يوم التأسيس: المؤرخ راشد بن عساكر لـ«الشرق الأوسط»: البعد الديني في قيام الدولة السعودية الأولى مبالَغ فيه

أزال الغموض الذي اكتنف تأسيسها

صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917
صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917
TT

يوم التأسيس: المؤرخ راشد بن عساكر لـ«الشرق الأوسط»: البعد الديني في قيام الدولة السعودية الأولى مبالَغ فيه

صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917
صورة تاريخية لوادي حنيفة عام 1917

من يقرأ ما تم تدوينه في بعض الكتب التي أرّخت تاريخ الجزيرة العربية، وتحديداً وسطها (نجد أو اليمامة)، منذ العصور الإسلامية المبكرة وحتى القرون الأربعة الماضية، يلحظ إشارتها، بل وتأكيدها على انتشار وتفشي الجهل والبدع والشركيات بين السكان، بل جزمت بغياب مظاهر الوعي الديني والثقافي والعلمي بكل أشكاله، وحضر هذا الطرح بقوة في «الدرعية»، وحدها دون سائر مدن المنطقة التي تناثرت فيها وعلى ضفة وادي حنيفة الشهير إمارات شكّلت كل واحدة منها كياناً سياسياً مستقلاً، مارس السيادة على أراض أشبه بأحياء، وحارات المدن والبلدان، والكل يحلم بالتوسع على حساب الآخر، وقامت بينها صراعات وحروب ونزاعات، وغاب فيها الأمن وانتشر الفقر، وغاب القانون، ناهيك عن وجود أعداء خارج المنطقة يتربصون للانقضاض على هذه الكيانات الصغيرة تفوقهم قوة ليبسطوا عليها سيادتهم أو على الأقل تكون تابعة لهم وتحت إمرتهم، ونجح البعض وأخفق الكثير، لكن جل هذه الكيانات توارت واختفت من الخريطة.
ولعل من المتعارف عليه، أن فكرة إنشاء دولة تنطلق من الدرعية إلى مناطق أخرى لازمت حكامها من الأمير مانع المريدي وأبنائه واحفاده، وتحقق ذلك بعد ثلاثة قرون بعد أن تمكن الإمام محمد بن سعود، من إعلان هذه الدولة الحلم، التي حملت اسم (الدولة السعودية الأولى)، وصاحب إعلان هذه الدولة أطروحات من بعض المؤرخين، ركّزوا على مناصرة الإمام محمد بن سعود للدعوة الإصلاحية، وعدّوها منطلق قيام الدولة وبالغوا في وصف الأوضاع الدينية، وعدّوها الدافع الأهم من دوافع قيام الدولة الجديدة التي سقطت مرتين بفعل داخلي وخارجي، لتقوم مرة ثالثة مسجلة اسمها دولة عصرية حديثة، ورقماً صعباً في المعادلة الدولية.
لرصد واقع الحال في تلك الفترة وظروف قيام الدولة السعودية الأولى، التقت «الشرق الأوسط»، الدكتور راشد بن عساكر، المؤرخ والباحث والمؤلف في تاريخ المنطقة، فكان هذا الحوار:
عقد سياسي واجتماعي
> كيف تقرأ ما تناقله وسجله بعض المؤرخين المتقدمين وحتى المتأخرون في كتبهم وطروحاتهم عن تاريخ وسط الجزيرة العربية وقرروا خلالها بأن منطقة نجد تحديداً غابت عنها مظاهر العلم وتفشى فيها الجهل وانتشرت فيه البدع منذ القرون الأربعة الماضية، قبل قيام الدولة السعودية الأولى، وهل مناصرة الإمام محمد بن سعود للدعوة التي نادى بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (التي ألصقت به ما اصطلح على تسميته الوهابية) له ما يبرره بخصوص الوضع في نجد قبل هذا التأييد؟
- السائد والمتناقل والمسجل في بعض الكتب التي أرّخت تاريخ وسط الجزيرة العربية بخصوص أن منطقة نجد أو اليمامة على وجه التحديد قد غابت عنها مظاهر الثقافة والوعي بكل أشكالهما وانتشرت فيها البدع وذلك منذ العصور الإسلامية المبكرة، وحتى القرون الأربعة الماضية، حتى شهدت مولد ما اصطلح على تسميته بالدعوى الإصلاحية بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمؤازرة من الإمام محمد بن سعود، وتبين بالبحث التاريخي أن ذلك غير صحيح وغير دقيق. فالبلاد ينتقصها توحيد الجانب السياسي، فالدين موجود وقائم قبل ذلك بالتعاليم الدينية والمذهب الحنبلي المنتشر والمعتمد على الكتاب والسنة.
الإمام محمد بن سعود سعى لإيجاد تحالفات سياسية وعسكرية، وكذلك معاضدة دينية للدعاة، ومنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قبل نحو ثلاثة قرون، وتمخض هذا عن خلق عقد سياسي واجتماعي جديد ما زلنا حتى اليوم نتحرك داخل إطاره رغم انقلاب المجتمع، وتغير الظروف والأساس الذي قام عليه هذا العقد.
ولعل المؤرخين، خصوصاً الرسميين منهم والذين تناولوا تاريخ المنطقة في تلك الفترة لم يشيروا إلى وجود أي مظاهر ثقافية أو أي مؤشرات تدل على وجود نهضة علمية وعلماء في العلوم الشرعية وغيرها، بل وصل بالبعض من هؤلاء المؤرخين إلى وصف المنطقة بتفشي الجهل فيها ووجود مظاهر تخالف روح الإسلام، وانتشار الشركيات فيها، بل اعتبرت المنطقة تعاني من فقر في العلماء والفقهاء الذين كان وجودهم ضرورياً لتوجيه دفة المجتمع إلى بر الأمان والقضاء على كل مظهر يخالف الإسلام.
لا جهل ولا بدع ولا شركيات
> كمؤرخ وباحث ومؤلف، هل من الممكن أن تصف الحالة المغايرة لما ذكره بعض المؤرخين عن أوضاع المنطقة خلال تلك الفترة.
- لا شك أن المخطوطات والوثائق والشعر والأثر والنقش، وغيرها من المعطيات، هي الشاهد الأكبر والأوثق لدراسة تاريخ أي أمة وقراءة فكرها وتوجهاتها، وإعطاء حكم على طبيعة وجودها ودرجة مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية، وفيما يتعلق بالفترة التي وصمت بالجهل وانتشار البدع ووجود المظاهر الشركية في نجد قبل قيام الدولة السعودية الأولى، فإن كثيراً من المخطوطات والوثائق والقصائد تقول غير ما كتب عنها، فمثلاً الشاعر حميدان الشويعر، الذي عاش قبل وأثناء فترة ما يعرف بالدعوة الإصلاحية، يشير في إحدى قصائده إلى صلاة القيام (التراويح في العشر الأواخر من رمضان):

