نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

«أغنيات جنائزي السرية»... تسلُّط نسائي أشد من الرجالي

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة
TT

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد، من الأم «أمينة» إلى ابنتها «عائشة»، التي أخذها والدها معه في سفره منذ سنوات بعيدة، ولم ترها الأم منذ طفولتها. رسائل أقرب إلى مذكرات، تحكي فيها الأم لابنتها سيرة حياتها، وما عانته من قسوة منذ طفولتها، وسبب تخليها عنها للأب، نافيةً عن نفسها تهمة «الجنون» التي حاصرتها من الجميع. فعلى مدار الرواية لا نسمع صوت الابنة، غير المهتمة برسائل أمها الإلكترونية، لنرى عبر هذه السيرة مواضع الجنون المجتمعي الأعمق.

جسد الرواية، الصادرة في القاهرة عن «دار المحرر للنشر»، هو ذكريات الأم، وآلامها، فهي -عبر رسائل «واتساب»- تحكي لابنتها الغائبة سيرة حياتها، وسيرة مجتمع بأكمله، تحكي لها عن ميتاتها الرمزية منذ طفولتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مروراً بمراهقتها، وزواجها رغماً عنها من رجل يكبرها بعقود، تزوجها لمجرد أنها تشبه عشيقة صباه ومراهقته، التي كانت تربطه بها علاقة جسدية قبل مولد «أمينة» بكثير، هذه العشيقة لم تكن سوى «أم أمينة» نفسها، لكنهما لم يتمكنا من الزواج حينها، فسافر لسنوات طوال، وعندما عاد كانت حبيبته القديمة قد تزوجت وأنجبت، فاستغل ثروته ونفوذه وتزوج الابنة، فكانت «أمينة» مجرد دوبلير لأمها، يُسقط عليها غضبه وانتقامه.

برهافة شديدة، ولغة موجعة وحادة، تقدم الرواية مسارات وخطوط درامية كثيرة ومتشابكة، تحكيها البطلة الساردة «أمينة»، مفكِّكةً كثيراً من بنية الواقع الاجتماعي المسكوت عنه، يتضافر فيها الاجتماعي بالسياسي بالأخلاقي بالديني، وتعرِّي بجرأة فنية البنية الاجتماعية، وسيكولوجية الفقر، ودوامات القهر التي تبتلع الجميع، فضلاً عن التواطؤ الجمعي الذي يسمح بزواج فتاة من حبيب أمها القديم، وبتواطؤ الجميع، رغم علمهم بالماضي وبنيّات الزوج، تحت قاعدة أن «الحرام لا يحرّم حلالاً».

على عكس الشائع، لا تأتي الذكورية والتسلط على المرأة من جانب الرجال، رغم حضور هذا التسلط، لكن الرواية تكشف عن تسلط أكثر ضراوة تمارسه النساء على البطلة، خصوصاً الجدَّات، المتحكمات في مصائر الأبناء والأحفاد، فالجدة تقمع بناتها الست وابنها، والد البطلة، الذي يبدو ظلاً باهتاً وضعيفاً أمام أمه، المتحكمة في كل شيء، في تمثل واضح واستعادة للماترياكية. هذا التحكم ذاته، مارسته أيضاً جدة «دهيبة»، صديقة «أمينة» الوحيدة والمقربة، والأكثر جرأة وتمرداً، فقد كان الإيذاء الجسدي والنفسي الذي مارسته هذه الجدة الأخرى على حفيدتها أكثر قسوةً وإيذاءً جسدياً، من اعتداء عمها المدمن «عزيز» عليها جسدياً، في حين بدا الأب أيضاً غائباً، وبلا حضور حقيقي.

