وعد متحف فيكتوريا آند ألبرت زوّاره بمعرض ساحر عن أسطورة المجوهرات الروسي كارل فابرجيه، وفعل. معرض «فابرجيه في لندن... من الرومانسية للثورة»، الذي افتُتح قبل أيام في مقر المتحف بلندن قدّم الصائغ الشهير وقصته من مسقط رأسه في سانت بطرسبرغ إلى لندن حيث افتتح محله، بسلاسة وإبداع. فابرجيه لا يزال اسماً مرتبطاً بعالم الإمبراطورية الروسية وكبرى العائلات المالكة في أوروبا، تبدو قصته وكأنها خارجة من عالم الأساطير الحالمة، وتزهو ببريق الأحجار الكريمة، وتسبح في فضائها «بيضات الفصح» التي اشتهر بصنعها.
عبر 200 قطعة نادرة مستعارة من متاحف عالمية، مثل أرميتاج، ومن مجموعة الملكة إليزابيث وغيرها من المؤسسات العالمية، سرد العرض لنا قصة فابرجيه. أخذتنا القطع معها إلى عالم مختلف، لفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وأدخلتنا قصور نبلاء أوروبا ومليونيرات أميركا.
ولكل قصة بداية ونهاية، البداية لا نراها في المعرض، فموضوع العرض هو وجود فابرجيه في لندن من خلال متجره الوحيد خارج روسيا، وكان مقره بوند ستريت. نتعرف على كارل فابرجيه في بداياته بشكل مقتضب من خلال نص مطبوع يحمل صورته معلق في بداية المعرض، نعرف أنه كان يتمتع بالخيال الفني الرحب في صباه، وأنه قام برحلة في أوروبا للوقوف على أحدث صيحات صناعة المجوهرات، قبل أن يبدأ العمل في محل والده.
ما تعلمه كارل فابرجيه في أوروبا وما تعلمه من والده خرج على هيئة مجوهرات ليست كالمجوهرات التقليدية، اتخذ فابرجيه طريقاً مختلفاً ميّزه عن الآخرين، روي عنه قوله: «لا تشدني الأشياء الغالية كثيراً إذا كانت قيمتها تقاس بالماس واللؤلؤ»، بالنسبة له تمثلت قيمة القطع في تصميمها وحرفية صناعتها، فهو كان يرى نفسه فناناً وليس فقط صائغ مجوهرات.
وتحت هذا الضوء، يمكننا رؤية بعض القطع المعروضة هنا، وفيها يتبدى أسلوب كارل فابرجيه الأنيق والمرح أيضاً، وهو ما أمتع زبائنه الأسطوريين، مثل عائلة رومانوف؛ حيث أصبح فابرجيه الصائغ الأثير للإمبراطور والإمبراطورة، كما أصبح الصائغ الرسمي للدولة. ونرى في مدخل المعرض نماذج مصغرة من مجوهرات التاج الروسي التي قام بصياغتها وعرضها في المعرض الدولي للمجوهرات في باريس عام 1900. بعد أن ذاع صيت فابرجيه في روسيا وفي أوساط العائلات المالكة والنبلاء في أوروبا، ولاقى نجاحاً هائلاً في معرض باريس، وجد الصائغ الحافز ليفتتح أول متجر له خارج روسيا، ولكن ليس في باريس، بل في لندن. جاء اختيار لندن بسبب الصلات الوثيقة وصلة القرابة بين العائلة الإمبراطورية في روسيا والعائلة الملكية في بريطانيا، وخاصة أن الملكة ألكساندرا والملك إدوارد السابع كانا من زبائن فابرجيه الدائمين. المعرض يحمل عنوان «فابرجيه في لندن... الرومانسية والثورة»، ويعدّ الأول من حيث الحجم والتفاصيل والتركيز على إرث الصائغ الشهير وأهمية فرعه اللندني الذي طواه النسيان مع زبائنه من المجتمع الراقي في بريطانيا وأوروبا.
رعاية إمبراطورية
القسم الأول من المعرض يقدم الصائغ الشهير وعلاقته مع العائلة الإمبراطورية في روسيا قبل الثورة البلشفية، هنا قطع فائقة الجمال صُنعت بناء على طلبات خاصة من الإمبراطور نيكولاس الثاني أو زوجته أو أفراد أسرته الذين اعتادوا منح هدايا بتوقيع فابرجيه، بعضهم لبعض. نمرّ على مزهريات مصنوعة من البلور الصخري، تجملها وردات دقيقة الصنع تحفل بقطع الماس والأحجار الكريمة، أو علب نشوق تحمل صوراً خاصة محاطة بصفوف من البريق الماسي، أو كتاب صلوات خاصة بالإمبراطورة ألكساندرا، هدية من زوجها بمناسبة تتويجه إمبراطوراً، وغيرها.
في القسم الثاني نُعاين أسرار ودقائق الحرفة التي اشتهر بها فابرجيه، ونمرّ على ورشة العمل وأشهر الحرفيين الذي عملوا فيها، مثل ألما بيل، وبعض القطع التي صممتها، مثل قطع البلور الصخري المجملة بالماس، التي صنعت ضمن مجموعة «مجوهرات الشتاء» التي تأثرت فيها بالأجواء الثلجية الباردة حولها.
من سانت بطرسبرغ إلى لندن يأخذنا القسم التالي من المعرض، وعبر شريط وثائقي نرى شوارع لندن في بدايات القرن العشرين، ولقطة لمحل فابرجيه في شارع التسوق الشهير نيو بوند ستريت.