الوعد مثل من قال كحي واكح
في قيام العشر وان ظهرت اظهري
واقعدي عندنا لين ما يظهرون
واظهري والمطوع بهم يوتري

كما أشار الشاعر نفسه في صورة أخرى للحالة الدينية في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى أن إخراج الزكاة (الركن الثالث من أركان الإسلام)، كان أمراً ضرورياً يهتم بها الحكام، والمجتمع اهتماماً بالغاً:

تاجر فاجر ما يزكي الحلال
لو يجي صايم العشر ما فطّره
ويكفي أن نقول إن عالماً شامياً، هو الأوزاعي، شد الرحال لطلب العلم في الرياض (التي كانت تسمى في ذلك الوقت حجر اليمامة)، وبالمثل العالم ومفسر الأحلام المشهور ابن سيرين اتجه للدراسة في جامع الرياض، لمتطلبات تولي قضاء البصرة فذهب للدراسة على علماء حجر اليمامة، وبالمثل إسحاق بن إسرائيل وابن راهوية فإنهما أخذا ونشرا علم الحديث ودراسته، وعدّ عالم حجر اليمامة الإمام يحيى بن أبي كثير أحد الستة الذين يؤخذ عنهم علم الإسناد في الحديث النبوي، وقد وصلت بعض أسماء طلاب العلم في حجر اليمامة إلى قرابة القرن الثالث الهجري إلى أكثر من مائتين وخمسين عالماً وطالباً للعلم، بل إن مؤرخاً وهو ياقوت الحموي وعاش قبل 960 عاماً، أشار إلى تمسك البلاد النجدية وتشددهم فيه من خلال إيراده ما قاله شاعر نجدي حنّ لبلاده نجد:

