مهمات 2022 الفضائية: صواريخ عملاقة... ومحطة مدارية صينية

9 دول تستعد للمساهمة في رحلات إلى القمر

صاروخ «ناسا» العملاق لمشروع «أرتميس» لرحلات القمر
صاروخ «ناسا» العملاق لمشروع «أرتميس» لرحلات القمر
TT

مهمات 2022 الفضائية: صواريخ عملاقة... ومحطة مدارية صينية

صاروخ «ناسا» العملاق لمشروع «أرتميس» لرحلات القمر
صاروخ «ناسا» العملاق لمشروع «أرتميس» لرحلات القمر

تتابعت الرحلات الفضائية عام 2021 في استعراضات مثيرة، حتى أنها كانت كثيفة في بعض الأحيان. فقد هبطت عربتان جوالتان على سطح المريخ تتبع إحداهما طوافة تجريبية، وحلَّق مليارديران في رحلة إلى حافة الفضاء، بينما تجاوزهما ثالثٌ وحلق أكثر في المدار. بعدها، سافر ويليام شاتنر إلى الفضاء، واستمتع مليونير رابع بالإقامة في المحطة الفضائية الدولية.
لكن العروض لم تنتهِ هنا؛ لأن الصين بدأت في بناء محطتها الفضائية الخاصة التي تعتمد على صاروخٍ كبير وصل إلى الفضاء، إلا أن التحكم به خرج عن السيطرة؛ لأن جزءاً منه عاد ودخل إلى الغلاف الجوي. كما تسببت بعض الهفوات في اهتزازات غير متوقعة في المحطة الفضائية الدولية في المدار، وودعت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) كويكباً، وعادت إلى الأرض تحمل عينات منه. وعمدت الوكالة عينها إلى إطلاق بعثة جديدة مهمتها الاصطدام بكويكب آخر، لدراسة حماية البشرية من ضربات الصخور الفضائية مستقبلاً.
توقعات فضائية
بينما شهد العام الماضي كثيراً من الأحداث الفضائية الأخرى، فإنه يمكن القول إن سنة 2022 تبدو مزدحمة أيضاً.
إذن، ماذا عن التوقعات الفضائية للعام الجاري؟
> مزيد من الصواريخ العملاقة: من المتوقع أن يشهد العام الجاري إطلاق صاروخين يقلعان إلى الفضاء لأول مرة، هما نظام إقلاع الفضاء التابع لوكالة «ناسا»، ومركبة «ستارشيب» المملوكة لشركة «سبيس إكس». ويتميز كلاهما بحجمٍ كبير جداً، ويختلفان تماماً عن أي نوع آخر من الصواريخ.
صُمم نظام الإقلاع الفضائي «Space Launch System» التابع لـ«ناسا» ليؤدي دور مركبة الإطلاق بين الكواكب، ولكنه سيأتي متأخراً سنوات عن موعده الذي كان محدداً ومتجاوزاً ميزانيته الأساسية بمليارات الدولارات. وقد طور هذا الصاروخ الأحادي الاستخدام متعاقدون متخصصون في الصناعات الجوفضائية، وتبلغ كلفة الإطلاق الواحد منه حوالى ملياري دولار.
تقول «ناسا» إن برنامج «أرتميس» (Artemis program) لا يمكنه إرسال رواد الفضاء من جديد إلى القمر دون صاروخٍ عملاق. ومن المقرر أن يحمل الصاروخ في إقلاعه التجريبي غير المأهول الأول كبسولة «أوريون» في دورة حول القمر، ومن ثم يعود إلى الأرض، على أن يحصل هذا الإطلاق في مارس (آذار) أو أبريل (نيسان).
في المقابل، صممت شركة «سبايس إكس» صاروخ «ستارشيب» (Starship) القابل لإعادة الاستخدام وحده، ليشكل ركيزة أساسية لرؤية مؤسس الشركة إيلون ماسك، الهادفة لإرسال البشر إلى كوكب المريخ. تخطط الشركة أيضاً لتطوير نسخة من «ستارشيب» ستُستخدم مستقبلاً لإرسال رواد «ناسا» إلى سطح القمر. وقد أتم القسم الأعلى من الصاروخ اختبارات طيران على ارتفاعات عدة، انتهت بانفجارات كبيرة، ولم يكن النجاح حليفه إلا في اختبار واحد. وفي وقتٍ غير محدد من العام الجاري، من المتوقع أن يتزاوج نموذج تجريبي غير مأهول من «ستارشيب» مع منصة داعمة كبيرة قابلة لإعادة الاستخدام. وبعد إقلاعه من موقع إطلاق تابع لشركة «سبيس إكس» في تكساس، سيتوجه الصاروخ للدوران حول المدار قبل العودة والسقوط في البحر مقابل إحدى جزر هاواي.
مهمات القمر
