أنباء عن «تفاهم» روسي ـ إيراني يفضي إلى إخلاء مطار التيفور

بالتزامن مع زيارة لافرنتييف وفيرشينين ومسؤولين عسكريين لطهران... ووسائل إعلام إيرانية تنفي حصول أي تغيير في نقاط الانتشار بالمطار ومحيطه

جنود إسرائيليون خلال تدريبات في الجولان على الحدود مع سوريا الشهر الماضي (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون خلال تدريبات في الجولان على الحدود مع سوريا الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

أنباء عن «تفاهم» روسي ـ إيراني يفضي إلى إخلاء مطار التيفور

جنود إسرائيليون خلال تدريبات في الجولان على الحدود مع سوريا الشهر الماضي (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون خلال تدريبات في الجولان على الحدود مع سوريا الشهر الماضي (إ.ب.أ)

بدا أمس، أن موسكو نجحت في إقناع الإيرانيين بالانسحاب من مطار التيفور الواقع قرب حمص، بعد سجالات طويلة بين الطرفين امتدت لشهور. وبرزت معطيات عن قيام الحرس الثوري الإيراني بسحب معدات ثقيلة استعداداً لإخلاء المطار الذي كان يوصف بأنه موقع استراتيجي بالنسبة إلى التحركات الإيرانية في سوريا. ورغم أن التنافس الروسي - الإيراني حول السيطرة على المطار ليس جديداً، لكن بدا أن موسكو استفادت من الغارات الإسرائيلية المتواصلة عليه من أجل حمل القوات الإيرانية على الانسحاب منه.
وكان لافتاً أن الأنباء عن بدء إخلاء المطار تزامنت مع زيارة قام بها إلى طهران وفد روسي ضم المبعوث الرئاسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف ونائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين وعدداً من المسؤولين العسكريين في وزارة الدفاع.
ولم يتطرق الطرفان الروسي والإيراني في البيانات الرسمية إلى أن موضوع مطار التيفور كان على رأس جدول الأعمال، لكن توقيت الزيارة وتزامنها مع عملية الإخلاء، فضلاً عن أنها جاءت مباشرة بعد زيارة للوفد الروسي إلى دمشق، عكس أجواء تفيد بأن موسكو ضغطت بقوة لإنجاز تفاهم حول هذا الموضوع.
وكان لافرنتييف قال في دمشق رداً على سؤال عن الغارات الإسرائيلية المتواصلة على مواقع إيرانية في سوريا، إن موسكو «بذلت وتبذل جهوداً لإنهاء هذه الغارات والتوصل إلى تفاهمات تقوم على احترام السيادة السورية». وأشار إلى رفض بلاده مبدأ الرد العسكري على الغارات الإسرائيلية، موضحاً أنه «لا أحد في سوريا بحاجة إلى حرب جديدة»، داعياً إلى «التواصل مع إسرائيل» في هذا الشأن. ومباشرة بعد هذه التصريحات، برزت معطيات في موسكو بأن الجانب الروسي سعى إلى إقناع الإيرانيين بإخلاء عدد من المواقع التي تسيطر طهران عليها في سوريا، بذريعة أنها تتعرض لغارات إسرائيلية متواصلة، ولسحب الحجة الإسرائيلية في استمرار هذه الغارات.
لكن الخلاف الروسي - الإيراني حول مطار التيفور ليس جديداً، وقد تفاقم أكثر من مرة منذ بداية العام الجاري، رغم أن الجانبين على المستوى الرسمي حاولا عدم إثارة الملف.
وفي فبراير (شباط) الماضي، سحبت موسكو قوات كانت منتشرة في المطار، بعد خلاف مع الميليشيات الإيرانية حول الجهة التي ينبغي أن تتمركز في أرجائه. ورفضت الميليشيات الإيرانية مطلباً قدمته قاعدة «حميميم» الروسية بإخلاء المطار، مبررةً ذلك بأنَّ وجودها داخل التيفور سبق وجود القوات الروسية، وبالتالي على الأخيرة مغادرة المطار، لتبدأ بعدها روسيا بإرسال تعزيزات نحو المطار قبل أن تتخذ في وقت لاحق من الشهر قراراً مفاجئاً بالانسحاب منه.
