الخاسرون في انتخابات العراق يطالبون بإلغاء نتائجها

الصدر يشدد على معاقبة منفذي الهجوم على منزل الكاظمي... واحتجاجات لأحزاب شيعية أمام المنطقة الخضراء

جانب من احتجاجات جرت في 12 نوفمبر الحالي في بغداد للمطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات جرت في 12 نوفمبر الحالي في بغداد للمطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات (أ.ف.ب)
TT

الخاسرون في انتخابات العراق يطالبون بإلغاء نتائجها

جانب من احتجاجات جرت في 12 نوفمبر الحالي في بغداد للمطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات جرت في 12 نوفمبر الحالي في بغداد للمطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات (أ.ف.ب)

دخلت الانتخابات العراقية التي جرت في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، آخر مراحلها قبل إعلان نتائجها النهائية، في ظل ترقب لقرار المحكمة الاتحادية العليا التي تواجه، كما يبدو، أخطر أزمة تواجهها منذ عام 2003 وسط انقسام حاد بين الأطراف الشيعية الفائزة والخاسرة.
وتوجه أمس، مئات من أنصار الأحزاب الشيعية الخاسرة إلى بوابتي المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، وقبالة جسر الجمهورية والجسر المعلق، في مظاهرات تطالب بإلغاء نتائج الانتخابات. ولفتت وكالة الأنباء الألمانية إلى أن حركة الاعتصامات الاحتجاجية التي نظّمها أنصار الأحزاب الشيعية، وهي «الفتح» و«بدر» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله العراقي» و«الحكمة» و«النصر» و«ائتلاف دولة القانون»، دخلت شهرها الثاني عند بوابتي المنطقة الخضراء للمطالبة بإلغاء نتائج انتخابات البرلمان التي حقق التيار الصدري بزعامة رجل الدين مقتدى الصدر تقدماً كبيراً فيها. وذكرت اللجنة التنظيمية للمظاهرات والاعتصامات الرافضة لنتائج الانتخابات، أمس (الجمعة)، أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق ما زالت «تماطل في رمقها الأخير، رغم ترنّحها حائرة وهي تتلقى الضربات اليومية التي تكشف حجم فسادها وإجرامها واستهانتها بمصائر ومستقبل العراقيين». وجاء في بيان للجنة التنظيمية لرافضي نتائج الانتخابات وًزِّع أمس: «إن ثباتكم يضاعف إحراج المزوّرين جمعة بعد أخرى، والقضاء الشريف مستمر بحسم دعاوى الطعن، وكثيراً ما يقف إلى صف المشتكين وحقوقهم». وأوضحت الوكالة الألمانية أن البيان طالب بإيقاف عمل جينين هينيس بلاسخارت، ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، وطردها من البلاد ومخاطبة الأمم المتحدة رسمياً بضرورة استبدال جميع كوادر ممثليتها في العراق، باعتبار ذلك «مطلباً شعبياً» لا يمثل جمهور الرافضين لنتائج التزوير فحسب، بل يمثل جميع العراقيين. وكانت السلطات العراقية قد شرعت منذ وقت مبكر من صباح أمس في تشديد الإجراءات الأمنية وإغلاق عدد من الشوارع والجسور لتسهيل حركة المتظاهرين وتأمين الحماية لهم.
يشار إلى أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق قد أنهت أول من أمس (الخميس)، إعادة العد والفرز اليدوي لجميع المحطات الانتخابية التي طلبت الهيئة القضائية للانتخابات التحقق منها بناءً على طعون وشكاوى تقدمت بها الكتل والأحزاب والمرشحون المعارضون لنتائج الانتخابات البرلمانية.
وبالتزامن مع ذلك، دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، أمس (الجمعة)، إلى الكشف عن التحقيقات الخاصة باستهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي تعرض لهجوم بطائرات مفخخة في بغداد، ما أدى إلى وقوع إصابات بين حراسه.
وقال الصدر في تغريدة: «مما لا ينبغي التغاضي عنه هيبة الدولة، وما حدث من اعتداء على منزل رئيس مجلس الوزراء فيه تعدٍّ واضح وصارخ على السيادة والهيبة وفيه إثارة فتنة وزعزعة لأمن العراق برمته». وأضاف: «ومن هنا صار لزاماً الكشف عن التحقيقات الخاصة بهذا الملف وإلقاء القبض على الإرهابيين الذين قاموا بهذا العمل الإرهابي وإنزال العقوبة المناسبة بهم، ومع عدم الكشف عن ذلك فقد نضطر لكشفها مستقبلاً». ومعلوم أن الشكوك بالمسؤولية عن محاولة اغتيال الكاظمي تحوم حول أحد الأطراف الشيعية التي خسرت الانتخابات. ووسط كل هذه التطورات، بات واضحاً اليوم أنه لا الفائزون ولا الخاسرون في الانتخابات العراقية باتوا