سباق على «المسيّرات» في منطقة الشرق الأوسط

صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)
صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)
TT

سباق على «المسيّرات» في منطقة الشرق الأوسط

صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)
صورة وزعها الجيش الايراني لمسيّرة تابعة له في 11 سبتمبر الماضي ( أ ف ب)

اتّسمت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على مدى العقدين المنصرمين، بعمق الانقسامات والاضطراب السياسي والقصور في الحكم. وانعكس التنافس الجيوسياسي وازدياد الطموحات لدى بعض الدول، التي استشعرت فائض القوة (إيران، إسرائيل، تركيا)، بإطلاق سياسات خارجية جريئة وأحاديّة الجانب تجاوزت في كثير من الحالات القيود التي فرضتها، منذ فترة طويلة، شراكات مع قوى أجنبية، وتعارضت مع أجندات إقليمية.
ضمن هذا المشهد، أدى استخدام الطائرات من دون طيار دوراً مهماً في النزاعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يتجاوز تأثيرها المباشر في مجريات الميدان، بل أضحت جزءاً مهماً من الديناميات السياسية والأمنية وأحد أوجه المنافسة بين دول المنطقة.
بلغت الطائرات من دون طيار مستويات غير مسبوقة من التطور، وتوسّع استخدامها من أداة عسكرية متخصّصة متاحة فقط لإسرائيل والولايات المتّحدة عام 2001 - عندما تمّ استخدام طائرة من دون طيار من طراز (Predator) للمرة الأولى في مهمة اغتيال فاشلة استهدفت زعيم حركة «طالبان» الملا محمد عمر في أفغانستان - إلى أسلحة رخيصة نسبياً وعالية التقنية في ترسانة عدد متزايد من الدول.
ومن المتوقّع أن تجذب سوق الطائرات من دون طيار العالمي ما يقارب 100 مليار دولار من الاستثمارات خلال العقد الحالي، بزيادة 30 في المائة من حيث الإنفاق على البحث والتطوير والمشتريات، مما يؤكّد أهميتها الاستراتيجية المتزايدة ضمن منظومات الدفاع في العديد من الدول.
ويلاحظ هذا الاتجاه بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، حيث شكّلت الطائرات العسكرية من دون طيار (درونز) نحو 82 في المائة من إجمالي السوق الإقليمي في عام 2019.
أثبتت قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، واكتساب الأهداف، أنها عامل حاسم في منطقة تتميّز دولها بحدود يسهل اختراقها ومساحات شاسعة غير خاضعة للرقابة، مما أتاح للعديد من الحكومات جمع معلومات استخبارية قيّمة ومواجهة تهديدات المتمردين المحليين والجماعات الإرهابية العابرة للحدود.
الجزائر ومصر، على سبيل المثال، أطلقت مراراً طائرات من دون طيار في حملات مكافحة إرهاب «داعش»، وأنّ كلاًّ من طائرة (Djazair 54s) (El) وهي نسخة أصلية من النموذج Yabhon United - 40) التابعة لشركة (Adcom Systems)، وطائرة (Wing Loong II) المصنّعة في الصين قد تمّ استخدامهما ضمن تشكيلات عسكرية لتوفير الدعم الجوي لوحدات المشاة في جنوب شرقي الأراضي الجزائرية وشبه جزيرة سيناء بواسطة مجموعة من الذخائر الموجّهة وغير الموجّهة.
استحوذت الطائرات القتالية من دون طيار (UCAVs) على اهتمام العديد من الحكومات في الشرق الأوسط وتصدّرت عناوين الصحف بسبب دورها المتقدّم في نزاعات المنطقة بما في ذلك ليبيا وسوريا والعراق. حالياً، هناك ثلاث عشرة دولة في المنطقة تقوم بتشغيل طائرات قتالية من دون طيار أو هي في طور الحصول على هذه القدرة، حيث تُصدّر أربع منها طائراتها إلى دول إقليمية أو أجنبية.