وخلال الشهور اللاحقة، تعرض مطار التيفور إلى سلسلة غارات إسرائيلية، وتسربت معطيات عن أن الجانب الإيراني طلب من موسكو أكثر من مرة إعادة نشر بعض المقاتلات الروسية على مدرجات المطار لمنع إسرائيل من استهدافه، لكن موسكو رفضت العرض.
بالنتيجة، جاء الإعلان عن إخلاء إيران قواتها من المطار ونقلها إلى مطار الشعيرات على الحدود السورية - اللبنانية، ليسجل نجاحاً لموسكو في المواجهة الخفية مع طهران خلال الفترة الماضية.
ونقل موقع «عين الفرات» عن مصادر في المعارضة السورية، أن ميليشيات الحرس الثوري الإيراني نقلت معدات عسكرية ثقيلة ضمن 4 شاحنات شملت «معدات اتصالات ومدفعيات ثقيلة ومحركات كهربائية وصناديق ذخيرة». وأوضحت مصادر الموقع أن عملية النقل ستكون على مراحل حتى يتم إفراغ المطار من ميليشيا الحرس الثوري الإيراني نحو مطار الشعيرات، ومواقع أخرى بناء على تفاهمات مع الجانب الروسي، وذلك تفادياً لاستهداف التيفور بغارات جوية جديدة.
وأكّدت المصادر أن قوات النظام السوري إلى جانب الشرطة العسكرية الروسية ستحل مكان الميليشيات الإيرانية عقب إتمام عملية إخلاء مطار التيفور والانتهاء من نقل المعدات.
وكان ملاحظاً أمس، أن مصادر إيرانية ردت بنفي صحة هذه المعطيات، رغم أن أطرافاً عدة متطابقة أكدتها. وأفادت مصادر بأن إيران لا تنوي تسليم المطار لروسيا والنظام بعد أن أصبح مركزاً لتجميع الطائرات المسيرة للحرس الثوري الإيراني في سوريا. ورأت أن مطاري الشعيرات والتيفور يعدان بمثابة شريان دعم لوجيستي للقوات الإيرانية في وسط سوريا، وتتجه منهما شحنات الأسلحة باتجاه جنوب سوريا وشمالها، وكذلك إلى «حزب الله» في الداخل اللبناني.
ونقلت قناة «العالم» الإيرانية الرسمية، معطيات مماثلة عن مصادرها، وأكدت أن «القوات العسكرية السورية أو حتى الحلفاء، لم تجرِ أي تبديل في عديد قواتها أو تمركزها في المطار أو محيطه».
وأضافت القناة أن «سبب تركيز بعض وسائل الإعلام المرتبطة بالعدوان على سوريا، هو أن مطار التيفور يعد عقدة الربط الرئيسية في ريف حمص الشرقي، والبادية بشكل عام وبادية تدمر بشكل خاص، ونقطة الرصد الأهم للجيش السوري وحلفائه، حيث تتقاطع المعلومات العسكرية، كما يؤمن المطار ومنظومات الدفاع الجوي فيه إمكانات الرصد الجوي البادية السورية، وصولاً إلى منطقة التنف ومشارف دير الزور».
وأوضحت المصادر أن «آلية التنسيق بين الجيش السوري وقوات الحلفاء الإيرانيين والروس الموجودين في تدمر تجعل من الصعوبة سحب أو تبديل أي قوات فيه، كون هذا الانسحاب سيحدث فراغاً تنتظره القوات الأميركية في قاعدة التنف وخلايا داعش المنتشرة حولها، ما يساعدها في شن هجمات في البادية السورية أو شرق حمص».
وفي مقابل هذه السجالات حول الموضوع، اكتفت الخارجية الروسية، في بيان مقتضب أصدرته، بالإشارة إلى أن الوفد الروسي ناقش في طهران ضمان تثبيت استقرار الوضع على الأرض في سوريا، وقالت إن الطرفين أجريا «تبادلاً مكثفاً لوجهات النظر». كما تطرقت المحادثات إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2585 بشأن المساعدة الإنسانية في سوريا وقرار المجلس رقم 2254 حول تسوية الأزمة في سوريا.