يَقبلون بأن يُنظر إليهم، من أي طرف محايد، كأنهم على مسافة متساوية. فعلى مدى الأعوام الثمانية عشرة الماضية من عمر التغيير في العراق الذي حصل نتيجة الاحتلال الأميركي عام 2003، كانت جميع القوى السياسية تقبل بما يصدر من موقف يكاد يكون حاسماً من النجف حيث مقر المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق. كما أن هذه القوى التي تمثل كتلاً وأحزاباً تنتمي إلى المكونات العراقية الرئيسية الثلاثة (الشيعية والكردية والسنية)، كانت أيضاً تقبل الحكم الذي يصدره القضاء من منطلق أنه يقف على لكن هذا القبول بقرار المرجعية وقرار القضاء لم يعد، كما يبدو، محل إجماع اليوم. فكل طرف يريد «إنصافه» وحده بوصفه الطرف المتضرر أو الأكثر تضرراً.
ومعلوم أن المرجعية الدينية العليا في النجف التي يقول الجميع، حتى اليوم، إنهم يلتزمون بما يصدر عنها، كانت قد شكَت في السابق من أن كلمتها لم تعد مسموعة. فقد قال أحد ممثلي المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، قبل نحو سنتين، في إحدى خطب الجمعة في مدينة كربلاء، إن «المرجعية بُحّ صوتها ولم يستمع إليها أحد». هذا الإقرار من أهم مرجع شيعي في العراق يعبّر عن عدم الرضا الكامل عن الطبقة السياسية العراقية، لا سيما الشيعية منها، كون المرجعية في النهاية هي مرجعية تقليد للشيعة لا للسنة أو الأكراد، رغم أن السنة والأكراد يعلنون دائماً إنهم يؤيدون ما يصدر عن النجف ويلتزمون به. ومع أن جميع القوى والأحزاب لا تزال تعلن أنها تؤيد ما يصدر عن المرجعية، لكن مخرجات عملها السياسي لا تتطابق مع ما تعلنه، الأمر الذي جعل المرجعية تغلق أبوابها بوجه السياسيين. ولم يلتقِ السيستاني أي مسؤول عراقي رفيع المستوى منذ عام 2015 بينما التقى مسؤولين دوليين بمن فيهم رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت، ومَن سبقها في منصبها. ومعلوم أن القوى السياسية العراقية التي تقول إنها تسير على خط المرجعية، تكيل الآن التهم والاتهامات إلى بلاسخارت متهمةً إياها بالضلوع في التزوير المزعوم للانتخابات.
أما القضاء العراقي فإنه هو الآخر لا يزال يعد خط الدفاع الأخير عن النظام السياسي الحالي في البلاد، لكن مع متغير جديد يتمثل في أن المختلفين السياسيين باتوا يرون أن كل طرف فيهم على حق وبالتالي لا بد للقضاء العراقي أن يُصدر القرار الذي ينسجم مع رغبته لا مع المعطيات والأدلة التي تتوافر للقضاة حتى يصدرون أحكامهم بموجبها.
وفي هذا السياق فإنه في الوقت الذي تبدو فيه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في وضع حرج حالياً بسبب نتائج الانتخابات، فإن الهيئة القضائية، وبالتالي المحكمة الاتحادية، تجد نفسها في الموقف ذاته بسبب تصادم حاد للإرادات بين الفائزين في الانتخابات والخاسرين لها. صحيح أن النتائج لم تصل بعد إلى المحكمة الاتحادية لكنها على وشك الوصول إليها في غضون عشرة أيام حداً أعلى. ولما كان التصعيد في الشارع هو سيد الموقف لا سيما من القوى الخاسرة، فإن المحكمة الاتحادية العليا التي هي جزء من هذا النظام السياسي والتي سبق لها أن حوّلت نفسها طرفاً في المنازعات السياسية على صعيد تفسير «الكتلة الأكبر» الواردة في الدستور في المادة 76 بين عامي 2010 و2014 فإنها تواجه اليوم أخطر تحدٍّ لها منذ التغيير عام 2003.
وبخصوص مدى أحقية المحكمة الاتحادية في المصادقة الجزئية على نتائج الانتخابات بسبب حدة الأزمة، قال الخبير القانوني علي التميمي إن «المحكمة الاتحادية تدقق في كل الإجراءات المتخَذة في خطوات الانتخابات السابقة من الأول إلى الأخير، وما إذا كانت موافِقة للدستور والقانون من عدمه»، مضيفاً أن «هذه المصادقة تعني التأييد وإعطاء وإضفاء الصفة الدستورية على النتائج، وهذا التدقيق الشامل من المحكمة الاتحادية العليا يكون حتى لو لم تكن هناك طعون أو اعتراضات لأن ذلك من النظام العام ولكون المحكمة الاتحادية هي الرقيب الدستوري لحقوق المواطنين». وأوضح أن «المحكمة الاتحادية، وفق ما تقدم، إما أن تصادق على النتائج بشكل عام أو تصادق عليها بشكل جزئي، كما حصل عام 2018 عندما استبعدت بعض المرشحين لوجود قيود جنائية عليهم، أو ألا تصادق أو ترفض التصديق بناءً على خروقات دستورية أو قانونية أو طعون تحمل أدلة كافية لاتخاذ قرار بعدم المصادقة».



