لافروف يعوّل على «تعهد» أميركي بتقديم رد على الضمانات خلال أسبوع

بلينكن: واشنطن وحلفاؤها ملتزمون بالدبلوماسية لكنهم مصممون على الرد على أي «غزو روسي» لأوكرانيا بشكل «موحد وسريع وقاسٍ»

لافروف وبلينكن يتمسكان بمواقفهما في جنيف (إ.ب.أ)
لافروف وبلينكن يتمسكان بمواقفهما في جنيف (إ.ب.أ)
TT

لافروف يعوّل على «تعهد» أميركي بتقديم رد على الضمانات خلال أسبوع

لافروف وبلينكن يتمسكان بمواقفهما في جنيف (إ.ب.أ)
لافروف وبلينكن يتمسكان بمواقفهما في جنيف (إ.ب.أ)

بدا وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف مرتاحاً، أمس، لنتائج جولة المحادثات التي أجراها مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن. وقال إن المحادثات كانت «صريحة وبناءة»، لافتاً إلى أن الجانب الأميركي تعهد بتقديم رد على الاقتراحات الروسية بشأن الضمانات الأمنية خلال أسبوع. ولم تخرج المفاوضات بين الجانبين بمفاجآت، إذ كان الطرفان أعلنا سابقاً أنهما لا يتوقعان تحقيق اختراقات خلالها. لكن انعقاد الاجتماع شكل إشارة إيجابية وفقاً لتعليقات مصادر روسية، على خلفية تصاعد سخونة السجالات حول أوكرانيا في الأيام الأخيرة، وإطلاق واشنطن تهديدات قوية بفرض «عقوبات مدمرة» إذا تحركت روسيا عسكرياً ضد البلد الجار.
ورجحت أوساط دبلوماسية روسية حتى قبل انعقاد الاجتماع مع بلينكن أن يكون وزير الخارجية الأميركي راغباً في «سماع بعض التوضيحات من الجانب الروسي بهدف دفع عملية إعداد ورقة الرد التي طالبت بها موسكو».
وقال لافروف، في مؤتمر صحافي عقده في أعقاب الاجتماع، إن المحادثات كانت «مفيدة وصريحة»، مشيراً إلى أن هذا اللقاء كان «مرحلياً»، وأن بلينكن أعرب عن ارتياح لنتائجه.
وأوضح الوزير الروسي: «قال لي أنتوني بلينكن إنه مرتاح لتبادل الآراء الذي حصل اليوم (أمس)، ما سيساعدهم الأسبوع المقبل في تقديم رد خطي على مبادرة الضمانات الأمنية المطروحة من قبل روسيا».
وقال إنه كرر خلال الاجتماع طلب موسكو وقف تمدد حلف الناتو شرقاً، موضحاً أن هذا الطلب يأتي لأن الحلف الذي أنشئ أصلاً لمواجهة الاتحاد السوفياتي يعمل حالياً ضد روسيا.
ورداً على سؤال عن تقييمه للوضع الحالي في المباحثات، قال لافروف: «لا أستطيع القول ما إذا كنا الآن نسير بالمسار الصحيح أم لا، ولن ندرك ذلك ما لم نتلق الرد الأميركي الخطي على كافة مقترحاتنا».
من جانبه، قال بلينكن إن الاجتماع يأتي ضمن إطار «الجهد المستمر الرامي إلى خفض التوترات وتفادي استمرار العدوان الروسي على أوكرانيا»، قائلاً إن الولايات المتحدة وحلفاءها ملتزمون بالدبلوماسية والحوار كسبيل لتسوية الخلافات القائمة، لكنهم من جانب آخر مصممون على الرد على أي «غزو روسي» لأوكرانيا بشكل «موحد وسريع وقاس».
وتابع وزير الخارجية الأميركي، أنه يعتزم إطلاع لافروف على الموقف المشترك لواشنطن وحلفائها و«أفكار محددة» بشأن بعض مباعث القلق إزاء تصرفات موسكو، بالإضافة إلى «توضيح المبادئ الأساسية التي نحن ملتزمون بالدفاع عنها».
ولاحظ بلينكن أن الوضع وصل إلى «لحظة حرجة»، وزاد: «نحن في الواقع لا نتوقع أن تتم تسوية خلافاتنا هنا واليوم، لكنني آمل وأتوقع أن نختبر ما إذا كان مسار الدبلوماسية والحوار لا يزال مفتوحاً. نحن ملتزمون باتباع هذا المسار وتسوية خلافاتنا سلمياً».
وأكد لافروف أنه سيجري اتصالاً جديداً مع بلينكن بعد تقديم الولايات المتحدة ردها على الاقتراحات الروسية، ودعا إلى «عدم استباق الأمور»، رداً على سؤال عن إمكانية إجراء مكالمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي جو بايدن بهذا الشأن. وزاد: «الرئيس بوتين مستعد دائماً للتواصل مع الرئيس بايدن، لكن من الواضح أنه ينبغي التحضير لهذه الاتصالات على نحو جدي».
وفي إشارة لافتة، تعمد لافروف التأكيد على تباين المداخل بين موسكو وواشنطن في شأن آليات ضمان الأمن في أوروبا، وقال إن الجانب الأميركي حاول خلال الاجتماع التركيز على الملف الأوكراني، وطرح ضرورة «خفض التصعيد» كشرط أساسي، وكرر براهين عن حق الدول في تشكيل تحالفات عسكرية.
