الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الفوز بالمقعد الرئاسي أو البرلماني ليس مهمًا.. لكن المهم كان إقناع الناخبين بالتوجه الى صناديق الاقتراع

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة
TT

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

لعلها الأغرب بين الانتخابات السودانية منذ الاستقلال، ولعلها في العالم كذلك، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي بدأت في السودان الاثنين الماضي، ويتوقع أن تعلن نتائجها الأولية في السابع والعشرين من الشهر الحالي، تحمل صفة «انتخابات غريبة» بكل ما تعنيه المفردة من دلالات.
ومصدر الغرابة ـــ وربما الدهشة - أن الفائز بمنصب الرئيس ليس مهمًا، والفوز بمقعد برلماني أو محلي ليس مهمًا أيضًا، المهم في هذه المباراة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة له هو المنافسة على جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ونسبة المشاركة من جملة عدد الذين يحق لهم الاقتراع.

يحرص الحزب الحاكم على بذل جهوده كافة لجلب المقترعين، فيما تبذل أحزاب المعارضة مجتمعة جهدها لتحريضهم على المقاطعة، وكلا طرفي النقيض يحاول تحويلها إلى «استفتاء» على شعبية حكم الرئيس البشير، رغم يقين كلا الطرفين بأن نتائجها محسومة سلفا. تقاطعها المعارضة بكل أحزابها وتنظيماتها المدنية والمسلحة، ومنظمات مجتمع مدني، وترى فيها مجرد إهدار للمال والوقت، وتضييع لفرصة «تاريخية» أتيحت للسودانيين للاتفاق سلميا على «كيفية حكم السودان»، وبديلا عن المشاركة تتبنى «حملة ارحل»، التي تدعو إلى المقاطعة التي تعتبرها دفعة قوية للعمل المناوئ للنظام الحاكم باتجاه إسقاطه بثورة شعبية. فيما يعتبرها الحزب الحاكم «استحقاقا دستوريا» غير قابل للإرجاء، وينظر شذرا لمناوئيه وابتسامة «صفراء» تلوح في وجهوه مؤيديه، كأنها تقول «هذه لعبة قديمة العبوا غيرها»، بيد أنه ينظر بذات القدر إلى مراكز الاقتراع بحذر شديد خشية من العزوف الشعبي بين جمهور المقترعين. فالحزب الحاكم رغم أنه يضمن «النتيجة في جيبه»، وأن مرشحه أو مرشحيه فائزون مهما كانت نسبة المشاركة، فهو يخشى أن «يكسره نفسيا» الإحساس بضعف شعبيته وتراجعها، بما يؤذن بنهاية حكمه الذي امتد منذ يونيو (حزيران) 1989.
سجلت نسب الاقتراع في اليوم الأول ضعفا لافتا، وكذا يومه الثاني، ولم يقبل الناخبون على مراكز الاقتراع بالحجم الذي يرغبه الحزب الحاكم، أو حتى يقاربه، رغم العطلة التي منحتها حكومته بمناسبة الانتخابات، وحاول مسؤولون بارزون فيه الحشد، بل إن أجهزة الإعلام والصحف الموالية له أو المسيطر عليها أمنيا خرجت للناس لتطالبهم بتصديق عكس ما رأته عيونهم، وما لمسوه بأيديهم.
فرحت المعارضة بتلكؤ جمهور المقترعين في الطريق إلى مراكز الاقتراع في اليوم الأول، واعتبرته نجاحًا أوليًا لحملتها «ارحل»، بيد أن محللين محايدين يرجعون ضعف الإقبال إلى حالة «اليأس العميم» التي يعيشها السودانيون بسبب الضيق الذي يعانونه، والحروب المتطاولة، والظلم الذي يتعرضون له، والكبت الذي يواجهون، وكونهم في الوقت ذاته لا يرون ضوءًا في آخر نفق المعارضة.
ولا تكمن غرابة هذه الانتخابات فقط في كون نتيجتها محسومة سلفًا، وغير مهم فيها الفائز، بل في طريقتها، وفي القوى المشاركة والمقاطعة لها، وإقبال الناخبين عليها أيضًا.