«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
TT

«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الثالث مع تركيز القوات الحكومية اليمنية على تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتأمين طرق التقدم والامتداد نحو باب المندب والمخا، بالتوازي مع استمرار العمليات في عدد من الجبهات، في وقت تكبّدت فيه الجماعة الحوثية خلال الأيام الثلاثة الأولى خسائر تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، خصوصاً في جبهة باب المندب، جرّاء الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وبينما لا يزال التقدم الحكومي متركزاً في مديرية ذوباب ومطارها ومحيطها على الساحل الغربي، برزت مديرية الوازعية، غرب تعز، باعتبارها الجبهة الأكثر ارتباطاً بأمن هذا التقدم، إذ تخوض «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» معاركها هناك للسيطرة على المرتفعات والتلال المشرفة على طرق الحركة وخطوط الإمداد.

وتأتي هذه العمليات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية، الاثنين الماضي، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بمساندة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية.

أطلقت قوات «درع الوطن» اليمنية عملية لتحرير مديرية الوازعية غرب تعز (إعلام عسكري)

وأعلنت قوات «درع الوطن» إطلاق عملية عسكرية واسعة لتحرير الوازعية، وقالت إنها حققت تقدماً وسيطرت على تلال استراتيجية مطلة على منطقة المنصورة، بالتزامن مع ضربة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة لها واستهدفت موقعاً حوثياً في الجبهة، وأسفرت، وفق القوات الحكومية، عن مقتل عدد من عناصر الجماعة.

كما قالت القوات إن مدفعيتها استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في معسكر اللبنات الاستراتيجي بمحافظة الجوف شرقاً، ضمن العمليات المتزامنة التي تنفذها في إطار «فجر اليمن».

