موسكو أمام خيارَي الحرب المحدودة أو التنازلات المتبادلة

سيناريو «الغزو الشامل» مستبعد... والأزمة مرشحة لتكون طويلة الأمد

صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

موسكو أمام خيارَي الحرب المحدودة أو التنازلات المتبادلة

صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)
صحافيون يتابعون من غرفة مخصصة للإعلاميين وقائع اللقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمستشار الألماني أولاف شولتز في الكرملين يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

أيام كانت مثقلة بتوقعات ساخنة. قد تكون هذه الحصيلة الأساسية لأسبوع حَبَس العالم فيه أنفاسه، وهو يترقب اندلاع المعركة الحاسمة في أوكرانيا. إذ سيطرت حال التأجيج التي وجّهتها وسائل إعلام ومراكز قرار غربية على الموقف. وبات العالم يحسب الساعات والدقائق في انتظار «ساعة الصفر» بعدما حدد موعد الحرب، ورسم خرائطها. بل حدد ملامح نتائجها الأولى على الأقل.
اجتياح في 15 أو 16 فبراير (شباط) كان سيسفر عن سقوط العاصمة الأوكرانية كييف بأيدي الروس في غضون 48 ساعة، مع وقوع عشرات الألوف من الضحايا من الجانبين.
مشهد قاتم عزّزته الحشود العسكرية الروسية والغربية على طرفي الحدود. ولكن مرّ يوم 15 فبراير من دون أن يحدث شيء. ثم مرّ يوم 16 الذي حدّدته توقّعات موازية للحدث الكبير، ولم يحدث شيء أيضاً. وبدلاً من مشاهدة تقدم الحشود العسكرية واختراق الحدود، وتفجر نهر الدماء المتدفقة للضحايا، راقب العالم بحذر وريبة مشهد الدبابات الروسية وهي تغادر بهدوء «أرض المعركة» عائدة إلى أماكن تمركزها الدائمة بعد انتهاء التدريبات العسكرية التي أعلنت عنها موسكو في وقت سابق.
سخرت موسكو كثيراً من «خبراء» التحليل السياسي في الغرب والشرق، لدرجة أن الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا دعت وسائل الإعلام إلى وضع «أجندة جديدة» للغزو الروسي المحتمل «كي نتمكن من تحديد مواعيد إجازاتنا السنوية المقبلة». كذلك سخر الكرملين من ذلك على طريقته الخاصة، فقال الناطق باسمه ديمتري بيسكوف: «نمنا ليلة 16 فبراير بهدوء، وصحونا في اليوم التالي لممارسة أعمالنا الكثيرة، لم نغيّر جدول أعمالنا، وإذا كانت لديهم تواريخ أخرى تدفعنا للقلق فليبلغونا بها».
تخفي عبارات السخرية هذه نوعاً من الشماتة بقدرة الغرب، ووسائل الإعلام المتأثرة بدعاياته، على وضع تصوّرات مقنعة لمنطق تسلسل الأحداث المنتظر.
هنا يبرز السؤال الأول؛ هل أعدت موسكو فعلاً لغزو شامل للأراضي الأوكرانية؟
أظهر حجم الحشود العسكرية والمعدات والآليات التي دفعت بها موسكو إلى الحدود الغربية لروسيا، أن الكرملين تأهب فعلاً لمواجهة تطوّر حاسم، أو على الأقل، أراد توجيه رسالة حازمة بأن كل الخيارات مفتوحة أمامه. غير أن السيناريوهات التي وضعتها الإدارة الأميركية، ولقيت رواجاً واسعاً في عدد من العواصم الغربية، بدت أقرب إلى أن تكون خيالية وبعيدة عن التنفيذ على أرض الواقع.
لقد تناقل العالم «خرائط المعركة» المنتظرة، التي برز فيها توغل محتمل للقوات الروسية من أراضي بيلاروسيا شمالاً، وهي أقرب نقطة إلى العاصمة الأوكرانية كييف، يتزامن مع اختراق سريع لجبهة الشرق عبر أراضي إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين عن أوكرانيا، فضلاً عن توجيه ضربات مكثّفة ومركّزة من البحر إلى مواقع البُنى التحتية العسكرية الأوكرانية.