وكان رئيس المفوضية القومية - وهي الجهة الفنية المنوط بها تنظيم الانتخابات وإجراؤها - مختار الأصم، قبل ثلاثة أيام من إعلان الصمت الانتخابي، قد ذكر في مؤتمر صحافي أن مفوضيته قررت تعطيل الانتخابات في 7 دوائر انتخابية في ولاية جنوب كردفان التي تشهد حربًا بين متمردي الجبهة الثورية والجيش الحكومي منذ 2011، لأسباب أمنية، على أن تجري فيها الانتخابات في وقت لاحق، بيد أنه قلل من الأمر بقوله: «هذا أقل عدد من الدوائر يتم تأجيل الانتخابات فيه منذ أول انتخابات أجريت في البلاد».
ويتنافس 16 مرشحًا رئاسيًا على منصب رئيس الجمهورية، و1072 مرشحًا على مقاعد البرلمان الوطني البالغة 425 مقعدًا، وأكثر من 7 آلاف مرشح على المجالس التشريعية للولايات البالغ عدد مقاعدها 2235 مقعدًا، ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في السجل الدائم للانتخابات 13.3 مليون ناخب.
وتجري عملية الاقتراع وفق طريقة معقدة خاصة في مجتمع به نسبة عالية من الأمية، إذ يؤشر الناخب الواحد على سبع بطاقات انتخابية، الأولى منها لانتخابات رئيس الجمهورية، وثلاث للبرلمان، واحدة حسب الدوائر الجغرافية والدوائر الحزبية التي يتم فيها اختيار حزب، ثم دائرة المرأة التي منحت وفقا للقانون حصة قدرها 30 في المائة من جملة أعداد البرلمانيين.
ولا يعد الإقبال على المشاركة مهمًا في حد ذاته لأن قانون الانتخابات لا يحدد «نصابًا» معينًا تكون الانتخابات شرعية بموجبه. وقال الأصم إن المعدل العالمي للمشاركة في الانتخابات يتراوح بين 15 و45 في المائة، بل إن من يحصل على «50 في المائة + 1» من أصوات الذين اقترعوا سيكون هو الفائز بالرئاسة، فيما يكون الحزب أو النائب الحاصل على أعلى الأصوات هو الفائز بالمقعد النيابي.
وتقول المفوضية إنها ستعلن النتيجة الأولية في 27 من أبريل (نيسان) الحالي تكشف فيها عن اسم المرشح الرئاسي الفائز، والفائزين بالمقاعد النيابية، ولا يحدد يوم أو مكان للفرز، بل يبدأ الفرز في اللجنة الانتخابية فور نهاية أيام الاقتراع. وحسب الجداول المعلنة فإنه سيبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع عشية اليوم الأربعاء 15 الحالي.
وتقاطع قوى المعارضة الرئيسة الانتخابات، وتنشط في دعوة المواطنين لمقاطعتها تحت لافتة حملة «ارحل» التي تطالب برحيل الرئيس الحالي عمر البشير، بعد أن طالبت مرارا بتأجيلها من أجل الحوار الوطني وتكوين حكومة انتقالية تعد لانتخابات حرة ونزيهة، بيد أن حزب الرئيس البشير يصر على عقدها في مواعيدها باعتبارها استحقاقًا دستوريًا.
