المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

كسر حواجز «كورونا» واستعاد الكثير من الأنشطة المعتادة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد
TT

المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد

انشغلت الثقافة المصرية طيلة العام الفائت بالبحث عن مسارات بديلة تستعيد من خلالها عافيتها وحيويتها، واختراق الحواجز التي فرضتها جائحة كورونا وتحورات الفيروس المباغتة التي لا تزال تثير الرعب في العالم. عادت الكثير من الأنشطة الأدبية والفنية، وأصبح التعايش مع الجائحة وتبعاتها بمثابة حافز للمقاومة ونقطة انطلاق لهذه المسارات، ساعد على ذلك رغبة المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين في كسر هذه الحواجز، وتضافر المؤسسات الرسمية المعنية التي ترى في هذه العودة تجديدا لحضورها ومواصلة الدور المنوط بها.
ورغم الإيجابية البادية لهذه العودة، إلا أن معظمها اتسم بالسرعة، وافتقد التخطيط والرؤية الصحيحة، وغيرها من العناصر التي توائم بين عنصري الكم والكيف، خاصةً في الأنشطة ذات الطابع التراكمي الجماعي، مثل مهرجانات السينما والأغنية والمسرح التي أقيمت هذا العام واحتضنتها دار الأوبرا، أيضاً معارض الفن التشكيلي الموسمية، فظل الحشد والحرص على الكم هو السائد، في المقابل شكل الاستثناء ندرة لافتة. ولا يخلو الأمر من مفارقة تكاد تكون مزمنة؛ فمعظم هذه الأنشطة تدور في فلك مؤسسة وزارة الثقافة وقطاعاتها الرسمية ويتوافر لها التمويل والإمكانات، ومن أبرزها المعرض العام، وصالون الفن المعاصر في دورته الأولى بعنوان «ما بعد الفكرة» بقصر الفنون، واللذان شارك فيهما حشد من الفنانين من شتى الأطياف الفنية، تنوعت أعمالهم ما بين الفنون المركبة، والتجهيز في الفراغ، والفيديو آرت، والنحت والتصوير، لكن لم ينج المعرضان وكلاهما يستمر لمدة شهر، من العشوائية والاكتظاظ دون سياق فني، ولم نعرف ما المقصود بشعار «ما بعد الفكرة»: هل هو الانفلات من الإطار، أيا كان، إطار اللوحة والوجود، أم ترك الحبل على الغارب، تشكله الفوضى والعبث باسم الفن، أو أي شيء آخر، إلى حد الاستخفاف، وأن تصبح مجموعة من البالونات المنفوخة المعلقة في سقف حجرة عملا فنيا، وغيرها من الأعمال التي لا ترقى إلى الاشتراك في صالون فني يؤسس لدورته الأولى؟! هذه العوامل وغيرها جعلت أغلب الأنشطة تفتقر إلى المعنى والحضور الجماهيري الواسع الفعال والذي اقتصر على الافتتاح الرسمي، كما غاب الحوار الحي مع الجمهور وأصبحت عودة هذه الأنشطة مجرد حشد شكلي لملء الفراغ.
في المقابل برز عدد من المعارض الفردية، اتخذت من مفردات البيئة والموروث الشعبي ومعايشة الطبيعة، أفقا لمغامرة تشكيلية متنوعة، ومنها معارض للفنانين: محمد عبلة، عمر الفيومي، عبد الوهاب عبد المحسن، أحمد عبد الكريم، سماء يحيي، إيمان عزت، فتحي عفيفي، وإبراهيم الطنبولي.
لكن يبدو أن الهم الأساسي الذي تواجهه الثقافة المصرية هو البحث عن مسارات بديلة وسط ذائقة متغيرة، أصبحت تتمرد على الماضي، وترفض أن تكون حبيسة في قفصه أو رهينة له، تقيس عليه حضورها وغيابها. عزز هذا التمرد عالم الميديا والإنترنت والسماوات المفتوحة، وفقدان المجتمع فكرة المثال الذي يمكن الاحتذاء به، ويشكل حافزا حيا، ممتدا في الزمان والمكان. هذه الذائقة المتغيرة أصبحت تفرض نفسها في كل أنماط الحياة، بداية من الثقافة والتعليم، الفن والأدب، التربية والفكر والأنشطة الاجتماعية، وحتى المجال السياسي؛ كما فرضت النظر إلى المستقبل من منظور يضع الحرية شرطا أساسيا للفن والإبداع والحياة، حيث «أنت سيد نفسك... وإن لم تستطع حاول أن تكون».