سيناريوهات معقدة في الصومال مع تعثر «الحوار الرئاسي»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

سيناريوهات معقدة في الصومال مع تعثر «الحوار الرئاسي»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

يتجه المشهد السياسي في الصومال نحو مزيد من التعقيد، مع تعثر دعوات الحوار الرئاسي وتصاعد تحركات المعارضة في مقديشو عبر احتجاجات، بالتزامن مع انتخابات محلية في بعض المديريات بطريقة الانتخاب المباشر التي تتمسك بها الحكومة وترفضها المعارضة.

تحركات المعارضة قابلها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بخطاب للشعب، طالب فيه الطامحين لقيادة البلاد بـ«طرح رؤية سياسية بدلاً من الفوضى»، وهو مشهد يرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية أنه يقود لسيناريوهات معقدة أبرزها التوصل لتفاهمات وحلول سياسية، وأخطرها الصدام ودخول البلاد في عدم استقرار أمني.

وقال شيخ محمود إن 13 مديرية توجهت، الأحد، للإدلاء بأصواتها واختيار الحكومات المحلية، ومجالس المديريات، وممثلي الولايات، مشيراً إلى أن «المواطنين اصطفوا في طوابير طويلة للإدلاء بأصواتهم، ومن بينهم كبار السن، وذوو الاحتياجات الخاصة، والشباب».

ولفت في كلمته، الأحد، إلى أن «بعض السياسيين حاولوا من خلال مظاهرة دفع المواطنين نحو أعمال شغب»، متسائلاً عن «سبب تنظيم تلك المظاهرة في هذا التوقيت، في وقت تشهد فيه بعض مناطق البلاد انتخابات مباشرة، وكذلك تزامنها مع دعوة الحكومة الفيدرالية إلى عقد اجتماع تمهيدي للحوار والتشاور»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد (صونا).

وفي الثالث من مايو (أيار) الحالي، دعا شيخ محمود «مجلس المستقبل» (المعارض) إلى المشاركة في حوار يُعقد رسمياً في العاشر من الشهر «لمناقشة القضايا المصيرية للبلاد بروح إيجابية وشفافية ومسؤولية». ولم توضح السلطات بمقديشو «سبب عدم عقد ذلك الحوار»؛ إلا أن وسائل إعلام محلية تحدثت عن رفض للمشاركة من جانب المعارضة.

وقال الرئيس الصومالي إن المظاهرة «لم تكن منظمة بحسن نية، بل كانت تهدف إلى عرقلة الصومال»، ودعا السياسيين الطامحين إلى قيادة البلاد إلى طرح رؤى يمكن أن تحظى بقبول المواطنين، محذراً إياهم من «إثارة الحساسيات والعواطف بين أبناء الشعب»، بحسب «صونا».

«اختبار مصيري»

الخبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، علي محمود كلني، يرى أن الساحة السياسية في الصومال «تمر بواحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع تصاعد حدة الخلاف بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة، وفشل جولات الحوار السياسي في الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية، وشكل الانتخابات، والتعديلات الدستورية المثيرة للجدل».

وبينما تتمسك الحكومة بخيار المضي في تنفيذ الدستور المعدل والانتخابات المباشرة، ترى المعارضة أن «السلطة تتجه نحو فرض أمر واقع سياسي قد يقود البلاد إلى أزمة دستورية وأمنية مفتوحة»، وفق كلني. وأضاف أن الخلافات تضع الدولة الصومالية أمام اختبار مصيري قد يحدد شكل النظام السياسي ومستقبل الاستقرار خلال السنوات المقبلة.

