بايدن مقتنع بأن بوتين «اتخذ قراره» بغزو أوكرانيا

حديث عن عملية عسكرية «محدودة» تطيح حكومتها

الرئيس بايدن قال إن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية تظهر أن بوتين اتخذ قراره وأن الحرب ستكون «كارثية لا داعي لها» (أ.ف.ب)
الرئيس بايدن قال إن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية تظهر أن بوتين اتخذ قراره وأن الحرب ستكون «كارثية لا داعي لها» (أ.ف.ب)
TT

بايدن مقتنع بأن بوتين «اتخذ قراره» بغزو أوكرانيا

الرئيس بايدن قال إن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية تظهر أن بوتين اتخذ قراره وأن الحرب ستكون «كارثية لا داعي لها» (أ.ف.ب)
الرئيس بايدن قال إن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية تظهر أن بوتين اتخذ قراره وأن الحرب ستكون «كارثية لا داعي لها» (أ.ف.ب)

رغم «اقتناع» الرئيس الأميركي جو بايدن بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد «اتخذ قراراً نهائياً» برفض المبادرات الدبلوماسية وغزو أوكرانيا، فإنه ناشده «اختيار الدبلوماسية»، لافتاً إلى أن «الأوان لم يفُت بعد». وفيما تشير كل التقديرات والمعلومات الاستخبارية إلى أن بوتين في طريقه لتنفيذ هجومه على أوكرانيا، فإن الغموض لا يزال يلف طبيعة العملية التي سينفذها ومداها. وقال بايدن في مؤتمر صحافي خصصه للحديث عن الاتصالات التي أجراها الجمعة، مع قادة الناتو والاتحاد الأوروبي والكونغرس الأميركي، حول آخر التوقعات بالنسبة لأوكرانيا، إن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية تظهر أن بوتين اتخذ قراره، وأنها ستكون «حرباً كارثية لا داعي لها» في أوروبا الشرقية. وأضاف: «لدينا سبب للاعتقاد بأن القوات الروسية تخطط وتعتزم مهاجمة أوكرانيا في الأسبوع المقبل... في الأيام المقبلة»، و«نعتقد أنهم سيستهدفون العاصمة الأوكرانية، كييف، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها 2.8 مليون شخص بريء». ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن بوتين لا يزال متردداً بشأن الغزو، قال بايدن: «أنا مقتنع بأنه اتخذ القرار». لكنه أضاف: «لم يفُت الأوان بعد للتهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات»، في إشارة إلى المحادثات المزمعة بين وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم الخميس المقبل. لكنه أكد: «إذا قامت روسيا بعمل عسكري قبل ذلك التاريخ، فسيكون من الواضح أنها أغلقت الباب أمام الدبلوماسية».

القوات الروسية في مواقع هجومية
ونقلت محطة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين وأشخاص مطلعين، أن تصميم بايدن على أن بوتين قرر غزو أوكرانيا جاء «جزئياً بناء على أحدث التقييمات الاستخباراتية التي تظهر أن ما يقرب من 40 في المائة من القوات الروسية المحتشدة على الحدود قد تحركت إلى مواقع هجومية». وأضافت تلك المصادر، ومع ذلك، لم يكن بايدن يخطط في البداية للإعلان خلال خطابه، «أنه يعتقد أن بوتين اتخذ قراره»، ولم يتضمن خطابه أي إيحاء بذلك. لكن عندما سأله أحد المراسلين عمّا إذا كان يعتقد أن بوتين قد اتخذ القرار، أجاب في البداية بالإيجاب فقط ورفض التوسع.
وجاءت تصريحات بايدن بعدما دعا الانفصاليون المدعومون من روسيا في شرق أوكرانيا، إلى عمليات إجلاء جماعية في المناطق التي يسيطرون عليها، زاعمين من دون أدلة واضحة، أن الجيش الأوكراني على وشك شن هجوم واسع النطاق، وهو ما عدّ تأكيداً للتحضير لغزو روسي وشيك. وقال بايدن إن الإعلام الروسي يكرر المزاعم بشأن حدوث مذابح في دونباس، وخططاً أوكرانية للهجوم على روسيا. وقال: «ببساطة لا يوجد دليل على هذه التأكيدات، وهو يتحدى المنطق الأساسي للاعتقاد بأن الأوكرانيين سيختارون هذه اللحظة، مع وجود أكثر من 150 ألف جندي روسي محتشدين على حدودهم، لتصعيد الصراع». وأكد بايدن أنه تبادل مع حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي آخر المعلومات الاستخبارية، والتأكد من استمرار التوافق بيننا، «رغم الجهود الروسية لتقسيمنا». وكرر أن بلاده لن ترسل قوات للقتال في أوكرانيا، لكنه تعهد مواصلة تقديم الدعم للأوكرانيين، مشدداً على أن الولايات المتحدة وحلفاءها مستعدون للدفاع عن كل شبر من أراضي حلف الناتو.
وعدت تصريحات بايدن أوضح المؤشرات على مدى احتمال حصول أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. غير أن إصراره على تأكيد التنبؤ بالإطار الزمني ومناطق العمليات ومعايير الغزو، عد مخاطرة غير عادية، رغم احتمال أن يكون ذلك خطأ. وقال بايدن: «نحن نكشف خطط روسيا بصوت عالٍ وبشكل متكرر». «ليس لأننا نريد صراعاً، ولكن لأننا نفعل كل ما في وسعنا لإزالة أي سبب قد تقدمه روسيا لتبرير غزو أوكرانيا ومنعهم من التحرك». وقال مسؤولون أميركيون إن «نيات بوتين كان من الصعب تمييزها، لأنه يخفي خططه حتى عن كبار مستشاريه، ويكشف عن قراراته فقط عند اتخاذها».
ويوم السبت، قال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، إن الجيش الروسي على استعداد لضرب أوكرانيا، لكنه أعرب عن أمله في أن يتراجع الرئيس الروسي عن «حافة الحرب». وتعهد أوستن خلال زيارة إلى ليتوانيا، بأن تقف بلاده مع حلفائها في دول البلطيق، حيث «تتعرض المنطقة لمخاطر الغزو المحتمل». وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة فيلنيوس، بعد محادثات أجراها مع قادة ليتوانيا: «أريد أن يعلم الجميع في ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، وأريد أن يعلم الرئيس بوتين، أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حلفائها».
في هذا الوقت أعلن السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أنه انضم إلى نظرائه في بريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان في إصدار بيان مشترك بشأن «التهديدات المتزايدة للسلام والأمن الإقليمي لأوكرانيا». وقال البيان: «نحن رؤساء لجان الشؤون الخارجية البرلمانية لمجموعة السبع، نشعر بقلق عميق إزاء التوترات المستمرة التي تنطوي على روسيا وأوكرانيا والتهديدات للسلام والأمن الإقليمي لأوكرانيا، وندين بشدة أي محاولة من أي بلد لتغيير الوضع الراهن بالإكراه أو بالقوة». وأضاف البيان: «نحث حكومة روسيا على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن تنفيذ أي عمليات عسكرية ضد أوكرانيا»، و«سنواجه أي غزو آخر من قبل روسيا لأوكرانيا بعقوبات سريعة وشديدة». كما نحث حكومة روسيا على تجنب جميع المبادرات الرامية إلى الاعتراف بجمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية المعلنة ذاتياً، فالاعتراف بهذه الجمهوريات يعد انتهاكاً خطيراً جداً لسيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية. وختم البيان بدعوة «المجتمع الدولي وحكوماتنا وحكومة روسيا وحكومة أوكرانيا إلى مواصلة الانخراط في الحوار واستخدام جميع الخيارات الدبلوماسية للتوصل إلى حل سلمي لهذه الأزمة».

