محكمة تبرئ متهماً بقتل اثنين في مظاهرات مناهضة للعنصرية

بايدن الغاضب يدعو للهدوء... وترمب يهنئ

الشرطة تحمي مدخل المحكمة بعد النطق بالحكم وتبرئة المتهم (رويترز)
الشرطة تحمي مدخل المحكمة بعد النطق بالحكم وتبرئة المتهم (رويترز)
TT

محكمة تبرئ متهماً بقتل اثنين في مظاهرات مناهضة للعنصرية

الشرطة تحمي مدخل المحكمة بعد النطق بالحكم وتبرئة المتهم (رويترز)
الشرطة تحمي مدخل المحكمة بعد النطق بالحكم وتبرئة المتهم (رويترز)

طغت على المشهد السياسي الأميركي قضية تبرئة متهم بقتل اثنين من المتظاهرين خلال احتجاجات مناهضة للتمييز العنصري في 25 أغسطس (آب) العام الماضي، حظيت بمتابعة مكثفة من وسائل الإعلام الأميركية المرئية والمسموعة والمكتوبة، فضلاً عن سيل جارف من التعليقات والمواقف على وسائل التواصل الاجتماعي. وكشفت التعليقات عن مدى الانقسام الذي يقف عنده الشارع الأميركي. وعبر الرئيس الأميركي جو بايدن عن غضبه من قرار المحكمة بكلام حاول الحفاظ فيه على الحياد والموضوعية، داعياً إلى ضبط النفس.
وبرأت المحكمة التي حظيت جلساتها بمتابعة مكثفة من الأميركيين الفتى كايل ريتينهاوس من اتهامات بالقتل العمد نُسبت إليه. وبررت حكمها بأن الفتى كان في حالة دفاع عن النفس، حين أطلق الرصاص على مظاهرة مناهضة للتمييز العنصري، فقتل شخصين وأصاب ثالثاً بجروح العام الماضي، بمدينة كينوشا في ولاية ويسكنسن شمال الولايات المتحدة على الحدود مع كندا.
وفور النطق بالحكم، علت الاعتراضات، فيما حث الرئيس بايدن الأميركيين على «التعبير السلمي عن آرائهم»، وقال: «بينما تولد نتيجة هذه المحاكمة غضباً وقلقاً لدى كثير من الأميركيين، بمن فيهم أنا، لا بد أن نعترف بأن هيئة المحلفين قد قالت كلمتها»، في إشارة إلى المحاكمة التي أثارت انقساماً سياسياً على نطاق واسع.
وقال محامي المتهم في الجلسة الأخيرة التي عقدتها المحكمة أول من أمس (الجمعة) إن موكله كان يخشى على حياته، بينما قال ممثلو الادعاء إنه «خرج في تلك الليلة بحثاً عن المتاعب»، فأردى جوزيف روزنباوم (36 سنة) وأنتوني هوبر (26) قتيلين، لذلك تم توجيه 5 تهم إليه، بينها القتل العمد، وعقوبتها الإعدام.
وكانت هيئة محلفين من 7 نساء و5 رجال، المسؤولة عن إصدار الحكم النهائي في المحاكمة، قد عقدت مشاورات استمرت أكثر من 3 أيام قبل التوصل إلى قرارها. وحين لفظ القاضي عبارة «غير مذنب»، مكرراً إياها 5 مرات، أجهش ريتنهاوس بالبكاء بشكل شديد، وكاد يغمى عليه من شدة تأثره، قبل أن يقول: «لم أرتكب خطأ، لقد دافعت عن نفسي فقط»، مؤكداً أنه أطلق النار بعدما طارده هؤلاء الرجال الثلاثة وهاجموه، وجميعهم من البيض مثله.
وأثار القرار الدهشة والغضب، حيث انتقد المعارضون قرار المحكمة، متهمين إياها بالتغاضي عن أشرطة الفيديو التي تظهر ريتنهاوس مدججاً بسلاح ناري ثقيل، بعدما جاء إلى المدينة التي لا يسكنها في الأصل قبل يومين من المظاهرة، وكيف كان يطلق النار على المتظاهرين، من دون أن يكون قد تعرض لأي هجوم مباشر.
وفي مرافعته الختامية، قال محامي ريتنهاوس إن موكله البالغ 18 سنة «كان يحاول أن يساعد المحيطين به، وحذر من كانوا يحاولون مهاجمته». لكن ممثلي الادعاء تساءلوا عن السبب الذي دفع المتهم إلى خرق حظر التجول في مدينة ليس من سكانها في الأصل، و«التظاهر بحماية» ممتلكات وأشخاص لا يعرف عنهم شيئاً ولا صلة له بهم!
وأثارت براءة كايلي الجدل حول حقوق حمل السلاح في الولايات المتحدة. ففيما رأى بعضٌ أن الفتى كان «بطلاً»، وحاول حفظ السلام في أثناء احتجاجات اتسمت بالعنف، قال آخرون إنهم شعروا بالخوف لرؤية مراهق مدجج بسلاح ثقيل وسط تلك الاضطرابات.