وتعتبر أحزاب المعارضة والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية»، إجراء الانتخابات مجرد «إلهاء» للمواطنين والمعارضة والمجتمع الدولي، ليكسب من خلالها حزب المؤتمر الوطني الحاكم دورة رئاسية جديدة عمرها 5 سنوات لن يحصل عليها حال إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ولم تعلن منظمات مجتمع مدني دولية ذات موثوقية وخبر - مثل مركز كارتر - عن رغبتها في مراقبة الانتخابات السودانية، مثلما فعلت في انتخابات عام 2010، بيد أن رئيس المفوضية قلل من الأمر بقوله: «القول إن الرقابة الخارجية هي التي تؤكد نزاهة الانتخابات استغلال لعقل الشعب، وما حدث من رقابة في الانتخابات الماضية حدث نادر، أطلقته ظروف العالم، والجهات التي تريد شيئًا في جنوب السودان، فأتت 23 دولة لتراقب تلك الانتخابات». وأضاف «روج البعض أن مركز كارتر قاطع الانتخابات، في الوقت الذي أعلن فيه المركز عن إفلاسه المادي، لكن لدينا أكثر من جهة أبدت رغبتها في مراقبة الانتخابات، لكن عليها أن تعلم أن المفوضية لن تدفع لها فلسًا واحدًا، لكن لن تمنعها عن المراقبة».
وبينما عبرت دول الاتحاد الأوروبي وكندا وأميركا عن رفضها المسبق لنتيجة هذه الانتخابات، ورفضت تمويلها ومراقبتها، سجل ممثلون عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والصين وروسيا حضورا باعتبارهم مراقبين للانتخابات، بجانب 37 منظمة مجتمع مدني محلية.
ولا تعتبر المعارضة هذه الرقابة جدية، وترى أن وجود الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية ليس كافيا للرقابة، وأن منظمات المجتمع المدني المحلية منظمات موالية للحكومة وحزبها الحاكم، وتوضح أن منظمات المجتمع المدني المستقلة تم حلها ومنعها عن العمل بقرارات من جهاز الأمن.
ويتنافس 16 مرشحا على الرئاسة ينتمي بعضهم لأحزاب صغيرة أو حديثة أو مستقلين، ويرى المراقبون أن حظوظهم في الفوز بمقعد الرئاسة ضعيفة ما عدا مرشح حزب المؤتمر الوطني الحاكم الرئيس الحالي عمر البشير، الذي نظم حملات انتخابية في معظم مدن وأنحاء البلاد، في الوقت الذي فشل فيه منافسوه في تنظيم حملات انتخابية بسبب التمويل.
كما يتنافس 44 حزبا على مقاعد البرلمان والمجالس التشريعية، ومقاعد المرأة ومقاعد التمثيل النسبي الحزبية، ويتوقع أن يكتسحها الحزب الحاكم عدا الدوائر الانتخابية التي تنازل عنها طواعية لبعض مشاركيه في الانتخابات.
ويعد حزب المؤتمر الوطني، وهو حزب الحركة الإسلامية - التسمية السودانية لـ«الإخوان المسلمين» - الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري نفذه موالون له في الجيش ومدنيون على رأسهم عمر البشير في 1989، الحزب صاحب الحظ الأوفر في الفوز، لأنه يسيطر على الدولة والمال، وتعتقد المعارضة أنه يسخر إمكانيات الدولة لصالحه، في ظل الإضعاف المتعمد والتفتيت الذي مارسته سلطة الإنقاذ الوطني على الأحزاب المعارضة.
ولا يكتفي الحزب الحاكم – حسب وجهة نظر المعارضة – بالاتهامات التي تُوجه له، فهو يستعين بحلفاء من أحزاب منشقة عن أحزاب معارضة، أو انشقاقات لأحزاب مشاركة، وأبرز هؤلاء الحلفاء «الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، وهو من أكبر الأحزاب السودانية، ونال ثاني أكبر كتلة برلمانية في انتخابات 1986، بيد أنه يعاني من انشقاقات تفاقمت بعد رفض رئيسه محمد عثمان الميرغني المشاركة بالحكومة منذ نهاية 2011، الأمر الذي ترفضه معظم قيادات الحزب وقواعده.
