الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي حرصا على الاجتماع بعيداً عن الأعين

في الذكرى الـ77 للقاء التاريخي بين الزعيمين: روزفلت دخن سيجارتين في المصعد... وطائرة عسكرية تعيد حقيبة الملك المفقودة

الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت ويبدو بينهما العقيد وليام إيدي (جاثيا) والأدميرال وليام ليهي (الشرق الأوسط)
الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت ويبدو بينهما العقيد وليام إيدي (جاثيا) والأدميرال وليام ليهي (الشرق الأوسط)
TT

الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي حرصا على الاجتماع بعيداً عن الأعين

الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت ويبدو بينهما العقيد وليام إيدي (جاثيا) والأدميرال وليام ليهي (الشرق الأوسط)
الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت ويبدو بينهما العقيد وليام إيدي (جاثيا) والأدميرال وليام ليهي (الشرق الأوسط)

لا يمر يوم 14 فبراير (شباط) إلا ويذكر السعوديون والأميركيون اللقاء الأول الذي جمع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في البحيرات المرة بقناة السويس، ذلك اللقاء التاريخي الذي عُرف بقمة أو لقاء كوينسى نسبةً إلى البارجة «يو إس إس كوينسي» التي عُقد على متنها اللقاء، والذي عليه ترسخت العلاقات السعودية - الأميركية حتى هذا اليوم، لكن قبل ذلك اللقاء الشهير كان الملك عبد العزيز قد استردّ في أبريل (نيسان) 1913 الأحساء من العثمانيين في خطوة استباقية لقطع الطريق على أي اتفاق بريطاني - عثماني لتقاسم النفوذ في الجزيرة العربية وعندما تم توقيع الاتفاقية الأنجلوعثمانية في أواخر يوليو (تموز) 1913 والتي تنازلت بموجبها الدولة العثمانية عن ساحل الخليج العربي لبريطانيا.
كان الملك عبد العزيز قد فرض نفسه على خريطة المنطقة ووضع القوى المتنافسة على النفوذ أمام الأمر الواقع مما يبين بعد نظره ودهائه السياسي، حيث عرف مناورات ومؤامرات بريطانيا، وكان حريصاً على سيادة بلاده، وهذا ما جعله يُظهر الصداقة باستمرار ويحاول تلافي المواجهة رغم نفوره من السياسات البريطانية. كما كان يراقب -وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية- الاهتمام التجاري الأميركي بالمنطقة رغم أنه لم يكن لدى الولايات المتحدة الوسائل السياسية الفعلية وكانت تنظر إلى الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ بريطاني بالدرجة الأولى، ومع ذلك أبقى خياراته السياسية مفتوحة.
وبينما كان الملك عبد العزيز يضع أسس سياسته الخارجية، أبدى حرصه على تنوع صلاته بمختلف الدول بما يعزز المصالح السعودية، ولا يؤثر عليها سلباً، وبما يحافظ على استقلالية القرار السعودي. فبعد دخوله الحجاز عام 1924 بدأ الاتصال بالدول المؤثرة للاعتراف بالمملكة الوليدة، ليكون أول اعتراف من روسيا عام 1926، ثم واصلت الدول الأوروبية اعترافها بالدولة السعودية.
كانت رؤية الملك المؤسس بعيدة المدى وأدرك بثاقب بصيرته وقراءته للواقع السياسي أن الولايات المتحدة سيكون لها دور مؤثر على المسرح العالمي، حاول الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بدولته وتأسيس علاقات معها، إلا أن أميركا لم تكن راغبة حينذاك في إقامة تلك العلاقة، إلا أنها راقبت تحركات عبد العزيز الدولية وعلاقاته الخارجية واتفاقاته التجارية وأبرزها اتفاقه مع ألمانيا عام 1929، والتي بدأت عدة تحركات لإقناع أميركا للاعتراف بالدولة السعودية، ساعد في ذلك بعض المعتمدين الأميركيين في المنطقة، مثل نائب القنصل الأميركي في عدن وآخرين ممن يرتبطون بمصالح تجارية مع الشركات الأميركية كعبد الله فلبي وغيره، في محاولة للتأثير على القرار الأميركي.
