الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الفوز بالمقعد الرئاسي أو البرلماني ليس مهمًا.. لكن المهم كان إقناع الناخبين بالتوجه الى صناديق الاقتراع

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة
TT

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

الانتخابات السودانية.. صراع الشعبية المفقودة

لعلها الأغرب بين الانتخابات السودانية منذ الاستقلال، ولعلها في العالم كذلك، فالانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي بدأت في السودان الاثنين الماضي، ويتوقع أن تعلن نتائجها الأولية في السابع والعشرين من الشهر الحالي، تحمل صفة «انتخابات غريبة» بكل ما تعنيه المفردة من دلالات.
ومصدر الغرابة ـــ وربما الدهشة - أن الفائز بمنصب الرئيس ليس مهمًا، والفوز بمقعد برلماني أو محلي ليس مهمًا أيضًا، المهم في هذه المباراة بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة له هو المنافسة على جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع، ونسبة المشاركة من جملة عدد الذين يحق لهم الاقتراع.

يحرص الحزب الحاكم على بذل جهوده كافة لجلب المقترعين، فيما تبذل أحزاب المعارضة مجتمعة جهدها لتحريضهم على المقاطعة، وكلا طرفي النقيض يحاول تحويلها إلى «استفتاء» على شعبية حكم الرئيس البشير، رغم يقين كلا الطرفين بأن نتائجها محسومة سلفا. تقاطعها المعارضة بكل أحزابها وتنظيماتها المدنية والمسلحة، ومنظمات مجتمع مدني، وترى فيها مجرد إهدار للمال والوقت، وتضييع لفرصة «تاريخية» أتيحت للسودانيين للاتفاق سلميا على «كيفية حكم السودان»، وبديلا عن المشاركة تتبنى «حملة ارحل»، التي تدعو إلى المقاطعة التي تعتبرها دفعة قوية للعمل المناوئ للنظام الحاكم باتجاه إسقاطه بثورة شعبية. فيما يعتبرها الحزب الحاكم «استحقاقا دستوريا» غير قابل للإرجاء، وينظر شذرا لمناوئيه وابتسامة «صفراء» تلوح في وجهوه مؤيديه، كأنها تقول «هذه لعبة قديمة العبوا غيرها»، بيد أنه ينظر بذات القدر إلى مراكز الاقتراع بحذر شديد خشية من العزوف الشعبي بين جمهور المقترعين. فالحزب الحاكم رغم أنه يضمن «النتيجة في جيبه»، وأن مرشحه أو مرشحيه فائزون مهما كانت نسبة المشاركة، فهو يخشى أن «يكسره نفسيا» الإحساس بضعف شعبيته وتراجعها، بما يؤذن بنهاية حكمه الذي امتد منذ يونيو (حزيران) 1989.
سجلت نسب الاقتراع في اليوم الأول ضعفا لافتا، وكذا يومه الثاني، ولم يقبل الناخبون على مراكز الاقتراع بالحجم الذي يرغبه الحزب الحاكم، أو حتى يقاربه، رغم العطلة التي منحتها حكومته بمناسبة الانتخابات، وحاول مسؤولون بارزون فيه الحشد، بل إن أجهزة الإعلام والصحف الموالية له أو المسيطر عليها أمنيا خرجت للناس لتطالبهم بتصديق عكس ما رأته عيونهم، وما لمسوه بأيديهم.
فرحت المعارضة بتلكؤ جمهور المقترعين في الطريق إلى مراكز الاقتراع في اليوم الأول، واعتبرته نجاحًا أوليًا لحملتها «ارحل»، بيد أن محللين محايدين يرجعون ضعف الإقبال إلى حالة «اليأس العميم» التي يعيشها السودانيون بسبب الضيق الذي يعانونه، والحروب المتطاولة، والظلم الذي يتعرضون له، والكبت الذي يواجهون، وكونهم في الوقت ذاته لا يرون ضوءًا في آخر نفق المعارضة.
