موسكو أمام خيارَي الحرب المحدودة أو التنازلات المتبادلة

سيناريو «الغزو الشامل» مستبعد... والأزمة مرشحة لتكون طويلة الأمد

صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

موسكو أمام خيارَي الحرب المحدودة أو التنازلات المتبادلة

صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

أيام كانت مثقلة بتوقعات ساخنة. قد تكون هذه الحصيلة الأساسية لأسبوع حَبَس العالم فيه أنفاسه، وهو يترقب اندلاع المعركة الحاسمة في أوكرانيا. إذ سيطرت حال التأجيج التي وجّهتها وسائل إعلام ومراكز قرار غربية على الموقف. وبات العالم يحسب الساعات والدقائق في انتظار «ساعة الصفر» بعدما حدد موعد الحرب، ورسم خرائطها. بل حدد ملامح نتائجها الأولى على الأقل.
اجتياح في 15 أو 16 فبراير (شباط) كان سيسفر عن سقوط العاصمة الأوكرانية كييف بأيدي الروس في غضون 48 ساعة، مع وقوع عشرات الألوف من الضحايا من الجانبين.
مشهد قاتم عزّزته الحشود العسكرية الروسية والغربية على طرفي الحدود. ولكن مرّ يوم 15 فبراير من دون أن يحدث شيء. ثم مرّ يوم 16 الذي حدّدته توقّعات موازية للحدث الكبير، ولم يحدث شيء أيضاً. وبدلاً من مشاهدة تقدم الحشود العسكرية واختراق الحدود، وتفجر نهر الدماء المتدفقة للضحايا، راقب العالم بحذر وريبة مشهد الدبابات الروسية وهي تغادر بهدوء «أرض المعركة» عائدة إلى أماكن تمركزها الدائمة بعد انتهاء التدريبات العسكرية التي أعلنت عنها موسكو في وقت سابق.
سخرت موسكو كثيراً من «خبراء» التحليل السياسي في الغرب والشرق، لدرجة أن الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا دعت وسائل الإعلام إلى وضع «أجندة جديدة» للغزو الروسي المحتمل «كي نتمكن من تحديد مواعيد إجازاتنا السنوية المقبلة». كذلك سخر الكرملين من ذلك على طريقته الخاصة، فقال الناطق باسمه ديمتري بيسكوف: «نمنا ليلة 16 فبراير بهدوء، وصحونا في اليوم التالي لممارسة أعمالنا الكثيرة، لم نغيّر جدول أعمالنا، وإذا كانت لديهم تواريخ أخرى تدفعنا للقلق فليبلغونا بها».
تخفي عبارات السخرية هذه نوعاً من الشماتة بقدرة الغرب، ووسائل الإعلام المتأثرة بدعاياته، على وضع تصوّرات مقنعة لمنطق تسلسل الأحداث المنتظر.
هنا يبرز السؤال الأول؛ هل أعدت موسكو فعلاً لغزو شامل للأراضي الأوكرانية؟
أظهر حجم الحشود العسكرية والمعدات والآليات التي دفعت بها موسكو إلى الحدود الغربية لروسيا، أن الكرملين تأهب فعلاً لمواجهة تطوّر حاسم، أو على الأقل، أراد توجيه رسالة حازمة بأن كل الخيارات مفتوحة أمامه. غير أن السيناريوهات التي وضعتها الإدارة الأميركية، ولقيت رواجاً واسعاً في عدد من العواصم الغربية، بدت أقرب إلى أن تكون خيالية وبعيدة عن التنفيذ على أرض الواقع.
لقد تناقل العالم «خرائط المعركة» المنتظرة، التي برز فيها توغل محتمل للقوات الروسية من أراضي بيلاروسيا شمالاً، وهي أقرب نقطة إلى العاصمة الأوكرانية كييف، يتزامن مع اختراق سريع لجبهة الشرق عبر أراضي إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين عن أوكرانيا، فضلاً عن توجيه ضربات مكثّفة ومركّزة من البحر إلى مواقع البُنى التحتية العسكرية الأوكرانية.