مغامرة عسكرية خطرة
هذا السيناريو يشكل «مغامرة عسكرية» عواقبها وخيمة، كما قال الجنرال السابق ليونيد إيفاشوف، الذي حذّر في رسالة مفتوحة وجّهها مع «جمعية ضباط عموم روسيا» التي تضم جنرالات سابقين مرموقين من السير على هذه الطريق. ولكن بصرف النظر عن تحذير الخبير العسكري البارز، ولعله أمر له أهمية خاصة لأنه يظهر المزاج العام لدى طبقة «الحرس القديم» من العسكريين الروس، فإن احتمالات تطبيق هذه الخطة تبدو ضعيفة للغاية، لأنه سيعني فتح الجبهة التي تدخل فيها روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا على مساحة واسعة للصراع، ما سيجبر بلدان أوروبية على التدخل المباشر. وهذا، فضلاً عن أن هذا يعني، بالمعنى العسكري، أن تواجه موسكو «حرب عصابات» على مساحات شاسعة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لا يجوز مقارنة قدرات أوكرانيا بقدرات جورجيا – المتواضعة نسبياً – عندما تعرضت الأخيرة لغزو روسي سريع عام 2008.
باختصار، في حساب التكلفة بالنسبة لروسيا لن تكون الحرب في أوكرانيا سهلة وخاطفة. وإضافة إلى تكبد خسائر كبيرة نظراً لتطور الجيش الأوكراني خلال السنوات الأخيرة، وتزويده بترسانة نوعية من الأسلحة – وبخاصة، خلال الأشهر القليلة الماضية – فإن الخيار العسكري سيهدم آخر الجسور بين الشعبين الروسي والأوكراني. ثم إنه سيجبر روسيا على خوض «حرب استنزاف»، وخاصة، في مناطق غرب أوكرانيا المعروفة تاريخياً بنفورها من سيطرة الإمبراطورية الروسية، ولاحقاً الاتحاد السوفياتي. بل فوق كل هذا، ستدخل روسيا في مواجهة مع عقوبات سياسية واقتصادية غربية، يلوّح الغرب بأنها ستكون «كرة ثلج متدحرجة» ستدفع موسكو ثمناً باهظاً لها، كما ستدفع الحرب إلى تعزيز «ناتو» (حلف شمال الأطلسي) قواعده وقواته في شرق أوروبا.
ومن جانب آخر، على الصعيد الداخلي الروسي، ليس مضموناً للكرملين منع أي ردود شعبية رافضة للحرب، قد تأخذ خطاً متصاعداً إذا طال زمن العمليات الحربية وبدأت العقوبات الغربية تلقي بثقلها على الاقتصاد الروسي.