- تركيا
كان لافتاً صعود تركيا السريع والحيوي إلى نادي الدول التي تمتلك طائرات مسلّحة من دون طيار، ليس بسبب ريادتها في استخدام هذه الطائرات في العمليات القتالية التقليدية، بل للدور الرئيسي الذي قد تتصدّره أنقرة في السوق العالمية في المستقبل القريب.
بين شركاء تركيا التجاريين في المنطقة، قطر وتونس وحكومة «الوفاق الوطني» الليبية في طرابلس. تسلّمت الدوحة مؤخراً الدفعة الأولى من ست طائرات قتالية من طراز (Bayraktar TB2) وثلاث محطات تحكّم أرضيّة، تمّ التعاقد على شرائها في عام 2018، في حين وقّعت تونس في أوائل مارس (آذار) 2020 عقداً بقيمة 240 مليون دولار مع شركة (Turkish Aerospace Industry - TAI) لشراء ست طائرات قتالية من دون طيار من طراز(Anka - S) مع ثلاث محطات تحكّم وخدمات تدريبية. آخر شريك لأنقرة هي أذربيجان التي أبرمت عقداً لشراء طائرات قتالية من دون طيار لنشرها في مواجهة القوات الأرمينية في منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها، بعد أن أقرّ برلمانها مؤخراً تعاوناً عسكرياً ثنائياً مع تركيا.
ومنذ مايو (أيار) 2019. تمّ نشر عدد غير معروف من الطائرات من دون طيار (TB2)، مع المعدات والمدربين في ليبيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في التصدي لهجمات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في طبرق، مما تسبب باندلاع مواجهة شرسة مع طائرات (Wing Loong IIs). علاوة على ذلك، يمكن أن يتلقى مخزون الطائرات من دون طيار التركية قريباً نظامين أكثر تقدّماً تمّ تطويرهما محلياً بواسطة (Baykar Makina) و(Turkish Aerospace Industry) هما: (Akinci) و(Aksungur)، وبفضل هذين النموذجين ستمتلك تركيا قدرات هجومية «جو - جو» و«جو - أرض» مما سيمكّنها من تحقيق توازن في القدرات مع إسرائيل.