وتكتسب الوازعية أهمية خاصة في حسابات المعركة، ليس فقط باعتبارها هدفاً عسكرياً قائماً بذاته، وإنما لكونها منطقة جبلية مرتفعة تتحكم في طرق الحركة بين الداخل والساحل.

وحسب محللين عسكريين، فإن التقدم مباشرة نحو المخا وترك المرتفعات الحوثية في الوازعية خلف القوات المتقدمة كان سيتيح للجماعة شن هجمات مباغتة من الجبال، وقطع طرق الإمداد أو تهديد القوات من الخلف، بما يحوّل التقدم الساحلي إلى عبء عسكري بدلاً من أن يكون مكسباً قابلاً للتثبيت.

ولهذا تبدو السيطرة على الوازعية، بالنسبة إلى القوات الحكومية، جزءاً من معركة تأمين الساحل قبل توسيع نطاق التقدم فيه؛ إذ إن إغلاق المرتفعات والسيطرة على التلال المشرفة على الطرق الخلفية يحدّ من قدرة الحوثيين على المناورة والنزول باتجاه الساحل، ويؤمّن خطوط الإمداد للقوات المتقدمة.

جبهات تحت الضغط

في قطاع مديرية ذوباب، ظل التقدم الحكومي متركزاً في المدينة ومطارها ومحيطهما، من دون إعلان جديد عن انتقال ثابت لمواقع السيطرة خلال الساعات الأخيرة.

وقالت «قوات العمالقة الجنوبية» إنها كسرت هجوماً حوثياً على مواقعها في قطاع المطار، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

وتتصل أهمية ذوباب بالسيطرة على المدخل الجنوبي للساحل الغربي، وبموقعها القريب من «باب المندب»، ما يجعل تثبيت القوات الحكومية لمواقعها فيها خطوة أساسية قبل أي توسع باتجاه المخا.

قوات من «ألوية العمالقة» في أثناء هجومها على الحوثيين بالقرب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية كسر هجمات حوثية على جبهة الصلو في الجنوب الشرقي، فيما ظلت مناطق قدس وبني يوسف مناطق قتال. كما أعلنت «درع الوطن» كذلك إحكام سيطرتها على أعلى قمة في جبل حبشي بالجبهة الغربية لمدينة تعز، في تطور يضيف إلى شبكة المواقع المرتفعة التي تسعى القوات الحكومية إلى تأمينها ضمن عملياتها في تعز.

وقال الناطق باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات تواصل استهداف تحركات الحوثيين وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن»، مؤكداً أن معركة استعادة الدولة مستمرة.

وأضاف النزيلي أن رسالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تقوم على توفير الأمان للمواطنين، وإتاحة العفو والعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، قائلاً إن الفرصة لا تزال قائمة أمام من يختار وطنه «قبل فوات الأوان».

وفي السياق ذاته، أشاد وزير الدفاع اليمني الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي بما وصفها بالانتصارات التي تحققها القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية في أكثر من جبهة، وشدد على تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف التشكيلات.

واستمع العقيلي إلى تقييم للموقف الميداني والمهام المنفذة على امتداد خطوط المواجهة، ووجّه بمواصلة العمليات وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق والمتابعة الميدانية.

خسائر الحوثيين

حسب المعطيات الميدانية التي أعلنتها القوات الحكومية خلال الأيام الثلاثة الأولى، فإن خسائر الحوثيين تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، في حصيلة نتجت عن الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وتتركز الخسائر الأشد، وفق هذه المعطيات، في جبهة باب المندب، حيث واجهت القوات الحكومية الحوثيين في اشتباكات مباشرة بالتزامن مع الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وتحركات وآليات الجماعة.