ويستند الميرغني إلى «الطريقة الختمية»، وهو مرشدها الروحي، وهي إحدى أكبر الطرق الصوفية في البلاد، والحزب عبارة عن تحالف تكون منذ استقلال البلاد بين مؤيدي الطائفة ومجموعات مؤيدين ومثقفين ورجال أعمال. وهناك حزب آخر يحمل الاسم ذاته «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، ويقوده مساعد الرئيس البشير جلال الدقير الحالي، وهو منشق عن حزب الميرغني - حتى حلفاؤه تعرضوا للتفتيت - إضافة إلى تشكيلة من أحزاب الأمة: «الأمة الوطني» ويقوده عبد الله مسار، و«الأمة الفيدرالي» برئاسة بابكر نهار، و«الأمة - القيادة الجماعية»، برئاسة الصادق الهادي، وهي أحزاب منشقة عن أكبر أحزاب المعارضة «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي. وإلى جانب هذه الأحزاب تجلس مجموعة أحزاب صغيرة وحديثة منها «الحقيقة الفيدرالي»، ويقوده المرشح الرئاسي فضل السيد شعيب، و«الاتحاد الاشتراكي» وهو حزب الرئيس الأسبق جعفر النميري وتترأسه المرأة الوحيدة المرشحة للرئاسة من 16 مرشحا رئاسيا د.فاطمة عبد المحمود.
ويتنافس حلفاء الحزب الحاكم على عضوية البرلمان والمجالس المحلية، لكنهم يساندون الرئيس البشير، ويدعمون ترشيحه للفوز بدورة رئاسية جديدة، تطيل سنين حكمه إلى 31 عاما.
وعلى مستوى الرئاسة ينافس الرئيس البشير كل من فضل السيد شعيب، وفاطمة عبد المحمود، وعبد المحمود عبد الجبار رحمة الله «حزب اتحاد قوى الأمة»، ومحمد الحسن محمد الحسن «حزب الإصلاح الوطني»، وياسر يحيى صالح عبد القادر «حزب العدالة»، و10 مرشحين مستقلين، بيد أنهم جميعا لا يعدون منافسين جديين للرئيس البشير، لأنهم إما شخصيات غير معروفة ومغمورة، أو ينتمون لأحزاب حديثة النشأة أو منشقة عن أحزاب قائمة، مما يجعل المعارضة تصفهم بأنهم «مجرد ديكور» يرقص على البشير رقصة الفوز.
وتقع على الجانب الآخر من اللعبة الانتخابية - المقاطعة - كل من «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي آخر رئيس وزراء منتخب أطاح به الرئيس البشير في انقلاب 1989.
وحزب الأمة مثله مثل الاتحادي الديمقراطي يعد واجهة سياسية لـ«طائفة الأنصار» أكبر الطوائف الدينية، والتي تأسست أيام الثورة المهدية، كما أن هناك الحزب الشيوعي الذي يعد أحد أعرق الأحزاب الشيوعية في الإقليم، وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني، وهي التي يطلق عليها مجموعة الأحزاب اليسارية الديمقراطية والتي تحظى بتأييد معقول بين الطبقة الوسطى والطلاب والشباب والمهنيين والعمال. كما تقاطع الانتخابات حركات التمرد المسلحة، وهي 4 حركات تخوض حربًا منذ عام 2003 ضد الحكومة في 8 ولايات من بين ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، ثلاث من هذه الحركات دارفورية، وهي «حركة العدل والمساواة، حركة تحرير السودان - مناوي، حركة تحرير السودان - عبد الواحد»، ورابعتها هي الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال بقيادة مالك عقار، وتنضوي جميعها في تحالف سياسي وعسكري أطلقت عليه اسم «الجبهة الثورية».
وطالبت القوى المقاطعة المدنية والمسلحة بتأجيل الانتخابات كشرط لمشاركتها في الحوار الوطني، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتكوين حكومة انتقالية تشرف على إعداد دستور دائم وإجراء انتخابات نزيهة.
ورفض حزب الرئيس البشير تأجيل الانتخابات باعتبارها «استحقاقا دستوريا» لا يقبل التأجيل، ويرى في مطالب المعارضة تعبيرا عن عدم امتلاكها لسند شعبي يمكنها من المنافسة في الانتخابات، ولهذا مضى قدمًا وهو يضمن الفوز الميكانيكي، لكنه يخشى السقوط في استفتاء الشعبية.