- إيران
دخلت إيران ودول عربية ميدان السباق أيضاً وشرعت بتطوير قدراتها، بنشر المنصّات الصينية، ولا سيما سلسلة (Wing Loong) التي تنتجها مجموعة (Chengdu Aircraft Industry) منذ عام 2015 على الأقل، بالإضافة إلى طائرات Cai - Hong - CH 4B) التي تنتجها شركة (China Aerospace Science & Technology Corp) المملوكة للدولة. هذه النماذج استخدمت بالفعل في عمليات خاصة. بالتوازي مع ذلك، تعمل بعض الدول على تعزيز صناعاتها المحلية، وقد استثمرت في نماذج محلية.
وأحرزت إيران تقدّماً فيما يتعلّق بتقنية الطائرات من دون طيار. إذ يوصّف تقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية عام 2019 الطائرات من دون طيار بأنها «القدرة الجوية الإيرانية الأسرع تقدّماً». فقد طورت طهران العديد من المنصات لأغراض القتال والهجوم المباشر مثل (Ababil - 3T) و(Mohajer)، وأحدثها طراز (4B)، و(Fotros) و(Shaed - 129) من فئة (Medium Altitude Long Endurance - MALE). ويمثّل طراز (Shaed - 129) الذي تمّ تصنيعه من قِبل شركة صناعة الطائرات الإيرانية (HESA) وكُشف النقاب عنه للمرة الأولى في عام 2012. خطوة لافتة من حيث مدة الطيران والمدى؛ وذلك بعد الأداء المحدود للنماذج السابقة لتعذّر شراء التقنيات المتطورة كأجهزة الاستشعار والمحركات والمكوّنات الأخرى بسبب العقوبات الدولية وأنظمة مراقبة الصادرات. فقد خضع نموذج (Shaed - 129) للعديد من التحسينات التي مكّنته، وفقاً للمسؤولين الإيرانيين، من التحليق لمدة 24 ساعة وحمل ما يصل إلى ثمانية صواريخ «جو - أرض» ليصبح معه نظام الطائرات من دون طيار في إيران أحد الأنظمة التي تّم اختبارها قتالياً.
مثّلت الطائرات من دون طيار في الاستراتيجية العسكرية لطهران حلاً فعالاً، من حيث تكلفة تعزيز قدرات جمع المعلومات والاستطلاع والهجوم وتعويض أوجه القصور التقليدية الهيكلية، لا سيما فيما يتعلّق بمنصات الرمايات البعيدة المدى وزيادة اعتماد إيران على الوسائل غير التقليدية كبديل للوسائل التقليدية غير المتوفرة. ولا يقلّ أهمية عن كل ذلك الدور الدعائي الذي تلعبه هذه الطائرات بفضل هالة «التكنولوجيا» وشعبويتها مما يساعد النظام الإيراني في تعزيز سمعته وخطابه القومي.
- إسرائيل
لإسرائيل مكانتها المتقدّمة بين الدول المهيمنة في مجال الطائرات من دون طيار، وربما تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتّحدة. لقد بقيت إسرائيل حتى عام 2014 المصدّر الرئيسي للطائرات دون طيار في العالم، حيث استحوذت على 61 في المائة من الصادرات العالمية. يمكن لأكبر طائرة من دون طيار إسرائيلية (MALE)، من فئة (Heron - TP)، أداء مهام استراتيجية على ارتفاع يصل إلى أكثر من 13 ألف متر، ومدة طيران لأكثر من 30 ساعة، بفضل مجموعة متنوعة من أجهزة الاستشعار والذخائر بحمولة قصوى تصل إلى 2700 كلغ. تتمتع هذه الطائرة بالقدرة على العمل عبر الأقمار الصناعية مع الاعتماد على نظام إقلاع وهبوط تلقائي يمكّنها من العمل بشكل مستقل في الظروف الجوية القاسية والتكيّف مع المهام الطارئة.
تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل لا تبيع طائراتها المتطورة إلى أي من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويعود ذلك إلى القلق الدائم بالتهديد الذي يشكّله جيرانها العرب رغم التطبيع الدبلوماسي الأخير مع بعض الدول العربية. وبعبارة أخرى، فإنّ إسرائيل غائبة عن السوق الإقليمية للطائرات المسيّرة وتستهدف صادراتها دولاً أوروبية، في مقدّمتها ألمانيا وبريطانيا ودول أميركا اللاتينية وآسيا حيث تتصدر الهند القائمة من حيث الإنفاق.
ووفقاً لبيانات من قاعدة بيانات (SIPRI) لنقل الأسلحة، اشترت 21 دولة ومنظّمتان دوليتان ما بين عامي 2010 و2019 مجموعات مختلفة من الطائرات الإسرائيلية من دون طيار. وفي عام 2016. وقّعت الهند عقداً بقيمة 400 مليون دولار لشراء 10 طائرات قتالية من طراز (Heron - TP) من المفترض أن يتمّ تصنيعها بشكل مشترك في الهند بواسطة شركة (Hindustan Aeronautics Limited – HAL) التي تموّلها الدولة الهندية.
- «نزيف أمني» إقليمي
لم تعد الطائرات من دون طيار من الأصول الحصرية للحكومات الوطنية، فقد أضحت ضمن قوائم الدفاع لعدد متزايد من الجهات الفاعلة المسلّحة من غير الدول (Non StateActors) في الشرق الأوسط. وقد حصلت بعض هذه الميليشيات كـ«حزب الله» اللبناني و«أنصار الله» الحوثي على أنظمة (ISR) توازي المستوى المتوفر لدى بعض دول المنطقة. ووفقاً لتقارير غير مؤكّدة، يمتلك «حزب الله» أسطولاً من أكثر من 200 طائرة من دون طيار، بما فيها إيرانية الصنع (Ababil - 2T) والأكثر قوة (Mohajer - 4) التي تمّ استخدامها في عدد من المواقع في سوريا لدعم تدخّل «حزب الله» العسكري، فيما استخدم الحوثيون الطائرات من طراز (Qasef - 2K) وهو نسخة معدّلة من(Ababil - 2T) ونماذج من طراز (UAV - X) للاعتداء على الأهداف والمنشآت المدنية والاقتصادية.
