«فابرجيه في لندن» يسافر بزواره إلى عالم مخملي يتألق ببريق الماس

200 قطعة تنسج قصصاً وتروي حكايات الإمبراطورية والأرستقراطية والسياسة

من بيضات الفصح الشهيرة (إ.ب.أ)
من بيضات الفصح الشهيرة (إ.ب.أ)
TT

«فابرجيه في لندن» يسافر بزواره إلى عالم مخملي يتألق ببريق الماس

من بيضات الفصح الشهيرة (إ.ب.أ)
من بيضات الفصح الشهيرة (إ.ب.أ)

وعد متحف فيكتوريا آند ألبرت زوّاره بمعرض ساحر عن أسطورة المجوهرات الروسي كارل فابرجيه، وفعل. معرض «فابرجيه في لندن... من الرومانسية للثورة»، الذي افتُتح قبل أيام في مقر المتحف بلندن قدّم الصائغ الشهير وقصته من مسقط رأسه في سانت بطرسبرغ إلى لندن حيث افتتح محله، بسلاسة وإبداع. فابرجيه لا يزال اسماً مرتبطاً بعالم الإمبراطورية الروسية وكبرى العائلات المالكة في أوروبا، تبدو قصته وكأنها خارجة من عالم الأساطير الحالمة، وتزهو ببريق الأحجار الكريمة، وتسبح في فضائها «بيضات الفصح» التي اشتهر بصنعها.
عبر 200 قطعة نادرة مستعارة من متاحف عالمية، مثل أرميتاج، ومن مجموعة الملكة إليزابيث وغيرها من المؤسسات العالمية، سرد العرض لنا قصة فابرجيه. أخذتنا القطع معها إلى عالم مختلف، لفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وأدخلتنا قصور نبلاء أوروبا ومليونيرات أميركا.
ولكل قصة بداية ونهاية، البداية لا نراها في المعرض، فموضوع العرض هو وجود فابرجيه في لندن من خلال متجره الوحيد خارج روسيا، وكان مقره بوند ستريت. نتعرف على كارل فابرجيه في بداياته بشكل مقتضب من خلال نص مطبوع يحمل صورته معلق في بداية المعرض، نعرف أنه كان يتمتع بالخيال الفني الرحب في صباه، وأنه قام برحلة في أوروبا للوقوف على أحدث صيحات صناعة المجوهرات، قبل أن يبدأ العمل في محل والده.
ما تعلمه كارل فابرجيه في أوروبا وما تعلمه من والده خرج على هيئة مجوهرات ليست كالمجوهرات التقليدية، اتخذ فابرجيه طريقاً مختلفاً ميّزه عن الآخرين، روي عنه قوله: «لا تشدني الأشياء الغالية كثيراً إذا كانت قيمتها تقاس بالماس واللؤلؤ»، بالنسبة له تمثلت قيمة القطع في تصميمها وحرفية صناعتها، فهو كان يرى نفسه فناناً وليس فقط صائغ مجوهرات.
وتحت هذا الضوء، يمكننا رؤية بعض القطع المعروضة هنا، وفيها يتبدى أسلوب كارل فابرجيه الأنيق والمرح أيضاً، وهو ما أمتع زبائنه الأسطوريين، مثل عائلة رومانوف؛ حيث أصبح فابرجيه الصائغ الأثير للإمبراطور والإمبراطورة، كما أصبح الصائغ الرسمي للدولة. ونرى في مدخل المعرض نماذج مصغرة من مجوهرات التاج الروسي التي قام بصياغتها وعرضها في المعرض الدولي للمجوهرات في باريس عام 1900. بعد أن ذاع صيت فابرجيه في روسيا وفي أوساط العائلات المالكة والنبلاء في أوروبا، ولاقى نجاحاً هائلاً في معرض باريس، وجد الصائغ الحافز ليفتتح أول متجر له خارج روسيا، ولكن ليس في باريس، بل في لندن. جاء اختيار لندن