> زوار كثر متوقعون على القمر: وُصف العام الماضي بأنه عام البعثات المريخية، ولكن القمر هو الوجهة الفضائية المسيطرة على الأرجح في 2022، إذ يُقدر عدد الرحلات التي تخطط لها دول وشركات خاصة للدوران حول مدار القمر أو الهبوط على سطحه بتِسع. ترعى «ناسا» خمساً من هذه البعثات، ويبدو أن مواعيد إطلاق بعضها واضح أكثر من الأخرى. فبالإضافة إلى كبسولة «أوريون» التي ستدور حول القمر وتتجه للعودة إلى الأرض، قد ينطلق قمر صناعي مصغر اسمه «كابستون» بواسطة صاروخ «روكيت لاب» من موقع إطلاق في نيوزيلندا في مارس، لدراسة مدارٍ قمري يمكن استخدامه مستقبلاً لبناء قاعدة مشتركة بين «ناسا» وأوروبا. وتتولى تنظيم 3 من هذه الرحلات المتجهة إلى سطح القمر شركات خاصة برعاية برنامج «ناسا» للخدمات التجارية للحمولة القمرية. وتهدف هذه الجهود إلى تكرار تجربة «ناسا» الناجحة في الاعتماد على شركات كـ«سبيس إكس» لنقل الحمولات ورواد الفضاء لاحقاً إلى المحطة الفضائية. ومن المتوقع أن تكون الرحلة الأولى من نصيب شركة «إنتويتيف ماشينز» في هيوستن.
وتأتي سائر الرحلات القمرية من دولٍ أخرى، كالهند التي ستحاول من جديد بعد هبوطها الفاشل على سطح القمر في صيف 2019. وصرحت روسيا بدورها بأنها تعتزم الهبوط على القمر للمرة الأولى منذ 1976، بالإضافة إلى مركبة كورية جنوبية ستدور في مدار القمر، وقد تصعد على متن صاروخ «سبيس إكس» في أغسطس (آب) على أبعد تقدير.
من جهتها، تعمل شركة «آي سبيس» اليابانية على إنزال مركبة من تطويرها تنقل حمولات متنوعة، أبرزها عربة جوالة تابعة للإمارات العربية المتحدة، على سطح القمر. ولكن تجدر الإشارة إلى أن مواعيد إطلاق وهبوط هذه الرحلات غير ثابتة، وتحددها الرياح القمرية.
محطة صينية
> استكمال المحطة الفضائية الصينية: التزمت الصين أخيراً بكلامها الذي أعلنت فيه أن برنامجها الفضائي سيتحقق وفق جدولٍ زمني محدد. لذا، إذا قالت إنها ستنهي بناء محطة «تيانغونغ» في المدار عام 2022، فهذا يعني أن حظوظ اكتمالها كبيرة جداً. وفي 2021، عمدت الصين إلى إضافة وحدة «تيانهي» الفضائية في مدار الأرض المنخفض، وأرسلت بعثتين مختلفتين من رواد الفضاء، وقد تطلق وحدتها المخبرية «وينتيان» في منتصف العام إلى المدار، لتلتحم مع «تيانهي». وفي وقتٍ لاحقٍ من 2022، قد ينضم مختبر «منغتيان» لتكملة محطة «تيانغونغ» الفضائية.
وتجدر الإشارة إلى أن وحدتي «وينتيان» و«منغتيان» ستنطلقان على متن «لونغ مارش 5 بي»، أكبر صاروخ صنعته الصين حتى اليوم.
وسبق لهذا الصاروخ أن أذهل العالم في مايو (أيار) الماضي، عندما سجل انطلاقة خارجة عن السيطرة إلى غلاف الأرض الجوي، معززاً بذلك احتمالاً مستبعداً ولكن غير مستحيل، بالتسبب في الأضرار والإصابات عند هبوطه. صحيحٌ أن الصاروخ سقط في مياه المحيط الهندي دون التسبب في حادثة، ولكن لم يتضح بعد ما إذا كانت الصين ستغير طريقة إدارتها له، ما يعني أننا قد نعيش في عام 2022 حالتين أخريين من «أين سيسقط الصاروخ»؟
التصدي للكويكبات
درست وكالة «ناسا» كثيراً من الكويكبات عن قرب، ولكنها اليوم تخطط للاصطدام بأحدها عمداً. وقد يشهد سبتمبر (أيلول) المقبل اختبار «إعادة توجيه مزدوج» لصدم كويكب «ديمورفوس» الصغير بكويكب أكبر منه اسمه «ديدايموس».
يعتبر الاصطدام بالكويكب تكتيكاً محتملاً للدفاع عن الأرض؛ فإذا اتجهت صخرة ضخمة نحو كوكبنا، فإن بعض العلماء يعتقدون أن الرهان الأضمن للبشرية سيكون على تغيير مسار الصخرة لتجنب صدمها لنا.
وتهدف حملة «إعادة التوجيه المزدوج» إلى توفير البيانات حول فعالية هذه المقاربة. لكن كويكبات أخرى تلوح في الأفق! إذ ظهر «سايكي» (Psyche)، وهو جسمٌ ضخم في حزام الكويكبات الممتد بين المريخ والمشتري، مكون بمعظمه من الحديد وأنواع أخرى من المعادن. ترجح هذه التركيبة أن «سايكي» شكل في بداية حياة النظام الشمسي نواة جسمٍ فشل في التحول إلى كوكب. وتخطط «ناسا» لإطلاق بعثة سُميت تيمناً بهذا الجسم الصيف المقبل، على متن صاروخ «فالكون هيفي» من إنتاج «سبيس إكس»، تصل إلى وجهتها بحسب جدولها الزمني عام 2026، لتوفر للعلماء أول نظرة قريبة على هذا العالم المعدني الغريب.
* خدمة «نيويورك تايمز»