قوات «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» تقود عملية «فجر اليمن» في الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وتعكس هذه الخسائر طبيعة المرحلة الجديدة من العمليات؛ فالقوات الحكومية اليمنية لا تكتفي، وفق ما تعلنه، بصد الهجمات الحوثية، وإنما تعمل على ضرب خطوط الإمداد والمواقع العسكرية، ودفع الجماعة إلى التراجع عن مواقعها الأمامية، بالتزامن مع محاولة تأمين المرتفعات والطرق التي تحمي التقدم الساحلي.

وتؤكد القوات الحكومية أن «فجر اليمن» مستمرة على أكثر من محور، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، وأن هدفها المعلن يتجاوز استعادة موقع أو مديرية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.


نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
TT

نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)

أظهرت بيانات أممية حديثة أن النساء والأطفال يشكلون 75 في المائة من النازحين الجدد في اليمن، في مؤشر على اتساع الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري الحوثي، بينما لا تزال المساعدات تواجه قيوداً شديدة تحول دون الوصول إلى أعداد كبيرة من المتضررين.

وبحسب البيانات، بلغ متوسط حجم الأسرة بين النازحين الجدد 3.8 فرد، مقارنة بنحو ستة أفراد بين الأسر النازحة في البلاد، وهو ما يشير إلى أن عدداً من أفراد الأسر اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بصورة منفردة أو في مجموعات أصغر.

ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه عدد النازحين منذ الأول من أغسطس (آب) 200 ألف شخص، فيما وصل 3986 شخصاً إلى شرق أفريقيا، بينهم 3799 لاجئاً في أوبوك بجيبوتي، و187 لاجئاً صومالياً عادوا طوعاً من اليمن إلى بلادهم عبر برنامج العودة الطوعية بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أسر يمنية شردها الحوثيون تعيش في العراء (إعلام محلي)

وحذرت الأمم المتحدة من اشتداد الأعمال القتالية خلال الأيام الأخيرة، رغم تسجيل تراجع في أعداد النازحين الجدد خلال الأسبوع الماضي.

ووفق البيانات، نزحت 2031 أسرة خلال الأسبوع الأخير، بانخفاض نسبته 39 في المائة مقارنة بالأسبوع السابق. واستقبلت تعز 54 في المائة من هؤلاء النازحين، تلتها لحج بنسبة 24 في المائة، ثم عدن بنسبة 10 في المائة.

ولا تشمل هذه الأرقام محافظة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما تعذر الرصد فيها منذ 9 سبتمبر (أيلول) بسبب القيود المفروضة على الوصول.

ويواجه أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن تراجعاً في إمكانية الوصول إلى خدمات تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. ولم تتمكن المفوضية من الوصول إلى مخيم خراز للاجئين منذ 10 سبتمبر الماضي، بينما لا تزال أنشطة التسجيل والتوثيق معلقة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

فجوة الاستجابة

وقالت الأمم المتحدة إن وصول المساعدات الإنسانية لا يزال مقيداً بشدة بسبب انعدام الأمن، وتضرر البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات، وقيود الحركة.

ويؤثر استمرار إغلاق الطرق الرئيسية، وبينها الطريق الرابط بين عدن وصنعاء، في حركة المساعدات الإنسانية ووصولها إلى السكان المتضررين، فيما لا تزال الأنشطة معلقة في مواقع عدة على الساحل الغربي.

نازحون هربوا من بطش الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

وحتى الآن، قدمت المفوضية مساعدات نقدية طارئة إلى 442 أسرة نازحة حديثاً، من أصل هدف للاستجابة يبلغ 5000 أسرة. كما تلقت 143 أسرة أخرى مساعدات نقدية للمأوى.

واشترت المفوضية 1000 مجموعة من أدوات إصلاح الملاجئ، وبدأت توزيعها في أبين ولحج، بينما لا تزال عمليات التسليم إلى الحديدة وتعز معلقة بسبب انعدام الأمن.

