المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

كسر حواجز «كورونا» واستعاد الكثير من الأنشطة المعتادة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد
TT

المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد

انشغلت الثقافة المصرية طيلة العام الفائت بالبحث عن مسارات بديلة تستعيد من خلالها عافيتها وحيويتها، واختراق الحواجز التي فرضتها جائحة كورونا وتحورات الفيروس المباغتة التي لا تزال تثير الرعب في العالم. عادت الكثير من الأنشطة الأدبية والفنية، وأصبح التعايش مع الجائحة وتبعاتها بمثابة حافز للمقاومة ونقطة انطلاق لهذه المسارات، ساعد على ذلك رغبة المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين في كسر هذه الحواجز، وتضافر المؤسسات الرسمية المعنية التي ترى في هذه العودة تجديدا لحضورها ومواصلة الدور المنوط بها.
ورغم الإيجابية البادية لهذه العودة، إلا أن معظمها اتسم بالسرعة، وافتقد التخطيط والرؤية الصحيحة، وغيرها من العناصر التي توائم بين عنصري الكم والكيف، خاصةً في الأنشطة ذات الطابع التراكمي الجماعي، مثل مهرجانات السينما والأغنية والمسرح التي أقيمت هذا العام واحتضنتها دار الأوبرا، أيضاً معارض الفن التشكيلي الموسمية، فظل الحشد والحرص على الكم هو السائد، في المقابل شكل الاستثناء ندرة لافتة. ولا يخلو الأمر من مفارقة تكاد تكون مزمنة؛ فمعظم هذه الأنشطة تدور في فلك مؤسسة وزارة الثقافة وقطاعاتها الرسمية ويتوافر لها التمويل والإمكانات، ومن أبرزها المعرض العام، وصالون الفن المعاصر في دورته الأولى بعنوان «ما بعد الفكرة» بقصر الفنون، واللذان شارك فيهما حشد من الفنانين من شتى الأطياف الفنية، تنوعت أعمالهم ما بين الفنون المركبة، والتجهيز في الفراغ، والفيديو آرت، والنحت والتصوير، لكن لم ينج المعرضان وكلاهما يستمر لمدة شهر، من العشوائية والاكتظاظ دون سياق فني، ولم نعرف ما المقصود بشعار «ما بعد الفكرة»: هل هو الانفلات من الإطار، أيا كان، إطار اللوحة والوجود، أم ترك الحبل على الغارب، تشكله الفوضى والعبث باسم الفن، أو أي شيء آخر، إلى حد الاستخفاف، وأن تصبح مجموعة من البالونات المنفوخة المعلقة في سقف حجرة عملا فنيا، وغيرها من الأعمال التي لا ترقى إلى الاشتراك في صالون فني يؤسس لدورته الأولى؟! هذه العوامل وغيرها جعلت أغلب الأنشطة تفتقر إلى المعنى والحضور الجماهيري الواسع الفعال والذي اقتصر على الافتتاح الرسمي، كما غاب الحوار الحي مع الجمهور وأصبحت عودة هذه الأنشطة مجرد حشد شكلي لملء الفراغ.
في المقابل برز عدد من المعارض الفردية، اتخذت من مفردات البيئة والموروث الشعبي ومعايشة الطبيعة، أفقا لمغامرة تشكيلية متنوعة، ومنها معارض للفنانين: محمد عبلة، عمر الفيومي، عبد الوهاب عبد المحسن، أحمد عبد الكريم، سماء يحيي، إيمان عزت، فتحي عفيفي، وإبراهيم الطنبولي.
لكن يبدو أن الهم الأساسي الذي تواجهه الثقافة المصرية هو البحث عن مسارات بديلة وسط ذائقة متغيرة، أصبحت تتمرد على الماضي، وترفض أن تكون حبيسة في قفصه أو رهينة له، تقيس عليه حضورها وغيابها. عزز هذا التمرد عالم الميديا والإنترنت والسماوات المفتوحة، وفقدان المجتمع فكرة المثال الذي يمكن الاحتذاء به، ويشكل حافزا حيا، ممتدا في الزمان والمكان. هذه الذائقة المتغيرة أصبحت تفرض نفسها في كل أنماط الحياة، بداية من الثقافة والتعليم، الفن والأدب، التربية والفكر والأنشطة الاجتماعية، وحتى المجال السياسي؛ كما فرضت النظر إلى المستقبل من منظور يضع الحرية شرطا أساسيا للفن والإبداع والحياة، حيث «أنت سيد نفسك... وإن لم تستطع حاول أن تكون».
