ضغوط أوروبية لتغيير مقاربة التعامل مع «كوفيد ـ 19»

جهات صحية تستعد لتحوله إلى فيروس متوطن بعد موجة «أوميكرون»

أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)
أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)
TT

ضغوط أوروبية لتغيير مقاربة التعامل مع «كوفيد ـ 19»

أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)
أشخاص يلتزمون بارتداء الكمامة في قطار الأنفاق ببرشلونة يوم الأربعاء الماضي (رويترز)

يزداد الضغط في الدوائر الصحية الأوروبية باتجاه تغيير جذري في استراتيجية مراقبة جائحة «كوفيد - 19» والتعامل معها على غرار الأنفلونزا الموسمية، فيما تنبه منظمة الصحة العالمية من أن هذه الخطوة ما زالت سابقة لأوانها، وتحذر من عواقب التسرع في الانتقال نحوها قبل توسيع دائرة التغطية اللقاحية العالمية وانتهاء الموجة الوبائية الناجمة عن متحور «أوميكرون».
وتستعد دول عدة في الاتحاد الأوروبي، مثل إسبانيا وبلجيكا وهولندا، لطرح مبادرة في هذا الاتجاه خلال المجلس الأوروبي المقبل لوزراء الصحة، كي تكون الموجة الوبائية الحالية هي الأخيرة التي يتم التعامل معها وفقاً لمعايير المراقبة وقيود الاحتواء التي اعتمدتها السلطات الصحية منذ بداية الجائحة وحتى اليوم.

- مقاربة جديدة
وتقول وزيرة الصحة الإسبانية كارولينا دارياس، التي تعتزم قيادة هذا الطرح في المحافل الأوروبية والدولية، إنه بعد بلوغ التغطية اللقاحية مستويات عالية وتدني خطورة المتحورات الفيروسية الجديدة، بات من الضروري التفكير في اعتماد نظام جديد لمراقبة «كوفيد - 19» يختلف جذرياً عن النظام الراهن.
وتفيد المعلومات أن المراكز الوطنية للعلوم الوبائية في عدد من الدول الأوروبية وضعت خططاً لمراقبة «كورونا» على غرار الخطط المتبعة منذ سنوات لمراقبة الأنفلونزا الموسمية، وحددت شبكة من الأطباء يتفرغون لرصد تطور الفيروس والكف عن إجراء الاختبارات والتحاليل لكل الإصابات أو الحالات المشتبه بها، والاكتفاء بتجميع البيانات واستخلاص المنحى العام لانتشار الفيروس وتحديد مستويات خطورته.
ويقول مسؤولون في المفوضية الأوروبية إن حواراً يجري بين عدد من السلطات الصحية في البلدان الأعضاء لتحديد أفضل الخيارات لمواجهة وباء ينتقل تدريجياً من مرحلة الجائحة إلى مرض متوطن، لكنهم يشددون على أنه برغم التجربة الطويلة في مجال التصدي لمرض الأنفلونزا الموسمية، لا بد لأي استراتيجية جديدة أن توضع بالتوافق بين جميع السلطات الصحية الدولية.

- تحذير من خطوة «سابقة لأوانها»
ويذكر أن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، ما زالا يعتبران أن الخطوة سابقة لأوانها ويصران على السلطات الصحية في البلدان تزويدهما ببيانات مفصلة عن كل الإصابات المؤكدة.
جدير بالذكر أن المفوضية طلبت من المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية إعداد دراسة حول الخيارات الممكنة لاستراتيجية جديدة من أجل مراقبة «كوفيد - 19»، وذلك بعد أن طلبت مجموعة من الدول الأعضاء في الاتحاد الاستعداد للانتقال من مراقبة المرض في حالة الطوارئ إلى مراقبة صحية متقدمة تتماشى مع مواصفات ظواهر الأمراض التنفسية.
وكانت بعض الدول الأوروبية بدأت منذ أشهر تطبيق برامج تجريبية لمراقبة الوباء في عدد من المستشفيات بإشراف فرق طبية وإحصائية متفرغة لهذه الغاية. وأجرت محاكاة «في الظل» لعدة أسابيع، أثمرت نتائج مشجعة حسب تقدير الخبراء الذين رأوا أن مراقبة المرض في مواقع رئيسية محددة تسمح بمقاربة دقيقة لحقيقة المشهد الوبائي، وذلك من غير إجهاد المنظومات الصحية التي اضطر عدد كبير منها للتخلي مؤقتاً عن الاهتمام بأمراض أخرى خلال الجائحة.