ومن المنتظر وصول شحنة تضم 3000 مجموعة من مواد الإغاثة الأساسية إلى عدن في نحو 20 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تستهدف 3000 أسرة، وتشمل بطانيات وحصائر للنوم وناموسيات وأغطية بلاستيكية ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية ومجموعات للمطبخ وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وعلى مستوى الاستجابة المشتركة، قدم شركاء مجموعة تنسيق المأوى والأراضي والمواقع مساعدات لأكثر من 4300 أسرة، فيما وصل شركاء مجموعة الحماية إلى أكثر من 13.500 شخص عبر أنشطة شملت الرصد والتقييمات والإحالات وإدارة الحالات.

الأزمة تعبر البحر

لا تقتصر التداعيات الإنسانية للتصعيد اليمني على الداخل، إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة من الضغوط المتزايدة على جيبوتي، التي تستقبل أشخاصاً قادمين من اليمن، في وقت يواصل مهاجرون آخرون عبور أراضيها في طريقهم إلى اليمن ودول الخليج.

وقالت المنظمة إن أكثر من 3700 لاجئ يمني وصلوا إلى جيبوتي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بعد عبور البحر الأحمر في ظروف شديدة الخطورة.

وفي الاتجاه المقابل، تحاول مجموعة تضم أكثر من 500 مهاجر إثيوبي العودة إلى بلادهم، بينما دخل أكثر من 20 ألف شخص من إثيوبيا إلى جيبوتي بهدف مواصلة رحلتهم باتجاه اليمن.

طفلة يمنية نازحة تقف في مدخل مأوى مصنوع من القش شمال مدينة عدن (أ.ب)

وأبدت المنظمة قلقها إزاء أوضاع مهاجرين تقطعت بهم السبل في المناطق الصحراوية وعلى الطرقات، محذرة من تعرضهم للجفاف والإجهاد ونقص المياه والغذاء.

وتواصل فرق المنظمة تقديم المساعدات العاجلة، لكن الوصول إلى المحتاجين أصبح أكثر تعقيداً مع اعتماد أعداد متزايدة من المهاجرين على طرق ومسارات بعيدة عن الطرق الرئيسية، ما يزيد صعوبة الرصد والاستجابة.

وأكدت المنظمة أن السلطات الجيبوتية تحركت سريعاً لمواجهة التدفقات، غير أن اتساع حجمها وتنوع احتياجات القادمين يفرضان ضغوطاً كبيرة على الإمكانات المتاحة، داعية إلى دعم إضافي يشمل الوافدين من اليمن والمهاجرين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، إلى جانب المجتمعات المحلية التي تتحمل أعباء استضافتهم.


من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
TT

من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)

وسّع الحوثيون عمليات الاستيلاء المنظم على الممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي أحكمت سيطرتها عليها في الساحل الغربي اليمني بمحافظة الحديدة وأجزاء من محافظة تعز، في ممارسات تعكس نهجاً يتعامل مع المدن ومرافقها الخدمية باعتبارها غنائم يجري الاستحواذ عليها ونقلها إلى مناطق نفوذ الجماعة.

وتجلّت أحدث هذه الممارسات في تفكيك ومصادرة معدات وألواح محطتي الطاقة الشمسية في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، ونقلها إلى صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، ما حرم آلاف السكان من خدمة الكهرباء التي كانت تمثل شرياناً أساسياً لحياتهم اليومية، وفاقم معاناتهم في ظل تردي الخدمات وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الساحلية.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادي غرسان المطري، الذي ينتحل صفة مدير كهرباء الحديدة، وجّه قبل أيام عناصر الجماعة بتفكيك منظومتي الطاقة الشمسية في حيس والخوخة، ونقل كامل مكوناتهما وأجهزتهما ومستلزماتهما الفنية على متن شاحنات كبيرة باتجاه صعدة.

الحوثيون استولوا على المساعدات الغذائية في المخا وأعادوا توزيعها مقابل الولاء (إعلام حوثي)

وبحسب المصادر، كانت المنظومتان توفران نحو 20 ميغاواط من الكهرباء، وأسهمتا في تشغيل المنازل والتخفيف من معاناة السكان، لا سيما في المناطق الساحلية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، قبل أن تتحول معدات المشروعين إلى هدف لعملية مصادرة ونقل منظمة.

