موزمبيق: مشروعات استخراج الغاز في مواجهة تهديد المتطرفين

الوضع الأمني لا يسمح بإطلاق مشروع بقيمة 16.5 مليار يورو

TT

موزمبيق: مشروعات استخراج الغاز في مواجهة تهديد المتطرفين

تحاول شركات الطاقة العالمية العملاقة المنخرطة في سباق استثمار احتياطات موزمبيق الغنية بالغاز الطبيعي، إعادة إطلاق مشروعات تقدر قيمتها بالمليارات، رغم أنها تنتظر منذ نحو عام عودة غير مؤكدة إلى الهدوء بعد هجوم جهادي واسع النطاق. التقى المدير التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز»، باتريك بوياني، أول من أمس، الرئيس الموزمبيقي، فيليب نيوسي، في مابوتو. وتوصل الطرفان إلى النتيجة نفسها التي توصلا إليها منذ أشهر: الوضع الأمني لا يسمح بإطلاق مشروع بقيمة 16.5 مليار يورو في المحيط الهندي. في المجموعة العملاقة الفرنسية، يُعدّ الموضوع «حساساً» وتُضبط التصريحات بإحكام. إلا إن مصدراً أمنياً أكد لوكالة الصحافة الفرنسية أنه رصد مؤخراً تحركات في موقع «أفونغي» الذي لا يزال غير مكتمل وحيث استؤنفت الصيانة. والاكتشاف عام 2010 في موزمبيق لأكبر احتياطات للغاز الطبيعي في أفريقيا جنوب الصحراء، حجز لهذا البلد مكانة بين الدول المصدرة العشر الأولى عالمياً.
أواخر مارس (آذار) 2021، تسبب هجوم إرهابي مفاجئ على مدينة بالما الساحلية الصغيرة في تعليق العمل حتى إشعار آخر في مشروع «توتال» الضخم الواقع على بُعد بضعة كيلومترات من مكان الهجوم.
يعدّ الباحث في «معهد الدراسات الأمنية (ISS)»، بورجيس نهامير، أن «(توتال إنرجيز) يجب أن تعود هذا العام إذا أرادت تحقيق هدفها الجديد للإنتاج عام 2026».
ويبدو أن أحد المشروعات الثلاثة سينجح. وقالت مجموعة «إيني» الإيطالية التي كانت تعول على تسييل الغاز في وسط البحر، لوكالة الصحافة الفرنسية، إنها تحتفظ بهدفها للإنتاج للفصل الثاني من عام 2022.
وقد وصلت في يناير (كانون الثاني) إلى قبالة سواحل الموزمبيق، سفينة «كورال سول»؛ وهي أول منصة لتسييل الغاز الطبيعي في البحر تُرسل إلى القارة الأفريقية، وتصل قدرتها الإنتاجية السنوية إلى 3.4 مليون طن. على الصعيد الأمني؛ تؤكد الشركة التي تقود المشروع البالغة قيمته 6.2 مليار يورو، أنها «تعمل بتعاون وثيق مع الحكومة».
ترفض الجماعة التي تطلق على نفسها اسم «الشباب» وجود الدولة وتتبنى «مختارات من الكتب الدينية» تميزها عن المجموعات الأخرى للأقلية المسلمة في شمال موزمبيق. في عام 2017، دخلت الجماعة في كفاح مسلح ضد الدولة الموزمبيقية، وفي العام التالي بايعت تنظيم «داعش». وفي أغسطس (آب) 2020، وبعد محاولتين فاشلتين، تمكنت المجموعة من الاستيلاء على بلدة موسيمبوا دي بارايا الساحلية، جنوب بالما، والتي لا تزال تحت سيطرتها.
بحسب الخبراء، فإن عمليات «إيني» البحرية تنطوي على حد أدنى من المخاطرة. يشير نهامير إلى أن «الهجمات في البحر قليلة جداً. خلال 4 أعوام من أعمال العنف، لم يحدث هجوم في البحر باستثناء (واحد استهدف) صيادين قرب الساحل».
وأما بالنسبة لمشروع «إكسون موبيل» فهو في حالة جمود؛ إذ إن بناء المنشآت التي تصل قدرتها السنوية إلى 15.2 مليون طن لم يبدأ بعد، والمجموعة الأميركية يبدو أنها لا تنوي التحرك قبل تحسن الوضع.
يرى المحلل البريطاني الاستشاري ألكسندر رايمايكرز أن «مابوتو مصممة على رؤية هذه المشروعات تتحقق. الحكومة بحاجة إلى المال». تتطلع الحكومة إلى جني مليارات العائدات السنوية بفضل مشروعات الغاز، مما يشكل مكاسب غير متوقعة بالنسبة للدولة التي يبلغ ناتجها الإجمالي الداخلي نحو 13 مليار يورو. ومنذ 6 أشهر، يحظى الجيش الموزمبيقي الذي يواجه صعوبات، بدعم مَن لا يقلون عن 3 آلاف جندي من «المجموعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك)» ورواندا. ويشير رايمايكرز إلى أن «وصول قوات إقليمية سمح لمابوتو بوقف تصاعد أعمال العنف من قبل المتطرفين، لكنه من غير المرجح أن ينتصر في الأشهر الـ12 المقبلة». ويوضح أن القوات الإقليمية ليست لديها الوسائل، مشيراً إلى «دعم جوي محدود وعدد ضئيل من المروحيات معظمها خفيفة تابعة للمشاة». وتأقلم الجهاديون منذ وصولهم؛ فقد تحصنوا في مقاطعة نياسا المجاورة ويشنون هجمات متفرقة باتت تشبه الآن التكتيكات الكلاسيكية لحرب العصابات. في يناير (كانون الثاني) سجلت منظمة غير حكومية نحو 30 عملاً عنيفاً. ويؤكد الرئيس نيوسي إحراز تقدم في الحرب ضد الجهاديين. لكن بحسب المراقبين، فإن جذور المشكلة في مكان آخر. مقاطعة كابو ديلغادو الواقعة على بُعد ألفي كيلومتر من مابوتو، من بين المقاطعات الأشد فقراً. وقد خلق نقص البنى التحتية والفرص للشباب شعوراً بالاستياء يغذي صفوف الجماعات المسلحة.