ماذا تريد واشنطن؟
لكن، لماذا روّجت واشنطن لهذا السيناريو رغم النفي الروسي المتكرّر له؟
يقول خبراء في موسكو إن الإدارة الأميركية «سعت إلى حشر الرئيس فلاديمير بوتين في زاوية». بمعنى أنه إذا أقدم بوتين على أي توغل فسيواجه ردّ فعل حازماً وقوياً، وسيكون - بالتالي - مضطراً لخوض مغامرة يصعب التكهن بنتائجها. أما في حال تراجع الرئيس الروسي، فسيظهر وكأنه قدّم تنازلات تحت الضغط الأميركي المتواصل، ما يؤسس لتحسين شروط واشنطن التفاوضية حول القضايا المختلفة الموضوعة على طاولة الأزمة.
فلاديمير بوتين لم يختر حتى الآن هذا الطريق، ويبدو أنه لن يغامر أصلاً باقتحامه. والسيناريو الثاني الذي تضعه بعض الأوساط الروسية بين الخيارات الأفضل للكرملين هو تنفيذ عملية عسكرية صغيرة ومحدودة في جنوب شرقي أوكرانيا، لكن هذا مرتبط بوصول كل المفاوضات الجارية مع الغرب إلى طريق مسدودة.
بدا من الزيارات النشطة التي قام بها مسؤولون غربيون إلى موسكو خلال الأسبوع الأخير، أن مسار الحوار لم يُغلَق بعد، على الرغم من فشل الأطراف في تقريب وجهات النظر في أي من الملفات المطروحة. إذ لم ينجح المستشار الألماني أولاف شولتس، ومن قبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في الحصول على تعهد واضح من بوتين بأنه لن يقوم بعمل عسكري في أوكرانيا. وهذا وضع مفهوم للغاية، إذ إنه بمجرد تقديم بوتين هذا التعهد المُلزِم ستكون الأزمة الساخنة وصلت إلى نهايتها، وهذا أمر لا يرضي الكرملين طالما لم يحصل مقابله على الضمانات التي يريدها حول الأمن الاستراتيجي في أوروبا، ومسألة تمدد «ناتو» شرقاً.
لذا عمد بوتين إلى مواصلة البناء على سياسة الغموض المقلق. وكما كان متوقعاً، لم يعلن الطرفان الروسي والألماني عن تحقيق نتائج ملموسة في ختام جولة المباحثات التي أجراها بوتين وشولتس. لكن الطرفين تعمدا توجيه رسائل إيجابية لجهة الاستعداد لمواصلة الحوار حول الملفات الخلافية، مع أن بوتين تعمد إبقاء الأبواب مفتوحة أمام كل الاحتمالات، في حال وصلت المفاوضات مع الغرب إلى طريق مسدودة. وكان لافتاً أن الرئيس الروسي قال رداً على سؤال الصحافيين الغربيين حول آفاق التحركات الروسية إن بلاده «ستتصرف وفقاً للخطة الموضوعة». وأردف: «بالنسبة إلى الطريقة التي ستتصرف بها روسيا، فهي ستعمل وفقاً للخطة، ممّ تتألف الخطة؟... من الوضع الحقيقي على الأرض. مَن يستطيع أن يجيب كيف سيتطور الوضع على الأرض؟ لا أحد حتى الآن. الأمر لا يعتمد علينا نحن فقط».