يا حبّذا نجد وطيب ترابهِ
وغلظةَ دنيا أهل نجد ودينهم

وبمجمل القول، فإن من يطلع على ما سجله عبد الله البسام في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون، يجد عدداً كبيراً من العلماء النجديين تجاوز من ترجم لهم أكثر من 800 عالم خلال الفترة من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الهجري، حيث إنه عند إحصاء العلماء قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، نجد عددهم أكثر من 200 عالم، أما من ينظر إلى إحصائية علماء نجد منذ الفترات الإسلامية المبكرة فيجد أن عددهم من القرن الأول إلى الرابع الهجري أكثر من 250 عالماً ومحدثاً، أما في الفترات المتقطعة خلال الفترة من القرن الخامس إلى السابع الهجري نجد أن بعض هؤلاء العلماء من نجد قد ورد ذكرهم في بعض المصادر، مثل كتب الإجازات والسماعات، التي تترجم لبعض الأعلام في العالم الإسلامي.
أما بعد القرن السابع إلى القرن الماضي، فنجد أن الأرقام تشير إلى وجود أكثر من 1500 عالم أو طالب علم له القبول في المجتمع النجدي، وربما أن كثيراً من الوثائق التي يملكها الأفراد في كثير من المدن والقرى النجدية ستكشف عن وجود عدد كبير من العلماء المغمورين الذين لم يكن لهم حظ من البروز أو الشهرة، فقد وقع في يدي وثائق ومخطوطات خاصة بإحدى الأسر في منطقة نجد تجاوزت أكثر من (1000) وثيقة في فترات متفاوتة، وحملت معلومات مفيدة عن الحياة العلمية والاجتماعية والفكرية التي مرت في هذه المنطقة الغنية والمزدهرة منذ العصور الإسلامية الأولى، كما أن وجود كثير من وثائقنا الوقفية خارج البلاد تقدم معلومات مفيدة في هذا الجانب، خاصة ما يحفظ في مكتبات تركيا بحكم أن الدولة العثمانية حكمت العالم الإسلامي أكثر من ستة قرون.
ولعل من محاسن الصدف أن نجد وثائق من القرن العاشر الهجري، وربما قبل ذلك لبعض المناطق، مثل الوثيقة الخاصة بجد الأسرة المالكة السعودية (آل سعود) إبراهيم بن موسى المريدي الدرعي الحنفي نسبة إلى قبيلة حنيفة التي حكمت هذه المنطقة قبل الإسلام وبعده، وإبراهيم هذا هو الجد العاشر للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، وتاريخ الوثيقة عام 981هـ. وفيها إشارة إلى هذا الأمير بحمايته للحجاج القادمين من شرق الجزيرة إلى غربها مروراً بنجد، وبمشاركه عدد من الأمراء المحليين.
غنى حضاري وتراثي
> هل أنجزت عملاً يؤكد ما ذهبت إليه وجمعتها في كتاب؟
- الملك سلمان - حفظه الله - الذي يعدّ المؤرخ الأول والقارئ والمطلع والناقد الحصيف، سهّل لي ولكثير من الباحثين البحث في تاريخ بلادنا المملكة العربية السعودية بشكل خاص، وتاريخ الجزيرة العربية على وجه العموم، وهو يطلع على كثير مما يُكتب في شتى المجالات العلمية والتاريخية والأدبية وعلم الأنساب، وكذلك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإنه قارئ حصيف ومعتنٍ بتاريخ مراحل الدولة السعودية الثلاث، ولديه من المعلومات والبحوث ما لم يتوفر لغيره، والحديث عن سموه في هذا الأمر يطول من حيث سعة الاطلاع والتدقيق التاريخي، ووجّه سموه من خلال ما نشهده حالياً من عمليات تطويرية شاملة، ومنها العناية بالتوثيق التاريخي والعناية بتراث بلادنا المملكة العربية السعودية.