كلفت الحكومة الأميركية معاون الملحق التجاري في الإسكندرية رالف تشيزبروف، بزيارة السعودية لاستكشاف الوضع. زار تشيزبروف جدة في صيف عام 1930 وأعدّ تقريراً بعنوان «المصادر الاقتصادية والأنشطة التجارية لمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها». أوضح التقرير أن العلاقات التجارية بين البلدين يُتوقع لها النمو والازدهار، مما شجّع الحكومة الأميركية حينها على التحرك نحو تأسيس علاقات دبلوماسية بين البلدين، واعترفت الولايات المتحدة بالمملكة في عام 1931. وفي عام 1933 منحت الحكومة السعودية امتياز التنقيب عن النفط لشركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال)، ووقَّع الاتفاق في قصر خزام بجدة وزير المالية الشيخ عبد الله السليمان ممثلاً للحكومة السعودية والمحامي لويد هاميلتون ممثلاً عن شركة «سوكال»، ولم يبدأ الإنتاج التجاري إلا في عام 1938.
في عام 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية، ليعلن الملك عبد العزيز الحياد رغم علاقاته حينذاك ببريطانيا ووجودها العسكري على حدوده، وعلاقاته الدبلوماسية بألمانيا أيضاً. حينئذ طرأت تغيرات كبيرة على السياسة الأميركية، إذ بدأت أميركا تضع نصب أعينها مهمة الحلول بدلاً من بريطانيا، أو على الأقل وضع مواطئ أقدام لها في المنطقة. ساعد على تلك الرؤية تحول دور النفط من سلعة تجارية إلى سلعة استراتيجية لها أهميتها في السياسة العالمية، وقبل عام 1942 لم يكن لدى الحكومة الأميركية الاهتمام الكبير في السعودية ولم يتم أي لقاء رسمي رفيع المستوى بين مسؤولي البلدين، وكانت شركات النفط الأميركية العاملة في السعودية تضغط على الحكومة الأميركية لحماية مصالحها ودعم المملكة، بما يعزز الوجود الأميركي في المنطقة ويوفر تدفقات النفط للولايات المتحدة. في عام 1943 بدأ استخراج النفط يتزايد بعد أن كان قد انخفض بسبب الحرب، وتولت «أرامكو» تزويد مشتقات النفط للقوات الأميركية المشاركة في الحرب، وقُدِّرت كمية النفط المستخرج ذلك العام بخمسة ملايين برميل.
ازداد الاهتمام بالسعودية وملكها عبد العزيز بن عبد الرحمن بعد أن تنبّه المستشارون والمخططون الأميركيون إلى أن المملكة قيمة استراتيجية محتملة للولايات المتحدة، كما رأوا فيها عوناً لحل بعض المشكلات التي كان الرئيس روزفلت يتوقع أن تحدث في المنطقة بعد الحرب. قدمت أميركا مساعدات للحكومة السعودية ضمن برنامج الإعارة والتأجير وبلغت هذه المساعدات وفق تقرير لمجلس الشيوخ بعد انتهاء الحرب 99 مليون دولار.
في عام 1942عيّنت أميركا قائماً بالأعمال في جدة بعد أن كانت مفوضيتها في القاهرة هي المسؤولة عن العلاقات. تسارعت الاتصالات الرسمية واستقبل الملك عبد العزيز عدداً من المبعوثين الأميركيين، وبدأت المملكة العربية السعودية تحتل أهمية استراتيجية في السياسة الخارجية الأميركية، تزامن ذلك مع بدء الولايات المتحدة كسر طوق العزلة ورغبتها في التأثير بأحداث العالم ومساندة الشركات والاستثمارات الأميركية، ووجّه الرئيس روزفلت الدعوة إلى الملك عبد العزيز لزيارة الولايات المتحدة، فاعتذر وأوفد ابنيه الأميرين فيصل وخالد اللذين وصلا إلى أميركا في سبتمبر (أيلول) 1943 وأقاما في دار الضيافة «بلير هاوس»، ودعا الرئيس الأميركي إلى مأدبة في البيت الأبيض تكريماً للأميرين حضرها نائب الرئيس هنري ويليس، ووزير الخارجية كورديل هيل، وكبار أركان الإدارة وأعضاء الكونغرس، مما يؤكد الاهتمام الأميركي المتزايد بالمملكة.