مغامرة عسكرية خطرة
هذا السيناريو يشكل «مغامرة عسكرية» عواقبها وخيمة، كما قال الجنرال السابق ليونيد إيفاشوف، الذي حذّر في رسالة مفتوحة وجّهها مع «جمعية ضباط عموم روسيا» التي تضم جنرالات سابقين مرموقين من السير على هذه الطريق. ولكن بصرف النظر عن تحذير الخبير العسكري البارز، ولعله أمر له أهمية خاصة لأنه يظهر المزاج العام لدى طبقة «الحرس القديم» من العسكريين الروس، فإن احتمالات تطبيق هذه الخطة تبدو ضعيفة للغاية، لأنه سيعني فتح الجبهة التي تدخل فيها روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا على مساحة واسعة للصراع، ما سيجبر بلدان أوروبية على التدخل المباشر. وهذا، فضلاً عن أن هذا يعني، بالمعنى العسكري، أن تواجه موسكو «حرب عصابات» على مساحات شاسعة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لا يجوز مقارنة قدرات أوكرانيا بقدرات جورجيا – المتواضعة نسبياً – عندما تعرضت الأخيرة لغزو روسي سريع عام 2008.
باختصار، في حساب التكلفة بالنسبة لروسيا لن تكون الحرب في أوكرانيا سهلة وخاطفة. وإضافة إلى تكبد خسائر كبيرة نظراً لتطور الجيش الأوكراني خلال السنوات الأخيرة، وتزويده بترسانة نوعية من الأسلحة – وبخاصة، خلال الأشهر القليلة الماضية – فإن الخيار العسكري سيهدم آخر الجسور بين الشعبين الروسي والأوكراني. ثم إنه سيجبر روسيا على خوض «حرب استنزاف»، وخاصة، في مناطق غرب أوكرانيا المعروفة تاريخياً بنفورها من سيطرة الإمبراطورية الروسية، ولاحقاً الاتحاد السوفياتي. بل فوق كل هذا، ستدخل روسيا في مواجهة مع عقوبات سياسية واقتصادية غربية، يلوّح الغرب بأنها ستكون «كرة ثلج متدحرجة» ستدفع موسكو ثمناً باهظاً لها، كما ستدفع الحرب إلى تعزيز «ناتو» (حلف شمال الأطلسي) قواعده وقواته في شرق أوروبا.
ومن جانب آخر، على الصعيد الداخلي الروسي، ليس مضموناً للكرملين منع أي ردود شعبية رافضة للحرب، قد تأخذ خطاً متصاعداً إذا طال زمن العمليات الحربية وبدأت العقوبات الغربية تلقي بثقلها على الاقتصاد الروسي.

ماذا تريد واشنطن؟
لكن، لماذا روّجت واشنطن لهذا السيناريو رغم النفي الروسي المتكرّر له؟
يقول خبراء في موسكو إن الإدارة الأميركية «سعت إلى حشر الرئيس فلاديمير بوتين في زاوية». بمعنى أنه إذا أقدم بوتين على أي توغل فسيواجه ردّ فعل حازماً وقوياً، وسيكون - بالتالي - مضطراً لخوض مغامرة يصعب التكهن بنتائجها. أما في حال تراجع الرئيس الروسي، فسيظهر وكأنه قدّم تنازلات تحت الضغط الأميركي المتواصل، ما يؤسس لتحسين شروط واشنطن التفاوضية حول القضايا المختلفة الموضوعة على طاولة الأزمة.
فلاديمير بوتين لم يختر حتى الآن هذا الطريق، ويبدو أنه لن يغامر أصلاً باقتحامه. والسيناريو الثاني الذي تضعه بعض الأوساط الروسية بين الخيارات الأفضل للكرملين هو تنفيذ عملية عسكرية صغيرة ومحدودة في جنوب شرقي أوكرانيا، لكن هذا مرتبط بوصول كل المفاوضات الجارية مع الغرب إلى طريق مسدودة.
بدا من الزيارات النشطة التي قام بها مسؤولون غربيون إلى موسكو خلال الأسبوع الأخير، أن مسار الحوار لم يُغلَق بعد، على الرغم من فشل الأطراف في تقريب وجهات النظر في أي من الملفات المطروحة. إذ لم ينجح المستشار الألماني أولاف شولتس، ومن قبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الحصول على تعهد واضح من بوتين بأنه لن يقوم بعمل عسكري في أوكرانيا. وهذا وضع مفهوم للغاية، إذ إنه بمجرد تقديم بوتين هذا التعهد المُلزِم ستكون الأزمة الساخنة وصلت إلى نهايتها، وهذا أمر لا يرضي الكرملين طالما لم يحصل مقابله على الضمانات التي يريدها حول الأمن الاستراتيجي في أوروبا، ومسألة تمدد «ناتو» شرقاً.
لذا عمد بوتين إلى مواصلة البناء على سياسة الغموض المقلق. وكما كان متوقعاً، لم يعلن الطرفان الروسي والألماني عن تحقيق نتائج ملموسة في ختام جولة المباحثات التي أجراها بوتين وشولتس. لكن الطرفين تعمدا توجيه رسائل إيجابية لجهة الاستعداد لمواصلة الحوار حول الملفات الخلافية، مع أن بوتين تعمد إبقاء الأبواب مفتوحة أمام كل الاحتمالات، في حال وصلت المفاوضات مع الغرب إلى طريق مسدودة. وكان لافتاً أن الرئيس الروسي قال رداً على سؤال الصحافيين الغربيين حول آفاق التحركات الروسية إن بلاده «ستتصرف وفقاً للخطة الموضوعة». وأردف: «بالنسبة إلى الطريقة التي ستتصرف بها روسيا، فهي ستعمل وفقاً للخطة، ممّ تتألف الخطة؟... من الوضع الحقيقي على الأرض. مَن يستطيع أن يجيب كيف سيتطور الوضع على الأرض؟ لا أحد حتى الآن. الأمر لا يعتمد علينا نحن فقط».

