اقتصاد ليبيا المنقسمة على حافة الهاوية مع هبوط النفط واستمرار الصراع على السلطة

مسؤولون أكدوا حتمية تحييد المؤسسات.. والمركزي وضع خطة عاجلة لرفع الدعم وخفض الرواتب

أحد الأسواق في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)
أحد الأسواق في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد ليبيا المنقسمة على حافة الهاوية مع هبوط النفط واستمرار الصراع على السلطة

أحد الأسواق في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)
أحد الأسواق في مدينة بنغازي (أ.ف.ب)

بعد نحو أربع سنوات من سقوط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا لا يبدو الوضع الاقتصادي في البلد الغني بالنفط والغاز على ما يرام، إذ تؤجج الصراعات على السلطة وهبوط أسعار النفط مخاوف الانهيار الاقتصادي. وقال مسؤولون ليبيون تحدثت معهم «الشرق الأوسط» إن الأوضاع الراهنة تحتم إجراء إصلاحات اقتصادية فورية وتحييد المؤسسات الاقتصادية، لافتين إلى أن مصرف ليبيا المركزي وضع خطة عاجلة لسد عجز الموازنة عبر رفع الدعم وخفض الرواتب.
وقال رئيس اللجنة الاستشارية المالية الاقتصادية في المصرف المركزي الليبي، محمد أبوسنينة لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع الاقتصادية في ليبيا تؤشر على حتمية إجراء إصلاحات اقتصادية فورية وتحييد المؤسسات الاقتصادية التي تعتبر المظلة الشاملة في الوقت الحالي لكل الليبيين».
وتتصارع على السلطة في ليبيا حكومتان هما؛ الحكومة المؤقتة التي يقودها عبد الله الثني المنبثقة عن مجلس النواب في طبرق شرق البلاد وهي المعترف بها دوليا، وحكومة الإنقاذ المنبثقة عن المؤتمر الوطني التي يقودها عمر الحاسي ومقرها طرابلس غرب البلاد والمحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.
وأضاف أبوسنينة أن «سداد العجز في موارد النقد الأجنبي خلال عام 2015 يعني تخفيضا مباشرا في احتياطيات مصرف ليبيا المركزي إلى الحد الذي قد يهدد غطاء العملة الليبية المقرر بالنقد الأجنبي ومن ثم قيمتها في مواجهة العملات الأجنبية وقوتها الشرائية في الداخل».
ووفقا لبيانات استقتها «الشرق الأوسط» من موقع البنك المركزي الليبي، فقد بلغت المبالغ المحولة للأغراض التجارية، حتى نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نحو 30 مليار دينار (21.9 مليار دولار).
أما الاحتياطات الأجنبية لدى المصرف المركزي فقد بلغت 90 مليار دولار وفق آخر إحصائية أصدرها البنك بنهاية مارس (آذار) الماضي مقارنة مع 133 مليار دولار في أغسطس (آب) 2013.
ويتوقع تقرير حديث صادر عن البنك الدولي نفاد احتياطات ليبيا من النقد الأجنبي في خلال 4 سنوات مع استمرار الاضطرابات السياسية في البلاد، والتي أدت لتراجع إنتاج النفط بجانب استمرار انخفاض أسعار الخام في السوق العالمية.
من جانبه، قال عصام العول، المتحدث الإعلامي باسم مصرف ليبيا المركزي، لـ«الشرق الأوسط»، إن المصرف وضع «خطة عاجلة لسد عجز الموازنة خلال الفترة المقبلة من خلال توصيات برفع الدعم السلعي الذي يبلغ نحو 8 مليارات دينار بالإضافة إلى تفعيل مصادر الدخل الأخرى كالضرائب».
وتابع أن عجز الميزانية الليبية قد بلغ العام الماضي 25 مليار دينار (18.7 مليار دولار) مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى نحو 30 مليار دينار في حال عدم اتخاذ التدابير التقشفية.
ووسط هذا المشهد المرتبك، لا تظهر معالم واضحة للاقتصاد الليبي الذي يعتمد بالأساس على النفط في ظل إغلاق عدد كبير من المصانع وتوقف تام لعجلة الإنتاج مع الاعتماد فقط على إيرادات النفط التي تمول السواد الأعظم من الميزانية العامة للبلاد.
وقال العول إن «من بين التدابير الأخرى التي أوصى بها المصرف المركزي لمعالجة الوضع الاقتصادي وخفض عجز الموازنة إعادة النظر في مرتبات العاملين بالدولة وتفعيل صرف الراتب عبر الرقم القومي من شهر أبريل (نيسان) الحالي».
وتبلغ رواتب العاملين بالدولة نحو 24 مليار دينار (18 مليار دولار) مقارنة مع 6.6 مليار دولار في عام 2011 قبيل اندلاع الثورة.