في عام 1944 عيّنت الولايات المتحدة ويليام إيدي على رأس مفوضيتها في جدة، كان إيدي عقيداً بحرياً سبق أن شارك في الحربين العالمية الأولى والثانية. إيدي المولود في صيدا لأبوين يعملان في الإرساليات التبشيرية، نشأ يتحدث اللغة العربية ويعرف الثقافة والعادات العربية. بعد أن أكمل دراسته في جامعة برينستون العريقة، التحق بالبحرية وتدرج في الخدمة الحكومية. بعد تعيينه في جدة، أصبح إيدي من أبرز مهندسي العلاقات السعودية - الأميركية وأحد شهود اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت.
إيدي الذي توفي في بيروت عام 1962، أصدر كتاباً نُشر في عام 1954 بعنوان «فرانكلين روزفلت يجتمع بابن سعود»، روى فيه خلفية التحضيرات للقاء، وكتب إيدي: «كنا في جدة تحت تأثير كثير من الضغوط خلال شهر فبراير 1945، حيث أُبلغت بأن الرئيس روزفلت في طريق عودته من مؤتمر يالطا -هي الاتفاقية الموقّعة بين الاتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة التي ناقشت كيفية تقسيم ألمانيا ومحاكمة أعضاء الحزب النازي وتقديمهم كمجرمي حرب- يريد لقاء الملك عبد العزيز على ظهر بارجة أميركية في البحيرات المرة بقناة السويس، وطُلب مني أن أرتّب لذلك اللقاء، وكانت السرّية أهم الطلبات لحماية أمن الرئيس في وقت كانت الحرب مستعرة وألمانيا تقصف بطائراتها القاهرة والسويس، ولا يمكن تخيل شعور الألمان إذا استهدفوا الرئيس الأميركي والملك عبد العزيز على ظهر البارجة، لم يعرف عن الخطة سوى خمسة أشخاص في السعودية، هم: الملك عبد العزيز ويوسف ياسين (وزير الخارجية بالنيابة) وموظف الشفرة في المفوضية، وزوجتي وأنا».
أُعدِّت الترتيبات وأبحرت البارجة «يو إس إس ميرفي» من جدة وعلى ظهرها الملك عبد العزيز ومرافقيه الذين وصل عددهم إلى (48) شخصاً أبرزهم: الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد ومنصور ابنا الملك عبد العزيز، والوزراء عبد الله السليمان ويوسف ياسين وحافظ وهبة، ومستشار الملك بشير السعداوي، وطبيبه رشاد فرعون، ورئيس الخاصة الملكية عبد الرحمن الطبيشي، إضافةً إلى المرافقين الآخرين والخويا والطباخين والخدم. استغرقت الرحلة من جدة إلى السويس ليلتين، ووصف إيدي برنامج وتعامل الملك مع مرافقيه وطاقم السفينة.
في العاشرة من صباح يوم 14 فبراير 1945م، وصلت البارجة «ميرفي» إلى جوار «يو إس إس كوينسي» التي تحمل الرئيس روزفلت، ترجل الملك عبد العزيز يرافقه الأمراء الثلاثة والوزيران ياسين ووهبة، وعبروا الجسر بين السفينتين لمقابلة روزفلت الذي كان يجلس على كرسيه المتحرك على متن «كوينسي». تحدث الزعيمان لمدة ساعة وربع قبل أن يتوجها لتناول الغداء في الساعة الحادية عشرة والنصف. «وقتئذ طلب مني الأدميرال ليهي (رئيس الأركان والمستشار العسكري للرئيس) أن أرافق الملك عبد العزيز في أحد المصاعد إلى غرفة الطعام، وسيرافق ليهي روزفلت في المصعد الآخر.