وبحسب كلني، فإن جوهر الأزمة الحالية لا يتعلق فقط بالخلاف حول الانتخابات، بل يمتد إلى طبيعة النظام السياسي نفسه، وحدود صلاحيات الحكومة المركزية، ومستقبل الفيدرالية في البلاد، مشيراً إلى أن التعديلات الدستورية الأخيرة، التي أقرت تمديد مدة الولاية الرئاسية والبرلمانية إلى خمس سنوات ضمن ما يعرف بـ«العام الانتقالي»، فجّرت موجة اعتراضات واسعة من قوى المعارضة وعدد من الولايات الإقليمية التي اعتبرت الخطوة تجاوزاً للتوافق الوطني ومحاولة لإعادة تركيز السلطة في يد الحكومة المركزية.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن التعديلات تأتي ضمن مسار إصلاح سياسي يهدف إلى إنهاء نظام المحاصصة القبلية والانتقال إلى انتخابات مباشرة، معتبرة أن المرحلة الحالية تتطلب ترتيبات انتقالية لتطبيق النظام الجديد. لكن المعارضة ترى، وفق كلني، أن السلطة تستخدم شعار «التحول الديمقراطي» لتبرير تمديد سياسي غير توافقي.

الرئيس الصومالي خلال لقاء مع مسؤولي «مجلس المستقبل» (وكالة الأنباء الصومالية)

وعن سبب التصعيد قال إنه يبدو أن المعارضة «باتت مقتنعة بأن الحكومة تستخدم الحوار وسيلة لشراء الوقت وامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية، بينما تتهم الحكومة خصومها بمحاولة عرقلة مشروع الانتخابات المباشرة والحفاظ على النظام التقليدي القائم على المحاصصة».

التعديل الدستوري

يضيف الدستور الصومالي المعدل حديثاً «عاماً انتقالياً» يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى، لكن المعارضة لا تكفّ عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية شيخ محمود في منتصف مايو الحالي.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، قد أكّد أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان 5 سنوات بدلاً من 4 سنوات، يفترض أن تنتهي قبل منتصف الشهر الحالي.

وعقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار) الماضي، قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال» في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012 تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026، فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

وجاءت أحدث تلك التهديدات على لسان رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني، المختلِف مع الحكومة الفيدرالية، محذراً في نهاية أبريل الماضي من أن «الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس».

السيناريوهات المحتملة

ويرى كلني أن المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، أولها نجاح الوساطات الداخلية والدولية في فرض تسوية سياسية مؤقتة «تضمن تهدئة التوتر وتأجيل الانفجار»، وثانيها استمرار حالة الجمود والتصعيد المتبادل بما يقود إلى أزمة دستورية طويلة الأمد تشل مؤسسات الدولة.

أما السيناريو الأخطر فهو بحسب كلني «انزلاق الخلاف السياسي إلى صدامات أمنية أو مواجهات بين الحكومة وبعض القوى المحلية والإقليمية، وهو ما قد يعيد البلاد إلى دائرة الفوضى وعدم الاستقرار».

وقال: «في ظل المعطيات الحالية يبدو أن الأزمة الصومالية دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد خلاف انتخابي عابر، لتتحول إلى صراع على شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توافق وطني واسع أكثر من أي وقت مضى».

وتابع: «لتفادي أي سيناريو صدامي، سيحاول الشركاء الدوليون، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول الغربية، الدفع نحو حوار شامل يمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة سياسية مفتوحة».


مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
TT

مخاوف أممية من أمطار استثنائية تضرب اليمن

التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)
التجمعات السكنية في اليمن القريبة من مجاري السيول معرضة للخطر (الأمم المتحدة)

في وقت لم يلتقط فيه اليمنيون أنفاسهم بعد من موجات السيول والفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة خلال الأسابيع الماضية، عادت التحذيرات الدولية من موجة جديدة من الأمطار الغزيرة وغير المعتادة، إذ يُتوقع أن تضرب أجزاء واسعة من البلاد خلال الشهر الحالي.

وأظهرت نشرة الإنذار المبكر والأرصاد الزراعية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) مؤشرات مقلقة بشأن تفاوت كبير في معدلات هطول الأمطار على مستوى اليمن، مع توقعات بهطول أمطار غزيرة في المرتفعات الوسطى، خصوصاً في محافظتي ذمار وإب، قد تصل إلى نحو 150 ملم، وهو مستوى يرفع من احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة وسيول جارفة قد تمتد آثارها إلى المناطق السهلية المجاورة.