وتشير هذه الواقعة، وفق المصادر، إلى نمط أوسع من عمليات الاستيلاء التي تنفذها الجماعة بحق المنشآت الخدمية والممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي بسطت سيطرتها عليها، حيث يجري حالياً تفكيك تجهيزات ومعدات وشبكات خدمية أخرى ونقلها إلى صعدة وصنعاء، بدلاً من إبقائها لخدمة السكان في مناطقها الأصلية.

اقتصاد الغنيمة

يرى ناشطون من أبناء الحديدة أن نقل منظومات الكهرباء من حيس والخوخة إلى صعدة يمثل نموذجاً لما وصفوه بـ«اقتصاد الغنيمة» الذي تتعامل به الجماعة مع المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكدين أن السكان يدفعون ثمن هذا السلوك بحرمانهم من الخدمات الأساسية، بينما تُكدّس الموارد في مراكز نفوذ الحوثيين.

وفي مديرية المخا الساحلية، كشفت مصادر محلية عن استمرار عمليات السطو والاستيلاء التي بدأتها الجماعة منذ الساعات الأولى لسيطرتها على المدينة، واستهدفت منازل ومرافق حكومية ومقار منظمات إنسانية وجمعيات خيرية.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (فيسبوك)

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة داهمت عشرات المنازل والشقق، خصوصاً في حي الحالي ومدينة الثاني من ديسمبر، واستولت على الأثاث والأجهزة المنزلية ومحتويات أخرى، قبل تحميلها على شاحنات ونقلها إلى خارج المدينة.

كما طالت عمليات النهب، حسب المصادر، مقرات حكومية، بينها مقر السلطة المحلية وفرع البنك المركزي اليمني في المدينة، حيث جرى الاستيلاء على محتوياتها ونقلها إلى جهات غير معلومة.

ولم تتوقف عمليات السطو عند المؤسسات والمنازل، إذ أفاد شهود عيان بأن دوريات حوثية شوهدت وهي تنقل بشكل متواصل كميات من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من عدد من محال الجملة وسط مدينة المخا إلى خارجها.

وأفاد ناشطون محليون بأن عمليات الاستيلاء جرت تحت إشراف عناصر مجهولة يُعتقد بارتباطها بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجماعة.

تكسير ونهب في «التربة»

في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قالت مصادر محلية إن جماعة الحوثيين كررت النهج ذاته، مستهدفة مؤسسات حكومية ومنازل مواطنين وقيادات مرتبطة بالحكومة اليمنية.

وأضافت المصادر أن عدداً من أصحاب المتاجر اضطروا إلى إغلاق محالهم التجارية مع دخول الجماعة، خشية تعرضها للنهب، لكن ذلك لم يمنع، وفق شهادات سكان، من استهداف بعضها بالقوة.

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة جنوب تعز (فيسبوك)

ووفق الشهادات، أقدمت عناصر الجماعة على كسر أبواب عدد من المتاجر المغلقة والاستيلاء على محتوياتها من السلع بالقوة، في إجراء قال السكان إنه جاء رداً على إغلاق أصحابها محالهم في أثناء دخول الجماعة إلى المدينة.

وتكشف هذه الوقائع المتتالية عن نهج متكرر في الاستيلاء على الممتلكات والمرافق، يتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة إلى تفريغ المدن من مقدراتها الخدمية والاقتصادية ونقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بما يفاقم معاناة السكان ويعمّق انهيار الخدمات.

ويحذر سكان وناشطون من أن استمرار هذه الممارسات سيحوّل سيطرة الجماعة على أي مناطق جديدة إلى عملية استنزاف ممنهجة لمواردها، في وقت يُترك فيه السكان أمام واقع أكثر فقراً وخدمات أقل، بينما تُنقل المعدات والممتلكات بعيداً عنهم لصالح مراكز النفوذ الحوثية.