القسم يعرض النجاح الذي لاقاه فابرجيه في لندن، التي دخلها متمتعاً برعاية من الملك إدوارد السابع، وزوجته ألكساندرا، وبعد ذلك أصبح الصائغ الأثير لطبقة النبلاء والأثرياء. لندن أيضاً كانت مستقراً لكثيرين من النبلاء والأرستقراطيين من بلاد مختلفة، وفيها أيضاً عاش كثير من أثرياء أميركا. في هذا القسم، نرى قطعاً تربط ما بين سانت بطرسبرغ ولندن، هنا هدايا متبادلة بين العائلة الإمبراطورية الروسية والعائلة الملكية البريطانية، نرى منها إطارات صور باذخة بتوقيع فابرجيه. يحمل العرض مقولة لمندوب فابرجيه في لندن، هنري باينبريدج، يقول: «كان اسم فابرجيه... فابرجيه... يتردد طوال الوقت». للدلالة على الشهرة الذائعة للصائغ الشهير في لندن، وأيضاً المكانة التي احتلها كأهم متجر للمجوهرات في العاصمة البريطانية.
مجوهرات روسية بروح بريطانية
لكن كارل فابرجيه كان مدركاً لسوقه الجديدة، فصمم مصوغاته لتليق بذوق عملائه في بريطانيا، أدرك حبّ الملكة ألكساندرا لمقرها الريفي في ساندريهام، ونفذ مجسمات دقيقة الصنع للأحصنة في إسطبلات القصر. نرى هنا مجسماً للكلب «سيزر»، إذ كان الرفيق الدائم للملك إدوارد السابع. هنا أيضاً مجسم لحصان السباق الأثير لدى الملك «بيرسمون». في العرض أيضاً علب نشوق تحمل رسومات لمناظر ريفية وآثار شهيرة، مثل علبة سجائر تحمل رسماً لمبنى البرلمان، ابتاعها دوق «مايكل أوف راشا» في عام 1908 وأهداها للملك إدوارد السابع.
تحولت مصوغات فابرجيه ومحله في لندن إلى صرعة الموسم، كان مورد الهدايا الأرستقراطية، يروي العرض أن سيدة أرستقراطية تدعى الليدي ألينغتون اشترطت على المدعوين لإحدى حفلات الكريسماس الفاخرة في منزلها أن تكون هداياهم بعضهم لبعض من ماركة فابرجيه فقط. وحسب الرواية، امتنع عن الحضور ممن لم تسعفه محفظته بالمبالغ الضخمة التي تكلفها تلك الهدايا، ولجأ البعض الآخر لحيلة إعادة إهداء قطع مملوكة لهم للالتزام بشرط الدعوة.
مشاهير وسياسيون
في العرض بعض القطع المملوكة لرجال أعمال ومشاهير وسياسيين في تلك الفترة، منهم عائلة روثتشايلد، التي كانت الثانية بعد العائلة الملكة البريطانية في الشغف باقتناء قطع فابرجيه.
الأميرة الفرنسية سيسل مورات، التي كانت تمتلك ثروة هائلة، كانت أهم عميلة لفابرجيه في فرنسا، وفي الفترة ما بين 1903 و1916 كلفت الصائغ بصناعة علب سجائر قامت بإهدائها لعشيقها تشارلز لوزارشي دازاي. تحمل واحدة من العلب المعروضة خريطة لمصر، وأخرى تحمل اسم «سيسل» باللغة العربية.
تشرشل وطاسات تشارتويل
نرى في القسم قبل الأخير من المعرض 12 طاسة من الفضة المطروقة بتوقيع فابرجيه، تحمل نقوشات لسفن حربية، كانت هدية لونستون تشرشل من صديقه رجل الأعمال سير إرنست كاسل في عام 1913بتكلفة قدرها 250 جنيهاً إسترلينياً (تساوي اليوم 2.8 مليون جنيه). نقرأ أن تشرشل احتفظ بالطاسات في بيته الريفي «تشارتويل هاوس» بكنت. يروي عنه المؤرخ جيمس لي ميلن أنه بعد حفل عشاء أقيم في تشارتويل عام 1928 قام تشرشل باستخدام الطاسات المزينة برسومات للسفن الحربية الشهيرة، لإعادة تصوير إحدى المواقع الحربية، مستخدماً الطاسات، ومضيفاً بصوته تقليداً لأصوات المدافع، ونافثاً دخان سيجاره الشهير لنقل صورة الدخان. كتب ميلن: «لقد اشتعل حماسة مثل تلميذ في المدرسة».
من المجوهرات للذخيرة
لكن بما أن لكل قصة نهاية، يتطرق العرض لنهاية أسطورة فابرجيه، التي بدأت مع الحرب العالمية الأولى 1914، حين تحولت ورش الصياغة في فابرجيه من صناعة المجوهرات الثمينة إلى إنتاج الذخيرة، ومن صياغة الجواهر إلى تشكيل الحديد والنحاس.
ومع الثورة البلشفية 1917 أغلقت محلات فابرجيه في موسكو وفي لندن أيضاً. وفي صالة منفصلة، يختتم العرض بمجموعة ضخمة من أشهر ما صاغته محلات فابرجيه، وهي بيضات الفصح التي كان الإمبراطور نيكولاس الثاني وعائلته يهدونها، بعضهم بعضاً. ويا لها من خاتمة بديعة التفاصيل!
* معرض «فابرجيه في لندن... من الرومانسية للثورة» بمتحف فيكتوريا آند ألبرت (من 20 نوفمبر - تشرين الثاني 2021 إلى 20 مايو - أيار 2022)