تقطع الساردة أحياناً مجرى السرد، مقدمةً لمحات تحليلية رشيقة لسلوكيات أبطال عالمها، وفق منطق كتابة المذكرات أو الرسائل، فتقول مفسرةً سبب قسوة وتسلط النساء بعضهن على بعض: «لا أحد يتعاطف مع النساء، حتى النساء، كأنهن لا يُردن لدائرة الألم أن تتوقف، حتى لا يشعرن بسوء أقدارهن. في المعاناة الجماعية مواساة، وفي النجاة الفردية خيانة».

تكشف الرواية عن غياب الأب في مجتمعات الفقر، وانتقال السلطة داخل البيوت إلى كبرى نساء العائلة. في طفولتها كانت «أمينة» تتخيل أن والدها يمكن أن تنبت له أجنحة ويطير؛ إنها صورة السوبر مان المتخيَّلة في ذهن كل فتاة عن أبيها، لكن رويداً رويداً ينكشف ضعفه وانسحاقه أمام أمه، وأمام رئيسه في العمل، وزوجته، وابنته، وأمام العالم أجمع، وينتهي به الأمر إلى أن تراه في مشهد استثنائي، وذكي في غرائبيته، تراه وقد تقزَّم وتضاءل، بشكل مدهش في تصويره جمالياً، تقول: «في تلك اللحظة ذاب أبي المتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بلية صغيرة ملونة بالأزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة، ثم قفز على درجات السلم. طار للأعلى قليلاً».

إلى جانب حيوات البطلتين، «أمينة» وصديقتها «دهيبة»، ومعاناة كل منهما مع عائلتها، تقدم الرواية تمثيلاً للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، فتبدو هذه الأوضاع حاضرة في خلفية المشهد دائماً، تؤثر بشكل واضح ومحسوس في حياة الشخوص. كما ترسم صورة سردية لطبيعة الحياة في المناطق الشعبية وشبه العشوائية، في مناطق على أطراف القاهرة، حيث يقيم النازحون إلى العاصمة من المحافظات البعيدة، كحال أسرة «دهيبة» التي تنحدر من أصول نوبية. ويأتي النازحون بنسقهم القيمي الريفي، ويغرسونه في قلب المدينة، مع تسييد العادات والتقاليد الريفية، على المكان الذي يُفترض به أن يكون فضاءً للانفتاح والتحرر.

تمزج البطلة الساردة، التي كانت مولعة في صباها بالرسم والفنون عامة، بين سيرتها وبين أغنيات شهيرة في حقب مختلفة، إذ تبدأ كل فصل بمقطع من أغنية. هذه الأغنيات التي أصبحت تستدعيها بعد ذلك في أثناء علاجها النفسي، وتخبر طبيبها بأن كل أغنية منها كانت مرافقة لإحدى ميتاتها السابقة، ميتاتها الرمزية. إضافةً إلى الأغنيات، ثمة حضور قوي للأفلام، وهناك ثلاثة أفلام يبدو حضورها لافتاً: «آيس كريم في جليم» أول فيلم شاهدته في السينما مع صديقتها «دهيبة»، بعد أن هربتا يومها من المدرسة، تحدياً لتصور الجدَّات عن البنت التي تذهب للسينما. والثاني «أحلام هند وكاميليا» فكان بمنزلة حلم لها، تريد أن تتمثله وتهرب مع «دهيبة» وتعيشان معاً، ومعهما «عائشة» ابنتها بعد ذلك. والثالث «موعد على العشاء»، فكانت تتمنى أن تنتقم من زوجها، مثلما فعلت البطلة سعاد حسني مع زوجها.

الفن والغناء والصحبة كانت عالم «أمينة»، لكن زواجها عنوةً من رجل ينتمي إلى الإسلام السياسي، وتخليها عن ابنتها له، حيث أصبحت تراها فقط على الشاشة، وهي تقدم برنامجاً عبر قناة دينية يمتلكها والدها وجماعته، إبان صعود «الإخوان» عقب «يناير 2011»، فتراها وهي تطعن في عقيدة ودين كل المختلفين معها... تحزن الأم مرتين؛ الأولى على ضياع حياتها، وتعامل المحيطين معها بوصفها «مجنونة»، والثانية لما آل إليه حال ابنتها. فقد تشوهتا، مثلما تشوه جميع أبطال هذا العالم الروائي، وتحولوا إلى مسوخ: «العنف يا عائشة هو ما يخلق شخصيات مشوهة وخاضعة ومرتعدة، لا تملك حق الرفض أبداً».