 


مقالات ذات صلة

«كاسبرسكي»: يجب معاملة وكلاء الذكاء الاصطناعي كـ«متعاقدين خارجيين» وبقدرات محدودة

خاص قد ينحرف وكيل الذكاء الاصطناعي بسبب طبيعة النموذج الاحتمالية أو نتيجة تلاعب خارجي بالمدخلات التي يعتمد عليها (شاترستوك)

«كاسبرسكي»: يجب معاملة وكلاء الذكاء الاصطناعي كـ«متعاقدين خارجيين» وبقدرات محدودة

تحذر «كاسبرسكي» من مخاطر منح وكلاء الذكاء الاصطناعي وصولاً واسعاً للأنظمة داعية إلى العزل والمراقبة وإبقاء الإنسان داخل القرار.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
تكنولوجيا ثغرتان في «PHP» قد تسمحان باختراق الخوادم والوصول إلى بيانات حساسة (php)

ثغرتان خطيرتان تهددان مواقع الإنترنت والتطبيقات في إحدى لغات البرمجة

تحذير عالمي من ثغرتين خطيرتين في لغة البرمجة «PHP»

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تحويل وتعديل الملفات مباشرة أثناء سحبها على «ماك»

تطبيق يختصر تحويل وتعديل الملفات إلى خطوات بسيطة

275 خياراً للتحويل ومعالجة محلية من دون رفع الملفات للإنترنت

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص كشف باحثو «كاسبرسكي» أن غياب المصادقة في بعض ماسحات «الباركود» قد يوفر نقطة دخول إلى شبكة المستودع (أدوبي)

خاص ثغرة أمنية في ماسحات «الباركود» تفتح مسار هجوم يهدد تشغيل المستودعات

تكشف «كاسبرسكي» كيف قد تتحول ماسحات «الباركود» إلى بوابة نحو أنظمة المستودعات الحساسة ما يهدد استمرارية التشغيل وحركة البضائع.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
تكنولوجيا ميزة جديدة في «شات جي بي تي» لإخفاء المحادثات الحساسة (ChatGPT)

«شات جي بي تي» يضيف قفل المحادثات برمز سري

ميزة جديدة تعزز الخصوصية وتُخفي المحادثات الحساسة عن السجل المعتاد

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
TT

بكتيريا معدّلة وراثياً تفتح باباً جديداً للقاحات السرطان الفموية

اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان
اللقاحات الفموية قد تعوض حقن مكافحة السرطان

قد يصبح تعزيز مناعة الجسم ضد السرطان ممكناً يوماً ما عبر لقاح يُتناول عن طريق الفم بدلاً من الحقن؛ فقد أظهرت دراسة سريرية استكشافية مبكرة أن بكتيريا معدّلة وراثياً يمكن استخدامها لنقل مستضد سرطاني إلى الجهاز المناعي، مع نتائج أولية تشير إلى إمكانية تعزيز الاستجابة المناعية المضادة للأورام لدى بعض المرضى.

وفي تجربة سريرية من المرحلة الأولى، كان اللقاح التجريبي «B440» جيد التحمل عموماً، وأظهر مؤشرات مناعية وسريرية تستحق مزيداً من البحث. كما كشفت النتائج عن احتمال وجود مؤشر حيوي يمكن أن يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النهج.