بسبب الصلات الوثيقة وصلة القرابة بين العائلة الإمبراطورية في روسيا والعائلة الملكية في بريطانيا، وخاصة أن الملكة ألكساندرا والملك إدوارد السابع كانا من زبائن فابرجيه الدائمين. المعرض يحمل عنوان «فابرجيه في لندن... الرومانسية والثورة»، ويعدّ الأول من حيث الحجم والتفاصيل والتركيز على إرث الصائغ الشهير وأهمية فرعه اللندني الذي طواه النسيان مع زبائنه من المجتمع الراقي في بريطانيا وأوروبا.
رعاية إمبراطورية
القسم الأول من المعرض يقدم الصائغ الشهير وعلاقته مع العائلة الإمبراطورية في روسيا قبل الثورة البلشفية، هنا قطع فائقة الجمال صُنعت بناء على طلبات خاصة من الإمبراطور نيكولاس الثاني أو زوجته أو أفراد أسرته الذين اعتادوا منح هدايا بتوقيع فابرجيه، بعضهم لبعض. نمرّ على مزهريات مصنوعة من البلور الصخري، تجملها وردات دقيقة الصنع تحفل بقطع الماس والأحجار الكريمة، أو علب نشوق تحمل صوراً خاصة محاطة بصفوف من البريق الماسي، أو كتاب صلوات خاصة بالإمبراطورة ألكساندرا، هدية من زوجها بمناسبة تتويجه إمبراطوراً، وغيرها.
في القسم الثاني نُعاين أسرار ودقائق الحرفة التي اشتهر بها فابرجيه، ونمرّ على ورشة العمل وأشهر الحرفيين الذي عملوا فيها، مثل ألما بيل، وبعض القطع التي صممتها، مثل قطع البلور الصخري المجملة بالماس، التي صنعت ضمن مجموعة «مجوهرات الشتاء» التي تأثرت فيها بالأجواء الثلجية الباردة حولها.
من سانت بطرسبرغ إلى لندن يأخذنا القسم التالي من المعرض، وعبر شريط وثائقي نرى شوارع لندن في بدايات القرن العشرين، ولقطة لمحل فابرجيه في شارع التسوق الشهير نيو بوند ستريت.
القسم يعرض النجاح الذي لاقاه فابرجيه في لندن، التي دخلها متمتعاً برعاية من الملك إدوارد السابع، وزوجته ألكساندرا، وبعد ذلك أصبح الصائغ الأثير لطبقة النبلاء والأثرياء. لندن أيضاً كانت مستقراً لكثيرين من النبلاء والأرستقراطيين من بلاد مختلفة، وفيها أيضاً عاش كثير من أثرياء أميركا. في هذا القسم، نرى قطعاً تربط ما بين سانت بطرسبرغ ولندن، هنا هدايا متبادلة بين العائلة الإمبراطورية الروسية والعائلة الملكية البريطانية، نرى منها إطارات صور باذخة بتوقيع فابرجيه. يحمل العرض مقولة لمندوب فابرجيه في لندن، هنري باينبريدج، يقول: «كان اسم فابرجيه... فابرجيه... يتردد طوال الوقت». للدلالة على الشهرة الذائعة للصائغ الشهير في لندن، وأيضاً المكانة التي احتلها كأهم متجر للمجوهرات في العاصمة البريطانية.
مجوهرات روسية بروح بريطانية
لكن كارل فابرجيه كان مدركاً لسوقه الجديدة، فصمم مصوغاته لتليق بذوق عملائه في بريطانيا، أدرك حبّ الملكة ألكساندرا لمقرها الريفي في ساندريهام، ونفذ مجسمات دقيقة الصنع للأحصنة في إسطبلات القصر. نرى هنا مجسماً للكلب «سيزر»، إذ كان الرفيق الدائم للملك إدوارد السابع. هنا أيضاً مجسم لحصان السباق الأثير لدى الملك «بيرسمون». في العرض أيضاً علب نشوق تحمل رسومات لمناظر ريفية وآثار شهيرة، مثل علبة سجائر تحمل رسماً لمبنى البرلمان، ابتاعها دوق «مايكل أوف راشا» في عام 1908 وأهداها للملك إدوارد السابع.