وزاد: «لكننا في المقابل قدمنا طيفاً من الوثائق التي تشترط لحرية اختيار التحالفات ضرورة الامتناع عن أي خطوات تؤدي إلى تعزيز أمن أي دولة على حساب أمن دول أخرى، وطلبنا من أنتوني بلينكن وفريقه توضيح كيفية تفسيرهم هذا الجزء من الالتزامات التي تم تبنيها وتأكيدها مراراً على المستوى السياسي ضمن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا».
وتلقى لافروف تعهداً من نظيره الأميركي بـ«توضيح موقف واشنطن بهذا الشأن». وأشار إلى أن «أمن أوروبا أوسع من الملف الأوكراني»، قائلاً: «نعم، نعتقد أن القضية الأوكرانية تستحق اهتماماً بالغاً، لكن لا يجوز ربط مسألة هيكل أمن أوروبا عموماً بهذه المسألة فقط».
وحول تزايد سخونة السجالات حول أوكرانيا، لفت الوزير الروسي إلى أن «هذه المسألة نوقشت على نحو صريح مع بلينكن، وهو وافق على أنه ينبغي خوض حوار بعقلانية أكثر. آمل أن تنخفض لديهم الانفعالات العاطفية لكن ليست هناك أي ضمانات».
ولفت لافروف إلى أن موسكو قدمت الأجوبة على كافة الأسئلة المتعلقة بوجود قواتها عند حدود أوكرانيا، مشدداً مرة أخرى على أن «روسيا لم تهدد الشعب الأوكراني، ولا تنوي غزو هذا البلد المجاور». وأضاف لافروف أنه لم يسمع أي براهين تبرر موقف الولايات المتحدة بشأن «التهديد الروسي لأوكرانيا»، وذكر أن بلينكن نفسه أقر بأن الحديث يدور عن نشر روسيا قواتها داخل حدودها.
ورجح الوزير الروسي أن «الهستيريا» التي يروج لها الغرب حالياً ربما تستهدف تبرير خطوات عسكرية جديدة لحكومة كييف في منطقة دونباس، أو على الأقل تبرير نهج كييف الرامي إلى تقويض اتفاقات مينسك تماماً، وقال: «عندما ستنتهي هذه الهستيريا الروسوفوبية، سيصبح جلياً للجميع أن هذا النظام فاشل».
وذكر لافروف أن بلينكن أكد له استعداد إدارة الرئيس جو بايدن للمساعدة في تطبيق اتفاقات مينسك، لافتاً إلى أنه حث نظيره الأميركي على ممارسة الضغط على كييف في هذا الشأن.
وكان لافروف استهل حديثه مع بلينكن بالإشارة إلى تطلع موسكو إلى الاطلاع على رد واشنطن على مبادرتها الخاصة بالضمانات الأمنية.
وشكر لافروف، الجانب الأميركي على المبادرة لعقد هذا اللقاء، وخاطب بلينكن بالقول: «عندما تواصلت معي هاتفياً، واقترحت عقد هذا اللقاء بغية بحث مباعث القلق الخاصة بنا بتفصيل أكثر، رأينا في ذلك فكرة مفيدة، لأننا نأمل أن يساعدكم ذلك في إعداد ردود مفصلة على كافة اقتراحاتنا وتقديم اقتراحات مضادة إن كانت موجودة لديكم». وأشار لافروف إلى أن الجانب الروسي في اليومين الأخيرين اطلع على العديد من المواد التي نشرتها الخارجية الأميركية بخصوص ما وصفته بـ«حملة التضليل الروسية واسعة النطاق»، مضيفاً: «اطلعت باهتمام كبير على هذه المواد، وآمل في أنه كان هناك أحد داخل الخارجية الأميركية لم ينخرط في إعدادها، بل ركز على جوهر اقتراحاتنا التي سلمناها إليكم».
وفي أول تعليق للكرملين على المحادثات، قال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، إن الغرض من محادثات لافروف وبلينكن «فهم نتائج جولات مفاوضات الضمانات الأمنية»، مضيفاً أنه من المهم تجنب الخطوات التي تزيد التوتر في الوضع مع أوكرانيا.
ولفت بيسكوف إلى أن «الكرملين كان يعلم مسبقاً أن وزير الخارجية الأميركي لن يقدم إجابات على مقترحات روسيا بشأن الضمانات الأمنية في المحادثات في جنيف وفي الواقع. نتوقع أن تتاح الفرصة لكل من لافروف وبلينكن لتبادل الآراء ومقارنة نتائج الجولات الثلاث من المفاوضات حول الضمانات الأمنية».
وزاد: «اتخذت روسيا والولايات المتحدة بالفعل الخطوات الأولى في الحوار، بما في ذلك إجراء مشاورات بشأن الضمانات الأمنية، والمناقشات جارية... والشيء الآخر هو أن تتم صياغة الرد على مقترحاتنا. هذا ما نتوقعه خلال أيام».
على صعيد موازٍ، أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أنه وجه دعوة لنظيره البريطاني بين والاس، لإجراء مباحثات في موسكو.
وقالت وزارة الدفاع في بيان إن شويغو دعا نظيره البريطاني لزيارة موسكو بهدف مناقشة القضايا الأمنية الآنية. وأضافت أن استئناف الاتصالات بين روسيا والمملكة المتحدة من شأنه أن يساعد في خفض التوترات في أوروبا. وكانت لندن حذرت موسكو من «عواقب وخيمة» إذا توغلت قواتها في أوكرانيا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.