بكتيريا لتحفيز المناعة

• بكتيريا «معوية». يمتلك الجهاز المناعي قدرة طبيعية على مهاجمة الخلايا السرطانية، لكن الأورام تستطيع تطوير آليات للهروب من هذه المراقبة؛ من بينها استغلال ما يُعرف بـ«نقاط التفتيش المناعية» (immune checkpoints)، وهي آليات تعمل بوصفها فرامل تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا بصورة مفرطة.

وتعمل أدوية مثبطات نقاط التفتيش المناعية، مثل بعض العلاجات الحديثة للسرطان، على تعطيل هذه الفرامل لإعادة تنشيط المناعة ضد الورم. لكن بعض السرطانات تتمكن من تطوير وسائل أخرى للهروب، كما أن عدداً من المرضى لا يستجيبون لهذه العلاجات.

ومن هنا بحث فريق بقيادة الباحث توشيرو شيراكاوا من قسم المسالك البولية، كلية الدراسات العليا للطب بجامعة كوبي اليابان، عن طريقة جديدة لتعزيز المناعة بالاستعانة ببكتيريا «Bifidobacterium longum»، وهي بكتيريا معروفة باستخدامها في بعض منتجات البروبيوتيك (probiotic)، وقدرتها على التفاعل مع الجهاز المناعي في الأمعاء.

وعدّل الباحثون البكتيريا وراثياً، بحيث تقدم جزءاً كبيراً من بروتين معدل يُعرف باسم بروتين ورم ويلمز 1 (WT1) Wilms tumor 1 protein، وهو مستضد مرتبط بعدد من الأورام. والهدف هو إيصال هذا المستضد عبر الجهاز الهضمي إلى الأنسجة اللمفاوية المرتبطة بالأمعاء، حيث يمكن أن يتفاعل مع الجهاز المناعي.

• تجربة على مرضى استنفدوا خيارات العلاج. اختبر الباحثون اللقاح الفموي التجريبي، وذلك في تجربة سريرية من المرحلة الأولى شملت 12 مريضاً مصابين بسرطان المسالك البولية المنتشر كانوا قد استنفدوا خيارات العلاج القياسية.

ونُشرت نتائج الدراسة بدورية «JCO Oncology Advances» في 7 يوليو (تموز) 2026، وأظهرت أن العلاج كان جيد التحمل. وكان الأثر الجانبي الوحيد المرتبط بالعلاج هو ارتفاع مؤقت في مستويات الإنترلوكين-6 «(IL-6) interleukin-6»، وهو جزيء يشارك في تنظيم الاستجابة الالتهابية، وقد ظهر لدى 3 مرضى فقط، وكانت جميع الحالات خفيفة وغير خطيرة.

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام ظهر في الاستجابة المناعية؛ فقد تمكن الباحثون من رصد استجابة مناعية خلوية موجهة ضد بروتين «ورم ويلمز» لدى ستة من المرضى الاثني عشر. والمفاجأة أن هؤلاء المرضى كانوا جميعاً يمتلكون بالفعل استجابة ضعيفة للمستضد قبل تلقي اللقاح، كما بقوا لفترة أطول من دون تقدم للمرض مقارنة بالمرضى الآخرين.

أما المرضى الستة الذين لم تكن لديهم استجابة مناعية قابلة للكشف ضد بروتين ورم ويلمز قبل العلاج، فلم يُظهر اللقاح قدرة واضحة على تكوين استجابة جديدة لديهم.

رصد مؤشر حيوي يساعد في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منها

تعزيز المناعة

• لقاح يعزز المناعة أكثر مما يبدأها. تشير هذه النتائج إلى احتمال أن يعمل اللقاح التجريبي بوصفه مُعزّزاً للاستجابة المناعية الموجودة مسبقاً، بدلاً من كونه لقاحاً قادراً على إطلاق استجابة جديدة من الصفر.

وإذا تأكد هذا الأمر في دراسات أكبر، فقد تصبح الاستجابة المناعية الضعيفة الموجودة مسبقاً ضد بروتين ورم ويلمز مؤشراً حيوياً يساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة من هذا النوع من العلاج.

وبعد انتهاء التجربة تلقى 7 مرضى علاجاً إضافياً بدواء «بيمبروليزوماب» (Pembrolizumab)، وهو أحد مثبطات نقاط التفتيش المناعية وفقاً لتقدير أطبائهم. ولوحظ انكماش الأورام لدى 3 منهم، وجميعهم كانوا من المرضى الذين ظهرت لديهم استجابة مناعية ضد بروتين ورم ويلمز بعد تلقي اللقاح التجريبي. لكنّ الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تثبت فاعلية اللقاح، نظراً للعدد الصغير من المشاركين وطبيعة المتابعة غير العشوائية بعد انتهاء التجربة.

وقال شيراكاوا إن الدراسة لم تُصمم لإثبات فاعلية العلاج؛ بل لتوليد فرضيات يمكن اختبارها في دراسات لاحقة.

• نحو جيل جديد من لقاحات السرطان. يرى الباحثون أن النتائج تبرر مواصلة دراسة اللقاح التجريبي (B440)، خصوصاً بالاشتراك مع مثبطات نقاط التفتيش المناعية، أو استخدامها قبل هذه العلاجات.

ويجري الفريق حالياً تجربة سريرية من المرحلتين الأولى والثانية تختبر اللقاح التجريبي بالاشتراك مع دوائي «نيفولوماب» (Nivolumab) و«إبيليموماب» (Ipilimumab) لدى المرضى المصابين بورم الظهارة المتوسطة الخبيث الجنبي غير القابل للاستئصال (nonremovable malignant pleural mesothelioma).

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل معرفة ما إذا كان هذا النهج سيصبح علاجاً فعلياً، فإن الدراسة تفتح اتجاهاً جديداً في علاج السرطان هو استخدام بكتيريا معوية معدّلة وراثياً وسيلة فموية لإيصال مستضدات السرطان وتحفيز الجهاز المناعي من الداخل، وربما دمجها مستقبلاً مع العلاجات المناعية القائمة.


تقنية مبتكرة بالذكاء الاصطناعي لتقدير إنتاج الغذاء في أفريقيا

الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)
الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)
TT

تقنية مبتكرة بالذكاء الاصطناعي لتقدير إنتاج الغذاء في أفريقيا

الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)
الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)

مع تزايد تأثير التغيرات المناخية في الزراعة، أصبحت معرفة ما يُزرع وأين، وحجم المساحات المزروعة، عاملاً مهماً في تقدير إنتاج الغذاء، والاستعداد لنقصه. لكن الحصول على هذه البيانات يظل تحدياً في كثير من الدول، خصوصاً تلك التي تعتمد على مزارع صغيرة يصعب مسحها ميدانياً بصورة منتظمة.

وفي هذا السياق، يفتح الذكاء الاصطناعي، بالاستعانة بصور الأقمار الاصطناعية، مجالاً جديداً لمراقبة المحاصيل، ورسم خرائطها بسرعة، وبتكلفة أقل. وأظهرت دراسة لباحثين في جامعة كمبردج البريطانية أن أداة للذكاء الاصطناعي طوّرها الفريق يمكن أن تساعد الحكومات والمنظمات المعنية بالأمن الغذائي على رسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة، باستخدام صور الأقمار الاصطناعية، وبتكلفة حاسوبية أقل، ما يتيح تقدير الإنتاج، ورصد التغيرات الزراعية، والاستعداد بصورة أفضل لنقص الغذاء المحتمل.

أداة ذكاء اصطناعي

واختبر الباحثون أداة «تيسيرا» (Tessera) -وهي نموذج مفتوح المصدر للذكاء الاصطناعي مدرّب على صور الأقمار الاصطناعية- لرسم خريطة للمحاصيل في حوض الفول السوداني بالسنغال، وهي منطقة زراعية تعتمد بدرجة كبيرة على عمل صغار المزارعين، والزراعة البعلية.

وأظهرت الاختبارات أن «تيسيرا» تمكنت من تحديد نوع المحصول الصحيح في نحو 84 في المائة من الحالات. وتأتي الدراسة في وقت تزداد فيه الحاجة إلى بيانات زراعية دقيقة لمراقبة تأثير التقلبات المناخية في إنتاج الغذاء، خصوصاً في المناطق التي يعتمد فيها جزء كبير من الإنتاج على مزارع صغيرة، ومياه الأمطار. وفي غرب أفريقيا، يمثل تغير أنماط هطول الأمطار والجفاف أحد المخاطر التي قد تؤثر في إنتاج المحاصيل، والأمن الغذائي.

كيف تعمل «تيسيرا»؟ تعتمد الأداة على تحليل صور الأقمار الاصطناعية على مدار عام كامل، وتحويل كل بقعة أرضية تبلغ مساحتها 10 أمتار مربعة إلى سلسلة من الأرقام تُعرف باسم «التضمين» (Embedding). ويحمل هذا التمثيل الرقمي معلومات عن كيفية تغير الأرض، والمحاصيل التي تنمو فيها بمرور الوقت.