مقالات ذات صلة

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي
TT

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

همنغواي
همنغواي

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانباً بالغ الأهمية في تكوينها الثقافي، فهذه البلاد التي مارست نفوذاً عسكرياً وسياسياً هائلاً، وأنتجت رأسمالية جارفة، وأعادت تشكيل الخيال البصري العالمي عبر السينما والمنصات الافتراضية، أتاحت كذلك ولادة أدب شديد الثراء، دخل في صميم التراث الأنغلوفوني، وفرض أسماءه على الذاكرة الإنسانية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة يدخل في باب الإنصاف الثقافي؛ إذ يستطيع المرء أن يقرأ أميركا بعين ناقدة، وأن يرى في الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالماً أدبياً واسعاً، قادراً على مساءلة السلطة، وكشف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله.

نشأ الأدب الأميركي من توتر تناقضيّ بين الأرض والفكرة. فالقارة، منذ بواكير تشكلها الحديث، حملت وعداً بالحرية، وخطاباً عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاءً مفتوحاً للمغامرة ونظاماً قاسياً للتوسع والسيطرة. ومن هذه المفارقات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضادٍ حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمال، والهامش والمركز، واللغة اليومية والبلاغة الموروثة من أوروبا. لذلك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول.

والت ويتمان

في البدايات، كان صوت فيليس ويتلي، الشاعرة السوداء التي نشرت ديوانها خلال القرن الثامن عشر، إشارةً مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مستعبدة تكتب شعراً كلاسيكياً رفيعاً داخل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيراً من مأساة التجربة الأميركية.

في القرن التاسع عشر، بدأ الأدب الأميركي يقطع صلته التابعة بالذائقة البريطانية شيئاً فشيئاً، وراح يصوغ خياله الخاص عبر الطبيعة، والبحر، والغابة، والمدينة، والحدود المفتوحة. عند ناثانيال هوثورن، في «الحرف القرمزي»، ظهرت أميركا البيوريتانية كذاكرة ذنب وعقاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مبدع «موبي ديك»، صار البحر مسرحاً ميتافيزيقياً للصراع بين الإنسان والقدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت ملحمةً عن العمى السلطوي وشهوة السيطرة على المجهول.

ثم جاء والت ويتمان ليمنح الشعر الأميركي جسداً واسعاً كالقارة. في «أوراق العشب»، خرجت القصيدة من القوالب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والعمال، والبحارة، والعشاق، والغرباء، وفتحت ضمير المتكلم على جماعة بشرية كاملة. كان ويتمان ينحت قصائد تشبه الديمقراطية في اندفاعها وتعددها واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخرى، صنعت إميلي ديكنسون ثورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونص مزروع بشرطات فاصلة تقطع الإيقاع وتفتح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كان ويتمان قد كتب أميركا بصيغة الامتداد، فإن ديكنسون كتبتها في صيغة الوميض الداخلي، وكشفت عن أن الشعر يستطيع أن يبلغ الكون من نافذة ضيقة.

توني موريسون

مع مارك توين، وصل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازياً وجغرافياً. «مغامرات هكلبيري فين» ليست مجرد حكاية فتى يهرب على طوف في نهر المسيسيبي، إنها مواجهة ساخرة مع العبودية، والنفاق الديني، والعنف الاجتماعي، كما اللغة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخل العامية واللهجات والضحك الخشن إلى قلب الأدب، وجعل النهر طريقاً لقراءة مجتمع كامل. من بعده، أعاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبا، وبين البراءة والقِدم، وبين المال والذوق، كما في «صورة سيدة»، التي جعلت من الرواية مختبراً للوعي الأخلاقي والنفسي.

