المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

كسر حواجز «كورونا» واستعاد الكثير من الأنشطة المعتادة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد
TT

المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد

انشغلت الثقافة المصرية طيلة العام الفائت بالبحث عن مسارات بديلة تستعيد من خلالها عافيتها وحيويتها، واختراق الحواجز التي فرضتها جائحة كورونا وتحورات الفيروس المباغتة التي لا تزال تثير الرعب في العالم. عادت الكثير من الأنشطة الأدبية والفنية، وأصبح التعايش مع الجائحة وتبعاتها بمثابة حافز للمقاومة ونقطة انطلاق لهذه المسارات، ساعد على ذلك رغبة المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين في كسر هذه الحواجز، وتضافر المؤسسات الرسمية المعنية التي ترى في هذه العودة تجديدا لحضورها ومواصلة الدور المنوط بها.
ورغم الإيجابية البادية لهذه العودة، إلا أن معظمها اتسم بالسرعة، وافتقد التخطيط والرؤية الصحيحة، وغيرها من العناصر التي توائم بين عنصري الكم والكيف، خاصةً في الأنشطة ذات الطابع التراكمي الجماعي، مثل مهرجانات السينما والأغنية والمسرح التي أقيمت هذا العام واحتضنتها دار الأوبرا، أيضاً معارض الفن التشكيلي الموسمية، فظل الحشد والحرص على الكم هو السائد، في المقابل شكل الاستثناء ندرة لافتة. ولا يخلو الأمر من مفارقة تكاد تكون مزمنة؛ فمعظم هذه الأنشطة تدور في فلك مؤسسة وزارة الثقافة وقطاعاتها الرسمية ويتوافر لها التمويل والإمكانات، ومن أبرزها المعرض العام، وصالون الفن المعاصر في دورته الأولى بعنوان «ما بعد الفكرة» بقصر الفنون، واللذان شارك فيهما حشد من الفنانين من شتى الأطياف الفنية، تنوعت أعمالهم ما بين الفنون المركبة، والتجهيز في الفراغ، والفيديو آرت، والنحت والتصوير، لكن لم ينج المعرضان وكلاهما يستمر لمدة شهر، من العشوائية والاكتظاظ دون سياق فني، ولم نعرف ما المقصود بشعار «ما بعد الفكرة»: هل هو الانفلات من الإطار، أيا كان، إطار اللوحة والوجود، أم ترك الحبل على الغارب، تشكله الفوضى والعبث باسم الفن، أو أي شيء آخر، إلى حد الاستخفاف، وأن تصبح مجموعة من البالونات المنفوخة المعلقة في سقف حجرة عملا فنيا، وغيرها من الأعمال التي لا ترقى إلى الاشتراك في صالون فني يؤسس لدورته الأولى؟! هذه العوامل وغيرها جعلت أغلب الأنشطة تفتقر إلى المعنى والحضور الجماهيري الواسع الفعال والذي اقتصر على الافتتاح الرسمي، كما غاب الحوار الحي مع الجمهور وأصبحت عودة هذه الأنشطة مجرد حشد شكلي لملء الفراغ.
في المقابل برز عدد من المعارض الفردية، اتخذت من مفردات البيئة والموروث الشعبي ومعايشة الطبيعة، أفقا لمغامرة تشكيلية متنوعة، ومنها معارض للفنانين: محمد عبلة، عمر الفيومي، عبد الوهاب عبد المحسن، أحمد عبد الكريم، سماء يحيي، إيمان عزت، فتحي عفيفي، وإبراهيم الطنبولي.
لكن يبدو أن الهم الأساسي الذي تواجهه الثقافة المصرية هو البحث عن مسارات بديلة وسط ذائقة متغيرة، أصبحت تتمرد على الماضي، وترفض أن تكون حبيسة في قفصه أو رهينة له، تقيس عليه حضورها وغيابها. عزز هذا التمرد عالم الميديا والإنترنت والسماوات المفتوحة، وفقدان المجتمع فكرة المثال الذي يمكن الاحتذاء به، ويشكل حافزا حيا، ممتدا في الزمان والمكان. هذه الذائقة المتغيرة أصبحت تفرض نفسها في كل أنماط الحياة، بداية من الثقافة والتعليم، الفن والأدب، التربية والفكر والأنشطة الاجتماعية، وحتى المجال السياسي؛ كما فرضت النظر إلى المستقبل من منظور يضع الحرية شرطا أساسيا للفن والإبداع والحياة، حيث «أنت سيد نفسك... وإن لم تستطع حاول أن تكون».