وصلت مع الملك إلى جناح الرئيس ولكن روزفلت لم يظهر! أخبرني ليهي لاحقاً أن الرئيس أوقف المصعد ليدخن سيجارتين بعيداً عن الملك عبد العزيز، وكان روزفلت مدخناً شرهاً ومع ذلك لم يدخن مطلقاً في أثناء لقائه مع الملك عبد العزيز تقديراً منه للملك». منذ أن وطأت قدما الملك (كوينسي) والتقى روزفلت وجهاً لوجه حدثت الألفة بين الرجلين وبدأ كلاهما بالبحث عن أوجه التشابه لا الاختلاف. كان التركيز على ما يجمع لا ما يفرق، رغم الفارق الثقافي كانت للقلوب أحكامها الخاصة. كانت كاريزما ودبلوماسية الرجلين حاضرة. كان الرئيس قادماً للقاء الملك لأسباب تتعلق بالدولة ومستقبل أميركا والمملكة، ولا بد أن يختلي القائدان لبحث مستقبل وعلاقات بلديهما بشكل صريح وشفاف».
«بعد الغداء انحصر اللقاء على الزعيمين فقط بحضوري ويوسف ياسين كمترجمين. استمرت المحادثات إلى الثالثة والنصف عصراً وهذا يعني أن إجمالي مدة اللقاء بين الرئيس والملك كانت خمس ساعات. عند ذلك عاد الملك إلى البارجة (ميرفي)، وأبحرت بارجة الرئيس. أمضيت تلك الليلة برفقة يوسف ياسين، ومساعدي ميرت قرانت لإنهاء صياغة محضر المباحثات الذي أوضح فيه الرئيس والملك رغبتهما في الاتفاق. بعد أن أنهينا طباعة المحضر بنسختيه العربية والإنجليزية، ذهبتُ لتوقيعه من الملك عبد العزيز قبل أن ينام. وقّع الملك النسخة العربية، وفي صباح اليوم التالي 15 فبراير 1945م طرت إلى الإسكندرية، وعرضت المحضر على الرئيس الذي لم يعدّل فيه شيئاً ووقّعه قائلاً: (تماماً كما هو).
أبقيت نسخة باللغة الإنجليزية لدى الرئيس وأخذت نسخة أخرى لتسليمها للملك عبد العزيز. لم يُنشر شيء عن تلك المحادثات لأن أحداً ممن حضر لم يتحدث عن ذلك، وأنا الآن مستعد لكسر الصمت». لكن هل خلت تلك الرحلة الملكية من الطرائف والمفاجآت؟ يصف خير الدين الزركلي أنه بعد قمة «كوينسي» وعندما وصل الركب الملكي في سرّية تامة إلى فندق «أوبرج الفيوم» -المقر المعدّ لإقامة الملك عبد العزيز للقاء رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل- ونحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، سمع قرعاً عنيفاً لباب غرفته. وكان على الباب عبد الله السليمان ويوسف ياسين اللذان بادراه قائلين: يريدك (أي الملك)، فذهب مسرعاً إلى غرفة الملك، وهو في سريره، فلما رآه قال: «تكفى يا خيري! حقيبة أدويتي، نسيها أمين (خادم الملك عبد العزيز) في المركب، ولا أعرف الراحة من دونها». وطلب منه أن يعود إلى القاهرة لمقابلة إيدي وإبلاغه عن فقدان الحقيبة وكانت السرّية ما زالت مفروضة على الرحلة حيث ما زالت البارجة التي تقلّ الرئيس الأميركي في مياه البحر الأبيض المتوسط، فقال طبيب الملك الدكتور رشاد فرعون: بينما تعاد الحقيبة، ائتنا بهذه الأنواع من العلاج في طريقك. فركب الزركلي سيارة عسكرية يقودها جندي بريطاني. وقبل طلوع الفجر وصل إلى القاهرة وأيقظ وليم إيدي فقال: إن الطراد قد أبحر، وسأبرق إلى أول شاطئ يمر به، فتحمل الحقيبة إلينا طائرة عسكرية. يضيف الزركلي أن الحقيبة عادت «ووسائل الحرب تأتي بما يشبه المعجزات»!