عند مطلع القرن العشرين، جاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جاك لندن في «نداء البرية» كتب عن الكائن حين تعيد الطبيعة القاسية تشكيله، وثيودور درايزر في «أخت كاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلة تصنع الرغبة ثم تسحق أصحابها. ومع إديث وارتون، خصوصاً «عصر البراءة»، دخلت الطبقة الراقية الأميركية غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاماً رفيع المظهر، قاسياً في الجوهر.

انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولى. كان إرنست همنغواي، في «الشمس تشرق أيضاً» و«وداعاً للسلاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جرحاً عميقاً، ويمارس أسلوباً يقوم على الإيحاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعاناً للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مال، عشق مستحيل، ورجل يبني حياته حول صورة زائفة عن الخلاص. جنوباً، خلق وليم فوكنر عالماً روائياً كثيفاً في «الصخب والعنف» و«أبشالوم، أبشالوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنةً عائلية، وتصبح اللغة نفسها متاهةً تحمل عبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي.

ملفيل

وفي الفترة ذاتها، نشأت نهضة هارلم، واحدة من أخصب لحظات الأدب الأميركي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمدينة السوداء التي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتاً سردياً نابضاً باللهجة والحكاية والرغبة. كلود مكاي وكونتي كالن وريتشارد رايت لاحقاً، في «ابن أصلي» جعلوا الأدب ساحة صدام مباشر مع العنصرية البنيوية، ومع ذلك لم يحولوا النص بياناً سياسياً أجوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت الخريطة أكثر. جون شتاينبك في «عناقيد الغضب» كتب ملحمة الفلاحين المطرودين من أرضهم تحت وطأة الكساد والرأسمال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بلاث وألن غينسبرغ وجاك كيرواك فتحوا مسارات جديدة للقلق الأميركي. إليسون في «الرجل الخفي» قدم واحدة من أعظم روايات القرن العشرين عن المحو الاجتماعي والسياسي للإنسان الأسود. غينسبرغ في «عواء» أطلق صرخة ضد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بلاث في «آرييل» و«الناقوس الزجاجي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة.

ثم جاءت توني موريسون لتعيد كتابة الذاكرة الأميركية من قلب الجرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كبرى مع العبودية بوصفها أثراً حياً يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لم تكتب التاريخ كوقائع منتهية، بل كطاقة تطارد الأحياء، وتطالبهم باعتراف أخلاقي وجمالي. ومع جيمس بالدوين في «اذهب وقلها فوق الجبل» ومقالاته النارية، صار الأدب الأميركي مرآة لأسئلة العِرق والدين والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية.

مارك توين

العقود الأخيرة شهدت اتساع أميركا الأدبية عبر تعدد أصوات النساء، والمهاجرين، والسكان الأصليين، واللاتينيين، والآسيويين. ساندرا سيسنيروس في «البيت في شارع مانغو» كتبت عن فتاة تشيكانية تسكن شيكاغو بلغة مقطعية شفافة، تجمع الشعر بالسرد، والفقر بالحلم، والبيت بالتوق للخروج. جوي هارجو، في «شروق أميركي»، أعادت وصل الشعر بتاريخ السكان الأصليين والأرض المسلوبة. ماكسين هونغ كينغستون في «المرأة المحاربة»، وجومبا لاهيري في «مترجم الأوجاع»، وأوشن فونغ في «على الأرض نحن رائعون لوهلة»، كتبوا أميركا بوصفها تعدداً لغوياً، ووعاءً لتقاطع الذاكرات، ومكاناً تتجاور فيه الهجرة مع الفقد، والانتماء مع التشظي.