وفيما يتعلق بسؤالك عما أنجزته في هذا المجال، فقد شرعت منذ مدة في عمل يتعلق بمنطقة العارض الشاملة للعيينة والدرعية وعرقة والرياض ومنفوحة والمصانع، والأسرة المالكة ووثائقهم المختلفة من جمع ما يخص الحياة العلمية والكتب المخطوطة في منطقة نجد وما يتعلق بالعلماء والأسر والأماكن والحياة الاجتماعية والتراث الذي أُنجز في هذه المنطقة، وقد اطلعت على كثير من الوثائق والمخطوطات التي جمعتها وخرجت بنتائج تدل على أن هذه البلاد غنية بتاريخها وحضارتها وتراثها.
ابن غنام أهمل الحديث عن المؤسس
> هل ترى كل ما طرح عما اصطلح على تسميته بـ«الوهابية» بصورة سلبية قديماً وحديثاً مردّه اعتماد منتقدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ما ذكره بعض المؤرخين، لعل أبرزهم المؤرخ حسين بن غنام؟
- المؤرخ حسين بن غنام توفي علم 1225هـ - 1810م، لم يكن عند تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1139هـ - 1727م موجوداً ولا حتى بعد اللقاء بين الإمام محمد بن سعود والداعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب 1157هـ - 1744م مولوداً، وقيل إن عمره في ذلك الوقت لا يتعدى ثلاث سنوات، وكانت ولادته في منطقة الأحساء، وكل ما أرّخه كان عن منطقة نجد، والذي يقرأ تاريخه يجد الحوادث التي ساقها تركز على شخصية وتاريخ ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بإضفاء العبارات المبالغة عنه والسجع اللغوي الذي سلكة عليه، والتي توحي وكأن الشيخ هو الذي طلب منه كتابتها، إضافة إلى أن قارئ تاريخ ابن غنام يلمس بوضوح غياب الحديث عن الجوانب الإنسانية والفكرية للمؤسس الأول الإمام محمد بن سعود، وللائمة من آل سعود، وضمّن في تاريخه روضة الأفكار عدداً من الآراء التي لا نتفق معه فيها عندما جزم أن بلاد نجد ينتشر فيها الشرك مثالاً، ليأتي من بعده من المؤرخين الذين تناولوا الفترة سواءً من الغربيين والمحليين وينقلون تلك الآراء ويعدونها صحيحة.
فتح كبير وضرورة أمنية
> بماذا تختصر المشهد عن حقيقة واقع المنطقة في تلك الفترة، خصوصاً أنك مَن تخصص في رصد تاريخها وألّفت عنها؟
- الحدث أو الفتح الأكبر أو التحول العظيم في تاريخ المنطقة هو قيام الدولة السعودية الأولى التي تعد أول دولة مركزية في الجزيرة العربية بدأ أساسها منذ عام 1139هـ، وقد كان قيامها ضرورة لتحقيق الأمن لسكان المنطقة التي تنازعتها الحروب والنزاعات، وهو ما حدث بوجود شخصيه قيادية وعسكرية وفكرية وإدارية، رأت من المناسب استغلال الظروف لقيام دولة تحقق الأمن وتردع الظالم وتبني الأمل؛ وهذا ما تحقق على يد الإمام محمد بن سعود، والأئمة من بعده، إلى سقوط الدولة بفعل خارجي، ثم قيام الدولة الثانية، وأعقبها الدولة السعودية الثالثة التي قامت على يد الملك عبد العزيز، وأصبحت اليوم دولة سجلت اسمها على خريطة العالم كرقم صعب.
ما زال الإمام محمد بن سعود وجهوده وأفكاره تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب مع إبراز جهود هذه الشخصية من خلال المؤتمرات والبحوث والأفلام الوثائقية كحق وواجب تجاه ما قام به من إيمان مخلص في توحيد بلادة واستقلالها وتحقيق العدل في أرجائها وخلفه من بعده أبناؤه وأحفاده.