على الجانب الآخر، وبعيدا عن مفارقات هذا المنظور، حفل المشهد الثقافي المصري خلال هذا العام، بالكثير من الأعمال الإبداعية اللافتة والمهمة صدرت عن دور نشر تتسم بوعي ثقافي، تتصدرها أربعة أعمال سردية كانت الأوسع انتشاراً، من حيث المتابعة النقدية والصحافية، وهي: رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني عن دار الشروق، ورواية «في حانة الست» للكاتب الصحافي محمد بركة عن دار المثقف، وكتاب «مقهى ريش... عين على مصر» للشاعرة والكاتبة ميسون صقر، عن دار نهضة مصر، و«زيارة حميمة تأخرت كثيرا» للناقدة الأكاديمية سامية محرز، عن دار الشروق. وعلى بعد خطوات من هذه الأعمال تأتي روايتا «موت منظم» للكاتب أحمد مجدي همام، عن دار نوفل ببيروت، و«عظومة» للكاتب عصام البرعي، والتي صدرت أخيرا عن دار ميريت.
تندرج هذه الأعمال تحت فضاء السيرة الذاتية بتنويعات مختلفة، تتراوح ما بين السيرة الشخصية، وسيرة المكان، وسيرة الزمن، وسيرة المأساة. ويبدو تكنيك الخطوط المتوازية قاسما فنيا مشتركا فيما بينها. كما أن الزمن في هذه الأعمال يعمل من خلال آليتين، فهو زمن استرجاعي في بعضها، وزمن معيش في البعض الآخر. لكنه في كلتا الحالتين يبحث عن نقطة التقاء في تخوم اللحظة الحاضرة، يشتبك معها ليس كعلاقة ظل وصورة أو نوستالجيا خاطفة إنما كخط موازٍ، يصنع جسرا بين الماضي والحاضر؛ بين ما قد كان، وما هو كائن بالفعل، تاركا للمتلقي/ القارئ استشراف ما يمكن أن يكون.
أعمال مغمورة بمحبة الكتابة. تلتقي في خطوط متوازية وتفترق في اللعب على براح الخيال، والمقدرة على جعله واقعا موازيا لتعارضات الروح والجسد، والحلم والحقيقة، سعيا للإمساك بنافذة رؤية جديدة، للذات والواقع والعالم والأشياء.
يتناثر الوعي بهذه الخطوط المتوازية، في فضاء فكرة الهجرة والترحال، والنظرة إلى الوطن الأم من ثقوب الغربة، ومرايا الوطن البديل، هكذا تعزف مي التلمساني في روايتها، مستبطنة حكايات وحيوات كتلة من البشر العرب يعيشون في المهجر الكندي، وكأنها صدى لحياة البطلة الكاتبة الساردة التي تشاركهم هموم المهجر نفسه، وتعيشه بالفعل كمعبر آخر للحياة. بأناقة مخيلة ترصد مي صراعاتهم في محيط العائلة والعمل، وعلاقات الحب ومكابداته، والتواطؤ ضده أحيانا، بعلاقات عاطفية موازية تحاول كسر رتابة الواقع والمألوف. تنسج الرواية لعبتها في ظل لحظة زمنية مضطربة يصارع العالم فيها وباء الكورونا.