هكذا يبدو الأدب الأميركي، بأفضل نماذجه، اعترافاً دائماً بأن البلاد التي صنعت القوة صنعت أيضاً نقد القوة، والمجتمع الذي أنتج الأسطورة أنتج كذلك مَن مزقها فنياً. قيمته العميقة تأتي من هذا التوتر: أميركا بوصفها إمبراطورية - تجارياً وعسكرياً وإعلامياً -، وأميركا بوصفها ورشة أدبية هائلة كتب فيها الشعراء والروائيون عن العبودية، والطبيعة، والمدينة، والجسد، والمنفى، والمال، والعنصرية، والحرب، والوحدة، والبحث المضني عن معنى. هذا الأدب يستحق القراءة لأنه يضع تلك البلاد أمام نفسها، ويجعل من اللغة محكمة خفية، ومن الرواية والقصيدة سجلاً للإنسان حين يحاول فهم عالم شديد الاتساع ومطلق القسوة.


إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية
TT

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية

في كتابه الجديد، «التنظيم المصرفي في المملكة العربية السعودية... الهيكل المصرفي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمؤرخ الاقتصادي الدكتور إبراهيم الناصر، للتعريف بالنظام المصرفي السعودي وآفاق التطور التي تنتظره. ويرى المؤلف أن وجود نظام مصرفي يتمتع بالقوة والموثوقية يمثل العصب الرئيسي والقلب النابض لأي اقتصاد حديث؛ فالبنوك والمؤسسات المالية ليست مجرد أماكن لحفظ الأموال، بل هي المحرك الأساسي الذي يوجه السيولة، ويدعم النمو، ويضمن استقرار الدولة مالياً واجتماعياً.

وفي هذا الكتاب، أنجز الباحث ما يمكن أن يعد موسوعة شاملة عن البنوك ودورها في الاقتصاد المحلي السعودي، مستعرضاً تاريخها والصعوبات التي واجهتها منذ إنشائها، مروراً بمراحل تطورها، والعمليات المصرفية وأنظمتها، وتطور تشريعاتها.

وأكد الباحث أنه بالعودة إلى التنظيمات السعودية، وأحياناً إلى التنظيمات الأجنبية وخاصة الفرنسية، فقد سعى إلى تقديم عمل تكميلي يحاول سد الفجوات التي أظهرتها بعض القوانين مقارنة بغيرها. ويضيف: «إلا أن المهم بالنسبة لنا ليس التوقف عند التحليل، بل علينا أن نعي هذه المشكلة حتى نستطيع بناء نظام يستجيب لتطلعات الشعب السعودي وواقع المملكة».

ويرى الدكتور إبراهيم الناصر أنه إذا كان على نظام مراقبة البنوك أن يستجيب للضوابط العالمية، وأن تخضع جميع الدول للشروط نفسها التي تحتمها التجارة الدولية، فمن الضروري أيضاً التحقق من مدى تبعية النظام المصرفي في السعودية للنظام المصرفي الغربي. وزاد بالقول: «ولما كانت غايات النظام المصرفي تتناول ضرورة حماية الادخار وإدارة الائتمان، وبقدر عمومية هذه الغايات وتواجدها في أغلب الأنظمة الأجنبية التي وصلت إلى درجة من النضج تجعل النظام إلزامياً، ولما كان المشرع السعودي قد رأى أن تنظيم القطاع المصرفي أصبح حتمياً بسبب نموه، فقد كان من الطبيعي اللجوء إلى الحلول المتعلقة بهذه الغايات في الأنظمة الأجنبية الرئيسية، والاستفادة من تجاربها الإيجابية والسلبية، واختيار المزايا التي كرستها التجربة العملية».

وأشار الناصر إلى أن حتمية وجود حد أدنى لرأس المال، وشروط السلوك الحسن، والالتزامات المحاسبية، ومعدلات الملاءة والسيولة المختلفة، وانفصال النشاط المصرفي عن الأنشطة الأجنبية ومهنة الصرافة، وحظر المشاركات، ونظام الاحتياطي، كلها تشكل السمات الأساسية للنظام المصرفي السعودي. ونبّه إلى أن استعارة النظام من النماذج الأجنبية لم تكن كاملة؛ بل أخذ في الاعتبار متطلبات ومعطيات الظروف المحلية، واكتسب سمات أصيلة وخاصة لا تصادفها في النظم الأجنبية، كما هي الحال في خاصية إدارة المهنة المصرفية التي يميزها تمركز السلطات المالية والمصرفية تحت تصرف البنك المركزي السعودي (مؤسسة النقد آنذاك).

