناسب، ونحن على استعداد للمشاركة بأسعار رخيصة».
أما رشا الأمير، صاحبة «دار الجديد» التي لن تشارك هي الأخرى، فكتبت على صفحة الدار على «فيسبوك»: «(دار الجديد) التي شاركت منذ تأسيسها في هذا المعرض، تحتجب هذا العام. آن أوان بعض المصارحة. كتبنا عبر موقعنا بالمجّان. كتبنا عبر (أمازون) لمن يستطيع شراء الكتب بهذه الحلّة المريحة (تكبير وتصغير الخطّ، قاموس مدمج، إمكانيّة تدوين ملاحظات، إلخ). معارض الكتب في عرفنا واجهات ليس إلّا ومنظرة لا تخدم القارئ. القارئ، القارئ بغناء عن بهرج نرجسي لم يعد ضمن أولويّاتنا».
لكن هذا ليس رأي القراء، الذين عبّروا عن سعادتهم عبر صفحاتهم على «فيسبوك»، لرؤية المعرض يعود، كأنه يؤشر إلى فرج قد يَلوح قريباً.
وكانت سلوى السنيورة بعاصيري، رئيسة النادي الثقافي العربي (المنظِّم للحدث) قد رأت أن إقامة المعرض اليوم هو «عملية استنهاض ثقافي لبيروت العاصمة التي تنكسر ولا تنهزم» وردت على مقولة البعض: «إن الظروف لا تسمح»، بأن «الإنسان هو من يوفر الظروف وهو من يفسح المجال للهزيمة أو يقرر التغلب عليها. وإذا كانت عنده الإرادة فحتماً سيقف مجدداً».
ويوافقها الناشر سليمان بختي قائلاً: «يجب ألا نترك الكتاب وحيداً. هذا المعرض لنا، نحن نصلحه، ونحن من نفسده. كنت أتمنى مشاركة الجميع، مع احترامي لرأي المعترضين. نحن سنكون حاضرين، وسنؤمّن التكاليف، ولا نعرف إذا كنا سنعوّضها، فنحن نختبر وضعاً جديداً. لكن إذا لم يحصل المعرض، فثمة نقص. نريد أن نستمر، لأن الثقافة من معالم حياتنا، وكلما كثر عدد المتحدين، كانت المحاولة أجدى، وأشرف».
ثمة مشكلات تواجه المعرض، وهذا لا يخفيه أحد، لكنّ ثمة جهوداً هائلة تُبذل من النادي الثقافي والكثير من الدور التي ترى في احتجاب دور أساسية عن المشاركة موقفاً غير مبرَّر ولا مفهوم خصوصاً أن هذه الدور تشارك في كل المعارض العربية، وجميعها كان يفترض أن تكون في معرضي البحرين والكويت اللذين أُلغيا، بسبب «كورونا».
وسيُحرم معرض بيروت هذه السنة من زيارة طلاب المدارس التي لن تتمكن من المشاركة بنشاطات كما جرت العادة، بسبب ارتفاع تكلفة التنقلات. كما أن عدداً من الناشرين واجهوا صعوبات لتأمين أرفف للعرض بأسعار في متناولهم. كل الترتيبات اللوجيستية، كانت دونها عقبات. وهو بالفعل ما جعل المنظمين يتعاملون مع تحديات لم يسبق لهم أن واجهوا مثيلاً لها.
يشارك الكثير من الفنانين والمثقفين في النشاطات اليومية المصاحبة للمعرض. ففي اليوم الثاني حوار بين الشعر والموسيقى، بمشاركة هبة القواس وزاهي وهبي. وعلى البرنامج أمسية موسيقية بعنوان «على درب الشعر من طرابلس إلى بيروت»، وأمسية طربية لـ«فرقة بيكار بيروت»، ومن المصادفات أن يقام يوم للثقافة الأوكرانية في وقت تملأ فيه أخبار هذا البلد الشاشات، ولا بد أن الجمهور يتمنى أن يعرف الوجه الآخر لبلد تعصف به الحرب. وضمن البرنامج احتفال بمئوية فرج أنطون، بمشاركة كرم الحلوة، وعلي حمية، ومحمود شريح، وصقر أبو فخر، وسليمان بختي، وتقديم ميشال مبارك. كما ستعقد ندوة بعنوان «أمكنة الرواية والارتحال نحوها» يشارك فيها الروائي الجزائري واسيني الأعرج. وثمة جلسة عن «مذكرات انتصار الوزير»، بمشاركة انتصار الوزير وصقر أبو فخر. ويوجه المعرض تحية إلى الناشر رياض نجيب الريس: بمشاركة فواز طرابلسي، ويحيى جابر، ويوسف بزي، وخولة مطر. ونقاش حول كتاب «الوثائق الحقيقية لسلطان باشا الأطرش». إضافةً إلى «بيروت والاستشراق»، بمشاركة نادر سراج، وعماد الدين رائف.
تشارك في هذه الدورة 90 دار نشر لبنانية، ودور مصرية وسورية وعراقية. كما تقام على هامشه 30 فعالية تتوزع بين ندوات ثقافية فكرية وتواقيع لإصدارات جديدة وحفلات موسيقية والكثير من الأنشطة التي ستكون يومياً لبهجة الزائرين.
«معرض بيروت العربي للكتاب»، هو أول معرض شهده العالم العربي، وكان ذلك عام 1956 حين قام «النادي الثقافي العربي» بتنظيمه فِي الجامعة الأميركية فِي بيروت واستمر لِمدة ثلاثة أَيام، وبسبب نجاحه، أصبح سنوياً، وموعداً ثقافياً ينتظره القراء والناشرون. وفيما بعد حمل اسم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، وتستمر الدورة الحالية حتى 13 من الشهر.


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».