غزو شامل أو عملية محدودة
وأشارت أوساط أميركية إلى أن بوتين قد يدرس خيارات عدة، تتراوح بين شن هجوم شامل، وهو ما قد يكون أمراً صعباً، أو القيام بعملية عسكرية محدودة، قد تؤدي إلى انهيار الحكومة الأوكرانية، وتشكيل حكومة موالية أو على الأقل «محايدة». وأضافت أن هذا الخيار سيعرضه لخطر عقوبات، لكنه يراهن على إمكانية رفعها في وقت قريب، والدخول في مفاوضات مع الغرب، بما يؤدي إلى تأمين مخرج ملائم له.
وحذر مسؤول كبير في البيت الأبيض، الجمعة، من أنّ العقوبات التي ستفرضها الولايات المتّحدة وشركاؤها على موسكو، إذا قرّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا، ستجعل من روسيا دولة «منبوذة». وقال نائب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض لشؤون الاقتصاد الدولي داليب سينغ للصحافيين، إنّ روسيا «ستصبح دولة منبوذة بالنسبة إلى المجتمع الدولي. سيتمّ عزلها من الأسواق المالية الدولية وحرمانها من المدخلات التكنولوجية الأكثر تطوراً». وقال: «نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على حزمة العقوبات على روسيا في حال غزوها أوكرانيا، ولن يكون بوسع الصين تعويض روسيا عن أضرار العقوبات الاقتصادية في مجال التكنولوجيا المتقدمة». وشدّد سينغ على أنّ العقوبات التي تعتزم بلاده فرضها على روسيا «تمّ إعدادها بطريقة مسؤولة، لتجنّب استهداف الشعب الروسي والحدّ من أضرارها الجانبية على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي». وأوضح أنّ هذه العقوبات «ستعرّض روسيا لخطر هروب رساميل كبيرة ولضغوط مزدادة على عملتها، ولارتفاع في معدلات التضخّم، ولتكاليف اقتراض مرتفعة، ولانكماش اقتصادي، ولتآكل قدرتها الإنتاجية». وأكد أن الولايات المتحدة «مستعدة» في حال حاولت روسيا استخدام موارد الطاقة «سلاحاً» ووسيلة ضغط. وقال: «لقد اتخذنا إجراءات للتنسيق مع أكبر مستهلكي الطاقة ومنتجيها لنضمن أن لدينا إمدادات طاقة متواصلة وأسواق طاقة مستقرة». وقال إن العقوبات التي ستواجهها روسيا ستكون أقسى بكثير من عقوبات عام 2014، مشيراً إلى أن الإجراءات العقابية لا تهدف إلى المس بقدرة روسيا على تزويد العالم بالطاقة. وكانت واشنطن قد أكدت في وقت سابق أنّ خط أنابيب «نورد ستريم 2» لنقل الغاز، الذي يربط روسيا بألمانيا عن طريق البحر، لن يبدأ تشغيله إذا تم اجتياح أوكرانيا. وخلال المؤتمر الصحافي نفسه، حمّلت الولايات المتحدة، روسيا المسؤولية عن الهجمات الإلكترونية التي استهدفت، الثلاثاء، كثيراً من المواقع العسكرية الرسمية الأوكرانية ومصرفين حكوميين. وقالت آن نويبرغر مستشارة البيت الأبيض لعمليات القرصنة المعلوماتية: «نرى أنّ الدولة الروسية هي المسؤولة عن الهجمات السيبرانية التي استهدفت مصارف أوكرانية هذا الأسبوع». لكنها أضافت أنه ليست هناك معلومات حول هجوم سيبراني روسي وشيك ضد الولايات المتحدة، «لكننا مستعدون لجميع الحالات الطارئة».



الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.


ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».