واعتبر الدكتور الناصر أنه لا يمكن إنكار عمومية الامتيازات الممنوحة للبنك المركزي، ولكن بقدر ملكية الدولة لمثل هذه السلطات السيادية - بمعزل عن أي تشريع - تستطيع الدولة في أي وقت إصدار تنظيمات تراها لازمة لضبط النظام المصرفي. وبيّن أن إحالة هذه السلطات إلى البنك المركزي لا تشكل في الواقع إلا ضماناً موضوعياً ومحايداً تقدمه الدولة ضد أي تدخل للعوامل السياسية أو الشخصية في إعداد التنظيم المصرفي. كما أن وجود هذه السلطات ضمن امتيازات الدولة لا ينبغي أن يُفسر على أنه يتضمن أي مساس بحرية البنوك حتى في ظل نظام الحرية المطلقة.

وبالنسبة للإدارة المصرفية، يرى الباحث أن بعض القواعد المطبقة ليست إلا ترجمة لقواعد الإدارة السليمة المنبثقة من التجربة، التي تمارسها بصفة عامة جميع البنوك الجادة. وبما أنها تمثل الحد الأدنى المطلوب، وتترجم الرقابة الكمية، فإن هذه القواعد لا تعوق حسن سير النشاط المصرفي، وإنما تشكل فقط الإطار الذي يمارس فيه هذا النشاط بحرية. وقد تحاشى المشرع السعودي - بصفة خاصة - إنشاء رقابة نوعية على النشاط المصرفي أو التدخل المباشر في العمليات المصرفية ذاتها عبر النص على طرق معينة لاستخدام الموارد، أو تنظيم الاشتراطات اللازمة لعمليات الائتمان تنظيماً صارماً؛ ولذلك فإن مبادرة المصرفيين ووعيهم الشخصي مصانان تماماً ويمكن ممارستهما بفائدة كبيرة في إطار التنظيم المصرفي.

وشدد الناصر على أن وجود نظام مصرفي بات اليوم ضرورة معترفاً بها، معتبراً أن التنظيم يهدف إلى إيجاد رقابة فاعلة على النشاط المصرفي، وإخضاع البنوك للسياسة الائتمانية وضمان أمن المودعين، حيث كانت سيولة وملاءة المؤسسات من الاهتمامات الرئيسية لتحويل النقود المصرفية إلى عملة قانونية. وأشار إلى أن الرقابة على البنوك التي أقرها المشرع السعودي لا تهدف فقط إلى حماية الودائع، بل إلى تنشيط القطاع أيضاً عبر تشجيع الادخار الخاص وتعزيز ثقة المدخرين بالبنوك بشكل أوسع. ولفت الباحث إلى أن بعض مخاوف الجمهور التاريخية من النظام المصرفي لم تكن نابعة من انعدام الثقة في قدرة وحكمة المصارف، بل أرجأها إلى تأثير الأحكام والتحفظات الدينية التي كانت مسيطرة على الأهالي آنذاك.

وعلى الصعيد الإداري، أكد الباحث أن حسن إدارة البنك يعود قبل كل شيء إلى القيمة البشرية؛ أي الأشخاص المكلفين بإدارته من أعضاء مجلس إدارة ومديرين وعاملين على مختلف مستوياتهم. ويبدو أن ذلك شكل أحد أهم الصعوبات التي واجهتها المملكة تاريخياً، وخصوصاً بعد مرحلة «سعودة» البنوك الأجنبية، مؤكداً ضرورة تعيين كادر من العناصر الوطنية المؤهلة وعالية المستوى. منوّهاً بأن أحد أهم أغراض تأسيس «البنك السعودي العالمي المحدود» كان تدريب أكبر عدد ممكن من الفنيين السعوديين في مختلف مجالات النشاط المصرفي الدولي، لتمكين هؤلاء المواطنين الأكفاء من الوصول إلى مراكز المسؤولية، وتولي إدارة الشؤون المصرفية في نهاية المطاف.