مقالات ذات صلة

«داعش» يعلن خطف مسيحيين اثنين وقتلهما شمال موزمبيق

أفريقيا أعمال شغب في موزمبيق ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن خطف مسيحيين اثنين وقتلهما شمال موزمبيق

أعلن تنظيم «داعش» أنه أعدم شخصين مسيحيين، بعد أن وقعا في أسر مجموعة من مقاتليه في أقصى شمال شرقي موزمبيق، حيث ينفذ التنظيم هجمات بين آن وآخر.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى استقباله فيليب جاسينتو رئيس موزمبيق (واس)

ولي العهد السعودي ورئيس موزمبيق يستعرضان آفاق التعاون

استقبل الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض اليوم (السبت)، الرئيس الموزمبيقي فيليب جاسينتو نيوسي. وجرى خلال الاستقبال، استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين، وآفاق التعاون المشترك والسبل الكفيلة بتطويره وتعزيزه، والمسائل ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا ممثلو الدول الخمس التي بدأت عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن في 1 يناير 2023 (موقع الأمم المتحدة)

مكافحة الإرهاب بأفريقيا... أولوية موزمبيق في مجلس الأمن

تضع موزمبيق، العضو الجديد (غير الدائم) في مجلس الأمن الدولي، مكافحة الإرهاب في أفريقيا، كأولوية ضمن عدد من القضايا تعتزم طرحها على المجلس في العامين المقبلين، باعتبارها ممثلاً للقارة السمراء. وتسلمت موزمبيق، إلى جانب كل من الإكوادور واليابان ومالطا وسويسرا، مقعد في جهاز الأمم المتحدة الأقوى لمدة عامين. وقال سفير موزمبيق لدى الأمم المتحدة، بيدرو كوميساريو أفونسو، خلال حفل ترحيب رسمي في المجلس، الأربعاء، «بصفتنا عضواً منتخباً، سنولي اهتماماً كبيراً بالمواقف التي تشكل تهديدات خطيرة للوجود السلمي للدول في القرن الحادي والعشرين...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم مسلحون من داعش (أرشيفية)

«داعشيون» في موزمبيق يقطعون رؤوس 6 ويقتلون راهبة إيطالية

قالت السلطات في موزمبيق، اليوم (الأربعاء)، إن مسلحين مرتبطين بتنظيم «داعش» الإرهابي في مقاطعة نامبولا قطعوا رؤوس ستة أشخاص على الأقل وقتلوا راهبة إيطالية، أمس (الثلاثاء). وقال الرئيس فيليبي نيوسي، متحدثاً في منتجع بشمال العاصمة مابوتو، إن المتمردين نفذوا موجة قتل في أثناء فرارهم من جنود من موزمبيق ورواندا ومجموعة التنمية لدول الجنوب الأفريقي (سادك) الذين أُرسلوا لمواجهة العنف. ويتركز الإرهاب في مقاطعة كابو دلجادو شمال موزمبيق، وحصد أرواح الآلاف منذ اندلاعه في عام 2017.

«الشرق الأوسط» (مابوتو)
العالم مساعٍ لتمديد مهمة قوات إقليمية تحارب «داعش» في موزمبيق

مساعٍ لتمديد مهمة قوات إقليمية تحارب «داعش» في موزمبيق

ناقش وزراء مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (سادك)، أمس (الأحد)، الخطر المتصاعد لتنظيم «داعش» في موزمبيق، وذلك على بعد أيام قليلة من نهاية مهمة قوات إقليمية شكلتها هذه الدول لدعم موزمبيق في حربها ضد التنظيم الإرهابي. وتواجه موزمبيق منذ سنوات هجمات متكررة لمقاتلي التنظيم، القادمين من الشمال، ونجحوا في السيطرة على بعض المناطق والجزر، كما شنوا هجمات عنيفة على إقليم «كابو ديلجادو» شمال موزمبيق، مما دفع شركة «توتال» الفرنسية، لوقف مشروع للغاز الطبيعي بقيمة 20 مليار دولار. وقالت وكالة «بلومبرغ» للأنباء إن وزراء من مجموعة تنمية دول الجنوب الأفريقي (سادك)، يجتمعون في مدينة بريتوريا، عاصمة جنوب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.