وأشار العول أيضا إلى إجراءات أخرى منها «إيقاف علاوة بدل العائلة وإعادة النظر في طلبات العلاج بالخارج حتى تتحسن الأوضاع الاقتصادية». وتصرف ليبيا سنويا ما يقرب من 3 مليارات دينار (2.2 مليار دولار)، علاوة العائلة لكل شخص لم يبلغ سن الثامنة عشرة بواقع 100 دينار شهريًا (73 دولار).
وبلغت مصروفات الدولة خلال العام الماضي 2014 نحو 49 مليار دينار (36.5 مليار دولار)، فيما بلغت الإيرادات 20.9 مليار دينار (15.5 مليار دولار) بعجز في الموازنة العامة بلغ 25.1 مليار دينار (18.7 مليار دولار)، وذلك وفقا للحسابات الختامية للدولة المنشورة على موقع البنك المركزي.
ويقول محللون استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم إن استمرار الصراعات المسلحة على الأرض والتناحر على السلطة سيقضي تماما على ما تبقى من مظاهر الاقتصاد الليبي مع امتداد الصراع إلى منابع النفط والسحب من الاحتياطي الأجنبي والأموال المجنبة التي قامت ليبيا باستقطاعها من عوائد النفط على مدى سنين طويلة.
ووسط الانقسامات الحادة التي تشهدها الساحة الليبية تحاول المؤسسات الاقتصادية الكبرى على غرار البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط النأي بنفسها عن الصراعات الدائرة على الأرض.
وتوجد مقرات تلك الأجهزة في العاصمة طرابلس وهو ما يعقد من طبيعة المشهد الاقتصادي في ليبيا، حيث تحاول حكومة الثني المعترف بها دوليا، إنشاء مصرف مركزي وديوان محاسبة جديد بجانب مؤسسة وطنية للنفط في شرق البلاد، لكنها تواجه عقبات فنية كبيرة، خصوصا وأن جميع الخبرات المتعلقة بالأجهزة الثلاثة، تعمل في المقرات الرئيسية الموجودة في العاصمة طرابلس.
وقال العول: «إننا نحاول الحفاظ على وحدة الصف الليبي من خلال تجنب الانحياز لأي طرف»، مضيفا أن المصرف «يعمل فقط من أجل مصلحة الشعب الليبي. المصرف هو المظلة الواحدة الباقية الجامعة لكل الليبيين».
ومحافظ المصرف المركزي الصديق الكبير يوجد في طرابلس حاليا ولكنه مقال من جهة الحكومة الشرعية في طبرق ولكنه رفض الامتثال لقرار الإقالة، مؤكدًا على حياده تجاه الأطراف المتنازعة على السلطة.
وإلى قطاع النفط الذي يمر هو الآخر بمنعطف خطير، حيث لم يسلم هذا القطاع الحيوي من الاضطرابات الحادة التي تشهدها البلاد حيث يحاول طرفا النزاع في المشهد السياسي الليبي بسط سيطرته على منابع الخام وتحصيل الإيرادات.
ويمثل النفط نحو 95 في المائة من إجمالي الإنفاق في ليبيا ونحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ولكن الصراعات المسلحة هبطت بالإنتاج إلى مستوى 600 ألف برميل يوميا في الوقت الحالي من مستويات سابقة بلغت نحو 1.1 مليون برميل يوميا، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي.
وفي مارس (آذار) الماضي أعلنت الحكومة الشرعية أنها بصدد افتتاح فرع للمؤسسة النفطية التابعة لحكومته المعترف بها دوليا وفتح حساب مصرفي منفصل في دولة الإمارات العربية لحسابات النفط مع سعيها لإجراء مبيعات نفطية منفصلة.
وحتى الآن تمر مبيعات النفط وإيراداته عبر البنك المركزي الليبي والمؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس التي سيطرت عليها الحكومة التابعة للإخوان في الصيف الماضي.
وحاولت المؤسسة أن تبقى بعيدا عن الصراع بين الحكومتين المتنافستين مع تأكيدها بصفة دائمة من خلال مسؤوليها على حيادها التام.
ويقوم المصرف المركزي بجمع هذه الأموال ومنحها للحكومة عبر وزارة المالية، لكنه يكتفي حاليا بدفع رواتب الموظفين الحكوميين فقط، من دون أن يقدم أموالا أخرى لأي من الحكومتين، بحسب تصريحات صحافية لمسؤولين في السلطة الحاكمة في طرابلس.
وترى فاليري مارسيل، الخبيرة في شؤون الطاقة في معهد تشاتام هاوس أن اتجاه الحكومة الشرعية نحو إبرام صفقات نفطية منفصلة سيعقد المشهد ويؤجج الصراع مع الحكومة الموازية في طرابلس.