- التدرج نحو فيروس متوطن
لكن هذا الاتجاه الأوروبي نحو تغيير جذري في مقاربة التصدي لجائحة «كوفيد - 19» فاجأ العديد من الجهات والمراكز الصحية الدولية، وفي طليعتها منظمة الصحة العالمية التي أعلن مدير مكتبها الإقليمي في أوروبا هانز كلوغيه يوم الثلاثاء الماضي، أن «كوفيد - 19» لم يصل بعد إلى مرحلة المرض المتوطن. وقال: «في خضم المعركة التي نخوضها ضد هذا الوباء، لا بد أن نتوخى أقصى درجات الحذر في توقعاتنا والخطوات المستقبلة. ومن بين الأمور التي ما زلنا نجهلها عن كوفيد - 19، العلاقة السببية بين الإصابة والمرض المزمن أو المستديم». ويعتبر خبراء منظمة الصحة أن المباشرة بالتعامل مع «كوفيد - 19» بوصفه مرضاً متوطناً، تقتضي استقرار عدد الإصابات والتوصل إلى تقديرات موثوقة وأكثر دقة، وهذا ما لم يحصل حتى الآن، خاصةً أن التوقعات الأخيرة للمنظمة تشير إلى إصابة نصف الأوروبيين بالوباء قبل حلول نهاية الشهر المقبل.
الأوساط الأوروبية المتحمسة لهذا التوجه تقول، من جهتها، إن الانتقال إلى استراتيجية جديدة لن يكون فورياً، لكنها تشدد على ضرورة الاستعداد للمرحلة التالية ومعرفة أهدافها وسبل الوصول إليها. ويقول مسؤولون في المفوضية إن نسبة متزايدة من المواطنين الأوروبيين تطالب بالتأهب والاستباق الحذر لمثل هذا الانتقال إلى مرحلة جديدة بتدابير وقيود أخف من السابق، خصوصاً بعد ارتفاع نسبة التغطية اللقاحية.

- اختبار «أوميكرون»
يقول الخبراء إن الانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة يبقى مرهوناً بنهاية الموجة الحالية الناجمة بشكل أساسي عن متحور «أوميكرون»، وإنه أياً كان الخيار المعتمد، ستكف السلطات الصحية عن احتساب عدد المصابين، ولن يضطر الذين تظهر عليهم أعراض خفيفة لإجراء اختبار الإصابة. وتجدر الإشارة أن ثمة أصواتاً كثيرة بدأت تطالب بوقف إصدار البيانات اليومية حول عدد الإصابات والوفيات الجديدة، لما تحدثه من قلق واكتئاب بين المواطنين، كما حصل الخميس في إيطاليا، حيث نشرت الصحف بياناً يدعو الحكومة إلى الكف عن هذا الإجراء بسبب التداعيات النفسية السلبية التي يتركها بين المواطنين. وكانت صحف إسبانية وهولندية نشرت أيضاً مقالات تدعو إلى إنهاء هذه الحالة الاستثنائية والعودة تدريجياً إلى «الوضع الطبيعي القديم».
وفي بيان صدر عنها الخميس، دعت الهيئة الإسبانية للطب الأسري الحكومة إلى تركيز جهودها على حماية الفئات الضعيفة، عوضاً عن محاولتها المتعثرة في غالب الأحيان لوقف انتشار الفيروس بين السكان.
في المقابل، ما زالت هيئات طبية أخرى تعتبر أن أي تغيير في الاستراتيجية الراهنة لمراقبة الوباء سيكون متسرعاً، لا سيما أن سريان الفيروس في هذه المرحلة يشهد نمواً عامودياً ينهك أقسام الخدمات الأولية في المستشفيات. وتشدد هذه الهيئات، التي تدعمها منظمة الصحة والمركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية، على أن أي تغيير في الاستراتيجية لا بد أن يستند إلى قرائن علمية مؤكدة، وأن يتم بالتوافق مع الجهات الدولية.
لكن رغم كل التنبيهات والدعوات إلى عدم التسرع والحذر، من الواضح أن التغيير أصبح محسوماً ويبقى تحديد موعده ومواصفاته، إذ من غير الممكن صحياً ولوجيستياً في الأمد الطويل قياس وتحليل وتوصيف كل إصابة بمرض تنفسي سريع السريان، مثل «كوفيد - 19» يرجح أن يصيب نصف البشرية تقريباً حسب بعض التقديرات العلمية.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.