مباحثات سعودية ــ كندية واستحداث «مجلس تنسيق»

ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي في جدة أمس (واس)
ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي في جدة أمس (واس)
TT

مباحثات سعودية ــ كندية واستحداث «مجلس تنسيق»

ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي في جدة أمس (واس)
ولي العهد السعودي لدى استقباله رئيس الوزراء الكندي في جدة أمس (واس)

بحث الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع رئيس وزراء كندا مارك كارني، مستجدات الأحداث الإقليمية والدولية، والجهود المبذولة بشأنها، وذلك خلال لقاء شهد إطلاق مجلس تنسيق مشترك بين البلدين.

واستعرض الجانبان خلال جلسة مباحثات رسمية بقصر السلام في جدة، أمس (الخميس)، أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين، ومجالات التعاون وفرص تطويرها في مختلف القطاعات.

وشهد الأمير محمد بن سلمان وكارني مراسم تبادل مذكرات تفاهم ثنائية بشأن إنشاء «مجلس التنسيق» ووثيقة العمل المشترك، وفي مجال الطاقة، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات.

وأوضحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن وثيقة العمل المشترك ستشمل مجالات التعاون السياسي، والأمني والدفاعي، والتعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، إلى جانب التعاون القنصلي، والثقافي والتعليمي والعلمي.

وأكدت المصادر أن مجلس التنسيق سوف تُفعّل أعماله ضمن حوكمة وهيكل تنظيمي وآليات تنفيذ واضحة للجهات المعنية في كلا الجانبين.


السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)
TT

السعودية وكندا... التزام ببناء شراكة قوية ومستقبلية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بقصر السلام في جدة (واس)

أكدت السعودية وكندا، الخميس، التزامهما ببناء شراكة قوية ومستقبلية بين البلدين، وثقتهما بمستقبل يتسم بتعاون أعمق وازدهار مشترك، مدعوم بالثقة المتبادلة، والصداقة الوثيقة، والرؤية المشتركة للنهوض بشراكتهما.

جاء ذلك في بيان مشترك مع ختام زيارة رسمية لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى السعودية، بدعوة من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وفي إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.

وأفاد البيان أن الأمير محمد بن سلمان وكارني، استعرضا خلال جلسة مباحثات رسمية، بقصر السلام في جدة، العلاقات التاريخية بين البلدين الممتدة لأكثر من خمسة عقود، تعمقت فيها الروابط، وترسخت العلاقات الثنائية، وشهدت تطوراً إيجابياً في مختلف المجالات.

وثيقة عمل مشتركة

وأكد القائدان حرصهما على تطوير العلاقات الثنائية، وتحديد أولويات واضحة لتعزيز التعاون المشترك، وضمان استدامته في مجالات عدة، بما فيها التجارة، والاستثمار، والابتكار، والمحافل متعددة الأطراف، والأمن الإقليمي، وذلك في سياق الزخم الكبير الذي شهدته العلاقات في الآونة الأخيرة، وبما يلبي الالتزام المشترك بتحقيق نتائج ملموسة تدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، وأجندة النمو الكندية.

واتفق الجانبان على تأسيس «مجلس التنسيق السعودي - الكندي»، برئاسة وزيري خارجية البلدين؛ لدفع عجلة التعاون وتحقيق نتائج ملموسة في المجالات السياسية، والدفاعية والأمنية، والاقتصادية، والتجارية والاستثمارية، والثقافية، والتعليمية، والعلمية، والقنصلية، كما رحَّبا بإطلاق «وثيقة العمل المشتركة» لتكون خريطة طريق تدعم أعمال المجلس، وبما يسهم في تعزيز التعاون عبر القطاعات الاستراتيجية.

وأعرب القائدان عن ثقتهما بأن تعزيز الشراكة سيحقق منافع مشتركة وملموسة، وسيدعم «رؤية السعودية 2030»، وأهداف كندا، لبناء اقتصاد أقوى وأكثر مرونة، وتنويع الشراكات الخارجية، واتفقا على أن هذه الشراكة تستند إلى الثقة والصداقة ورؤية مشتركة لمواجهة التحديات العالمية من خلال تعاون عملي ومكثف وملموس.