وقالت مارسيل لـ«الشرق الأوسط» إنه «ينبغي على جميع الأطراف أن تحيد ما تبقى من مؤسسات اقتصادية في ليبيا، لا يعقل أن يكون هناك مؤسستين وطنيتين للنفط وبنكين مركزيين سيعقد هذا من طبيعة المشهد ويعجل بانقسام البلاد».
وأضافت أن «المجتمع الدولي يرغب بذلك أيضا (تحييد المؤسسات)، يريد أن يكون هناك استقلال لتلك المؤسسات ليحافظ على ما تبقى من هوية الدولة في ليبيا لحين الوصول إلى حل للصراع القائم من خلال الجهود الدولية».
ومنذ عقود طويلة تدير المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، الخاضعة حاليا لسيطرة الحكومة غير المعترف بها دوليا، عمليات الاستكشاف والتعاقد لبيع النفط الليبي الذي تقدر احتياطاته المؤكدة بنحو 48 مليار برميل وفقا لمنظمة «أوبك».
وأشار تقرير حديث صادر عن مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس إلى أن منشآت النفط والنقل في ليبيا تتلقى عمليات صيانة وتحديث غير كافية، لأسباب ليس أقلها انخفاض أسعار النفط، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض عائدات التصدير، مما يؤدي إلى التأخير في ضخ الاستثمارات اللازمة لتقليل اعتماد الاقتصاد على النفط.
وإلى مؤشرات الاقتصاد الكلي، تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى انكماش الاقتصاد الليبي بنسبة تبلغ نحو 18 في المائة في العام المالي الماضي مع بدء الصراع الفعلي على الأرض في الصيف الماضي، مما أضر بكل النواحي الاقتصادية بالبلاد.
وفي 2013 انكمش الاقتصاد الليبي بنسبة بلغت 13.5 في المائة.
وقال فريد هاونغ، محلل الاقتصادات الناشئة لدى دويتشه بنك لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الطبيعي انكماش الاقتصاد الليبي بتلك الوتيرة خلال السنة الماضية وقد نرى أرقاما أكبر من تلك بكثير في حال استمرار الاضطرابات السياسية».
وأضاف: «أعتقد أن الوصول إلى حل في ليبيا يعني دفعة قوية للاقتصاد خلال العام المقبل وتجنب الانكماش على الأقل خلال العام الحالي».
ويتوقع تقرير أكسفورد أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في ليبيا بنسبة 10.8 في المائة في عام 2015 و21.9 في المائة في عام 2016 وذلك بافتراض التوصل إلى اتفاق بين الفصائل السياسية، الأمر الذي يساعد على تعافي إنتاج النفط والصادرات.
وتوقع التقرير أيضا أن يرتفع معدل التضخم في ليبيا إلى 12 في المائة في 2015 من 2 في المائة في العام الماضي و2.6 في المائة في 2013، وأن يتراجع إلى 7 في المائة في العام المقبل و6.2 في المائة في 2017.
وأشار التقرير إلى توقعات أخرى منها انخفاض قيمة صادرات السلع إلى 15.8 مليار دولار في عام 2015 من 19.5 مليار دولار في عام 2014 و46 مليار دولار في عام 2013، وأن ترتفع إلى 28.4 مليار دولار في عام 2016 و43.1 مليار دولار في عام 2017.
وإلى سعر صرف الدينار الليبي الذي شهد تراجعات كبيرة خلال الفترة الماضية، حيث تشير حسابات لـ«الشرق الأوسط» إلى فقد الدينار لنحو 8 في المائة من قيمته منذ مطلع العام الحالي أمام الدولار ونحو 15 في المائة منذ منتصف العام الماضي.
ويرتفع سعر الدولار بوتيرة أكبر في السوق الموازية، حيث يجري تداول الدينار بأعلى من قيمته الرسمية بنحو 50 قرشا وفقا لتصريحات سابقة لمحافظ البنك المركزي الليبي.
ويرى تقرير أكسفورد أن العملة المحلية ستنخفض إلى 1.40 مقابل الدولار في العام الحالي من 1.28 في العام الماضي وأن يواصل الانخفاض إلى 1.42 دينار في العام المقبل.
وقال فيكتور لي كينغ خبير أسواق العملات لدى «إتش إس بي سي» لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الطبيعي أن يتراجع الدينار أمام الدولار في ظل استنزاف الاحتياطات الأجنبية للبلاد، ولا تزال العملة الليبية تتمتع بالقوة مع حمايتها من قبل المركزي الليبي من خلال إيرادات النفط».
وتابع: «يتعين على البنك المركزي تجميد أسعار الصرف لمعدة معينة حتى تعود الأوضاع إلى طبيعتها وإلا أن القوة الشرائية للدينار ستواصل الهبوط خلال الفترة المقبلة مع ارتفاع الدولار القوي بالأساس».



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.