ولا تكمن غرابة هذه الانتخابات فقط في كون نتيجتها محسومة سلفًا، وغير مهم فيها الفائز، بل في طريقتها، وفي القوى المشاركة والمقاطعة لها، وإقبال الناخبين عليها أيضًا.
وكان رئيس المفوضية القومية - وهي الجهة الفنية المنوط بها تنظيم الانتخابات وإجراؤها - مختار الأصم، قبل ثلاثة أيام من إعلان الصمت الانتخابي، قد ذكر في مؤتمر صحافي أن مفوضيته قررت تعطيل الانتخابات في 7 دوائر انتخابية في ولاية جنوب كردفان التي تشهد حربًا بين متمردي الجبهة الثورية والجيش الحكومي منذ 2011، لأسباب أمنية، على أن تجري فيها الانتخابات في وقت لاحق، بيد أنه قلل من الأمر بقوله: «هذا أقل عدد من الدوائر يتم تأجيل الانتخابات فيه منذ أول انتخابات أجريت في البلاد».
ويتنافس 16 مرشحًا رئاسيًا على منصب رئيس الجمهورية، و1072 مرشحًا على مقاعد البرلمان الوطني البالغة 425 مقعدًا، وأكثر من 7 آلاف مرشح على المجالس التشريعية للولايات البالغ عدد مقاعدها 2235 مقعدًا، ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في السجل الدائم للانتخابات 13.3 مليون ناخب.
وتجري عملية الاقتراع وفق طريقة معقدة خاصة في مجتمع به نسبة عالية من الأمية، إذ يؤشر الناخب الواحد على سبع بطاقات انتخابية، الأولى منها لانتخابات رئيس الجمهورية، وثلاث للبرلمان، واحدة حسب الدوائر الجغرافية والدوائر الحزبية التي يتم فيها اختيار حزب، ثم دائرة المرأة التي منحت وفقا للقانون حصة قدرها 30 في المائة من جملة أعداد البرلمانيين.
ولا يعد الإقبال على المشاركة مهمًا في حد ذاته لأن قانون الانتخابات لا يحدد «نصابًا» معينًا تكون الانتخابات شرعية بموجبه. وقال الأصم إن المعدل العالمي للمشاركة في الانتخابات يتراوح بين 15 و45 في المائة، بل إن من يحصل على «50 في المائة + 1» من أصوات الذين اقترعوا سيكون هو الفائز بالرئاسة، فيما يكون الحزب أو النائب الحاصل على أعلى الأصوات هو الفائز بالمقعد النيابي.
وتقول المفوضية إنها ستعلن النتيجة الأولية في 27 من أبريل (نيسان) الحالي تكشف فيها عن اسم المرشح الرئاسي الفائز، والفائزين بالمقاعد النيابية، ولا يحدد يوم أو مكان للفرز، بل يبدأ الفرز في اللجنة الانتخابية فور نهاية أيام الاقتراع. وحسب الجداول المعلنة فإنه سيبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع عشية اليوم الأربعاء 15 الحالي.
وتقاطع قوى المعارضة الرئيسة الانتخابات، وتنشط في دعوة المواطنين لمقاطعتها تحت لافتة حملة «ارحل» التي تطالب برحيل الرئيس الحالي عمر البشير، بعد أن طالبت مرارا بتأجيلها من أجل الحوار الوطني وتكوين حكومة انتقالية تعد لانتخابات حرة ونزيهة، بيد أن حزب الرئيس البشير يصر على عقدها في مواعيدها باعتبارها استحقاقًا دستوريًا.