بعد ذلك يمكن استخدام خوارزمية بسيطة وعدد محدود من نقاط البيانات الميدانية لتحديد أنواع المحاصيل، وإنشاء خريطة واسعة النطاق لها. وتقلل هذه الطريقة الحاجة إلى جمع كميات كبيرة من البيانات الميدانية، أو إجراء عمليات حسابية مكلفة لتحليل صور الأقمار الاصطناعية، ما قد يجعل مراقبة المحاصيل أكثر إتاحة للحكومات، والمنظمات التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لاستخدام الطرق التقليدية.

وقارن الباحثون أداء «تيسيرا» مع طريقتين مستخدمتين على نطاق واسع لرسم خرائط المحاصيل من الأقمار الاصطناعية، إضافة إلى «ألفا إيرث» (AlphaEarth)، وهو نموذج مشابه طوّره مختبر «غوغل ديب مايند»، لكن بنيته الأساسية ليست متاحة للجمهور. واختُبرت النماذج في رسم خرائط المحاصيل خلال أعوام 2018 و2019 و2021، مع تقييم دقتها، وموثوقيتها، وإمكانية إعادة استخدامها، والتكلفة الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.

رصد التوقعات المستقبلية

وأظهرت النتائج أن «تيسيرا» حافظت على أداء أفضل عندما جرى تدريبها باستخدام بيانات سنة واحدة، ثم تطبيقها على سنة أخرى، ما يشير إلى إمكانية الاستفادة منها في السنوات اللاحقة دون الحاجة إلى إجراء مسوحات ميدانية جديدة كل عام.

وقالت الدكتورة ماديلين ليسايوس، الباحثة الرئيسة للدراسة بقسم علوم وتكنولوجيا الحاسوب بجامعة كمبردج، لـ«الشرق الأوسط» إن من أبرز فوائد «تيسيرا» في التطبيقات الزراعية تمتعها باستقرار زمني أكبر للبيانات مقارنة بأساليب التعلم الآلي التقليدية.

وأوضحت أن البيانات التي جُمعت قبل 5 أو 10 سنوات يمكن أن تظل قابلة للاستخدام مع النماذج الحالية، وهو ما كان من الصعب تحقيقه بالأساليب التقليدية، بما يتيح الاستفادة من البيانات الموجودة، وتقليل الاعتماد على حملات جمع جديدة بصورة مستمرة.

وأضافت أن الأداة تقلل أيضاً من الخبرات التقنية اللازمة للاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية، خصوصاً بالنسبة إلى صغار المزارعين، مشيرة إلى أن تكاليف تخزين البيانات وتشغيل النماذج يمكن أن تنخفض بمقدار يتراوح بين 10 و20 مرة مقارنة بالأساليب التقليدية، مع الاستغناء عن حساب سمات أو مؤشرات معقدة، ومخصصة، ما يجعل استخدام صور الأقمار الاصطناعية في تطبيقات الأمن الغذائي أكثر سهولة.

وأوضحت ليسايوس أن «تيسيرا» توفر بنية تكنولوجية تسمح بتشغيل التحليلات الزراعية حتى على الهاتف الجوال، مع قدر محدود من المدخلات التقنية، ما يجعل المعلومات المستخلصة من الأقمار الاصطناعية أكثر إتاحة للمزارعين المحليين لتحليل مناطقهم بأنفسهم. وقالت إن هذه الإتاحة يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة الرقمية في القطاع الزراعي، كما توفر بيانات تساعد على فهم الاتجاهات الزراعية، ودعم اتخاذ القرار.

وعلى نطاق أوسع، يمكن للحكومات والجهات الداعمة لصغار المزارعين استخدام هذه المعلومات في تخطيط برامج الإرشاد الزراعي، وورش العمل، وتوزيع المدخلات، فضلاً عن رصد انتشار أمراض المحاصيل، وتأثيرات المناخ، وأنماط إدارة الأراضي، بما يساعد على توجيه الدعم إلى المناطق والمزارعين الأكثر احتياجاً.

وفيما يتعلق بتوسيع استخدام «تيسيرا» إلى دول أفريقية أخرى، قالت ليسايوس إن النهج يمكن تطبيقه في مختلف المناطق الزراعية بالقارة الأفريقية. ويتطلب تكييفه مع محاصيل ومناخات ونظم زراعية مختلفة توفير ما لا يقل عن 12 عينة أو وسم عالي الجودة لكل محصول مستهدف في المنطقة، وبعد ذلك يمكن استخدام الأداة كمنتج جاهز لاستخراج معلومات تدعم تطبيقات الزراعة، والأمن الغذائي.