على الجانب الآخر، وبعيدا عن مفارقات هذا المنظور، حفل المشهد الثقافي المصري خلال هذا العام، بالكثير من الأعمال الإبداعية اللافتة والمهمة صدرت عن دور نشر تتسم بوعي ثقافي، تتصدرها أربعة أعمال سردية كانت الأوسع انتشاراً، من حيث المتابعة النقدية والصحافية، وهي: رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني عن دار الشروق، ورواية «في حانة الست» للكاتب الصحافي محمد بركة عن دار المثقف، وكتاب «مقهى ريش... عين على مصر» للشاعرة والكاتبة ميسون صقر، عن دار نهضة مصر، و«زيارة حميمة تأخرت كثيرا» للناقدة الأكاديمية سامية محرز، عن دار الشروق. وعلى بعد خطوات من هذه الأعمال تأتي روايتا «موت منظم» للكاتب أحمد مجدي همام، عن دار نوفل ببيروت، و«عظومة» للكاتب عصام البرعي، والتي صدرت أخيرا عن دار ميريت.
تندرج هذه الأعمال تحت فضاء السيرة الذاتية بتنويعات مختلفة، تتراوح ما بين السيرة الشخصية، وسيرة المكان، وسيرة الزمن، وسيرة المأساة. ويبدو تكنيك الخطوط المتوازية قاسما فنيا مشتركا فيما بينها. كما أن الزمن في هذه الأعمال يعمل من خلال آليتين، فهو زمن استرجاعي في بعضها، وزمن معيش في البعض الآخر. لكنه في كلتا الحالتين يبحث عن نقطة التقاء في تخوم اللحظة الحاضرة، يشتبك معها ليس كعلاقة ظل وصورة أو نوستالجيا خاطفة إنما كخط موازٍ، يصنع جسرا بين الماضي والحاضر؛ بين ما قد كان، وما هو كائن بالفعل، تاركا للمتلقي/ القارئ استشراف ما يمكن أن يكون.
أعمال مغمورة بمحبة الكتابة. تلتقي في خطوط متوازية وتفترق في اللعب على براح الخيال، والمقدرة على جعله واقعا موازيا لتعارضات الروح والجسد، والحلم والحقيقة، سعيا للإمساك بنافذة رؤية جديدة، للذات والواقع والعالم والأشياء.
يتناثر الوعي بهذه الخطوط المتوازية، في فضاء فكرة الهجرة والترحال، والنظرة إلى الوطن الأم من ثقوب الغربة، ومرايا الوطن البديل، هكذا تعزف مي التلمساني في روايتها، مستبطنة حكايات وحيوات كتلة من البشر العرب يعيشون في المهجر الكندي، وكأنها صدى لحياة البطلة الكاتبة الساردة التي تشاركهم هموم المهجر نفسه، وتعيشه بالفعل كمعبر آخر للحياة. بأناقة مخيلة ترصد مي صراعاتهم في محيط العائلة والعمل، وعلاقات الحب ومكابداته، والتواطؤ ضده أحيانا، بعلاقات عاطفية موازية تحاول كسر رتابة الواقع والمألوف. تنسج الرواية لعبتها في ظل لحظة زمنية مضطربة يصارع العالم فيها وباء الكورونا.
