بايدن يجري اتصالات عاجلة مع قادة أوروبا وسط ازدياد مؤشرات غزو روسيا لأوكرانيا

بلينكن يقول إن الهجوم قد يبدأ «في أي وقت»... وواشنطن تطلب من رعاياها المغادرة «الآن»

بايدن يجري اتصالات عاجلة مع قادة أوروبا وسط ازدياد مؤشرات غزو روسيا لأوكرانيا
TT

بايدن يجري اتصالات عاجلة مع قادة أوروبا وسط ازدياد مؤشرات غزو روسيا لأوكرانيا

بايدن يجري اتصالات عاجلة مع قادة أوروبا وسط ازدياد مؤشرات غزو روسيا لأوكرانيا

أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي جو بايدن أجرى أمس الجمعة، سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة حلف شمال الأطلسي، «لمناقشة مخاوفنا المشتركة بشأن استمرار تعزيز روسيا للقوات العسكرية حول أوكرانيا واستمرار التنسيق في مواصلة سياسة الدبلوماسية والردع». وأضاف بيان البيت الأبيض أن الرئيس تحدث مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، ورئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولز، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي، وأمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ، والرئيس البولندي أندريه دودا، ورئيس رومانيا كلاوس يوهانيس ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وتأتي المكالمات الهاتفية في ذروة التوتر مع روسيا، وتصاعد المخاوف من اجتياح القوات الروسية لأوكرانيا، في ظل فشل الجهود الدبلوماسية التي أجراها المسؤولون الغربيون هذا الأسبوع، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفشلت محادثات كثيفة في الأيام الأخيرة في إحراز تقدم نحو حل لهذه الأزمة، التي يصفها الغربيون بأنها «الأخطر» منذ نهاية الحرب الباردة قبل ثلاثة عقود. كما أعلن الكرملين أمس الجمعة، أن المناقشات التي جمعت روسيا وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا في برلين أول من أمس الخميس سعياً لإيجاد حل للأزمة الأوكرانية، لم تفض إلى «أي نتيجة».

- مغادرة الأميركيين
وكانت دعوة الرئيس بايدن من المواطنين الأميركيين مغادرة أوكرانيا «الآن»، وتوقعات وزير خارجيته أنتوني بلينكن، بأن «غزو أوكرانيا قد يبدأ في أي وقت بما في ذلك خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية»، قد أثارتا العديد من التساؤلات عن أسباب هذا التصعيد في الموقف الأميركي. وفي حين اعتبر البعض أن التحذيرات الأميركية الجديدة، قد تكون استمراراً «للحرب الإعلامية» التي تخوضها واشنطن ضد موسكو، قال آخرون إنها قد تكون مؤشراً، على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يكون «اتخذ القرار» بتنفيذ غزوه لأوكرانيا.
وقال بايدن في مقابلة مع شبكة «إن بي سي» مساء الخميس «على المواطنين الأميركيين المغادرة الآن»، مضيفاً، «نحن لا نتعامل مع منظمة إرهابية، بل مع أحد أكبر الجيوش في العالم، والوضع مختلف للغاية، ويمكن أن تتطور الأمور وتصبح جنونية بسرعة». وعندما سئل عن السيناريو الذي يمكن أن يدفعه لإرسال قوات لإجلاء الأميركيين من أوكرانيا، أجاب بايدن: «لا يوجد لأنها قد تكون حرباً عالمية، إذا بدأ الأميركيون والروس في تبادل إطلاق النار على بعضهم البعض». ووافق البيت الأبيض يوم الأربعاء على خطة قدمها البنتاغون لنشر قرابة ألفي جندي أميركي في بولندا لمساعدة الأميركيين الذين قد يحاولون إخلاء أوكرانيا في حالة الغزو الروسي. وأكد مسؤولون، أن القوات الأميركية غير مصرح لها حالياً بدخول أوكرانيا في حالة اندلاع حرب، ولا توجد خطط لها لإجراء عملية إخلاء مثل تلك التي حدثت في أفغانستان العام الماضي.