ومن نقطة في الماضي ينبش محمد بركة في سيرة حياة أم كلثوم، محاولا أن يصنع من خلالها موازاة لواقع آخر، حيث المهمش والمسكوت عنه في هذه السيرة، راصدا تداعياتها، في ظلال الطفولة والنشأة، تحت وطأة الفقر وشظف العيش، ثم في ظلال المجد والصعود والتربع على عرش الغناء العربي. من جهة أخرى وفي خطين متوازيين، تتقاطع فيهما سيرة الذات الساردة/ الكاتبة، وسيرة الجد. تنكش محرز في وثائق ومخطوطات جدها لأمها «شاعر الأطلال» إبراهيم ناجي والذي مات قبل أن تولد بعامين، وتكشف الكثير من الوقائع غير المعروفة عن حياته كإنسان وطبيب وشاعر بارز؛ ويكشف الكتاب عن وجهين متقاطعين للزيارة، زيارة للجد، وفي الوقت نفسه زيارة لطفولتها التي تأخرت أكثر من نصف قرن. بينما تتكئ ميسون صقر على مقهي «ريش» بوسط القاهرة، كنقطة انطلاق لفضاء أوسع، كاشفة الكثير من الوقائع حول سيرته ونشأته وملاكه، والأدوار التي لعبها في محيط الثقافة والفن والسياسة، وفي لحظة فارقة من تاريخ مصر، شهدت بزوغ فجر نهضتها الحديثة في عصر محمد علي. تتخذ ميسون من جدل المتن والهامش بؤرة لسرد حكائي شيق تمتزج فيه الأفكار والرؤى في أنساقها الفلسفية المجردة، بواقع الحياة المصرية وإيقاعها الشعبي وحكايات شوارعها وميادينها ومقاهيها ومبانيها ذات الطرز العتيقة، ليتحول مقهى ريش من مجرد حيز ومرتكز مكاني إلى عين ترصد كل هذا المتغيرات في خطوط متوازية، تتجاور وتتقاطع بتلقائية الروح ومحبة الحياة.
ويلعب أحمد مجدي همام على سرد المأساة، في خطوط متوازية ما بين ماضي الأرمن وما تعرضوا له من تشريد ومجازر على يد الأتراك، وبين حاضرهم الذي يطل على هذا الماضي. وبعين صحافي شاب يحاول أن يتتبع مسارات وجذور هذه المأساة في إطار مهني وإنساني، من خلال النبش في حكاية الجالية الأرمينية في مصر، وكيف حافظوا على لغتهم وهويتهم وتعايشوا وسط بلد حاضنة لهم بمحبة وسلام. تجسد هذه الهموم بطلة الرواية «ماجدة» الأرمينية التي ولدت في مصر وتعيش من ريع صيدلية تركها لها زوجها، وتملك الكثير من الوثائق والمستندات. في ظلال علاقة حميمة تنشأ بينها وبين الصحافي الشاب تنفتح الرواية على تاريخ الأرمن ومأساتهم بلغة سردية شديدة التلقائية والعذوبة. وفي محاولة لاستعادة خطى الزمن ينسج عصام البرعي من خيوط السرد فضاء موازيا لزمن السبعينيات في مصر إبان حكم السادات، متخذا من متاهة بطله وعزلته ومرضه وتركه عمله، خطا موازيا لما تعرض له الوطن من انكسارات سياسية واجتماعية وثقافية، في زمن شهد أعنف موجات اعتقال للمثقفين والكتاب، وفصلهم من وظائفهم. يتهم البطل بالجنون، لكنه جنون الواقع وما آل إليه من ضعة وهوان.
يبقى كتاب «الحرية والحقيقة – تحديات الثقافة والمثقف المصري» لنبيل عبد الفتاح الصادر عن دار ميريت واحدا من أهم الكتب الفكرية النقدية الصادرة هذا العام، حيث يقدم مراجعة رصينة وفي إطار رواية مفتوحة على شتى الحدوسات المعرفية، يكشف من خلالها التحديات الفارقة التي يواجهها العقل والإبداع المصري، راصدا ومحللا للأدوار التي لعبها هذا العقل في لحظات المد والجذر، وتنوعه الرحب الخصب، ثم لحظات انكساره وسكونه في عالم يموج بالتحول والتغير في شتى النظم العلمية والثقافية.
ولا يخلو هذا العام من لحظات شجن وأسى جراء الرحيل المباغت لكتاب وشعراء أصابهم وباء كورونا في مقتل، من بينهم الباحث والناقد والمترجم دكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، صاحب الإسهام الأصيل في المقاربة بين علم النفس والإبداع، والشاعر محمود نسيم، الذي جعل من القصيدة ساحة مسرح، تتعدد عليها مستويات الرؤية والحوار بين الذات والعالم، بإيقاع درامي مسكون بالبحث عن غد أفضل في فضاء الحرية والجمال.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.