خرق جديد لقيود الجائحة يفاقم أزمة جونسون

موظفون في مكتبه أقاموا حفلاً عشية جنازة الأمير فيليب

بوريس جونسون يغادر مقر إقامته في لندن 12 يناير (رويترز)
بوريس جونسون يغادر مقر إقامته في لندن 12 يناير (رويترز)
TT

خرق جديد لقيود الجائحة يفاقم أزمة جونسون

بوريس جونسون يغادر مقر إقامته في لندن 12 يناير (رويترز)
بوريس جونسون يغادر مقر إقامته في لندن 12 يناير (رويترز)

تختم اعترافات جديدة حول الحفلات التي أقيمت في مقرّ الحكومة البريطانية في خضمّ فترة العزل، أسبوعاً كارثياً بالنسبة لرئيس الوزراء بوريس جونسون الذي يتعرض لانتقادات حتى من داخل حزبه الحاكم.
فقد أفادت صحيفة «ذي تلغراف»، في عددها أمس (الجمعة)، بأنّ موظفين يعملون في مكتب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في 10 داونينغ ستريت، أقاموا حفلة في خضمّ تدابير الإغلاق العام التي كانت مفروضة للوقاية من جائحة «كوفيد - 19»، عشية جنازة الأمير فيليب.
وقدّم مكتب رئيس الوزراء البريطاني اعتذاراً للملكة إليزابيث الثانية بعد هذه الفضيحة، أمس. وقال ناطق باسم زعيم حزب المحافظين: «من المؤسف جداً أن يحدث ذلك في وقت حداد وطني، وقد اعتذر 10 داونينغ ستريت للقصر». وقدمت هذه الاعتذارات عبر القنوات الرسمية، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
ويأتي نشر هذه المعلومات في الوقت الذي يصارع فيه جونسون للبقاء في منصبه، بعدما تصاعدت الأصوات المطالبة باستقالته، حتى من داخل حزبه الحاكم، وذلك بعد إقراره حضور «تجمّعاً» أقيم في حدائق داونينغ ستريت في 2020، خلال تدابير الإغلاق العام.
واعتذر جونسون (57 عاماً) لحضوره حدثاً واحداً في مايو (أيار) 2020، لكن المعلومات التي انفردت بها صحيفة «ديلي تلغراف»، حول إقامة الحفلة عشية جنازة الأمير فيليب، زوج الملكة إليزابيث الثانية، في فترة كانت فيها البلاد بأسرها في فترة حداد وطني، فاقمت الغضب الشعبي ضد جونسون، رغم أنه لم يكن بين الحاضرين.
وأقام عشرات الموظفين في مكتبه حفلتين منفصلتين في 16 أبريل (نيسان) 2021، فيما كانت البلاد تخضع لتدابير «كوفيد - 19» صارمة، وقبل ساعات فقط من جنازة الأمير فيليب التي اقتصرت على 30 شخصاً بسبب قيود الوباء.
وأصبحت صورة الملكة (95 عاماً) أثناء جنازة زوجها، وهي جالسة بمفردها في الصف الأمامي في الكنيسة بسبب القيود المرتبطة بـ«كوفيد - 19»، رمزاً لقسوة وصرامة تدابير الإغلاق العام. ولم يحضر جونسون حفلتي 16 أبريل الماضي اللتين كُشفتا حديثاً، إذ كان في مقر إقامته الرسمي في تشيكرز، وفقاً للصحيفة.
وطالبت أحزاب المعارضة الرئيسية الثلاثة باستقالة جونسون، كما انضم بعض نواب حزب المحافظين إلى الدعوات المطالبة باستقالته بعدما اعتذر الأربعاء لحضوره تجمّعاً في مايو 2020.
في غضون ذلك، أصبح أندرو بريدجن أحدث عضو في البرلمان يقول إنه قدّم رسالة عدم الثقة بجونسون، إلى لجنة نافذة من نواب حزب المحافظين. وإذا أقدم 15 في المائة، أو 54 من النواب المحافظين البالغ عددهم 360 نائباً على الأمر نفسه، سيؤدي ذلك إلى نزاع داخلي على القيادة، إذا لم يقدّم جونسون استقالته من تلقاء نفسه. وكتب بريدجن، المؤيد الشرس لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في صحيفة «ذي تلغراف» أن هناك حالياً «فراغاً أخلاقياً في قلب حكومتنا».
في المقابل، احتشد معظم أعضاء مجلس الوزراء لدعم جونسون، لكنّ بعض الشخصيات البارزة في حكومته على غرار وزير الخزانة ريشي سوناك، اكتفى بدعم فاتر عبر «تويتر». وحضّ جونسون جميع الأطراف على انتظار نتائج التحقيق الداخلي الذي سيشمل الآن الادعاءات الأخيرة.
واعتذر مدير الإعلام السابق في مكتب جونسون، جيمس سلاك، أمس عن «الغضب والأذى» اللذين تسببت فيهما الحفلة التي أقيمت لمناسبة مغادرته، يوم 16 أبريل. وقال سلاك الذي يشغل منصب نائب رئيس تحرير صحيفة «ذي صن»، إنه يتحمل «المسؤولية الكاملة»، وإنه «آسف بشدة». وورد أن الحفلة أُقيمت تزامناً مع حدث آخر لمناسبة رحيل أحد المصورين الشخصيين لجونسون، تضمن مشروبات كحولية ورقصاً على وقع الموسيقى حتى وقت متأخر من الليل.
وكانت القيود التي فرضتها الحكوة آنذاك تحظر التجمعات باستثناء العائلية. وقد تسبب ذلك في عدم تمكن آلاف العائلات من زيارة أحبائهم المرضى بـ«كوفيد - 19» أو حتى حضور جنازاتهم. وقال وزير الأمن داميان هيندز، إنه «صُدم» من المزاعم الأخيرة، لكنه طلب من الناس انتظار نتيجة التحقيق الذي تقوده سو غراي.
واستغلت أنجيلا راينر، نائبة زعيم حزب العمال المعارض، وآخرون ما كشف عنه، قائلة إنها تظهر ثقافة معايير مزدوجة في قلب الحكومة. وصرّح راينر: «جلست الملكة بمفردها في جنازة (زوجها) كما فعل كثيرون في ذلك الوقت، مع تحمل الصدمة منفردة بهدف التضحية والتزام القواعد بما يصب في المصلحة الوطنية». وأضافت: «ليست لدي كلمات تصف الثقافة والسلوكيات السائدة في مقر رئاسة الوزراء والمسؤولية تقع على رئيس الوزراء».
وتراجعت تقييمات الاستطلاع لبوريس جونسون منذ ظهور «فضيحة الحفلة» الشهر الماضي. وأظهر استطلاع أجرته «يوغوف» لحساب صحيفة «تايمز»، تقدّم حزب العمال بعشر نقاط للمرة الأولى منذ نحو عشر سنوات، وقال ستة من كل عشرة ناخبين إنهم يعتقدون أن على جونسون الاستقالة.
في غضون ذلك، قالت شرطة العاصمة الخميس، إنها ستنتظر نتائج التحقيق الداخلي للحكومة قبل أن تقرر ما إذا كانت ستبدأ تحقيقاً جنائياً خاصاً بها، أم لا.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