حين تصبح الخوارزمية أكثر إقناعاً من المريض

تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية
تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية
TT

حين تصبح الخوارزمية أكثر إقناعاً من المريض

تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية
تجربة المريض جزء من المعرفة الطبية

تخيّل مريضاً يدخل عيادة طبيبه مثقلاً بألم مستمر وإرهاق يعطّل حياته اليومية، ويروي معاناته بتفاصيل يعرفها وحده. غير أن نظام الذكاء الاصطناعي الذي يستعين به الطبيب يشير إلى أن احتمال إصابته بمرض خطير ما... ضئيل للغاية.

هنا تبدأ معضلة تتجاوز دقة التشخيص: ماذا لو وثَّق الطبيب بحسابات الخوارزمية أكثر من شهادة المريض؟ وهل يمكن أن تتحول الأرقام إلى مرجع للحقيقة، بينما تتراجع التجربة الإنسانية إلى مجرد معلومة لا يُعتد بها؟

هذه المفارقة تفتح الباب أمام مفهوم فلسفي يكتسب أهمية متزايدة في الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: «الظلم المعرفي» (Epistemic Injustice)، حين لا يُمنح الإنسان ما تستحقه شهادته من مصداقية.

التقنية في خدمة الحكم السريري

مصداقية المريض

وضعت الفيلسوفة البريطانية ميراندا فريكر (Miranda Fricker) عام 2007 إطاراً فلسفياً لفهم الظلم المعرفي، وميّزت بين صورتين له: الأولى عندما تُنتقص مصداقية شهادة الإنسان بسبب أحكام مسبقة، والثانية عندما يفتقر الإنسان إلى المفاهيم التي تمكّنه من فهم تجربته والتعبير عنها. وقد يتجلى ذلك في الطب حين لا تؤخذ شكوى المريض بالجدية التي تستحقها، أو عندما تعجز التصنيفات الطبية المعروفة عن تفسير أعراضه.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي، يظهر طرف ثالث في العلاقة بين الطبيب والمريض: طرف يحلل كميات هائلة من البيانات ويقدم تقديرات تبدو دقيقة وموضوعية، لكنه لا يختبر الألم ولا يدرك التجربة الإنسانية كما يعيشها صاحبها.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي لا يتمثل فقط في احتمال خطأ الخوارزمية، بل في أن تتحول نتائجها إلى سلطة معرفية تطغى على صوت المريض، ويصعب على الطبيب نفسه التشكيك فيها.من يملك الكلمة الأخيرة... المريض أم الطبيب أم الخوارزمية؟ في دراسة نُشرت في فبراير (شباط) 2026 بمجلة «Minds and Machines»، بحثت جورجيا بوتسي وفيليبو سانتوني دي سيو العلاقة بين العدالة المعرفية وقدرة الإنسان على التحكم الفعلي في الذكاء الاصطناعي الطبي، وطرحت سؤالاً جوهرياً: هل تكفي مسؤولية الطبيب الرسمية عن القرار إذا كانت الخوارزمية تؤثر بصورة متزايدة في المعلومات التي يعتمد عليها وطريقة تفسيرها؟

داخل غرفة الفحص، تتقاطع اليوم ثلاثة مصادر للمعرفة: المريض الذي يعرف ألمه وأعراضه من تجربته الشخصية، والطبيب الذي يستند إلى خبرته السريرية وفحصه وتقديره للأدلة، والخوارزمية التي تحلل البيانات وتستخلص الأنماط والاحتمالات.

لكن هذه المصادر ليست متساوية في طبيعتها أو مسؤولياتها. فالمريض أدرى بتجربته المعيشة، والطبيب مسؤول عن التشخيص والقرار العلاجي، بينما تقدم الخوارزمية تقديرات مساعدة لا تمتلك سلطة سريرية مستقلة أو مسؤولية أخلاقية.

والتحدي ليس في اختيار أحد هذه الأصوات وإسكات الآخرين، بل في الجمع بينها دون أن تتحول قوة الحساب إلى سلطة تطغى على الحكم السريري أو تُهمّش رواية المريض.

الحوار أساس الشراكة العلاجية

«التشكيك الخوارزمي»

في دراسة نُشرت مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2026 بمجلة «Philosophy, Ethics, and Humanities in Medicine»، تناول الباحث أورهان أوندر، من جامعة مرمرة والمرتبط أيضاً بجامعة فيينا، ظاهرة مقلقة أطلق عليها «التشكيك الخوارزمي» (Algorithmic Gaslighting)، حين تدفع الهيمنة المتكررة للتقديرات الآلية المريض إلى التشكيك في تجربته الصحية.

ويستمد المصطلح جذوره من مسرحية «ضوء الغاز» (Gas Light) للكاتب باتريك هاملتون عام 1938، التي ارتبط اسمها لاحقاً بوصف ممارسات تجعل الإنسان يشك في إدراكه للواقع.