- الغزو قد يبدأ في أي لحظة
من ناحيته قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على هامش اجتماعاته في ملبورن مع وزراء خارجية «مجموعة الرباعية»، أستراليا والهند واليابان، «نحن في نافذة يمكن أن يبدأ فيها الغزو في أي وقت، ولكي نكون واضحين، يشمل ذلك خلال الأولمبياد». ورغم عدم تطرقه إلى الأسباب المباشرة للإنذار الأمني الذي أصدرته الخارجية الأميركية مساء الخميس بالطلب من المواطنين الأميركيين مغادرة أوكرانيا، وتأكيده على مواصلة خفض أعداد الموظفين في السفارة الأميركية في كييف، قال بلينكن: «ببساطة، لا نزال نرى مؤشرات مقلقة للغاية على التصعيد الروسي، بما في ذلك وصول قوات جديدة إلى الحدود الأوكرانية».

- مناورات روسية وتعزيزات أميركية
وفي تطور جديد، أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان أن 400 جندي سيشاركون الجمعة في «تدريب تكتيكي» في منطقة روستوف في الجنوب على الحدود مع أوكرانيا. ولفت مصدر عسكري روسي إلى أن نحو 70 آلية عسكرية من بينها دبابات وطائرات مسيرة ستستخدم في المناورات التي تتضمن تدريبات على «مهام قتالية». وكان عشرات آلاف الجنود الروس قد بدأوا الخميس تدريبات واسعة النطاق في بيلاروسيا المجاورة لأوكرانيا، يتوقع أن تستمر حتى 20 فبراير (شباط) الحالي. في هذا الوقت، وصلت قاذفات أميركية استراتيجية من طراز «بي - 52» إلى المملكة المتحدة، مساء أول من أمس (الخميس)، للمشاركة في مناورة «مخطط لها منذ فترة طويلة» مع الحلفاء في حلف شمال الأطلسي، بحسب بيان لقيادة القوات الجوية الأميركية في أوروبا، ومقرها في ألمانيا. ووصلت القاذفات التي لم يُحَدد عددها، من قاعدة مينوت الأميركية في داكوتا الشمالية، وهبطت في قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية على بُعد 150 كيلومتراً غرب لندن. وقال البيان إن المناورة «المخطط لها منذ فترة طويلة»، تهدف إلى «تحسين مستوى الاستعداد وقابلية التشغيل المشترك لمراقبة الحركة الجوية التي تنسق الضربات التي تُنفَذ دعماً للقوات البرية». وأشار سلاح الجو الأميركي إلى أن «تناوب القاذفات يعزز التزام الولايات المتحدة تجاه الحلفاء في الناتو للحفاظ على أمننا الجماعي وسيادتنا».
إلى ذلك، أعلنت البحرية الأميركية، مساء أول من أمس الخميس، إن أربع مدمرات أميركية غادرت الولايات المتحدة الشهر الماضي، للمشاركة في تدريبات بحرية في منطقة الأسطول السادس التي تغطي البحر الأبيض المتوسط خصوصاً. وأوضحت البحرية في بيان أن «المدمرات (يو إس إس ذا سوليفان) و(يو إس إس غونزاليس) و(يو إس إس دونالد كوك) و(يو إس إس ميتشر) تبحر في مسرح العمليات الأوروبي»، لافتة إلى أن هذه المدمرات «ستشارك في سلسلة من الأنشطة البحرية مع الأسطول السادس وحلفائنا في الناتو». ولفت البيان إلى أن «عمليات الانتشار هذه ستوفر مرونة إضافية لقيادة الأسطول السادس». وكانت روسيا قد أعلنت في اليوم نفسه، عن وصول ست سفن حربية إلى شبه جزيرة القرم للمشاركة في مناورات في البحر الأسود على الحدود الجنوبية لأوكرانيا.