ولم تقتصر التحذيرات على المرتفعات، إذ نبّهت النشرة إلى ارتفاع خطر الفيضانات في وادي زبيد بمحافظة الحديدة، مع مخاطر متوسطة في أودية مور وسردود وريمة، في حين يُتوقع أن تشهد المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب أمطاراً أخف، لكنها تبقى مؤثرة في المناطق الهشة والمعرضة عادة لتجمع المياه.

نقص التمويل في اليمن حال دون وصول المساعدات إلى كل المتضررين (الأمم المتحدة)

وتمثل الأمطار الموسمية في الظروف الطبيعية عاملاً حاسماً في دعم الزراعة المطرية في اليمن، لإنبات محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة والدخن، وهي محاصيل يعتمد عليها اليمنيون بشكل واسع في الأمن الغذائي المحلي، كما تسهم في تعزيز خصوبة التربة وتحسين فرص الإنتاج الزراعي في بعض المناطق.

لكن في المقابل، ترجّح النشرة أن يؤدي الهطول الكثيف إلى غمر الحقول المنخفضة وسيئة التصريف، ما يتسبب في تأخير الزراعة وتعطل عمليات البذر نتيجة تشبع التربة وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن أن المحاصيل في مراحلها الأولى تكون أكثر هشاشة أمام الرطوبة الزائدة، مما يرفع احتمالات تعرضها للتلف وانتشار الأمراض النباتية والآفات المرتبطة بالبيئات الرطبة.

مخاطر متعددة

وفي حين لن تكون الزراعة وحدها في مرمى التأثيرات المناخية في اليمن، توقعت النشرة الأممية أن تواجه الثروة الحيوانية بدورها تحديات كبيرة، خصوصاً في المناطق الرعوية التي قد تتراجع فيها قدرة المراعي على توفير الغذاء الطبيعي نتيجة الفيضانات وتشبع الأراضي بالمياه، وهو ما يقيّد حركة القطعان ويزيد من صعوبة تنقل المربين في المناطق المتضررة.

كما تُهيئ الظروف الرطبة بيئة مناسبة لانتشار أمراض حيوانية متعددة، بينها تعفن القدم وبعض الأمراض المعدية المرتبطة بارتفاع الرطوبة وتلوث مصادر المياه، وهي عوامل قد تؤدي إلى انخفاض إنتاجية الحيوانات، سواء في اللحوم أو الألبان، وتكبّد الأسر الريفية خسائر إضافية في مصادر رزقها المحدودة.

وتحذر تقديرات زراعية من أن استمرار هذا النمط المناخي دون تدابير وقائية سريعة قد يُدخل المجتمعات الريفية في حلقة جديدة من الهشاشة الاقتصادية، خصوصاً في المحافظات التي تعتمد على الزراعة والرعي كركيزة أساسية للعيش.

تأثر البنية التحتية

ويمتد أثر الأمطار الغزيرة في اليمن إلى ما هو أبعد من الحقول والمراعي، ليطال البنية التحتية الريفية الهشة أصلاً، إذ تتوقع النشرة الأممية تعرض الطرق الترابية والمسارات الفرعية لأضرار واسعة بفعل الانجرافات، بينما قد تؤدي المعابر المغمورة بالمياه إلى عزل تجمعات سكانية بأكملها، وعرقلة وصول الإمدادات الزراعية والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.

كما أن شبكات الري والصرف في كثير من المناطق تحتاج إلى أعمال صيانة عاجلة لاستيعاب تدفقات المياه، في حين تبقى التجمعات السكنية المقامة في السهول الفيضية، لا سيما المنازل الطينية والمخيمات المؤقتة، الأكثر عرضة للانهيار والتضرر المباشر.