ومن نقطة في الماضي ينبش محمد بركة في سيرة حياة أم كلثوم، محاولا أن يصنع من خلالها موازاة لواقع آخر، حيث المهمش والمسكوت عنه في هذه السيرة، راصدا تداعياتها، في ظلال الطفولة والنشأة، تحت وطأة الفقر وشظف العيش، ثم في ظلال المجد والصعود والتربع على عرش الغناء العربي. من جهة أخرى وفي خطين متوازيين، تتقاطع فيهما سيرة الذات الساردة/ الكاتبة، وسيرة الجد. تنكش محرز في وثائق ومخطوطات جدها لأمها «شاعر الأطلال» إبراهيم ناجي والذي مات قبل أن تولد بعامين، وتكشف الكثير من الوقائع غير المعروفة عن حياته كإنسان وطبيب وشاعر بارز؛ ويكشف الكتاب عن وجهين متقاطعين للزيارة، زيارة للجد، وفي الوقت نفسه زيارة لطفولتها التي تأخرت أكثر من نصف قرن. بينما تتكئ ميسون صقر على مقهي «ريش» بوسط القاهرة، كنقطة انطلاق لفضاء أوسع، كاشفة الكثير من الوقائع حول سيرته ونشأته وملاكه، والأدوار التي لعبها في محيط الثقافة والفن والسياسة، وفي لحظة فارقة من تاريخ مصر، شهدت بزوغ فجر نهضتها الحديثة في عصر محمد علي. تتخذ ميسون من جدل المتن والهامش بؤرة لسرد حكائي شيق تمتزج فيه الأفكار والرؤى في أنساقها الفلسفية المجردة، بواقع الحياة المصرية وإيقاعها الشعبي وحكايات شوارعها وميادينها ومقاهيها ومبانيها ذات الطرز العتيقة، ليتحول مقهى ريش من مجرد حيز ومرتكز مكاني إلى عين ترصد كل هذا المتغيرات في خطوط متوازية، تتجاور وتتقاطع بتلقائية الروح ومحبة الحياة.
ويلعب أحمد مجدي همام على سرد المأساة، في خطوط متوازية ما بين ماضي الأرمن وما تعرضوا له من تشريد ومجازر على يد الأتراك، وبين حاضرهم الذي يطل على هذا الماضي. وبعين صحافي شاب يحاول أن يتتبع مسارات وجذور هذه المأساة في إطار مهني وإنساني، من خلال النبش في حكاية الجالية الأرمينية في مصر، وكيف حافظوا على لغتهم وهويتهم وتعايشوا وسط بلد حاضنة لهم بمحبة وسلام. تجسد هذه الهموم بطلة الرواية «ماجدة» الأرمينية التي ولدت في مصر وتعيش من ريع صيدلية تركها لها زوجها، وتملك الكثير من الوثائق والمستندات. في ظلال علاقة حميمة تنشأ بينها وبين الصحافي الشاب تنفتح الرواية على تاريخ الأرمن ومأساتهم بلغة سردية شديدة التلقائية والعذوبة. وفي محاولة لاستعادة خطى الزمن ينسج عصام البرعي من خيوط السرد فضاء موازيا لزمن السبعينيات في مصر إبان حكم السادات، متخذا من متاهة بطله وعزلته ومرضه وتركه عمله، خطا موازيا لما تعرض له الوطن من انكسارات سياسية واجتماعية وثقافية، في زمن شهد أعنف موجات اعتقال للمثقفين والكتاب، وفصلهم من وظائفهم. يتهم البطل بالجنون، لكنه جنون الواقع وما آل إليه من ضعة وهوان.
يبقى كتاب «الحرية والحقيقة – تحديات الثقافة والمثقف المصري» لنبيل عبد الفتاح الصادر عن دار ميريت واحدا من أهم الكتب الفكرية النقدية الصادرة هذا العام، حيث يقدم مراجعة رصينة وفي إطار رواية مفتوحة على شتى الحدوسات المعرفية، يكشف من خلالها التحديات الفارقة التي يواجهها العقل والإبداع المصري، راصدا ومحللا للأدوار التي لعبها هذا العقل في لحظات المد والجذر، وتنوعه الرحب الخصب، ثم لحظات انكساره وسكونه في عالم يموج بالتحول والتغير في شتى النظم العلمية والثقافية.
ولا يخلو هذا العام من لحظات شجن وأسى جراء الرحيل المباغت لكتاب وشعراء أصابهم وباء كورونا في مقتل، من بينهم الباحث والناقد والمترجم دكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، صاحب الإسهام الأصيل في المقاربة بين علم النفس والإبداع، والشاعر محمود نسيم، الذي جعل من القصيدة ساحة مسرح، تتعدد عليها مستويات الرؤية والحوار بين الذات والعالم، بإيقاع درامي مسكون بالبحث عن غد أفضل في فضاء الحرية والجمال.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.