«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي
TT

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

«شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي

صدر مؤخراً كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في 254 صفحة في القطع المتوسط، ويقدّم رحلة معرفية في تاريخ حضرموت وإرثها الحضاري والإنساني.

يتناول الكتاب صفحات من تاريخ حضرموت وأسباب تسميتها بهذا الاسم، والأهمية الجغرافية لحضرموت، مع استعراض لحدودها ومُناخها وأهم مُدنها والأنشطة الرئيسية لسكانها، كما يتناول قصة دخول الإسلام حضرموت، والصفات التي يتسم بها الحضارمة، ثم يعرج على سرد تاريخ هجرة الحضارم إلى أنحاء العالم، حيث امتدّت الهجرات الحضرمية إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركتين، وأسهم أبناؤها في التجارة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي، تاركين بصماتٍ واضحة في المجتمعات التي استقرّوا فيها. ويعرض الكتاب تجربة الحضارمة في المهجر بوصفها تجربة إنسانية قائمة على التسامح والاعتدال والأمانة وطلب العلم، وقد أسهمت هذه القيم في بناء صورة إيجابية للحضرمي في المجتمعات المختلفة.

كما يقدّم الكتاب استعراضاً موجزاً للصراعات التي وقعت للسيطرة على حضرموت، ودور بريطانيا في فرض السلام بين الدويلات والقبائل المتنازعة.

ويخصص المؤلف الباب الثاني للحديث عن «وادي دوعن»؛ أشهر الأودية في حضرموت، ويقع في الجزء الغربي من المحافظة شرق اليمن، ويشتهر بطبيعته الخلابة، وقراه التاريخية المبنية من الطين.

يستفتح المؤلف حديثه عن هذا الوادي بمقولة للرحّالة الهولندي دانيال فاندر ميولين في كتابه «حضرموت - إزاحة النقاب عن بعض غموضها»، عندما زار الوادي في عام 1931 مستعرضاً صورة للمكان، قائلاً: «يقع وادي دوعن بين ضفتيْ صخوره العالية منغلقاً في أمان عن العالم، مثل قطعة غير حقيقية من جِنان منسية تنتظر يوم البعث. هذه هي جائزة المسافرين المُرهَقين من السفر في الصحراء. غمرتنا الفرحة ووقفنا على حافة أرضنا الموعودة يغمرنا الإعجاب. وما تجرّأنا ولا كان باستطاعتنا أن نتخيلها بهذا الجمال، هذه ليست بعدُ حضرموت الداخل، وإن كانت في الحقيقة بوابتها الخارجية. وقفنا على شفا الهاوية، وبدأنا نُدير آلات التصوير في صمت. ورغم الحرارة فلم نستطع أن ننتزع أنفسنا من السحر الذي خلبَنا به هذا الوادي الزاخر بالخصوبة والجمال، وسط صحراء قاحلة لا متناهية من الصخر والحجارة».

وعبد اللطيف سعيد محمد العمودي من الشخصيات التجارية والاقتصادية، وسبق أن قدم عدداً من المؤلفات مختصة بالإدارة والقيادة والمبيعات والتسويق؛ من بينها: «أساسيات البيع ومبادئ النجاح»، و«استراتيجيات تسويقية»، و«المدير التنفيذي الناجح»، و«قيادة الشركات العائلية»، و«القيادة الإدارية»، و«القيادة الأخلاقية»، و«كيف تصنع وتسوق العلامة التجارية»، و«فيروس الشركات العائلية والتخارج السليم».