في المقابل، فقد طوّرت الجماعات غير الحكومية والإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش»، قدرات الطائرات من دون طيار الرخيصة المتوفرة في الأسواق التجارية والتي يسهل شراؤها لأغراض المراقبة والاستطلاع أو لأغراض هجومية من خلال تزويدها بمجموعة متنوّعة من المتفجرات الثابتة أو الذخائر القابلة للإطلاق.
تعبّر هذه التطورات عن حقيقة لا يمكن إغفالها، بأنّ الطائرات من دون طيار - حتى البدائية منها - يوفر للجهات الفاعلة غير الحكومية قدرات محمولة جواً غير مسبوقة، والتي إن تمّ استخدامها بمهارة فقد يعزز ذلك أداءها بشكل كبير. هذا لا يقتصر على جمع المعلومات الاستخبارية في الوقت المناسب فقط ولتوقّع تحركات العدو والتخطيط لأعمال عسكرية فعالة، ولكن أيضاً لشن هجمات قاتلة بوسطة طائرات انتحارية على أهداف عالية القيمة (HighValue Target) مثل القواعد العسكرية والمجمّعات الاقتصادية والأهداف المحصّنة التي يصعب ضربها بطرق أخرى.
لقد قلّصت الطائرات من دون طيار الفجوة بين القوات المسلّحة التقليدية وغير التقليدية من حيث القدرات الجوية، وهو أمر لم يكن توقّعه ممكناً قبل بضع سنوات فقط. فإلى جانب الضربات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، استخدمت الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل «داعش» و«حزب الله» الطائرات من دون طيار في الحروب النفسية، مما يشير إلى تكامل لهذه الطائرات مع الاستراتيجيات العسكرية الموضوعة وقد يشكّل مصدر إلهام للجهات الفاعلة الأخرى أيضاً ويؤثر بشكل كبير على المشهد الأمني الإقليمي. بالتوازي مع ذلك، لقد أصبح التمايز بين الجهات الحكومية وغير الحكومية صعباً، الأمر الذي سيؤدي ليس فقط إلى صعوبة تتبّع أصول وحركة هذه الطائرات، بل إلى صعوبة التنبؤ بكيفية استخدامها وتأثيراتها المحتملة.
- نتائج محتملة
هناك ثلاث نتائج مترتبة على استخدام الطائرات من دون طيار لا بدّ من التوقف عندها:
أولاً، التأثير المتعاظم لديناميكيات الحرب بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة بفعل المعادلة المفيدة بين الفعالية الكبيرة والتكلفة المتدنيّة، إذ توفر ظروف الحرب بالوكالة بيئة مثالية لعمليات الطائرات من دون طيار، نظراً لحاجة اللاعبين الخارجيين والقوى الكبرى في الحفاظ على صورتهم وتجنب انكشافهم السياسي قدر الإمكان. في هذا السياق، تمكّنت تركيا كقوة إقليمية متدخلة - من خلال استخدامها المكثف للطائرات من دون طيار لدعم مجموعات تعمل بالوكالة في كلّ من ليبيا وسوريا - من تجنّب تعرّضها سياسياً وخفض التكاليف المادية والبشرية المترتبة عليها. علاوة على ذلك، فإن سهولة تفكيك هذه الطائرات وتهريبها إلى مجموعات الداخل تشكّل إحدى الإيجابيات الإضافية.
ثانياً، الافتقار إلى الشفافية وكذلك إلى الرقابة المؤسّساتية والقانونية في استخدام هذه الطائرات بشكل كبير، لا سيما من قِبل الجهات غير الحكومية التي تعمل خارج إطار الشرعية الدولية ولا تمتثل لقوانين الحرب وللقانون الدولي الإنساني. فهذا الوضع يزيد من خطر وقوع إصابات بين المدنيين وحدوث خسائر جانبية، مما يضاعف المخاطر على عملية السلام والاستقرار. وفي هذا الإطار، تقدّم الصراعات التي تعيشها سوريا واليمن والعراق أمثلة واضحة على سقوط الضوابط والمعايير واستباحة الميليشيات لميادين القتال.
وفي ليبيا أيضاً حيث تسببت طلعات الطائرات من دون طيار للطرفين المتحاربين بوقوع ضحايا مدنيين، وقد تعذّر حينها تحديد المسؤولية بين طائرات(Wing Loong Ils) التي تدعم حفتر، أو طائرات (Bayraktar TB2) التي تدعم حكومة الوفاق الوطني، وهل تمّ تشغيلها مباشرة من الدول الداعمة، أو من قبل الفصيلين الليبيين غير المنتظمين. وبالتوازي مع ضعف الدولة في احتكار استخدام القوة واستمرار الجهات الفاعلة المسلّحة شبه الحكومية أو غير الحكومية في لعب الدور الأمني الأبرز، تقدّم الطائرات من دون طيار حافزاً قوياً لاستخدام الوسائل العسكرية وخلق عقبات جديدة أمام المساءلة والشفافية تتجاوز الميّزات العسكرية المهمة للطائرات دون طيار وانخفاض التكاليف المالية للعمليات.
ثالثاً، يبقى استخدام الطائرات من دون طيار في السيناريوهات الداخلية هو العامل الأكثر إثارة للقلق. وأوضح مثال على ذلك الهجوم الذي تعرض له رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. حيث ألقت طائرتان من دون طيار على الأقل ذخائر متفجرة على منزله وأدت إلى إصابته وتدمير جزء من المنزل. وكانت الطائرات المهاجمة عبارة عن طائرات رباعية المحركات مطابقة تماماً للمواصفات الفنية لتلك التي استخدمت سابقاً من قبل الميليشيات المدعومة من إيران في الهجمات الإرهابية على مواقع القيادة العراقية والسفارة الأميركية في بغداد.
كذلك توحي الحملة التي قادتها تركيا منذ عام 2015 لمكافحة الإرهاب ضد حزب العمال الكردستاني، بأنّ هذه الطائرات قد تصبح الأداة المفضلة لدى الدول في التعامل مع حركات التمرّد، وجماعات المعارضة، وحتى الأقليات التي تسعى للمشاركة السياسية، مما ينأى بالحكومات بعيداً عن الحوار الوطني والمفاوضات لمعالجة الاختلالات السياسية في المجتمع.
فوفقاً للأرقام الرسمية التي قدّمتها وزارة الدفاع التركية بشأن مقاطعة هكاري جنوب شرقي تركيا، قتلت الطائرات من دون طيار أكثر من 70 من مقاتلي حزب العمال الكردستاني خلال الشهرين الأولين من الحملة، بينما لا يزال عدد الضحايا المدنيين غير معروف.
وفي حالة الحرب الليبية، تُظهر البيانات المتاحة للجمهور عن الضحايا المدنيين من الضربات الجويّة منذ أبريل (نيسان) 2019 أنه من بين ما يقرب من 200 حادثة مؤكدة أو مزعومة تنطوي على خسائر مدنية، فإنّ 22 منها (11 في المائة) نُفّذت على الأرجح بواسطة طائرات مسيّرة مسلّحة.
ومن منظور أوسع، يبدو أنّ الطائرات من دون طيار قد تحوّلت إلى حوافز للأعمال المسلّحة من خلال سلسلة من المزايا ومنها نسبة الفعالية، مقارنة بالتكلفة المادية المغرية وتجنب التعرّض السياسي. هذا بالإضافة إلى أن العمق الاستراتيجي لعمليات الطائرات دون طيار وسهولة الوصول إلى الأهداف الثمينة تسهمان بتوسيع الحروب. ففي منطقة تتّسم بعدم الاستقرار المزمن وتعاني من صراعات هي الأكثر تدميراً في العالم، أصبحت الطائرات من دون طيار هي الأسلحة المختارة للعديد من الدول الإقليمية التي وظفتها تحت تسميّات «التحرير ومكافحة الإرهاب» لإظهار قوّتها وبسط نفوذها في عصر اللامبالاة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار تقول الباحثة آمي زيجارت: «تقلل الطائرات من دون طيار بشكل جذري تكاليف الحرب من حيث الدم والمال والسمعة السياسية وتجعل من المجدي سياسياً للدول الاستمرار في إطلاق النار إلى الأبد».
وفي الخلاصة، فإنّ استمرار انتشار الطائرات المسلّحة من دون طيار يزيد من إغراء الشروع في عمليات «الحرب عن بُعد» التي غالباً ما تُصوَر على أنها «جراحية» وخاليّة من الأضرار الجانبية، لكن سريّتها وتقليل مخاطرها على المهاجم يسهمان في تآكل التدقيق المؤسّسي، والمساءلة القانونية كضوابط لاستخدام القوة المميتة على المسرح الدولي. وبهذا المعنى تتحوّل هذه الطائرات إلى أداة مانعة للأسئلة الرئيسية حول حماية الحق في الحياة في النزاعات، والحرب غير المتكافئة، وعمليات مكافحة الإرهاب، وكلّ ما يسمّى بأوضاع السلام وتوّلد تحديّات أساسية للمعايير القانونية الدولية حول حظر القتل التعسفي والاستخدام المسموح به للقوة.
> أدى استخدام الطائرات من دون طيار دوراً هاماً في النزاعات القائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما يتجاوز تأثيرها المباشر في مجريات الميدان، وأضحت جزءاً هاماً من الديناميات السياسية والأمنية وأحد أوجه المنافسة بين دول المنطقة.
> استخدمت الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل «داعش» و«حزب الله» الطائرات من دون طيار في الحروب النفسية، مما يشير إلى تكامل لهذه الطائرات مع الاستراتيجيات العسكرية الموضوعة وقد يشكّل مصدر إلهام للجهات الفاعلة الأخرى أيضاً ويؤثر بشكل كبير على المشهد الأمني الإقليمي.
> تمكّنت تركيا كقوة إقليمية متدخلة - من خلال استخدامها المكثف للطائرات من دون طيار لدعم مجموعات تعمل بالوكالة في كلّ من ليبيا وسوريا - من تجنّب تعرّضها سياسياً وخفض التكاليف المادية والبشرية المترتبة عليها.
> بالتوازي مع ضعف الدولة في احتكار استخدام القوة واستمرار الجهات الفاعلة المسلّحة شبه الحكومية أو غير الحكومية في لعب الدور الأمني الأبرز، تقدّم الطائرات من دون طيار حافزاً قوياً لاستخدام الوسائل العسكرية وخلق عقبات جديدة أمام المساءلة والشفافية.
> يبقى استخدام الطائرات دون طيار في السيناريوهات الداخلية هو العامل الأكثر إثارة للقلق. الطائرات المشاركة في الهجوم الذي تعرّض له رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مطابقة تماماً لتلك التي استخدمت سابقاً من قِبل الميليشيات المدعومة من إيران في الهجمات الإرهابية على مواقع القيادة العراقية والسفارة الأميركية في بغداد.
> توحي الحملة التي قادتها تركيا منذ عام 2015 ضد حزب العمال الكردستاني بأنّ هذه الطائرات قد تصبح الأداة المفضلة لدى الدول في التعامل مع حركات التمرّد، وجماعات المعارضة، وحتى الأقليات التي تسعى للمشاركة السياسية.
> في منطقة تتّسم بعدم الاستقرار المزمن وتعاني من صراعات هي الأكثر تدميراً في العالم، أصبحت الطائرات من دون طيار هي الأسلحة المختارة للعديد من الدول الإقليمية التي وظفتها تحت تسميّات «التحرير ومكافحة الإرهاب» لإظهار قوّتها وبسط نفوذها في عصر اللامبالاة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
- مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات


مقالات ذات صلة

سقوط مسيّرة صغيرة داخل قاعدة للجيش البولندي

أوروبا طالبة في الثانوية العسكرية في غرب بولندا تحرك طائرة مسيرة صغيرة - 8 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

سقوط مسيّرة صغيرة داخل قاعدة للجيش البولندي

قالت الشرطة العسكرية في بولندا إن ​طائرةً مسيرةً صغيرةً، تشبه الألعاب، غير معروفة المصدر، سقطت داخل قاعدة عسكرية في برزاشنيش في شمال وسط بولندا.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا أحد المشاة يعبر طريقاً في يوم شتوي بالعاصمة الأوكرانية كييف وسط استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للبلاد 30 يناير 2026 (رويترز)

رغم تراجع وتيرتها... الضربات الروسية على أوكرانيا تتسبب بأزمة طاقة

سُجّل تراجع في عدد الصواريخ والمُسيّرات التي أطلقتها روسيا على أوكرانيا في يناير، لكن الضربات تسببت في أزمة طاقة غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تكنولوجيا رجل يسير أمام شعار «غوغل» (أ.ف.ب)

موظف سابق في «غوغل»: الشركة زودت إسرائيل بالذكاء الاصطناعي في غزة

زعم موظف سابق في «غوغل» أن الشركة ساعدت شركة متعاقدة مع الجيش الإسرائيلي في تحليل لقطات فيديو التقطتها طائرات مسيّرة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
آسيا لقطة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي نُشر في 13 أكتوبر 2025 يظهر مدرسة في فانها بميانمار بعد قصفها بطائرة عسكرية (رويترز)

«رويترز»: شحنات وقود إيرانية تدعم المجلس العسكري لميانمار

مكّنت شحنات من الوقود الإيراني الخاضع للعقوبات، المجلس العسكري في ميانمار من شن غارات جوية في الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا سودانيون أصيبوا جرّاء هجوم بطائرة مسيرة في منطقة الأبيض بشمال كردفان (رويترز)

«حرب المسيّرات» تشتعل بين طرفي الصراع في السودان

تصاعدت حدة الحرب في السودان، خصوصاً مع إعلان طرفي الصراع إسقاط مسيّرات ضمن سلسلة الهجمات التي راح ضحيتها عشرات المدنيين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.