وتعتبر أحزاب المعارضة والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء «الجبهة الثورية»، إجراء الانتخابات مجرد «إلهاء» للمواطنين والمعارضة والمجتمع الدولي، ليكسب من خلالها حزب المؤتمر الوطني الحاكم دورة رئاسية جديدة عمرها 5 سنوات لن يحصل عليها حال إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ولم تعلن منظمات مجتمع مدني دولية ذات موثوقية وخبر - مثل مركز كارتر - عن رغبتها في مراقبة الانتخابات السودانية، مثلما فعلت في انتخابات عام 2010، بيد أن رئيس المفوضية قلل من الأمر بقوله: «القول إن الرقابة الخارجية هي التي تؤكد نزاهة الانتخابات استغلال لعقل الشعب، وما حدث من رقابة في الانتخابات الماضية حدث نادر، أطلقته ظروف العالم، والجهات التي تريد شيئًا في جنوب السودان، فأتت 23 دولة لتراقب تلك الانتخابات». وأضاف «روج البعض أن مركز كارتر قاطع الانتخابات، في الوقت الذي أعلن فيه المركز عن إفلاسه المادي، لكن لدينا أكثر من جهة أبدت رغبتها في مراقبة الانتخابات، لكن عليها أن تعلم أن المفوضية لن تدفع لها فلسًا واحدًا، لكن لن تمنعها عن المراقبة».
وبينما عبرت دول الاتحاد الأوروبي وكندا وأميركا عن رفضها المسبق لنتيجة هذه الانتخابات، ورفضت تمويلها ومراقبتها، سجل ممثلون عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والصين وروسيا حضورا باعتبارهم مراقبين للانتخابات، بجانب 37 منظمة مجتمع مدني محلية.
ولا تعتبر المعارضة هذه الرقابة جدية، وترى أن وجود الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية ليس كافيا للرقابة، وأن منظمات المجتمع المدني المحلية منظمات موالية للحكومة وحزبها الحاكم، وتوضح أن منظمات المجتمع المدني المستقلة تم حلها ومنعها عن العمل بقرارات من جهاز الأمن.
ويتنافس 16 مرشحا على الرئاسة ينتمي بعضهم لأحزاب صغيرة أو حديثة أو مستقلين، ويرى المراقبون أن حظوظهم في الفوز بمقعد الرئاسة ضعيفة ما عدا مرشح حزب المؤتمر الوطني الحاكم الرئيس الحالي عمر البشير، الذي نظم حملات انتخابية في معظم مدن وأنحاء البلاد، في الوقت الذي فشل فيه منافسوه في تنظيم حملات انتخابية بسبب التمويل.
كما يتنافس 44 حزبا على مقاعد البرلمان والمجالس التشريعية، ومقاعد المرأة ومقاعد التمثيل النسبي الحزبية، ويتوقع أن يكتسحها الحزب الحاكم عدا الدوائر الانتخابية التي تنازل عنها طواعية لبعض مشاركيه في الانتخابات.
ويعد حزب المؤتمر الوطني، وهو حزب الحركة الإسلامية - التسمية السودانية لـ«الإخوان المسلمين» - الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري نفذه موالون له في الجيش ومدنيون على رأسهم عمر البشير في 1989، الحزب صاحب الحظ الأوفر في الفوز، لأنه يسيطر على الدولة والمال، وتعتقد المعارضة أنه يسخر إمكانيات الدولة لصالحه، في ظل الإضعاف المتعمد والتفتيت الذي مارسته سلطة الإنقاذ الوطني على الأحزاب المعارضة.
ولا يكتفي الحزب الحاكم – حسب وجهة نظر المعارضة – بالاتهامات التي تُوجه له، فهو يستعين بحلفاء من أحزاب منشقة عن أحزاب معارضة، أو انشقاقات لأحزاب مشاركة، وأبرز هؤلاء الحلفاء «الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، وهو من أكبر الأحزاب السودانية، ونال ثاني أكبر كتلة برلمانية في انتخابات 1986، بيد أنه يعاني من انشقاقات تفاقمت بعد رفض رئيسه محمد عثمان الميرغني المشاركة بالحكومة منذ نهاية 2011، الأمر الذي ترفضه معظم قيادات الحزب وقواعده.