تحولت مصوغات فابرجيه ومحله في لندن إلى صرعة الموسم، كان مورد الهدايا الأرستقراطية، يروي العرض أن سيدة أرستقراطية تدعى الليدي ألينغتون اشترطت على المدعوين لإحدى حفلات الكريسماس الفاخرة في منزلها أن تكون هداياهم بعضهم لبعض من ماركة فابرجيه فقط. وحسب الرواية، امتنع عن الحضور ممن لم تسعفه محفظته بالمبالغ الضخمة التي تكلفها تلك الهدايا، ولجأ البعض الآخر لحيلة إعادة إهداء قطع مملوكة لهم للالتزام بشرط الدعوة.
مشاهير وسياسيون
في العرض بعض القطع المملوكة لرجال أعمال ومشاهير وسياسيين في تلك الفترة، منهم عائلة روثتشايلد، التي كانت الثانية بعد العائلة الملكة البريطانية في الشغف باقتناء قطع فابرجيه.
الأميرة الفرنسية سيسل مورات، التي كانت تمتلك ثروة هائلة، كانت أهم عميلة لفابرجيه في فرنسا، وفي الفترة ما بين 1903 و1916 كلفت الصائغ بصناعة علب سجائر قامت بإهدائها لعشيقها تشارلز لوزارشي دازاي. تحمل واحدة من العلب المعروضة خريطة لمصر، وأخرى تحمل اسم «سيسل» باللغة العربية.
تشرشل وطاسات تشارتويل
نرى في القسم قبل الأخير من المعرض 12 طاسة من الفضة المطروقة بتوقيع فابرجيه، تحمل نقوشات لسفن حربية، كانت هدية لونستون تشرشل من صديقه رجل الأعمال سير إرنست كاسل في عام 1913بتكلفة قدرها 250 جنيهاً إسترلينياً (تساوي اليوم 2.8 مليون جنيه). نقرأ أن تشرشل احتفظ بالطاسات في بيته الريفي «تشارتويل هاوس» بكنت. يروي عنه المؤرخ جيمس لي ميلن أنه بعد حفل عشاء أقيم في تشارتويل عام 1928 قام تشرشل باستخدام الطاسات المزينة برسومات للسفن الحربية الشهيرة، لإعادة تصوير إحدى المواقع الحربية، مستخدماً الطاسات، ومضيفاً بصوته تقليداً لأصوات المدافع، ونافثاً دخان سيجاره الشهير لنقل صورة الدخان. كتب ميلن: «لقد اشتعل حماسة مثل تلميذ في المدرسة».
من المجوهرات للذخيرة
لكن بما أن لكل قصة نهاية، يتطرق العرض لنهاية أسطورة فابرجيه، التي بدأت مع الحرب العالمية الأولى 1914، حين تحولت ورش الصياغة في فابرجيه من صناعة المجوهرات الثمينة إلى إنتاج الذخيرة، ومن صياغة الجواهر إلى تشكيل الحديد والنحاس.

ومع الثورة البلشفية 1917 أغلقت محلات فابرجيه في موسكو وفي لندن أيضاً. وفي صالة منفصلة، يختتم العرض بمجموعة ضخمة من أشهر ما صاغته محلات فابرجيه، وهي بيضات الفصح التي كان الإمبراطور نيكولاس الثاني وعائلته يهدونها، بعضهم بعضاً. ويا لها من خاتمة بديعة التفاصيل!

* معرض «فابرجيه في لندن... من الرومانسية للثورة» بمتحف فيكتوريا آند ألبرت (من 20 نوفمبر - تشرين الثاني 2021 إلى 20 مايو - أيار 2022)



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».