كان إيدي الأميركي الوحيد الذي سمع كل ما دار في المحادثات، لذا فإن كل ما هو معروف عن اللقاء يعود إلى مذكرات إيدي. يقول إيدي عن اللقاء: «كضيف عربي لم يشأ الملك أن يتطرق إلى أي موضوع قبل أن يتحدث مضيفه، ولعله من المهم هنا أن أشير إلى أن الملك لم يتحدث أو يشير إلى الرغبة في أي دعم اقتصادي أو مالي للسعودية. لقد سافر إلى الاجتماع بحثاً عن الصداقة والتحالف لا الموارد والأموال، وذلك على الرغم من أنه في ذلك التاريخ لم يكن متوقعاً أن يتم إنتاج كميات هائلة من النفط لتتضاعف مداخيل بلاده التي كانت تعاني من الضائقة الاقتصادية بسبب الحرب التي أثّرت على الأوضاع. بدأ روزفلت بالحديث عن الحرب وثقته بهزيمة ألمانيا، ثم تحدث عن رغبته في أن يتلقى نصيحة الملك فيما يتعلق بمشكلة اللاجئين اليهود الذين عانوا من الاضطهاد النازي ورغبتهم الهجرة إلى فلسطين. كان رد الملك مباشراً وواضحاً: أعطهم أراضي ومنازل الألمان الذين اضطهدوهم، ورد روزفلت بأنهم لا يرغبون في العيش في ألمانيا لأنهم لا يثقون بالألمان ويريدون الهجرة إلى فلسطين. قال الملك إنه ليس لديه شك بأن اليهود لديهم سبب مقنع في عدم الثقة بالألمان، ولكن أيضاً ليس لديه شك في أن الحلفاء سيدمّرون القوة النازية إلى الأبد وأن نصرهم سيساعد على حماية ضحايا النازية، وإذا كان الحلفاء لا يتوقعون التحكم في السياسة الألمانية بعد انتهاء الحرب، فلماذا كل هذه الحرب المكلفة؟ ابن سعود لا يتخيل ترك عدو لديه القدرة للانتقام بعد الهزيمة. حاول روزفلت العزف على وتر الضيافة العربية وطلب مساعدة الملك في حل المشكلة الصهيونية، لكن الملك رد: دع العدو الظالم يدفع الثمن، هكذا ننظر نحن العرب لمن يشن الحروب ويُهزم. التعويض يجب أن يدفعه الجاني وليس الضحية. ما الأذى الذي سببه العرب ليهود أوروبا؟ إنهم الألمان الذين سلبوا أرواحهم وأراضيهم، دع الألمان يدفعون الثمن. مرة أخرى حاول روزفلت أن يعود للموضوع قائلاً: إن الملك لم يساعده بتاتاً في إيجاد حل المشكلة، لكن الملك وقد بدا أنه نفد بعض صبره، لم يشأ أن يعيد شرح وجهة نظره غير أنه قال (بنبرة تهكمية): إنه كعربي قادم من الصحراء لا يفهم سببا لهذا التعاطف الزائد مع الألمان، القيم العربية تكون فيها المراعاة للأصدقاء لا للأعداء. الملك ختم حديثه بأن التقاليد العربية تقضي بتوزيع المغانم والمغارم في المعارك على المنتصرين، بناءً على حجم مساهمتهم في المعركة. في معسكر الحلفاء هناك 50 دولة، وفلسطين بينهم دولة صغيرة المساحة وفقيرة الموارد، وتم تحميلها بأكثر من حصتها من اللاجئين الأوروبيين.
الملك عبد العزيز بدوره طلب من روزفلت الصداقة والدعم، وأشار الملك إلى أن بلاده لم تقع تحت الاحتلال أو الانتداب وأنه يريد أن يبقى مستقلاً. لولا هذا الاستقلال لما استطاع أن يطلب الصداقة الحقيقية، لأن الصداقة لا تكون إلا حين يكون هناك تكافؤ واحترام متبادل. لقد كان الملك يبحث عن اتفاق استراتيجي مع أميركا، لأنه لم يكن هناك تاريخ استعماري لأميركا. بعد ذلك أعطى الرئيس تعهده للملك عبد العزيز وأكد ذلك في رسالة بعث بها بتاريخ 5 أبريل 1945م قبل وفاته بأسبوع واحد: بأنه لن يفعل أي أمر عدائي للعرب ولن تغير حكومته سياستها تجاه فلسطين دون مشاورات مسبقة مع العرب واليهود. بالنسبة للملك كانت التأكيدات الشفهية حينها بمثابة اتفاق، ولم يتوقع الوفاة المفاجئة لروزفلت».