- مؤشرات الغزو الروسي
من جهة أخرى تحدث تقرير نشرته وسائل إعلام أميركية، عن «العلامات التي تراقبها واشنطن»، لتحديد ما إذا كانت المناورات العسكرية التي تجريها موسكو تمهد لغزو، أم أنها استمرار لسياسة الضغط. وقال إن من بين تلك العلامات، أن تقوم روسيا بشن هجوم إلكتروني يستهدف شبكة الطاقة الأوكرانية، أو تحرك القوات والدبابات الروسية على طول الحدود وداخل ميدان الرماية، أو ربما هجوم صاروخي بعيد المدى. وأضاف: «هذه كلها علامات محتملة يراقبها المسؤولون الأميركيون والأوروبيون عن كثب، لكشف ما إذا كان الرئيس فلاديمير بوتين يمضي قدماً في غزو أوكرانيا». ويدقق المسؤولون العسكريون والاستخباراتيون في أحدث المناورات التكتيكية، لمحاولة توقع متى تتحول موسكو من التهديد بغزو إلى شن غزو فعلي، مع وجود أكثر من 100 ألف جندي روسي متجمعين على طول الحدود الأوكرانية، وهو رقم يستمر في النمو، بحسب شبكة «سي إن إن». وتنقل الشبكة عن مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين قولهم، إنهم يراقبون عن كثب الاختراقات الإلكترونية، مثل الهجوم الذي تعرضت له الحكومة الأوكرانية الشهر الماضي. وهم لا يشاهدون فقط القوات الروسية التي تتجمع على الحدود، ولكن أيضاً يراقبون مواقع تمركزها، وما تفعله روسيا بمعداتها مثل الدبابات التي ستكون مركزية لأي غزو بري. وفي الوقت نفسه، يقول هؤلاء: «في النهاية قد لا يكون هناك بلاغ واضح بشن الهجوم على أوكرانيا، وقد يكون مثل دوي الزلزال، مع القليل من التحذير المسبق أو من دون تحذير على الإطلاق».
وقال مسؤول استخباراتي: «إذا نظرت إلى الخيارات المطروحة، فجميعها قابلة للتنفيذ على الفور مع القليل من التحذير من القوات المنتشرة بالفعل، أشياء مثل الضربة العقابية أو الغارة في الشرق، أو الخروج من الجنوب، أو الغارة من الشمال، هذه القوات موجودة بالفعل في مواقعها وبالعدد الصحيح ولديها القدرة المناسبة». وأشار المدير السابق للاستخبارات الوطنية جيمس كلابر إلى أن الولايات المتحدة قد لا ترى بداية غزو كامل قبل الأوكرانيين. وقال: «إذا أُطلق النار على كييف أو أي مدن رئيسية أخرى، فأنت تعلم أنها قضية حقيقية». ويساعد هذا التقييم في تفسير سبب تحذير الرئيس بايدن وكبار المسؤولين الأميركيين من أن الغزو الروسي «وشيك»، الأمر الذي يثير غضب المسؤولين الأوكرانيين، لأن الكرملين قد يحتاج إلى مهلة قليلة جداً قبل شن هجوم. ويقول مسؤول أميركي إنه في ظل تعزير الروس الدعم اللوجيستي للقوات على الحدود، فضلاً عن أسلحة هجومية ودفاعية إضافية، يبقى التقييم القائل بأن هجوماً يمكن أن يحدث «في أي يوم الآن» سارياً. وأضاف أنه من بين أحد الأشياء الرئيسية التي تراقبها الولايات المتحدة، هي عندما يغادر عدد كبير من القوات الروسية مناطق تدريبهم بالقرب من الحدود ويتحركون ضمن مدى إطلاق النار من أهدافهم، وهي مواقع أرضية محددة. كما أن واشنطن تراقب حركة الدبابات الروسية. يقول المسؤول، إن «أحد الأدلة على أن الجيش الروسي يمكن أن يستعد لغزو، هو إذا بدأ العناصر في التحرك حول الدبابات على الحدود، أو قاموا بتشغيل الآليات وإيقافها دورياً، لأنهم إذا لم يتحركوا لبضعة أيام، يمكن لهذه المركبات أن تتجمد». وهذا يعني أن الدبابات ستكون جاهزة للانطلاق بسرعة. وأضاف: «وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية، الدبابات لا تزال موجودة حتى الآن». ويمكن أن يلعب الطقس في أوكرانيا دوراً أيضاً، حيث يشير التقييم إلى أن درجات الحرارة الأكثر برودة - والتضاريس المتجمدة - ستجعل التوغل الروسي أسهل.
الى ذلك، أعلنت القيادة الأوروبية في القوات الأميركية أن مقاتلات «إف - 16» أميركية، انطلقت من قواعدها في ألمانيا باتجاه رومانيا، وذلك في «إطار تعزيز القدرات الدفاعية» للناتو في الجناح الجنوبي الشرقي للحلف. وقالت القيادة الأوروبية إن تلك المقاتلات، ستنضم لمقاتلات «تايفون» الإيطالية الموجودة في رومانيا، وستعمل إلى جانب الحلفاء في منطقة البحر الأسود لتعزيز الأمن الإقليمي خلال التوترات الحالية الناجمة عن الحشد العسكري الروسي بالقرب من أوكرانيا.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».