النقطة الحاسمة
هكذا وضع الرئيس الروسي الإصبع مباشرة على النقطة الحاسمة؛ طالما لم نحصل على طلباتنا فكل السيناريوهات على الطاولة، ولسنا اللاعب الوحيد المطلوب منه تقديم تنازلات. وزاد بوتين: «نحن مستعدون لعمل مشترك، وأيضاً لمتابعة مسار المفاوضات. ولكن يجب النظر في جميع القضايا، كرُزمة متكاملة من دون فصلها عن المقترحات الروسية الرئيسة، التي يعد تنفيذها أمراً ضرورياً. إنه أولوية مطلقة بالنسبة إلينا». ثم أوضح قائلاً إن بين هذه المواضيع الإحجام عن توسّع «ناتو»، وإزاحة البنية التحتية العسكرية للكتلة الأطلسية إلى مواقعها عام 1997، والامتناع عن نشر أنظمة الضربات القتالية قرب الحدود الروسية.
عموماً، يطرح فشل الجهود الدبلوماسية الكثيفة خلال الأسبوعين الأخيرين أسئلة متزايدة فيما إذا وصلت الأزمة الأوكرانية إلى «نقطة اللاعودة» بانتظار الغزو الوشيك. ورغم الاختلاف الواسع في الآراء والتقديرات، يبدو أن الجميع متفقون على أن نتيجة الصراع المحتدم ستنبثق عنها قواعد جديدة للعلاقة بين روسيا والغرب. وهذه القواعد سترسم إلى حدّ كبير مسار العلاقات الروسية - الأوكرانية مستقبلاً، مع تأثير ما سبق على ميزان القوى العالمي ومخاض ولادة خرائط جيوسياسية جديدة.
وفي ظل شكوك الغرب إزاء النيات الروسية، بدا أن موسكو سجلت نقطة في صالحها، بإثارة الغموض حول حقيقة موقفها، والهدف النهائي من حشودها العسكرية على الحدود مع أوكرانيا، والسيناريوهات التي قد تُقدم على تنفيذها. أيضاً بدت موسكو حريصة على تجنب وضع أي سقوف زمنية مقيدة لها، أو التلويح مباشرة باستخدام القوة، بل على العكس من ذلك اتهمت موسكو الولايات المتحدة ودول «ناتو» بمحاولة صبّ الزيت على نار الأزمة بين روسيا وأوكرانيا. ولطالما نفى المسؤولون الروس وجود نية لغزو أوكرانيا، كما لم يتردد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في محاولة تصوير روسيا على أنها هي مَن تتعرض للتهديد، وعبّر عن ذلك في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيرته البريطانية ليز تراس في الأسبوع الماضي بالقول: «نحن لا نرغب في تهديد أحد. انظروا إلى التصريحات. ليس فيها أي تهديد على الإطلاق، إنما هم يهددوننا».
من ناحية ثانية، إذا كان من شأن تكتيك الغموض الذي تتبعه موسكو فتح الباب واسعاً أمامها للمناورة، فإن الموقف الذي وضعت فيه نفسها، بتلويحها باستخدام القوة عبر الحشود العسكرية، يضعها في موقف المغامرة. إذ إن تراجعها خطوة إلى الوراء من دون تحقيق مكاسب وازنة سيرتد عليها خسائر جيوسياسية. والأمر ذاته ينطبق على واشنطن و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، بما يتعدى نطاق وحيثيات الأزمة الأوكرانية والتداعيات المباشرة التي قد تنتج عنها.
وفي حال حسمت موسكو قرارها - سواء بالغزو أو بالتراجع عنه - فالورقة الأوكرانية بالنسبة لموسكو وواشنطن و«ناتو» والاتحاد الأوروبي، على حد سواء، تعدّ ورقة مهمة في إطار صراع جيوسياسي، تريد روسيا من خلاله تثبيت موقعها كدولة كبرى في عالم متعدد الأقطاب. وبالتالي، فرض منظومة أمنية جديدة في أوروبا، تكون طرفاً مقرراً، وتأخذ بعين الاعتبار مصالحها التي تطالب بها، وألا تستند أي مباحثات حول أمن القارة الأوروبية على ورقة أوروبية جماعية.
من الواضح الآن أن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يقبلوا بالشروط التي وضعتها موسكو كسلّة واحدة، لكن يبقى الباب موارباً أمام مخرج غير مهين لروسيا، بإبداء مرونة إزاء مطلب موسكو بتحاشي ضم أوكرانيا لعضوية «ناتو»، وتجنب الإعلان عن خطط من قبل الحلف للتوسع شرقاً، إنما دون التزامات قاطعة على المدى البعيد. ويمكن تمرير ذلك عبر تجميد البتّ بقبول عضوية أوكرانيا، أو دول أخرى كانت في عداد الاتحاد السوفياتي، لفترة زمنية طويلة، أو أن تتبنى أوكرانيا خيار الحياد مع ضمانات أمنية واضحة بالدفاع عنها في حال حصل اعتداء روسي.
وكأسهل طريقة لخفض التصعيد، تطالب موسكو كلاً من واشنطن والاتحاد الأوروبي بممارسة ضغوط أكبر على كييف لتنفيذ «اتفاقيات مينسك» لحل الصراع مع انفصاليّي شرق أوكرانيا. ولكن التصريحات الأوكرانية الأخيرة عن أن الاتفاقيات وقّعت تحت ضغط التهديد العسكري الروسي تعني أنه سيصعب إقناع أي حكومة أوكرانية بتنفيذ هذه الاتفاقيات وفقاً لتسلسلها وملحقاتها التوضيحية.
وهكذا، بين تحفظات كييف على بعض بنود الاتفاقية والتحذير من أن فرضها بحذافيرها سيؤدي إلى انهيار أوكرانيا كدولة، وبين تمسك موسكو بتنفيذها بلا تعديل أو تسويف، يتوقف الأمر كثيراً على إمكانية شق «طريق ثالث» يخفف من مخاوف كييف، فيبقي «الوضع الخاص» للمنطقتين الانفصاليين لوغانسك ودونيتسك... ولكن تحت سقف «وحدة تراب أوكرانيا». وطبعاً هذا الأمر يتطلب وقتاً، ولعله لن يتحقق، بينما تقرع طبول الحرب.