على الجانب الآخر، وبعيدا عن مفارقات هذا المنظور، حفل المشهد الثقافي المصري خلال هذا العام، بالكثير من الأعمال الإبداعية اللافتة والمهمة صدرت عن دور نشر تتسم بوعي ثقافي، تتصدرها أربعة أعمال سردية كانت الأوسع انتشاراً، من حيث المتابعة النقدية والصحافية، وهي: رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني عن دار الشروق، ورواية «في حانة الست» للكاتب الصحافي محمد بركة عن دار المثقف، وكتاب «مقهى ريش... عين على مصر» للشاعرة والكاتبة ميسون صقر، عن دار نهضة مصر، و«زيارة حميمة تأخرت كثيرا» للناقدة الأكاديمية سامية محرز، عن دار الشروق. وعلى بعد خطوات من هذه الأعمال تأتي روايتا «موت منظم» للكاتب أحمد مجدي همام، عن دار نوفل ببيروت، و«عظومة» للكاتب عصام البرعي، والتي صدرت أخيرا عن دار ميريت.
تندرج هذه الأعمال تحت فضاء السيرة الذاتية بتنويعات مختلفة، تتراوح ما بين السيرة الشخصية، وسيرة المكان، وسيرة الزمن، وسيرة المأساة. ويبدو تكنيك الخطوط المتوازية قاسما فنيا مشتركا فيما بينها. كما أن الزمن في هذه الأعمال يعمل من خلال آليتين، فهو زمن استرجاعي في بعضها، وزمن معيش في البعض الآخر. لكنه في كلتا الحالتين يبحث عن نقطة التقاء في تخوم اللحظة الحاضرة، يشتبك معها ليس كعلاقة ظل وصورة أو نوستالجيا خاطفة إنما كخط موازٍ، يصنع جسرا بين الماضي والحاضر؛ بين ما قد كان، وما هو كائن بالفعل، تاركا للمتلقي/ القارئ استشراف ما يمكن أن يكون.
أعمال مغمورة بمحبة الكتابة. تلتقي في خطوط متوازية وتفترق في اللعب على براح الخيال، والمقدرة على جعله واقعا موازيا لتعارضات الروح والجسد، والحلم والحقيقة، سعيا للإمساك بنافذة رؤية جديدة، للذات والواقع والعالم والأشياء.
يتناثر الوعي بهذه الخطوط المتوازية، في فضاء فكرة الهجرة والترحال، والنظرة إلى الوطن الأم من ثقوب الغربة، ومرايا الوطن البديل، هكذا تعزف مي التلمساني في روايتها، مستبطنة حكايات وحيوات كتلة من البشر العرب يعيشون في المهجر الكندي، وكأنها صدى لحياة البطلة الكاتبة الساردة التي تشاركهم هموم المهجر نفسه، وتعيشه بالفعل كمعبر آخر للحياة. بأناقة مخيلة ترصد مي صراعاتهم في محيط العائلة والعمل، وعلاقات الحب ومكابداته، والتواطؤ ضده أحيانا، بعلاقات عاطفية موازية تحاول كسر رتابة الواقع والمألوف. تنسج الرواية لعبتها في ظل لحظة زمنية مضطربة يصارع العالم فيها وباء الكورونا.