السيول غمرت المئات من المساكن أغلبها للنازحين في المخيمات (الأمم المتحدة)

وفي مواجهة هذه المخاطر، شدَّدت النشرة على أهمية تفعيل أنظمة الإنذار المبكر المجتمعية، وتسريع نشر تحذيرات الطقس والفيضانات إلى المناطق النائية عبر وسائل متعددة، تشمل الإذاعات المحلية وشبكات الهاتف المحمول ونقاط الاتصال المجتمعية، بما يضمن وصول الرسائل التحذيرية في الوقت المناسب.

كما أوصت باتخاذ تدابير استباقية تشمل حماية البذور والمدخلات الزراعية، وتشجيع الحصاد المبكر حيثما أمكن، ونقل الماشية إلى مناطق مرتفعة، وتأمين مصادر مياه نظيفة، إلى جانب تنظيف قنوات التصريف وصيانة العبارات والمنشآت المائية قبل ذروة الأمطار.


تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
TT

تحذيرات دولية ومحلية من مجاعة وشيكة في اليمن

تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)
تراجع تمويل الإغاثة في اليمن تسبب في زيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي (إ.ب.أ)

أجمع عدد من الجهات الأممية والدولية والمحلية على أن اليمن يقترب مجدداً من حافة كارثة إنسانية واسعة، بزيادة رقعة الجوع، واستمرار النزوح، وتراجع التمويل الإنساني، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمناخية التي تدفع ملايين السكان نحو مستويات أشد من الحرمان، في وضع غير مستقر سياسياً واقتصادياً.

وكشفت أحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الغذاء، بل باتت تشمل تهديداً متزامناً للطعام والمأوى والدخل، في وقت تتآكل فيه قدرة الأسر على الصمود بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي.

وتتزامن هذه التحذيرات مع توجُّه حكومي لإنشاء الهيئة العليا للإغاثة، وتنظيم سلسلة ورش وطنية لمعالجة تداخل الصلاحيات، والذي أعلن وزير الإدارة المحلية، بدر باسلمة، عنه ضمن خطة لإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات المحررة، إذ سيكون من شأن إنشاء الهيئة تنظيم العمل الإنساني وإنهاء الازدواجية في إدارة المساعدات،

وأكَّد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 18 مليون شخص في اليمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي، محذِّراً من أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الوقود والشحن والتأمين نتيجة التوترات الإقليمية قد تدفع أعداداً أكبر إلى مستويات أشد من الجوع، خصوصاً وأن اليمن يستورد قرابة 90 في المائة من احتياجاته الغذائية.

الأمم المتحدة تتحدث عن استمرار النزوح في اليمن (رويترز)

ووفق برنامج الأغذية العالمي، يبلغ عدد النازحين في اليمن نحو 5.2 مليون شخص، يعيش كثير منهم في ظروف بالغة الهشاشة، حيث أظهرت البيانات أن 39 في المائة منهم عانوا من جوع متوسط إلى حاد خلال مارس (آذار) الماضي، أي أكثر من ضعف المعدل المسجَّل بين غير النازحين. وترتفع النسبة إلى 50 في المائة بين المقيمين في مخيمات النزوح، بينما بينت 17 في المائة من الأسر النازحة بأن أحد أفرادها قضى يوماً وليلة دون طعام.

ويشير إلى أن 92 في المائة من النازحين غير قادرين على تحمل تكاليف الإيجار، مما يضعهم أمام خطر الإخلاء والتشرد، ويتجسد هذا بوضوح في محافظة مأرب، أكبر مراكز النزوح في البلاد، حيث حذّرت السلطات المحلية من أن نحو 285 ألف نازح، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، مهددون بفقدان مساكنهم بسبب تراكم الإيجارات وانعدام مصادر الدخل.

نزوح مستمر

ويظهر تقرير للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة مأرب (جهة حكومية)، الأسبوع الماضي، أزمة إنسانية طاحنة تهدد حياة أكثر من ربع مليون نازح في المحافظة، بعد أن أصبحوا على بعد خطوة من فقدان مأواهم بسبب استمرار التدهور الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الإيجارات وتراكمها، وضعف مصادر الدخل.

