ضغوط أوروبية لتغيير مقاربة التعامل مع «كوفيد ـ 19»

جهات صحية تستعد لتحوله إلى فيروس متوطن بعد موجة «أوميكرون»

أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)
أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)
TT

ضغوط أوروبية لتغيير مقاربة التعامل مع «كوفيد ـ 19»

أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)
أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)

يزداد الضغط في الدوائر الصحية الأوروبية باتجاه تغيير جذري في استراتيجية مراقبة جائحة «كوفيد - 19» والتعامل معها على غرار الأنفلونزا الموسمية، فيما تنبه منظمة الصحة العالمية من أن هذه الخطوة ما زالت سابقة لأوانها، وتحذر من عواقب التسرع في الانتقال نحوها قبل توسيع دائرة التغطية اللقاحية العالمية وانتهاء الموجة الوبائية الناجمة عن متحور «أوميكرون».
وتستعد دول عدة في الاتحاد الأوروبي، مثل إسبانيا وبلجيكا وهولندا، لطرح مبادرة في هذا الاتجاه خلال المجلس الأوروبي المقبل لوزراء الصحة، كي تكون الموجة الوبائية الحالية هي الأخيرة التي يتم التعامل معها وفقاً لمعايير المراقبة وقيود الاحتواء التي اعتمدتها السلطات الصحية منذ بداية الجائحة وحتى اليوم.

- مقاربة جديدة
وتقول وزيرة الصحة الإسبانية كارولينا دارياس، التي تعتزم قيادة هذا الطرح في المحافل الأوروبية والدولية، إنه بعد بلوغ التغطية اللقاحية مستويات عالية وتدني خطورة المتحورات الفيروسية الجديدة، بات من الضروري التفكير في اعتماد نظام جديد لمراقبة «كوفيد - 19» يختلف جذرياً عن النظام الراهن.
وتفيد المعلومات أن المراكز الوطنية للعلوم الوبائية في عدد من الدول الأوروبية وضعت خططاً لمراقبة «كورونا» على غرار الخطط المتبعة منذ سنوات لمراقبة الأنفلونزا الموسمية، وحددت شبكة من الأطباء يتفرغون لرصد تطور الفيروس والكف عن إجراء الاختبارات والتحاليل لكل الإصابات أو الحالات المشتبه بها، والاكتفاء بتجميع البيانات واستخلاص المنحى العام لانتشار الفيروس وتحديد مستويات خطورته.
ويقول مسؤولون في المفوضية الأوروبية إن حواراً يجري بين عدد من السلطات الصحية في البلدان الأعضاء لتحديد أفضل الخيارات لمواجهة وباء ينتقل تدريجياً من مرحلة الجائحة إلى مرض متوطن، لكنهم يشددون على أنه برغم التجربة الطويلة في مجال التصدي لمرض الأنفلونزا الموسمية، لا بد لأي استراتيجية جديدة أن توضع بالتوافق بين جميع السلطات الصحية الدولية.

- تحذير من خطوة «سابقة لأوانها»
ويذكر أن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، ما زالا يعتبران أن الخطوة سابقة لأوانها ويصران على السلطات الصحية في البلدان تزويدهما ببيانات مفصلة عن كل الإصابات المؤكدة.
جدير بالذكر أن المفوضية طلبت من المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية إعداد دراسة حول الخيارات الممكنة لاستراتيجية جديدة من أجل مراقبة «كوفيد - 19»، وذلك بعد أن طلبت مجموعة من الدول الأعضاء في الاتحاد الاستعداد للانتقال من مراقبة المرض في حالة الطوارئ إلى مراقبة صحية متقدمة تتماشى مع مواصفات ظواهر الأمراض التنفسية.
وكانت بعض الدول الأوروبية بدأت منذ أشهر تطبيق برامج تجريبية لمراقبة الوباء في عدد من المستشفيات بإشراف فرق طبية وإحصائية متفرغة لهذه الغاية. وأجرت محاكاة «في الظل» لعدة أسابيع، أثمرت نتائج مشجعة حسب تقدير الخبراء الذين رأوا أن مراقبة المرض في مواقع رئيسية محددة تسمح بمقاربة دقيقة لحقيقة المشهد الوبائي، وذلك من غير إجهاد المنظومات الصحية التي اضطر عدد كبير منها للتخلي مؤقتاً عن الاهتمام بأمراض أخرى خلال الجائحة.