ومن نقطة في الماضي ينبش محمد بركة في سيرة حياة أم كلثوم، محاولا أن يصنع من خلالها موازاة لواقع آخر، حيث المهمش والمسكوت عنه في هذه السيرة، راصدا تداعياتها، في ظلال الطفولة والنشأة، تحت وطأة الفقر وشظف العيش، ثم في ظلال المجد والصعود والتربع على عرش الغناء العربي. من جهة أخرى وفي خطين متوازيين، تتقاطع فيهما سيرة الذات الساردة/ الكاتبة، وسيرة الجد. تنكش محرز في وثائق ومخطوطات جدها لأمها «شاعر الأطلال» إبراهيم ناجي والذي مات قبل أن تولد بعامين، وتكشف الكثير من الوقائع غير المعروفة عن حياته كإنسان وطبيب وشاعر بارز؛ ويكشف الكتاب عن وجهين متقاطعين للزيارة، زيارة للجد، وفي الوقت نفسه زيارة لطفولتها التي تأخرت أكثر من نصف قرن. بينما تتكئ ميسون صقر على مقهي «ريش» بوسط القاهرة، كنقطة انطلاق لفضاء أوسع، كاشفة الكثير من الوقائع حول سيرته ونشأته وملاكه، والأدوار التي لعبها في محيط الثقافة والفن والسياسة، وفي لحظة فارقة من تاريخ مصر، شهدت بزوغ فجر نهضتها الحديثة في عصر محمد علي. تتخذ ميسون من جدل المتن والهامش بؤرة لسرد حكائي شيق تمتزج فيه الأفكار والرؤى في أنساقها الفلسفية المجردة، بواقع الحياة المصرية وإيقاعها الشعبي وحكايات شوارعها وميادينها ومقاهيها ومبانيها ذات الطرز العتيقة، ليتحول مقهى ريش من مجرد حيز ومرتكز مكاني إلى عين ترصد كل هذا المتغيرات في خطوط متوازية، تتجاور وتتقاطع بتلقائية الروح ومحبة الحياة.
ويلعب أحمد مجدي همام على سرد المأساة، في خطوط متوازية ما بين ماضي الأرمن وما تعرضوا له من تشريد ومجازر على يد الأتراك، وبين حاضرهم الذي يطل على هذا الماضي. وبعين صحافي شاب يحاول أن يتتبع مسارات وجذور هذه المأساة في إطار مهني وإنساني، من خلال النبش في حكاية الجالية الأرمينية في مصر، وكيف حافظوا على لغتهم وهويتهم وتعايشوا وسط بلد حاضنة لهم بمحبة وسلام. تجسد هذه الهموم بطلة الرواية «ماجدة» الأرمينية التي ولدت في مصر وتعيش من ريع صيدلية تركها لها زوجها، وتملك الكثير من الوثائق والمستندات. في ظلال علاقة حميمة تنشأ بينها وبين الصحافي الشاب تنفتح الرواية على تاريخ الأرمن ومأساتهم بلغة سردية شديدة التلقائية والعذوبة. وفي محاولة لاستعادة خطى الزمن ينسج عصام البرعي من خيوط السرد فضاء موازيا لزمن السبعينيات في مصر إبان حكم السادات، متخذا من متاهة بطله وعزلته ومرضه وتركه عمله، خطا موازيا لما تعرض له الوطن من انكسارات سياسية واجتماعية وثقافية، في زمن شهد أعنف موجات اعتقال للمثقفين والكتاب، وفصلهم من وظائفهم. يتهم البطل بالجنون، لكنه جنون الواقع وما آل إليه من ضعة وهوان.
يبقى كتاب «الحرية والحقيقة – تحديات الثقافة والمثقف المصري» لنبيل عبد الفتاح الصادر عن دار ميريت واحدا من أهم الكتب الفكرية النقدية الصادرة هذا العام، حيث يقدم مراجعة رصينة وفي إطار رواية مفتوحة على شتى الحدوسات المعرفية، يكشف من خلالها التحديات الفارقة التي يواجهها العقل والإبداع المصري، راصدا ومحللا للأدوار التي لعبها هذا العقل في لحظات المد والجذر، وتنوعه الرحب الخصب، ثم لحظات انكساره وسكونه في عالم يموج بالتحول والتغير في شتى النظم العلمية والثقافية.
ولا يخلو هذا العام من لحظات شجن وأسى جراء الرحيل المباغت لكتاب وشعراء أصابهم وباء كورونا في مقتل، من بينهم الباحث والناقد والمترجم دكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، صاحب الإسهام الأصيل في المقاربة بين علم النفس والإبداع، والشاعر محمود نسيم، الذي جعل من القصيدة ساحة مسرح، تتعدد عليها مستويات الرؤية والحوار بين الذات والعالم، بإيقاع درامي مسكون بالبحث عن غد أفضل في فضاء الحرية والجمال.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».