داخل أحد المساجد في صنعاء يجري توزيع أطعمة للإفطار خلال شهر رمضان الماضي (أ.ف.ب)

وتشمل الفئات الأكثر تضرراً 118 ألف امرأة و72 ألف طفل، إضافة إلى 8200 من كبار السن، قد يجدون أنفسهم في العراء خلال الأشهر القادمة.

ودعت الوحدة الجهات الإنسانية إلى توسيع برامج «النقد مقابل الإيجار»، لإنقاذ 48500 أسرة تعتبر الأكثر عرضة للخطر، كحل أخير لحمايتها من التشرد والحد من موجات النزوح المتكررة.

وفي الوقت ذاته، تستمر حركة النزوح، وإن كانت بوتيرة أقل، إذ أفادت المنظمة الدولية للهجرة، الثلاثاء الماضي، بأن 923 أسرة يمنية نزحت مرة واحدة على الأقل منذ مطلع عام 2026، في مؤشر على أن عوامل الطرد المرتبطة بالصراع وتدهور الأوضاع المعيشية ما تزال قائمة.

وتشير تقديرات شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أن ملايين اليمنيين سيظلون بين مرحلتي «الأزمة» و«الطوارئ» الغذائية حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، مع بقاء بعض المناطق، خصوصاً في محافظتي الحديدة وحجة وأجزاء من محافظة تعز، عند المستوى الرابع من التصنيف الدولي، وهو المستوى الذي يسبق المجاعة مباشرة.

مناطق سيطرة الحوثيين هي الأكثر تضرراً من الأزمة الإنسانية (أ.ف.ب)

وأرجع التقرير هذا الوضع إلى التدهور الاقتصادي، والقيود المفروضة على الأنشطة التجارية، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، إضافة إلى الأضرار التي خلّفتها السيول في المناطق الزراعية ومخيمات النازحين.

كما حذَّر تقرير مشترك أعدته مجموعة البنك الدولي ومنظمة أكابس بالتعاون مع وكالات أممية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة ومنظمة الصحة العالمية، من أن الصراع الإقليمي، والتقلبات المناخية، والتراجع الحاد في التمويل الإنساني، تشكل معاً مزيجاً خطيراً يهدد بتفاقم الأزمة خلال الأشهر المقبلة.

أثر أكبر على المهمشين

وجاءت هذه التحذيرات أيضاً من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي التي نبهت إلى أن التغير المناخي يفاقم معاناة فئة المهمشين في اليمن، بتداخل آثاره مع الحرب المستمرة والانهيار الاقتصادي وتدهور البنية التحتية، مما جعل البلاد من أكثر الدول عرضة للفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.

ممارسات الحوثيين ضد موظفي الإغاثة ساهمت في تراجع نشاط الوكالات الأممية (أ.ف.ب)

ويعدّ المهمشون، بحسب التقرير، من أكثر الفئات هشاشة، بسبب تمركزهم في مناطق عشوائية منخفضة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب ما يواجهونه أصلاً من تمييز اجتماعي يحد من فرص حصولهم على التعليم والرعاية الصحية والعمل.

وبيَّن أن الكوارث المناخية لا تتسبب فقط في خسائر مباشرة، بل تُعمِّق أيضاً دوائر الفقر والإقصاء الاجتماعي وتضعف قدرة هذه المجتمعات على التكيف والصمود.

وشدَّد التقرير على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تدخلات طويلة الأمد تتجاوز المساعدات الطارئة، وتشمل تعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية وإدماج الفئات المهمشة في خطط التكيف المناخي والتنمية المستدامة.

ونبه إلى أن بناء قدرة اليمن على مواجهة التغير المناخي لن يكون ممكناً دون معالجة جذور التهميش وعدم المساواة.

وتتفق مختلف الجهات التي أطلقت التحذيرات على أن استمرار الصراع وتراجع الدعم الإنساني قد يحول الأزمة المزمنة إلى مجاعة واسعة النطاق، لا تهدد الحياة فقط، بل ما تبقى من قدرة المجتمع على الاحتمال.