تشجيع الاستثمارات المتبادلة

وأكد الجانبان أهمية الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي تُتيحها العلاقات الاقتصادية الثنائية، ورحبا بتنامي التعاون بين الشركات السعودية والكندية، ونوها بحجم التبادل التجاري الثنائي، الذي بلغ أكثر من 20 مليار دولار أميركي منذ عام 2020، واتفقا على تشجيع الاستثمارات المتبادلة، وزيادة حجم التجارة غير النفطية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

كما اتفقا على بدء المفاوضات بشأن اتفاقية «تجنب الازدواج الضريبي»، ورحبا بسير المفاوضات الجارية حول اتفاقية «حماية وتشجيع الاستثمار» تمهيداً لاستكمالها بحلول مطلع عام 2027. واتفقا أيضاً على أهمية التعاون بين المؤسسات المالية في البلدين، بما يسهم في تعزيز تمويل المشاريع الاستراتيجية والكبرى.

ورحّب الجانب السعودي بالاهتمام الكبير الذي أبداه المستثمرون الكنديون لزيارة المملكة لاستكشاف الفرص المتاحة، في حين أعرب الجانب الكندي عن ترحيبه بالمستثمرين السعوديين خلال أول قمة استثمارية تُعقد بمدينة تورونتو في سبتمبر (أيلول) المقبل.

فرص اقتصادية واعدة

ورحَّب البلدان بانعقاد «ملتقى الاستثمار السعودي - الكندي»، الخميس، الذي شهد إعلان اتفاقيات تجارية واستثمارية بين الجهات المعنية في البلدين بمجالات التعدين، والهندسة، والبنية التحتية، والصناعات المتقدمة، والتدريب، والتعليم، والخدمات المالية، وتقنية المعلومات والاتصالات، مما يعكس الزخم الاقتصادي بينها، والفرص الواعدة في مختلف القطاعات.

وأشار البيان إلى ترحيب الجانبين بإبرام مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال الطاقة، وسلطا الضوء على الفرص بمجالات الطاقة التقليدية والنظيفة، بما فيها مشاريع الغاز الطبيعي المسال في كندا، والكهرباء، والطاقة المتجددة والهيدروجين، وتقنيات إدارة الكربون، والابتكار، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد المرنة، وتطوير القوى العاملة.

وعبَّر الجانبان عن تطلعهما لتوسيع آفاق التعاون في مجال التعدين والموارد المعدنية، ورحبا بمذكرة التفاهم المبرمة في يناير (كانون الثاني) الماضي لتعزيز التعاون في مجال الموارد المعدنية، بما في ذلك الاستكشاف، والتمويل، وتقنيات المعالجة.

كما نوّها بحصول الشركات الكندية على الحصة الأكبر من رخص الاستكشاف الصادرة عن وزارة الصناعة والثروة المعدنية في السعودية. وعبَّرا عن سعيهما لتعزيز التعاون الصناعي الذي يركز على الصناعات المتقدمة.

تطوير التعاون الدفاعي

من جانب آخر، استعرض الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، مع نظيره الكندي ديفيد ماكغينتي، علاقات البلدين، وتعاونهما الثنائي في المجال العسكري والدفاعي، كما بحثا تطورات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة بشأنها؛ بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة والعالم.

وأكد البلدان التزامهما بتعزيز التعاون والتنسيق في المجال الدفاعي، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي، ورحبا بتعزيز التعاون في مجالات الدفاع، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتبادل الخبرات بين الجهات المعنية.

ورحّب الجانبان بإبرام مذكرة تفاهم بشأن (الاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات)، بهدف تعزيز التعاون في مجالات رئيسية ذات اهتمام مشترك، تشمل فرص الاستثمار المشترك في قطاعات محددة، وتشجيع الربط بين الشركات، عبر البعثات التجارية، وتعزيز التعاون التقني ودعم تنمية المهارات والتدريب المتقدم بمجال الذكاء الاصطناعي.

وبحث الجانبان الفرص المستقبلية لتوسيع نطاق التعاون في مجالات الصحة العامة، والتكنولوجيا الحيوية، والصحة الرقمية، والصناعات الدوائية، والتقنيات الطبية، وتبادل الخبرات وبرامج التدريب والأبحاث.