                                      راجمة صواريخ خلال مناورات روسية - بيلاروسية يوم الخميس (أ.ف.ب / وزارة الدفاع الروسية)

السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة
>مع انتشار القوات الروسية قرب الحدود الأوكرانية من الجنوب والشرق وشبه جزيرة القرم، ومن الشمال في بيلاروسيا، والانتشار البحري في بحر أزوف، فإن روسيا قادرة - في حال وجود إرادة سياسية – على شن الحرب. وبينما يبدو السحب الجزئي للقوات من بعض المناطق «بادرة حسن نية» تجاه الغرب، فإنه لا يغير عملياً من الواقع الميداني وقدرة موسكو على تنفيذ هجوم فعال.
ومع استبعاد السيناريو الأول المتمثل في الغزو الشامل، للأسباب التي ذكرت سابقاً، ومنها أن موسكو لن تكون قادرة على تحمل تكاليفه طويلة الأمد. هناك السيناريو الثاني. وهو يتمثل في إطلاق عمليات عسكرية واسعة انطلاقاً من المحافظات الجنوبية الروسية المحاذية لشرق أوكرانيا، وكذلك من شبه جزيرة القرم، وعمليات بحرية من بحر آزوف والسيطرة على جميع المناطق الجنوبية الشرقية، ووصل القرم مع حوض الدونباس وتحويل بحر آزوف إلى بحر روسي مغلق بالكامل. بذا تمنع روسيا عملياً مرور السفن البحرية التابعة لـ«ناتو» عبر مضيق كيرتش، كما تسيطر على أهم ميناء لتصدير المواد الخام والمواد الزراعية، وتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. هذا الاحتمال أقل كلفة نظراً لوجود أقلية روسية وازنة في هذه المنطقة المرتبطة تاريخياً واجتماعياً بروسيا، ولن يواجه الجيش الروسي مواجهة قوية من السكان المحليين.
السيناريو الثالث ينحصر في احتمال اكتفاء روسيا بشن حرب محدودة على إقليم الدونباس. ومع أن هذا الاحتمال يبقى أكبر من احتمال الاجتياح الشامل، فإنه يحمل بدوره محاذير خطرة قد تقود إلى حرب واسعة ومدمرة، تنجم عنها خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين والقوات المسلحة الأوكرانية والروسية. ثم إنه لن يحول دون العقوبات السياسية والاقتصادية الغربية.
وأما السيناريو الرابع فيقوم على دفع المقاتلين الانفصاليين في منطقتي لوغانسك ودونيتسك لشن حرب بالوكالة ضد الجيش الأوكراني، بدعم لوجستي من روسيا، مترافقاً مع شن حرب «سيبرانية» ضد البنية التحتية الحيوية، والهيئات والمؤسسات الحكومية، والقطاعات المصرفية والتجارية والخاصة. وهنا، رغم أن هذا السيناريو سيكون أقل تكلفة لموسكو، ويمكِّنها من أن تدفع عن نفسها تهمة التدخل المباشر، باعتبار أن ما يجري «صراع داخلي» أوكراني، فإن ميزان القوى الراهن يميل لمصلحة الجيش الأوكراني بمواجهة الانفصاليين. كذلك، قد تجد روسيا نفسها متورطة مجدداً في حرب مباشرة مع أوكرانيا.
مقابل السيناريوات العسكرية المطروحة، ثمة فرصة لتجنّب الحرب عبر سيناريو خامس يتضمن تراجع روسيا عن التلويح باستخدام الخيار العسكري، وتبريد الأزمة تدريجياً والبدء بسحب قواتها المحتشدة على الحدود مع أوكرانيا. ويمكن لموسكو الإقدام على هذه الخطوة بالإعلان عن انتهاء المناورات، علماً بأن المسؤولين الروس دأبوا في تصريحاتهم على نفي وجود أي نية لدى روسيا بشن حرب على أوكرانيا. هذا السيناريو سيكون مرجّحاً في حال مالت تقديرات الكرملين إلى أن الكلفة ستكون باهظة جداً، وأيضاً من خلال توفير الغرب مخرجاً مشرفاً للرئيس بوتين... أي بتقديم تنازلات قد لا تكون مرضية تماماً لموسكو، لكنها تعد كافية لفتح حوار جدي حول المطالب الأمنية المطروحة. هنا يستطيع الكرملين اعتباره إنجازاً مهماً قد يطوي مؤقتاً هذه الصفحة من المواجهة المفتوحة بين روسيا والغرب، مع أنه لا يضع آليات مباشرة لتطويق الأزمة نهائياً، بل يحوّلها إلى أزمة طويلة الأمد تستنزف طاقات الطرفين لسنوات مقبلة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».