النقطة الحاسمة
هكذا وضع الرئيس الروسي الإصبع مباشرة على النقطة الحاسمة؛ طالما لم نحصل على طلباتنا فكل السيناريوهات على الطاولة، ولسنا اللاعب الوحيد المطلوب منه تقديم تنازلات. وزاد بوتين: «نحن مستعدون لعمل مشترك، وأيضاً لمتابعة مسار المفاوضات. ولكن يجب النظر في جميع القضايا، كرُزمة متكاملة من دون فصلها عن المقترحات الروسية الرئيسة، التي يعد تنفيذها أمراً ضرورياً. إنه أولوية مطلقة بالنسبة إلينا». ثم أوضح قائلاً إن بين هذه المواضيع الإحجام عن توسّع «ناتو»، وإزاحة البنية التحتية العسكرية للكتلة الأطلسية إلى مواقعها عام 1997، والامتناع عن نشر أنظمة الضربات القتالية قرب الحدود الروسية.
عموماً، يطرح فشل الجهود الدبلوماسية الكثيفة خلال الأسبوعين الأخيرين أسئلة متزايدة فيما إذا وصلت الأزمة الأوكرانية إلى «نقطة اللاعودة» بانتظار الغزو الوشيك. ورغم الاختلاف الواسع في الآراء والتقديرات، يبدو أن الجميع متفقون على أن نتيجة الصراع المحتدم ستنبثق عنها قواعد جديدة للعلاقة بين روسيا والغرب. وهذه القواعد سترسم إلى حدّ كبير مسار العلاقات الروسية - الأوكرانية مستقبلاً، مع تأثير ما سبق على ميزان القوى العالمي ومخاض ولادة خرائط جيوسياسية جديدة.
وفي ظل شكوك الغرب إزاء النيات الروسية، بدا أن موسكو سجلت نقطة في صالحها، بإثارة الغموض حول حقيقة موقفها، والهدف النهائي من حشودها العسكرية على الحدود مع أوكرانيا، والسيناريوهات التي قد تُقدم على تنفيذها. أيضاً بدت موسكو حريصة على تجنب وضع أي سقوف زمنية مقيدة لها، أو التلويح مباشرة باستخدام القوة، بل على العكس من ذلك اتهمت موسكو الولايات المتحدة ودول «ناتو» بمحاولة صبّ الزيت على نار الأزمة بين روسيا وأوكرانيا. ولطالما نفى المسؤولون الروس وجود نية لغزو أوكرانيا، كما لم يتردد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في محاولة تصوير روسيا على أنها هي مَن تتعرض للتهديد، وعبّر عن ذلك في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرته البريطانية ليز تراس في الأسبوع الماضي بالقول: «نحن لا نرغب في تهديد أحد. انظروا إلى التصريحات. ليس فيها أي تهديد على الإطلاق، إنما هم يهددوننا».
