المعارضة السورية تصد محاولة لاستعادة جسر الشغور

اندلاع معارك عنيفة في ريف محافظة اللاذقية > «الحر»: هدفنا الأول إسقاط أريحا لقطع الإمدادات العسكرية إلى حلب

رجل يحمل صبيًا وسط الدمار بعد قصف طيران النظام السوري أحد أحياء مدينة حلب أمس (رويترز)
رجل يحمل صبيًا وسط الدمار بعد قصف طيران النظام السوري أحد أحياء مدينة حلب أمس (رويترز)
TT

المعارضة السورية تصد محاولة لاستعادة جسر الشغور

رجل يحمل صبيًا وسط الدمار بعد قصف طيران النظام السوري أحد أحياء مدينة حلب أمس (رويترز)
رجل يحمل صبيًا وسط الدمار بعد قصف طيران النظام السوري أحد أحياء مدينة حلب أمس (رويترز)

أعلنت الفصائل السورية المعارضة أمس أنها نجحت في صدّ هجوم للقوات النظامية في ريف محافظة اللاذقية كان يهدف إلى تحصين مواقعها واستعادة المناطق التي سيطرت عليها المعارضة في محافظة إدلب. ولقد اندلعت معارك عنيفة يوم أمس بين الطرفين في مناطق قريبة نسبيًا من بلدة القرداحة، مسقط رأس عائلة الرئيس السوري بشار الأسد، أدت إلى سقوط قتلى في صفوفهما.
مواقع معارضة أفادت بأن الفصائل المسلحة المشكِّلة لـ«جيش الفتح» سيطرت على معبر معرطبعي، شرق مدينة أريحا الاستراتيجية في ريف إدلب، في الوقت الذي أعلن فيه عن تقدم للمعارضة في ريف اللاذقية. وبينما أشارت معلومات إلى أنّه من شأن هذه المعركة تمهيد الطريق أمام المعارضة إلى اللاذقية، قال مصدر قيادي في الجيش الحر، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ النظام يهدف من هجومه إلى استعادة جسر الشغور، ولكن هدف المعارضة الأول من المعركة هو السيطرة على منطقة أريحا حيث تدور المعارك بشكل أساسي، ولا سيما الجسر المهم الموجود فيها، ومن ثم إسقاط حلب.
وأوضح المصدر أنّ النظام يعتمد على هذا الجسر لنقل إمداداته العسكرية من ميناء اللاذقية إلى حلب، وذلك بعدما كانت المعارضة سيطرت على جسر الشغور، وهو الأمر الذي انعكس كذلك سلبا على طريق إرسالها ولم يعد يعتمد في هذا الأمر إلا على طرق في الأراضي الزراعية. وأشار إلى أن السيطرة على مدينة أريحا سيسهّل مهمة تحرير حلب. وللعلم، تعدّ أريحا آخر معقل للنظام في محافظة إدلب ككل، بالإضافة إلى أنها تتحكّم بالطريق الرئيسي بين اللاذقية - وهي الميناء الرئيسي في سوريا - وحلب.
من جهة ثانية، أوضح المصدر المعارض نفسه «أنّ النظام يحاول استعادة مدينة جسر الشغور باعتماده على سياسة الأرض المحروقة، لكنه أضعف من أن يحقق ذلك، بينما سيعني نجاحنا في السيطرة على أريحا قطع الطريق نهائيا أمام هذه الإمدادات». وأردف أن «معنويات الجيش منهارة والاتصالات التي سُرّبت للعقيد سهيل الحسن خير دليل على ذلك، لا سيما أن قوات النظام تقاتل بمفردها في هذه المنطقة حيث لا وجود فيها لحزب الله أو غيره من الميليشيات، على اعتبار أنها كانت منطقة آمنة وخارجة عن خريطة المعارك». واستطرد: «ثم إنّ المعلومات التي تشير إلى أن هناك نحو 1500 مفقود من العلويين أدت إلى حالة من الرعب والقلق في صفوف الأهالي والعسكريين على حد سواء». وكانت قد سُرّبت مكالمة هاتفية قبل أيام قليلة بين العقيد الحسن، قائد قوات الجيش السوري في الجبهة، والأسد، أكد خلالها الحسن أن أكثر من 800 مقاتل سوري انسحبوا من المعارك الدائرة بينهم وبين المعارضة السورية.
ويوم أمس، ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» نقلا عن مصدر في الجيش، أن طائرات مقاتلة قصفت مخابئ للمتمردين في ريف محافظة اللاذقية الشمالي وادّعت أن العشرات سقطوا بين قتيل وجريح. ومعلوم أن اللاذقية تعتبر إلى جانب العاصمة دمشق من أهم المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام.
في هذه الأثناء، أوضح رامي عبد الرحمن مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» لوكالة الصحافة الفرنسية أن الاشتباكات بين الطرفين اندلعت بعد منتصف ليل الجمعة في محيط قمة النبي يونس الاستراتيجية، التي هي النقطة العليا في محافظة اللاذقية، وتقع على الحدود الإدارية بين محافظات إدلب (شمال غرب) وحماه (وسط) واللاذقية (غرب). وشرح أن «قوات النظام تحاول التقدّم في محيط قمة النبي يونس في شمال شرق اللاذقية لتحصينها باعتبارها نقطة استراتيجية للتقدم باتجاه سهل الغاب شرقًا ومدينة جسر الشغور شمالاً». ووفق «المرصد» قتل خمسة على الأقل من عناصر المعارضة وعدد غير معروف من الجانب الموالي للحكومة.
وفي هذا السياق، كان مقاتلو المعارضة قد سعوا في السابق إلى نقل معركتهم التي بدأت قبل أربع سنوات إلى مقربة من المناطق الساحلية في اللاذقية التي تسيطر عليها قوات الحكومة وتعتبر معقل الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد. وأكد مصدر من «حركة أحرار الشام» الإسلامية المعارضة أن القتال في اللاذقية يدور في جبهات جبل الأكراد، وتحديدًا بالقرب من أعلى القمم الجبلية في سوريا ومن بينها قمة النبي يونس التي تطل على قرى علوية وبلدة القرداحة. وتابع: «الاستيلاء على القمم الجبلية سيجعل القرى العلوية في مرمى نيراننا».
وفي المقابل، شدد مدير «المرصد» على أن غاية جيش النظام الآن تأمين الوادي والقمم الجبلية لكي يتقدم مجددًا نحو جسر الشغور التي سيطر عليها مقاتلو المعارضة قبل أسبوع. وجاءت خسارة النظام سيطرته على مدينة جسر الشغور بعد أقل من شهر على خسارته السيطرة على مدينة إدلب مركز المحافظة. وحاليًا يقتصر وجود كتائب المعارضة في محافظة اللاذقية ذات الغالبية العلوية على المناطق الواقعة في غرب قمة النبي يونس وشمال غربيها. وبناء عليه، في حال تمكنت كتائب المعارضة من السيطرة على القمة سيصبح طريقها مفتوحا إلى الساحل، وفق عبد الرحمن.
ويذكر أنه اندلعت معركة شرسة بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام في المنطقة ذاتها أواخر أبريل (نيسان) 2013 انتهت باستيلاء قوات النظام على قمة النبي يونس.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.