تعزيز جسور التواصل

أكد البيان أهمية الربط الجوي بين البلدين، ونوَّه بتوسيع نطاق اتفاقية (النقل الجوي) المبرمة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، التي تتيح تشغيل نحو 14 رحلة ركاب أسبوعياً لكل من البلدين، وخدمات شحن أسبوعية غير محدودة، وبأهمية استمرار التعاون بين الجهات المعنية، وتوسيع نطاق الاتفاقية لدعم نمو حركة نقل الركاب والشحن الجوي بينهما، بما يعزز العلاقات الاقتصادية، وجسور التواصل بين شعبيهما.

وشدَّد الجانبان على أهمية تعزيز التعاون والتنسيق المشترك في المحافل والمنظمات الدولية، والمؤسسات المالية والاقتصادية متعددة الأطراف، بما يسهم في دعم الاستقرار والنمو الاقتصادي العالمي. وأكدت كندا دعمها لرغبة السعودية في استضافة قمة مجموعة العشرين في عام 2030.

وقدَّم كارني التهنئة للأمير محمد بن سلمان على فوز مدينة الرياض باستضافة معرض إكسبو العالمي 2030، وأعرب عن تأكيد مشاركة بلاده فيه لإبراز الابتكارات الكندية ومساهماتها في «رؤية السعودية 2030».

كما أشار الجانبان إلى محفل «كأس العالم لكرة القدم»، وما يمثله من منصة مهمة للتعاون والتنسيق بين البلدين، منوهين بمشاركة كندا حالياً في استضافة البطولة، واستضافة السعودية لكأس العالم عام 2034.

إدانة هجمات إيران

فيما يتعلق بالأمن الإقليمي، أدان الجانبان بأشد العبارات الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز بتاريخ 7 يوليو (تموز) الحالي، مؤكدين أن هذه الاعتداءات المرفوضة هي اعتداء على أمن الملاحة الدولية وسلامتها، وإمدادات الطاقة العالمية، وتعد انتهاكاً جسيماً للقانون والأعراف الدولية، التي تكفل حرية الملاحة البحرية والعبور الآمن للمرات البحرية، ولقرار مجلس الأمن رقم (2817).

وشدَّد البيان على أن هذه الأفعال من شأنها تصعيد التوترات الإقليمية، وتقويض جهود بناء الثقة، فضلاً عن تهديد المفاوضات الدبلوماسية الجارية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي هذا السياق، أشاد الجانبان بالجهود التي تبذلها باكستان وقطر بهدف التوصل إلى اتفاق، مؤكدين أهمية استعادة الملاحة الآمنة وغير المقيدة عبر مضيق هرمز، وفقاً للقانون الدولي، وإعادتها إلى وضعها الطبيعي الذي كانت عليه قبل 28 فبراير (شباط) الماضي.

دعم حل الدولتين

في الشأن الفلسطيني، أكد الجانبان أهمية إيصال المساعدات الإنسانية بشكل آمن وعاجل ودون عوائق، وحماية المدنيين، وبذل الجهود لتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام دائم، مُجدِّدين دعمهما لحل الدولتين، وشددا على أهمية الحفاظ على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، كما رحّبت السعودية باعتراف كندا بدولة فلسطين.

وحول اليمن، أكد الجانبان دعمهما الكامل للجهود الرامية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واتفقا على أهمية دعم «مجلس القيادة الرئاسي» لتمكينه من أداء مهامه، وشددا على أهمية المحافظة على أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر.

وبشأن السودان، أكد الجانبان أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة، وجددا دعمهما لسيادة السودان، ووحدته، وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، وحق الشعب السوداني في العيش بأمن، وكرامة، وعدالة، بعيداً عن أي ممارسات قد تؤدي إلى تأجيج الصراع أو تقويض استقرار البلاد.