من ناحية ثانية، إذا كان من شأن تكتيك الغموض الذي تتبعه موسكو فتح الباب واسعاً أمامها للمناورة، فإن الموقف الذي وضعت فيه نفسها، بتلويحها باستخدام القوة عبر الحشود العسكرية، يضعها في موقف المغامرة. إذ إن تراجعها خطوة إلى الوراء من دون تحقيق مكاسب وازنة سيرتد عليها خسائر جيوسياسية. والأمر ذاته ينطبق على واشنطن و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، بما يتعدى نطاق وحيثيات الأزمة الأوكرانية والتداعيات المباشرة التي قد تنتج عنها.
وفي حال حسمت موسكو قرارها - سواء بالغزو أو بالتراجع عنه - فالورقة الأوكرانية بالنسبة لموسكو وواشنطن و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، على حد سواء، تعدّ ورقة مهمة في إطار صراع جيوسياسي، تريد روسيا من خلاله تثبيت موقعها كدولة كبرى في عالم متعدد الأقطاب. وبالتالي، فرض منظومة أمنية جديدة في أوروبا، تكون طرفاً مقرراً، وتأخذ بعين الاعتبار مصالحها التي تطالب بها، وألا تستند أي مباحثات حول أمن القارة الأوروبية على ورقة أوروبية جماعية.
من الواضح الآن أن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يقبلوا بالشروط التي وضعتها موسكو كسلّة واحدة، لكن يبقى الباب موارباً أمام مخرج غير مهين لروسيا، بإبداء مرونة إزاء مطلب موسكو بتحاشي ضم أوكرانيا لعضوية «ناتو»، وتجنب الإعلان عن خطط من قبل الحلف للتوسع شرقاً، إنما دون التزامات قاطعة على المدى البعيد. ويمكن تمرير ذلك عبر تجميد البتّ بقبول عضوية أوكرانيا، أو دول أخرى كانت في عداد الاتحاد السوفياتي، لفترة زمنية طويلة، أو أن تتبنى أوكرانيا خيار الحياد مع ضمانات أمنية واضحة بالدفاع عنها في حال حصل اعتداء روسي.
وكأسهل طريقة لخفض التصعيد، تطالب موسكو كلاً من واشنطن والاتحاد الأوروبي بممارسة ضغوط أكبر على كييف لتنفيذ «اتفاقيات مينسك» لحل الصراع مع انفصاليّي شرق أوكرانيا. ولكن التصريحات الأوكرانية الأخيرة عن أن الاتفاقيات وقّعت تحت ضغط التهديد العسكري الروسي تعني أنه سيصعب إقناع أي حكومة أوكرانية بتنفيذ هذه الاتفاقيات وفقاً لتسلسلها وملحقاتها التوضيحية.
وهكذا، بين تحفظات كييف على بعض بنود الاتفاقية والتحذير من أن فرضها بحذافيرها سيؤدي إلى انهيار أوكرانيا كدولة، وبين تمسك موسكو بتنفيذها بلا تعديل أو تسويف، يتوقف الأمر كثيراً على إمكانية شق «طريق ثالث» يخفف من مخاوف كييف، فيبقي «الوضع الخاص» للمنطقتين الانفصاليين لوغانسك ودونيتسك... ولكن تحت سقف «وحدة تراب أوكرانيا». وطبعاً هذا الأمر يتطلب وقتاً، ولعله لن يتحقق، بينما تقرع طبول الحرب.