ويمكن تلخيص ما دار في اللقاء التاريخي -حسب المصادر المتعددة- عدا القضية الفلسطينية؛ وسيادة المملكة وألا تتعرض لأي غزو خارجي خصوصاً أن الحرب العالمية ما زالت تدور رحاها، وحرص الملك عبد العزيز على احترام استقلال المملكة، حيث لم ينسَ الأطماع الخارجية في بلاده، إضافةً إلى تطوير الجيش السعودي، وضمان استقلال الدول العربية الواقعة تحت الاستعمار، وكذلك الجانب الاقتصادي المتعلق بحرية التجارة والخدمات والعلاقة النفطية. لقد كان لذلك اللقاء أبعاد سياسية وإنسانية واقتصادية وعسكرية، منها تخلص الملك عبد العزيز من النفوذ البريطاني كما أعلنت المملكة الحرب على دول المحور وأكد الملك موقفه من القضية الفلسطينية، وتراجع الارتباط النقدي بالجنيه الإسترليني، وتحولت وكالة الدفاع السعودية إلى وزارة.
وقد نشر مكتب المؤرخين التابع لوزارة الخارجية الأميركية في عام 2020م الوثيقة الرسمية عن اللقاء والتي يتطابق الجزء الأول منها مع ما أورده إيدي في مذكراته حول القضية الفلسطينية، أما الجزء الثاني فكان عن قلق الملك عبد العزيز من السياسة الفرنسية تجاه سوريا ولبنان، وأراد معرفة الموقف الأميركي تجاه استقلالهما، وأكد الرئيس دعم أميركا لاستقلال البلدين.
والجزء الثالث عن عرض الرئيس مبادرة لتطوير الزراعة وتنمية الموارد المائية في المملكة، إلا أن الملك رد بأنه لا يمكنه تطوير الزراعة إذا كان سيستفيد منها اليهود، في إشارةٍ ذكية إلى أهمية القضية الفلسطينية ونظرته إلى الهجرات اليهودية. يختم إيدي مذكراته بقوله: «لهؤلاء الذين كانوا قريبين من الحدث كان هذا اللقاء ذا أهمية خاصة لعدة أسباب منها أن اللقاء كان حيوياً بين زعيمي دولتين مختلفين، لكنهما مثيران للإعجاب، كانا ممثلين للشرق والغرب، وثانياً أن الملك عبد العزيز الذي كان معتكفاً داخل الجزيرة العربية ولم يغادرها قط، سافر في رحلته الأولى التي فتحت له الأبواب، وثالثها أن القائد المسلم وحامي المقدسات التي يتوجه إليها (300 مليون) إنسان رسّخ علاقته مع زعيم دولة غربية عظيمة.
كان هذا اللقاء يمثل أكبر تحالف إسلامي غربي، ويرمز إلى التكامل مع العالم الإسلامي بموارده وسكانه ومنتجاته ونفطه وموقعه الاستراتيجي وموانئ مياهه الدافئة، التي لا غنى لنا عنها في أي حرب عالمية ثالثة. ولكن منذ عام (1945)، القليل تم إنجازه على الصعيد الرسمي لتقريب المسلمين منّا، بينما تم عمل الكثير لإبعادهم عنّا.
ورابعاً أنه للمرة الأولى تتخاطب أميركا مباشرةً مع الحكومات والشعوب الصديقة في الشرق الأوسط وليس عن طريق بريطانيا أو فرنسا كما جرت العادة.
لقد كُسرت تلك القاعدة للأبد ولم تعد أميركا تعدّ تلك المنطقة بعيدة عنها»، لقد أرسى الملك عبد العزيز وروزفلت قبل (77 عاماً) أساس العلاقات السعودية - الأميركية، التي أكدت أهمية المملكة العربية السعودية من الناحية الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، وتعاقب بعدهما (6 ملوك) و(14 رئيساً) على تولي السلطة في البلدين، كلهم شددوا على أهمية هذه العلاقة وحتمية وجودها واستمرارها رغم العواصف والتقلبات.
- باحث سعودي



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.