السعودية وكندا... أسئلة وشروحات حول وثيقة العمل المشترك ومجلس التنسيق

جانب من مراسم توقيع المذكرات بحضور ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الكندي في جدة الخميس (واس)
جانب من مراسم توقيع المذكرات بحضور ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الكندي في جدة الخميس (واس)
TT

السعودية وكندا... أسئلة وشروحات حول وثيقة العمل المشترك ومجلس التنسيق

جانب من مراسم توقيع المذكرات بحضور ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الكندي في جدة الخميس (واس)
جانب من مراسم توقيع المذكرات بحضور ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الكندي في جدة الخميس (واس)

أعلنت السعودية وكندا جملة اتفاقيات ومذكرات شهد توقيعها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني في جدة يوم الخميس، غداة محادثات عقدها الجانبين واستقبال رسمي لأول رئيس وزراء كندي يزور السعودية منذ 25 عاماً.

وفيما يلي أسئلة وأجوبة وإضاءات عن وثيقة العمل المشترك وإنشاء مجلس التنسيق السعودي ـ الكندي، المشار إليهما في البيان الصادر في ختام اللقاء بين القائدين، وفقاً لمصادر زودت «الشرق الأوسط» ببعض الشروحات.

وثيقة العمل المشترك

أكدت المصادر أن وثيقة العمل المشترك ستكون إطار عمل مشترك بين البلدين، وعزت ذلك إلى «ربط محاور التعاون ذات الأولوية خلال المرحلة المقبلة، وسيتم مأسسة وتأطير مضامين الوثيقة لتنفيذها من خلال إنشاء مجلس التنسيق السعودي الكندي».

إلى ماذا تهدف الوثيقة؟

ترنو الوثيقة إلى تعزيز الشراكة بما يتماشى مع الأولويات الوطنية للجانبين في المجالات ذات العلاقة، بما يعكس الرغبة المشتركة في تطوير التعاون والتشاور وتعزيز العلاقات في المجالات ذات الأولوية للبلدين.

كما تهدف الوثيقة إلى تطوير إطار شامل للتعاون قائم على أساس فهم مشترك للتحديات العالمية، بما في ذلك تعزيز الأمن والاستقرار، ودعم النمو الاقتصادي، وتمكين المجتمعات.

ما مجالات التعاون المرتقبة؟

  • السياسي
  • الأمني والدفاعي
  • التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري
  • الثقافي والتعليمي والعلمي
  • القنصلي

ماذا عن مجلس التنسيق السعودي ـ الكندي؟

انطلاقا من حرص الحكومتين على توطيد علاقات الصداقة وتعزيزها، يعمل البلدين على إنشاء مجلس التنسيق سعودي كندي على مستوى وزراء خارجية البلدين.

هذا المجلس سوف تفعل أعماله ضمن حوكمة وهيكل تنظيمي وآليات تنفيذ واضحة للجهات المعنية في كلا الجانبين. والسبب يعود إلى الحرص على تحقيق أهداف إنشاء المجلس، وذلك من خلال خلق مبادرات استراتيجية يتوافق عليها الجانبان، وفقاً للمجالات التي تضمنتها «وثيقة العمل المشتركة»، على أن تحدد لها خطط زمنية واضحة بمؤشرات أداء محددة، ومتابعة تنفيذها وفقاً للحوكمة المعتمدة للمجلس.

ما أهداف المجلس؟

  • بناء إطار مؤسسي للعمل بين البلدين.
  • تكثيف التعاون الثنائي عبر التشاور والتنسيق المستمر في المجالات كافة.
  • أن يكون للتعاون المشترك بين البلدين منصة موحدة يندرج تحتها أوجه التعاون القائمة كافة بين البلدين.
  • تطوير العلاقات الثنائية على الأصعدة كافة.
  • تحقيق المنفعة المتبادلة والمشتركة.

ما أبرز محاور إنشاء المجلس التنسيقي؟

  • إعداد حوكمة للمجلس متضمنة هيكله التنظيمي والمسؤوليات والإجراءات والنماذج لأعماله واللجان المنبثقة عنه، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
  • إعداد خطة زمنية سنوية لاجتماع المجلس ولجانه المنبثقة، ويتم إقرارها ضمن قرارات محضر اجتماع المجلس.
  • تنفيذ المبادرات المشتركة في مختلف جوانب التعاون بين البلدين.