ويستند الميرغني إلى «الطريقة الختمية»، وهو مرشدها الروحي، وهي إحدى أكبر الطرق الصوفية في البلاد، والحزب عبارة عن تحالف تكون منذ استقلال البلاد بين مؤيدي الطائفة ومجموعات مؤيدين ومثقفين ورجال أعمال. وهناك حزب آخر يحمل الاسم ذاته «الحزب الاتحادي الديمقراطي»، ويقوده مساعد الرئيس البشير جلال الدقير الحالي، وهو منشق عن حزب الميرغني - حتى حلفاؤه تعرضوا للتفتيت - إضافة إلى تشكيلة من أحزاب الأمة: «الأمة الوطني» ويقوده عبد الله مسار، و«الأمة الفيدرالي» برئاسة بابكر نهار، و«الأمة - القيادة الجماعية»، برئاسة الصادق الهادي، وهي أحزاب منشقة عن أكبر أحزاب المعارضة «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي. وإلى جانب هذه الأحزاب تجلس مجموعة أحزاب صغيرة وحديثة منها «الحقيقة الفيدرالي»، ويقوده المرشح الرئاسي فضل السيد شعيب، و«الاتحاد الاشتراكي» وهو حزب الرئيس الأسبق جعفر النميري وتترأسه المرأة الوحيدة المرشحة للرئاسة من 16 مرشحا رئاسيا د.فاطمة عبد المحمود.
ويتنافس حلفاء الحزب الحاكم على عضوية البرلمان والمجالس المحلية، لكنهم يساندون الرئيس البشير، ويدعمون ترشيحه للفوز بدورة رئاسية جديدة، تطيل سنين حكمه إلى 31 عاما.
وعلى مستوى الرئاسة ينافس الرئيس البشير كل من فضل السيد شعيب، وفاطمة عبد المحمود، وعبد المحمود عبد الجبار رحمة الله «حزب اتحاد قوى الأمة»، ومحمد الحسن محمد الحسن «حزب الإصلاح الوطني»، وياسر يحيى صالح عبد القادر «حزب العدالة»، و10 مرشحين مستقلين، بيد أنهم جميعا لا يعدون منافسين جديين للرئيس البشير، لأنهم إما شخصيات غير معروفة ومغمورة، أو ينتمون لأحزاب حديثة النشأة أو منشقة عن أحزاب قائمة، مما يجعل المعارضة تصفهم بأنهم «مجرد ديكور» يرقص على البشير رقصة الفوز.
وتقع على الجانب الآخر من اللعبة الانتخابية - المقاطعة - كل من «حزب الأمة القومي» برئاسة الصادق المهدي آخر رئيس وزراء منتخب أطاح به الرئيس البشير في انقلاب 1989.
وحزب الأمة مثله مثل الاتحادي الديمقراطي يعد واجهة سياسية لـ«طائفة الأنصار» أكبر الطوائف الدينية، والتي تأسست أيام الثورة المهدية، كما أن هناك الحزب الشيوعي الذي يعد أحد أعرق الأحزاب الشيوعية في الإقليم، وحزب البعث العربي الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني، وهي التي يطلق عليها مجموعة الأحزاب اليسارية الديمقراطية والتي تحظى بتأييد معقول بين الطبقة الوسطى والطلاب والشباب والمهنيين والعمال. كما تقاطع الانتخابات حركات التمرد المسلحة، وهي 4 حركات تخوض حربًا منذ عام 2003 ضد الحكومة في 8 ولايات من بين ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، ثلاث من هذه الحركات دارفورية، وهي «حركة العدل والمساواة، حركة تحرير السودان - مناوي، حركة تحرير السودان - عبد الواحد»، ورابعتها هي الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال بقيادة مالك عقار، وتنضوي جميعها في تحالف سياسي وعسكري أطلقت عليه اسم «الجبهة الثورية».
وطالبت القوى المقاطعة المدنية والمسلحة بتأجيل الانتخابات كشرط لمشاركتها في الحوار الوطني، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتكوين حكومة انتقالية تشرف على إعداد دستور دائم وإجراء انتخابات نزيهة.
ورفض حزب الرئيس البشير تأجيل الانتخابات باعتبارها «استحقاقا دستوريا» لا يقبل التأجيل، ويرى في مطالب المعارضة تعبيرا عن عدم امتلاكها لسند شعبي يمكنها من المنافسة في الانتخابات، ولهذا مضى قدمًا وهو يضمن الفوز الميكانيكي، لكنه يخشى السقوط في استفتاء الشعبية.