- التدرج نحو فيروس متوطن
لكن هذا الاتجاه الأوروبي نحو تغيير جذري في مقاربة التصدي لجائحة «كوفيد - 19» فاجأ العديد من الجهات والمراكز الصحية الدولية، وفي طليعتها منظمة الصحة العالمية التي أعلن مدير مكتبها الإقليمي في أوروبا هانز كلوغيه يوم الثلاثاء الماضي، أن «كوفيد - 19» لم يصل بعد إلى مرحلة المرض المتوطن. وقال: «في خضم المعركة التي نخوضها ضد هذا الوباء، لا بد أن نتوخى أقصى درجات الحذر في توقعاتنا والخطوات المستقبلة. ومن بين الأمور التي ما زلنا نجهلها عن كوفيد - 19، العلاقة السببية بين الإصابة والمرض المزمن أو المستديم». ويعتبر خبراء منظمة الصحة أن المباشرة بالتعامل مع «كوفيد - 19» بوصفه مرضاً متوطناً، تقتضي استقرار عدد الإصابات والتوصل إلى تقديرات موثوقة وأكثر دقة، وهذا ما لم يحصل حتى الآن، خاصةً أن التوقعات الأخيرة للمنظمة تشير إلى إصابة نصف الأوروبيين بالوباء قبل حلول نهاية الشهر المقبل.
الأوساط الأوروبية المتحمسة لهذا التوجه تقول، من جهتها، إن الانتقال إلى استراتيجية جديدة لن يكون فورياً، لكنها تشدد على ضرورة الاستعداد للمرحلة التالية ومعرفة أهدافها وسبل الوصول إليها. ويقول مسؤولون في المفوضية إن نسبة متزايدة من المواطنين الأوروبيين تطالب بالتأهب والاستباق الحذر لمثل هذا الانتقال إلى مرحلة جديدة بتدابير وقيود أخف من السابق، خصوصاً بعد ارتفاع نسبة التغطية اللقاحية.

- اختبار «أوميكرون»
يقول الخبراء إن الانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة يبقى مرهوناً بنهاية الموجة الحالية الناجمة بشكل أساسي عن متحور «أوميكرون»، وإنه أياً كان الخيار المعتمد، ستكف السلطات الصحية عن احتساب عدد المصابين، ولن يضطر الذين تظهر عليهم أعراض خفيفة لإجراء اختبار الإصابة. وتجدر الإشارة أن ثمة أصواتاً كثيرة بدأت تطالب بوقف إصدار البيانات اليومية حول عدد الإصابات والوفيات الجديدة، لما تحدثه من قلق واكتئاب بين المواطنين، كما حصل الخميس في إيطاليا، حيث نشرت الصحف بياناً يدعو الحكومة إلى الكف عن هذا الإجراء بسبب التداعيات النفسية السلبية التي يتركها بين المواطنين. وكانت صحف إسبانية وهولندية نشرت أيضاً مقالات تدعو إلى إنهاء هذه الحالة الاستثنائية والعودة تدريجياً إلى «الوضع الطبيعي القديم».
وفي بيان صدر عنها الخميس، دعت الهيئة الإسبانية للطب الأسري الحكومة إلى تركيز جهودها على حماية الفئات الضعيفة، عوضاً عن محاولتها المتعثرة في غالب الأحيان لوقف انتشار الفيروس بين السكان.
في المقابل، ما زالت هيئات طبية أخرى تعتبر أن أي تغيير في الاستراتيجية الراهنة لمراقبة الوباء سيكون متسرعاً، لا سيما أن سريان الفيروس في هذه المرحلة يشهد نمواً عامودياً ينهك أقسام الخدمات الأولية في المستشفيات. وتشدد هذه الهيئات، التي تدعمها منظمة الصحة والمركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية، على أن أي تغيير في الاستراتيجية لا بد أن يستند إلى قرائن علمية مؤكدة، وأن يتم بالتوافق مع الجهات الدولية.
لكن رغم كل التنبيهات والدعوات إلى عدم التسرع والحذر، من الواضح أن التغيير أصبح محسوماً ويبقى تحديد موعده ومواصفاته، إذ من غير الممكن صحياً ولوجيستياً في الأمد الطويل قياس وتحليل وتوصيف كل إصابة بمرض تنفسي سريع السريان، مثل «كوفيد - 19» يرجح أن يصيب نصف البشرية تقريباً حسب بعض التقديرات العلمية.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended