مراثي الذات في واقع مضطرب

الشاعرة اللبنانية ليندا نصار في «الغرفة 23 وقصائد أخرى»

مراثي الذات في واقع مضطرب
TT

مراثي الذات في واقع مضطرب

مراثي الذات في واقع مضطرب

تتكئ الشاعرة اللبنانية ليندا نصار في ديوانها الجديد «الغرفة 23 وقصائد أخرى» الصادر عن دار خطوط وظلال بالأردن، على اللعب بالأشياء الصغيرة المهمشة والمنسية، باحثة في ظلالها عن نقطة التقاء مغايرة، تلمّ شتات ذات مأزومة في متاهة واقع مضطرب، وتسعى لأن تجعلها أكثر التصاقاً وحميمة بذكرياتها وأحلامها وأشيائها الخاصة. ولا سبيل إلى ذلك الخروج من هذه المتاهة سوى مواجهة الشعر والحياة معاً، بلا فواصل أو عقد زمنية، الشعر ابن الحرية والتجريب والمغامرة، والحياة كما هي، حافة مراوغة، لا معنى للوقوف عليها، سوى الخوف من السقوط في الهاوية، بما تحمله من مرادفات تشي بالزوال والعدم.
ربما لذلك يظل الخوف من السقوط في هاوية الكتابة هو نقطة الأمان ألقابعة تحت قشرة الوعي، وعي الذات الشاعرة بكينونتها، والمقدرة على أن تخط وتمحو، تحب وتكره، تكون أو لا تكون، وغيرها من أسئلة وهواجس الوجود، في واقع أصبح كل شيء فيه يتحلل ويتداعى، وغدا التعايش مع الموت في كنفه، كضيف مقيم، محاولة مميتة للتشبث بالأمل في الحياة؛ واقع كابوسي، تعيشه الذات في وطن مهدد بالتفتت والانقسام. ومن ثم تبدو الكتابة وطقوسها ضرباً من الجنون ومجابهة اللامعنى في أبسط تفاصيل اللعبة، ومخاطرها إنسانياً وشعرياً.
هكذا تمهد الشاعرة لديوانها قائلة:
«ثمة جنون في طقوس الكتابة لا يستوعبه سوى من احترق بنار المعنى... هــا أنــا خــارج الغرفــة 23، ومــا زلــت أكتــب خوفاً مــن أن يفيـض الحبـر في دمـي، أكتـب لأخفّـف مـن ثقـل الحيـاة عبــر مقاومــة الصمــت الأخــرس... إننا نكتب فعلاً، كي نكون فعلاً على قيد الحياة»
في هذا التقديم لا يقين لشيء، فقط حيرة الذات والخوف من اقتران الحبر بالدم، والرهان على الكتابة كفعل مقاومة ومبرر للبقاء على قيد الحياة. لكن خلف هذا الخوف تكمن رمزية مُرة من اليأس والإحباط، تتسع دلالتها في أجواء القصائد الست عشرة، وعبر 76 صفحة من القطع المتوسط، ثمة إحباط عاطفي وإنساني واجتماعي، يتناسل بشكل متخفٍّ أحياناً، وسافر ومتحدٍ أحياناً أخرى، يطارد الذات في أبسط تفاصيلها، ويتحول إلى قناع لضحية، فقدت دورها على المسرح.
تدفع الشاعرة بهذا المعنى قصائدها إلى حد المرثية للذات والواقع معاً، وفي معادلة، تتحول فيها الذاكرة إلى مجرد أرقام مجردة ومصمتة... فعلى هذا النحو من البساطة الشعرية الموحية تقول في نص بعنوان «نوتة 36»:
«أصابع فوق خطوط جسدي
لا أحد سواي في الغرفة 23
هو مجرد ظل يراقبني
من بعيد
ينسيني كعكة الميلاد
أوقد شمعة أولى
في حديقتي السريّة
تذرفني تجاعيدي
أعدها رقماً رقماً
وأنا أعزف النوتة السادسة والثلاثين
عيني تجمع حبات الكحل الذائبة
في ظرف أصفر
وتبعث بها إليّ
على صندوق بريد الهدايا»
يبدو المشهد هنا وكأنه اختزال لتداعيات الداخل والخارج، وصدى ذبذبة شاردة في فراغ لوحة العمر، فراغ النوتة والموسيقى معاً، بينما تتسم الصورة الشعرية بمسحة من الشجن الذاتي، تتسرب عبر دوال النفي والقطع (أصابع فوق، لا أحد سواي، هو مجرد) ويمنح تتالي الفعل المضارع الذات مسافة رخوة، لتراقب موضوعها من زوايا متعددة، وفي علاقة لا تخلو من الإحساس بالوحشة والفقد، حيث لا هدايا، سوى حبات الدموع ترتد إلى العين نفسها، بعدما ذابت في الكحل.
يستعيد المشهد السابق نفسه في مونولوج مشرَّب بنبرة من البوح، في نص بعنوان «دهشة رقم جديد» (ص 23) تتقاطع فيه المرايا وتتجاور، وتصدره الشاعرة بومضة من شعر بدر شاكر السياب تقول: «القبلة برعمة القتل»، فيما يقول النص:
«لم أكن سوى فتاة فندق
تعلِّقُ حزنها في هواء غرفة
كتب على سوادها 23
هكذا نادتني الأرقام يومها
بغصّة من وراء الباب
كيف حصل هذا الطرق الخفيف في ذاكرتي؟».
تدور بي السماء
غير آبهة بسقوطي الأخير
في نهر الحيرة
أحمل كرة نار في أحشائي
أقلِّم الوقتَ بأسناني
متسائلة عن كريات دمي التي تأخرت
خلسة مني
لم أوقن أبداً أن الحياة ستبني رؤاي في السِّر
تفاصيل الغروب لا أجنحة لها
أحمل عيني الشاردة
وفي كأس الانتظار
أتخيل ألف شكل لي «
تترك الشاعرة الإجابة عن سؤالها مفتوحة على أقسى لحظات الونس والعزلة معاً، الونس برفقة باقة من الشعراء (أدونيس، درويش، حجازي، الفيتوري، السياب) وغيرهم، تستأنس بهم كنقرات مضيئة على باب النص، من الوقوع في براثن الخوف، وضجر الرقم «23» عنوان حيزها المكاني الضيق، والذي تحول إلى فوبيا، تطالعها في تذكرة السينما وفي غرفة العناية بالمشفى. كما ينتصب أحياناً كلعبة مضادة، توهم بخلاص عابر مؤقت وساخر، فينسخ الرقم نفسه في أرقام أخرى، ويتراءى كثقب في ذاكرة معطوبة، تنزوي الذات الشاعرة في داخلها بهويتها المنتهكة، تتلمس طاقة ما، لمواصلة الكتابة واللعب مع الأرقام بإحساس آخر، يردها لأجواء الصبا والطفولة «يقول الطيف: هذا الحلم صغير جداً - لِمَ لا تقلبين الأعداد لتتقاعدي مرة أخرى في الثالثة والستين».
لا يتوقف هذا الخلاص المشحون بالمرارة والسخرية عند لعبة الأرقام وما تضمره من الإحساس بالتشيؤ وفقد القيمة والمعنى، وإنما يمتد إلى كل تفاصيل الحياة، ونلمح حالة من التنكر، تتحايل فيها الذات على موضوعها، وتنقسم عليه من موقع الضد، فتخاطبه بضمير المخاطب، وبنرجسية مفتعلة؛ بحثاً عن أسطورة خاصة، يمكن اللواذ بها، إلى حد التلاشي، تماماً كما فعل الفتى الجميل نرسيس، المغرم بوجهه السابح فوق صفحة الماء، كما تقول الأسطورة اليونانية، وتطالعنا أصداؤه في هذا النص التي تصدره بومضة مرحة للشاعرة البولونية «هالينا بوسفياتوفسكا»، عن ماضي القبلات وحاضرها (ص 14):
«يسخرون من تسريحة شِعْرها
يقطفونه بالغيمات الصناعية
كلما تأخَّر المطرُ
تصلي القصيدة تحت وابل من الصور
المجنونة في الضاحية
نكاية في من يمجد الحرب
أسترق نظّاراتٍ طيبة من عينيها
كي لا تفضحني الاستعارة
أهذا هو قلبُ المعنى في العين
أم مجردُ ظلٍّ يترنح من غرفة تجاور حزني
المساء ثقي
والشاعرة تراقص بحيرة خرساءَ من الانتظار
نرسيس صديقها الوحيد يرمي بخاتمه السحريِّ
إلى أصابعها الخشبية
ترفضه
تعيده إلى جيبه المثقوب بالحصى
مرة أخرى يمسح عرقه بالزيت
يردِّد ابتسامات مقلوبة ليلاً
على صفحة الماء
في خزانة غرفتها تذكّرت كيف كان يتودد إليها في السِّر،
ونبيذه يخطف العين».
يشكل القسم الثاني من الديوان، والذي عنونته الشاعرة بـ«قصائد أخرى» وجهاً آخر لمراثي الذات، تتماثل فيه صورة مدينتها «بيروت»؛ المهددة بكوارث الحرب والفساد مع مشاهد وتاريخ مدن أخرى، زارتها، وتنفست هواءها، ولفحتها قصص حانية عابرة عاشتها في شوارعها وأزقتها ومقاهيها. بهذه الروح تودع القسم الأول قائلة (ص47):
«لا وقتَ للحبّ
كواكب السماء أغلقت مجرّات أحلامها
حتى مساءات الشتاء ستفقد وقتها يوم يعبث بها
تقول في نفسها هكذا هو العالم
دخانٌ سابق لنيرانه
يشعل ألفَ قصيدة في رئة شاعرة
خنقتها الحرب»
وسط هذه الأجواء المشوبة بإحساس لاعج بالغربة تستعيد ليندا نصار مشاهد وصور مدائنها البديلة المفضلة: مرتيل المغربية، مسقط العمانية، باريس وكنيسة نوتردام وأصداء الحريق الذي ضربها في مقتل، وفيكتور هوغو، وروايته الشهيرة عنها: «القصيدة التي أجلت مفاجأتها حتى السطر الأخير - لم تدرك يومها أن الهواء سيضيع بوصلة الحياة - وأن الموت لا يغرف التأجيل: هذا ما كان يظنه فيكتور هوغو.. - هنا شمعة أمام مذبح الحب».
اللافت في قصائد هذه القسم علو نبرة التبرير في بناء الصورة الشعرية، ما يجعلها أقرب إلى روح المنطق وتراتب المقدمات والنتائج، منها على سبيل المثال(ولأني لست حرا أترك لك بقية القصيدة في درج المكتب - كي تفكري في نهاية تصلح لها) ص 69. (من أنا... كي لا أحمل في حلقي غيمة صغيرة تشبهني) ص 61. إضافة إلى تشتت الوصف - أحياناً - ما بين المظاهر الخارجية للمكان وبين التوثيق الداخلي للمشهد شعرياً المفعم بالعواطف والمشاعر الذاتية... ورغم هذه الهنّات الطفيفة حمل الديوان صوتا شعرياً خاصاً، قادراً على إثارة الدهشة والأسئلة ببساطة وسلاسة لغوية شائقة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.