وبمواجهة هذا الرفض من قبل الرئيس البشير وحزبه، وقعت أحزاب المعارضة المدنية والمسلحة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتفاقا أطلقت عليه «نداء السودان»، للإطاحة بنظامه عبر انتفاضة شعبية. وفي تطور لاحق، أعلنت هذه الأحزاب مجتمعة عن حملة «ارحل»، وتدعو من خلالها لمقاطعة الانتخابات للتشكيك في شعبية النظام وجماهيريته في المدن والمناطق التي تشهد عزوفا، فيما قطعت الحركات المسلحة على نفسها عهدًا بمنع قيام الانتخابات في المناطق التي تقاتل فيها.
كما يقاطع كل من حزبي المؤتمر الشعبي ويتزعمه عراب الإسلاميين حسن الترابي، وحركة الإصلاح الآن بقيادة الإسلامي المنشق غازي صلاح الدين العتباني، على الرغم من مشاركتها في الحوار الوطني الداخلي الذي دعا له النظام ضمن آلية الحوار الوطني، ولجنتها المعروفة بـ«7+7». ويتبنى كل من الرجلين اللذين خرجا من حزب البشير مقاطعته الخاصة للانتخابات.
ولقيت الدعوة للحوار الوطني والحل السلمي التفاوضي للأزمة السودانية قبولا دوليا وإقليميا واسعا، بيد أنها تعثرت، مما استدعى تدخل لجنة وساطة تابعة للاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن جهود مبيكي فشلت في إجلاس الطرفين إلى مقعد التفاوض في بداية الشهر الحالي وقبل الانتخابات، وهو الأمر الذي عده الغربيون حرصًا على الحوار من قبل المعارضين، واعتبرته الخرطوم دعمًا معنويًا للتمرد والإرهاب.
وبإجراء الانتخابات تكون عملية الحوار الوطني قد دخلت في نفق مسدود، على الرغم من إعلان حزب الرئيس البشير أنه سيستمر فيه بعد الانتخابات. لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري الدكتور حمد عمر حاوي يقول: «لا يوجد شخص عاقل يمكن أن يتصور أن تقود هذه الانتخابات إلى تغيير حقيقي». ويؤكد الدكتور حاوي في إفادته للصحيفة أن الانتخابات أصلا عملية لإثبات الشرعية، وأن من يكسب شرعية انتخابية لا يمكنه أن يتحدث عن شرعية أخرى، وإلا فإن ذلك يعد «خيانة للشعب».
ويوضح الدكتور حاوي أن نتيجة الانتخابات ستفرز تعقيدات جديدة، تتمثل في الترضيات المطلوبة وتقاسم «كعكة السلطة» بين 44 حزبًا، ويضيف «ستكون سلطة موازنات بيد حزب مهيمن، مما يزيد من أزمة الموارد والصرف على جهاز الدولة». ويؤكد حاوي أن الخياران المتاحان هما الانتخابات أو الحوار، فاختارت الحكومة الانتخابات، وأن من يحصل على شرعية انتخابية لا يملك الحق عن التراجع عنها، باعتبارها تفويضًا شعبيًا وفق برامج محددة، ولا يمكن التنازل عنه، وأن التنازل في مثل هذه الظروف يعد خيانة للناخبين الذين ذهبوا لصناديق الاقتراع. ويضيف: «أما الزعم بأن الحوار سيبدأ بعد الانتخابات فهذا تناقض، فلو كانت الحكومة تريد الحوار ما كان عليها أن تحاول كسب شرعية انتخابية، أما بعد اختيارها لشرعية الانتخابات فليس بمقدورها الدخول في حوار، وهذا التناقض لا يحدث إلا في السودان بلد المتناقضات».
وفي تحليله للانتخابات وفقا لما أنجز منها، يرى الدكتور حاوي أن الآليات المحركة لها «آليات قبلية ومناطقية» في الأرياف، ولا يحركها برنامج أو حزب، مما يخلق شكلاً من أشكال الإقبال في الولايات، أما في المدن ومناطق الوعي فيقل فيها الإقبال على الاقتراع.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.