                                      راجمة صواريخ خلال مناورات روسية - بيلاروسية يوم الخميس (أ.ف.ب / وزارة الدفاع الروسية)

السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة
>مع انتشار القوات الروسية قرب الحدود الأوكرانية من الجنوب والشرق وشبه جزيرة القرم، ومن الشمال في بيلاروسيا، والانتشار البحري في بحر أزوف، فإن روسيا قادرة - في حال وجود إرادة سياسية – على شن الحرب. وبينما يبدو السحب الجزئي للقوات من بعض المناطق «بادرة حسن نية» تجاه الغرب، فإنه لا يغير عملياً من الواقع الميداني وقدرة موسكو على تنفيذ هجوم فعال.
ومع استبعاد السيناريو الأول المتمثل في الغزو الشامل، للأسباب التي ذكرت سابقاً، ومنها أن موسكو لن تكون قادرة على تحمل تكاليفه طويلة الأمد. هناك السيناريو الثاني. وهو يتمثل في إطلاق عمليات عسكرية واسعة انطلاقاً من المحافظات الجنوبية الروسية المحاذية لشرق أوكرانيا، وكذلك من شبه جزيرة القرم، وعمليات بحرية من بحر آزوف والسيطرة على جميع المناطق الجنوبية الشرقية، ووصل القرم مع حوض الدونباس وتحويل بحر آزوف إلى بحر روسي مغلق بالكامل. بذا تمنع روسيا عملياً مرور السفن البحرية التابعة لـ«ناتو» عبر مضيق كيرتش، كما تسيطر على أهم ميناء لتصدير المواد الخام والمواد الزراعية، وتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. هذا الاحتمال أقل كلفة نظراً لوجود أقلية روسية وازنة في هذه المنطقة المرتبطة تاريخياً واجتماعياً بروسيا، ولن يواجه الجيش الروسي مواجهة قوية من السكان المحليين.
السيناريو الثالث ينحصر في احتمال اكتفاء روسيا بشن حرب محدودة على إقليم الدونباس. ومع أن هذا الاحتمال يبقى أكبر من احتمال الاجتياح الشامل، فإنه يحمل بدوره محاذير خطرة قد تقود إلى حرب واسعة ومدمرة، تنجم عنها خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين والقوات المسلحة الأوكرانية والروسية. ثم إنه لن يحول دون العقوبات السياسية والاقتصادية الغربية.
وأما السيناريو الرابع فيقوم على دفع المقاتلين الانفصاليين في منطقتي لوغانسك ودونيتسك لشن حرب بالوكالة ضد الجيش الأوكراني، بدعم لوجستي من روسيا، مترافقاً مع شن حرب «سيبرانية» ضد البنية التحتية الحيوية، والهيئات والمؤسسات الحكومية، والقطاعات المصرفية والتجارية والخاصة. وهنا، رغم أن هذا السيناريو سيكون أقل تكلفة لموسكو، ويمكِّنها من أن تدفع عن نفسها تهمة التدخل المباشر، باعتبار أن ما يجري «صراع داخلي» أوكراني، فإن ميزان القوى الراهن يميل لمصلحة الجيش الأوكراني بمواجهة الانفصاليين. كذلك، قد تجد روسيا نفسها متورطة مجدداً في حرب مباشرة مع أوكرانيا.
مقابل السيناريوات العسكرية المطروحة، ثمة فرصة لتجنّب الحرب عبر سيناريو خامس يتضمن تراجع روسيا عن التلويح باستخدام الخيار العسكري، وتبريد الأزمة تدريجياً والبدء بسحب قواتها المحتشدة على الحدود مع أوكرانيا. ويمكن لموسكو الإقدام على هذه الخطوة بالإعلان عن انتهاء المناورات، علماً بأن المسؤولين الروس دأبوا في تصريحاتهم على نفي وجود أي نية لدى روسيا بشن حرب على أوكرانيا. هذا السيناريو سيكون مرجّحاً في حال مالت تقديرات الكرملين إلى أن الكلفة ستكون باهظة جداً، وأيضاً من خلال توفير الغرب مخرجاً مشرفاً للرئيس بوتين... أي بتقديم تنازلات قد لا تكون مرضية تماماً لموسكو، لكنها تعد كافية لفتح حوار جدي حول المطالب الأمنية المطروحة. هنا يستطيع الكرملين اعتباره إنجازاً مهماً قد يطوي مؤقتاً هذه الصفحة من المواجهة المفتوحة بين روسيا والغرب، مع أنه لا يضع آليات مباشرة لتطويق الأزمة نهائياً، بل يحوّلها إلى أزمة طويلة الأمد تستنزف طاقات الطرفين لسنوات مقبلة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.