وبمواجهة هذا الرفض من قبل الرئيس البشير وحزبه، وقعت أحزاب المعارضة المدنية والمسلحة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتفاقا أطلقت عليه «نداء السودان»، للإطاحة بنظامه عبر انتفاضة شعبية. وفي تطور لاحق، أعلنت هذه الأحزاب مجتمعة عن حملة «ارحل»، وتدعو من خلالها لمقاطعة الانتخابات للتشكيك في شعبية النظام وجماهيريته في المدن والمناطق التي تشهد عزوفا، فيما قطعت الحركات المسلحة على نفسها عهدًا بمنع قيام الانتخابات في المناطق التي تقاتل فيها.
كما يقاطع كل من حزبي المؤتمر الشعبي ويتزعمه عراب الإسلاميين حسن الترابي، وحركة الإصلاح الآن بقيادة الإسلامي المنشق غازي صلاح الدين العتباني، على الرغم من مشاركتها في الحوار الوطني الداخلي الذي دعا له النظام ضمن آلية الحوار الوطني، ولجنتها المعروفة بـ«7+7». ويتبنى كل من الرجلين اللذين خرجا من حزب البشير مقاطعته الخاصة للانتخابات.
ولقيت الدعوة للحوار الوطني والحل السلمي التفاوضي للأزمة السودانية قبولا دوليا وإقليميا واسعا، بيد أنها تعثرت، مما استدعى تدخل لجنة وساطة تابعة للاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن جهود مبيكي فشلت في إجلاس الطرفين إلى مقعد التفاوض في بداية الشهر الحالي وقبل الانتخابات، وهو الأمر الذي عده الغربيون حرصًا على الحوار من قبل المعارضين، واعتبرته الخرطوم دعمًا معنويًا للتمرد والإرهاب.
وبإجراء الانتخابات تكون عملية الحوار الوطني قد دخلت في نفق مسدود، على الرغم من إعلان حزب الرئيس البشير أنه سيستمر فيه بعد الانتخابات. لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري الدكتور حمد عمر حاوي يقول: «لا يوجد شخص عاقل يمكن أن يتصور أن تقود هذه الانتخابات إلى تغيير حقيقي». ويؤكد الدكتور حاوي في إفادته للصحيفة أن الانتخابات أصلا عملية لإثبات الشرعية، وأن من يكسب شرعية انتخابية لا يمكنه أن يتحدث عن شرعية أخرى، وإلا فإن ذلك يعد «خيانة للشعب».
ويوضح الدكتور حاوي أن نتيجة الانتخابات ستفرز تعقيدات جديدة، تتمثل في الترضيات المطلوبة وتقاسم «كعكة السلطة» بين 44 حزبًا، ويضيف «ستكون سلطة موازنات بيد حزب مهيمن، مما يزيد من أزمة الموارد والصرف على جهاز الدولة». ويؤكد حاوي أن الخياران المتاحان هما الانتخابات أو الحوار، فاختارت الحكومة الانتخابات، وأن من يحصل على شرعية انتخابية لا يملك الحق عن التراجع عنها، باعتبارها تفويضًا شعبيًا وفق برامج محددة، ولا يمكن التنازل عنه، وأن التنازل في مثل هذه الظروف يعد خيانة للناخبين الذين ذهبوا لصناديق الاقتراع. ويضيف: «أما الزعم بأن الحوار سيبدأ بعد الانتخابات فهذا تناقض، فلو كانت الحكومة تريد الحوار ما كان عليها أن تحاول كسب شرعية انتخابية، أما بعد اختيارها لشرعية الانتخابات فليس بمقدورها الدخول في حوار، وهذا التناقض لا يحدث إلا في السودان بلد المتناقضات».
وفي تحليله للانتخابات وفقا لما أنجز منها، يرى الدكتور حاوي أن الآليات المحركة لها «آليات قبلية ومناطقية» في الأرياف، ولا يحركها برنامج أو حزب، مما يخلق شكلاً من أشكال الإقبال في الولايات، أما في المدن ومناطق الوعي فيقل فيها الإقبال على الاقتراع.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».