وفي الطب، لا يعني ذلك أن الخوارزمية تتعمد تضليل المريض، بل إن نتائجها قد تُمنح سلطة تفوق شهادته، حتى تصبح معاناته أقل إقناعاً من الأرقام التي تظهر على الشاشة.

وقد يواصل مريض الشكوى من أعراض مستمرة، بينما تصنفه الأنظمة الذكية مراراً ضمن فئة منخفضة الخطورة. وإذا تعامل الطبيب مع تلك التقديرات باعتبارها حكماً نهائياً، فقد يبدأ المريض بالتساؤل: هل أبالغ في وصف ألمي؟ هل أتخيل ما أشعر به؟ وهل تعرف الخوارزمية جسدي أكثر مني؟

ويحذر أوندر من أن هذه الظاهرة قد تتفاقم عندما لا تمثل البيانات جميع الفئات السكانية، أو تغيب الشفافية عن قرارات الخوارزمية، أو يبالغ العاملون الصحيون في الثقة بمخرجاتها.

وهكذا يتجاوز الضرر احتمال الخطأ التشخيصي إلى ما هو أعمق: أن يفقد المريض ثقته في تجربته الشخصية، وربما يتردد مستقبلاً في التعبير عن معاناته.

هل كل اختلاف مع الخوارزمية ظلم؟ لكن هل يعني اختلاف التقدير الخوارزمي مع رواية المريض وقوع ظلم معرفي بالضرورة؟ ففي دراسة نُشرت في أغسطس (آب) 2026 بمجلة «Philosophy of Medicine»، دعا الباحث باتريك هومل إلى الحذر من التوسع في استخدام هذا المفهوم دون أدلة تثبت وقوع الظلم وتأثيره الفعلي في الرعاية الصحية. فقد تكشف الخوارزمية مؤشرات مرضية تغيب عن التقييم الأولي، وقد تكون تقديراتها أكثر دقة في بعض الحالات. وفي المقابل، فإن احترام تجربة المريض لا يعني اعتبار تفسيره الشخصي لأعراضه تشخيصاً طبياً نهائياً.

وهنا يكمن التوازن المطلوب: فالعدالة المعرفية لا تعني منح المريض سلطة تشخيصية مطلقة، ولا تعني تجاهل الأدلة التي تقدمها الخوارزمية، بل تعني تقييم كل مصدر للمعرفة وفق قيمته وحدوده، وتفسير الاختلاف بينها بدلاً من إسكات أحد أطرافها.

من دقة الخوارزمية إلى عدالة القرار

لا تكفي الدقة الإحصائية وحدها لضمان عدالة القرارات الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فالسؤال ليس فقط: هل أصابت الخوارزمية في تقديرها؟ بل أيضاً: هل يستطيع الطبيب مراجعة نتائجها والاعتراض عليها؟ وهل يجد المريض مساحة للتعبير عن أعراض لا تعكسها البيانات المسجلة؟

هنا تتحول العدالة المعرفية إلى مسؤولية مؤسسية. فالحوكمة الفعالة تتطلب اختبار الأنظمة على السكان المحليين، ومراقبة الانحياز، وتدريب العاملين الصحيين على إدراك حدود الخوارزميات، وتوثيق الحالات التي تتعارض فيها توصياتها مع التقييم السريري.

والأهم ألا تتحول التوصية الحسابية إلى حكم نهائي لا يقبل المراجعة. فالقرار الطبي الرشيد لا يقوم على ترجيح الأرقام وحدها، بل على الجمع بين الدليل العلمي والخبرة السريرية وتجربة المريض، ضمن علاقة علاجية تحفظ حقه في أن يُسمع ويُؤخذ على محمل الجد.

إن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واسعة لتحسين التشخيص والتنبؤ بالأمراض وتخصيص العلاج. لكن قيمة هذا التقدم لا تُقاس بما نستخرجه من البيانات وحدها، بل بقدرتنا على توظيفه دون تهميش الإنسان أو الانتقاص من صوته داخل الرعاية الصحية. فالخوارزمية قد تكشف نمطاً يغيب عن الطبيب، والطبيب قد يفهم سياقاً تعجز الخوارزمية عن إدراكه، والمريض قد يشعر بتغير لم ترصده الفحوص بعد.

وليست الغاية أن تتنافس هذه الأطراف على امتلاك الحقيقة، بل أن تتكامل معارفها للوصول إلى قرار أكثر دقة وإنصافاً، يحفظ للمريض حقه في أن يكون شريكاً مسموعاً في رعايته.

ولعل الخطر الأكبر في عصر الطب الخوارزمي ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان، بل أن نختزل الحقيقة الإنسانية فيما تستطيع الآلة قياسه.