وخلال الجلسة، احتشدت مجموعة من الأشخاص داخل سياراتهم أمام المحكمة، وأطلق سائقوها الأبواق، وهتفوا مطالبين بإطلاق سراح المتهم، وبأنهم يحبون «البند الثاني من الدستور» الذي يسمح للأميركيين باقتناء السلاح وحمله. وفي المقابل، وقف عدد قليل من الناس أمام المحكمة، وعبروا عن أسفهم للقرار، هاتفين: «مذنب، مذنب، النظام مذنب جداً». وقال أحدهم: «إنه يوم حزين للولايات المتحدة».
وقال والدا القتيلين: «إن هذا الحكم يبعث رسالة غير مقبولة، تفيد بأنه يمكن للمدنيين المسلحين الظهور في أي مدينة وإثارة العنف، ثم استغلال الخطر الذي صنعوه لتبرير إطلاق النار على الناس في الشارع». إلا أن محاميه رد بأن موكله «كان يتمنى ألا يحدث أي شيء من ذلك، وأنه أراد النجاة فقط بحياته».
وفي حين عبر سياسيون كثر، غالبيتهم من الديمقراطيين، عن غضبهم من تبرئة ريتينهاوس، بما يعكس الانقسامات السياسية مع الجمهوريين، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الذي سبق له أن دافع علناً عن الفتى عن تهانيه. وقال ترمب، في بيان صدر عن المتحدث باسمه: «تهانينا لإعلان براءة كايل ريتنهاوس».
ورحب الجمهوريون، بمن فيهم رون جونسون عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ويسكنسن، بقرار المحكمة، وقال إن «العدالة أُنجزت، وأتمنى أن يتقبل الجميع الحكم، وأن يظل الجميع سلميين، ولندع مجتمع كينوشا يداوي جراحه، ويعيد إعمار نفسه»، وفق تعبيره.
لكن نائب حاكم ولاية ويسكنسن الديمقراطي، مانديلا بارنز، أعرب عن استنكاره، وقال: «على مدار الأسابيع القليلة الماضية، كان كثيرون يخشون ما شاهدناه للتو؛ فرضية المتهم بريء حتى تثبت إدانته هي ما كان ينبغي أن نتوقعه من نظامنا القضائي، لكن هذا المعيار لا يراعي المساواة في تطبيقه دائماً. لقد رأينا كثيراً من السود يقتلون. ومع ذلك، يُقدمون للمحاكمة بعد وفاتهم، بينما يطالب القاضي ببراءة كايل في نهاية الأمر!». كما وصف عمدة نيويورك، بيل دي بلاسيو، الحكم، في تغريدة على «تويتر»، بأنه «مثير للاشمئزاز».
وعلق كولن كايبرنيك، نجم كرة القدم الأميركية السابق الذي اشتهر بالركوع خلال بث النشيد الوطني قبيل المباريات تضامناً مع الأميركيين السود ضحايا الشرطة: «لقد شهدنا للتو مصادقة على الأعمال الإرهابية من جانب نظام قائم على تفوق العرق الأبيض».
وكان حاكم ولاية ويسكنسن، توني إيفرز، قد طلب نشر 500 جندي من الحرس الوطني، والاستعداد للتدخل، لتجنب حصول تجمعات محتملة. كما عرض الرئيس بايدن تقديم الدعم عبر نشر قوات فيدرالية. وتحول الفتى الذي كان يبلغ 17 عاماً عندما أطلق النار إلى رمز لدى بعض الأوساط اليمينية التي تعد أن المظاهرات التي نُظمت تحت شعار «حياة السود مهمة» يقف وراءها «فوضويون». ووصفته وسائل الإعلام المحافظة المتشددة بانتظام بأنه «بطل» و«وطني». وفي المقابل، قالت شانون واتس، مؤسسة مجموعة «الأمهات يطالبن بالتحرك»: «أن يتمكن مراهق من إطلاق النار على 3 أشخاص، وقتل اثنين منهما، من دون أي عواقب جنائية، هذا إنكار للعدالة». وأضافت: «هذه هي الولايات المتحدة التي أنشأتها الجمعية الوطنية للبنادق»، في إشارة منها إلى اللوبي القوي الداعم للحق غير المحدود في حمل الأسلحة.


مقالات ذات صلة

الشرطة قد تتدخل في إساءة عنصرية للاعب نيوكاسل

رياضة عالمية جو ويلوك لاعب نيوكاسل (يمين) تعرض لإساءات عنصرية (د.ب.أ)

الشرطة قد تتدخل في إساءة عنصرية للاعب نيوكاسل

استنكر نادي نيوكاسل يونايتد «الإساءات العنصرية والتهديدات العنيفة والمقلقة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي تجاه لاعبه جو ويلوك.

«الشرق الأوسط» (نيوكاسل (إنجلترا))
رياضة عالمية مهاجم بورنموث أنطوان سيمينيو (د.ب.أ)

مشجع لليفربول يدفع ببراءته في قضية الإساءة العنصرية ضد سيمينيو

دفع مشجع لنادي ليفربول ببراءته من تهمة توجيه إساءة عنصرية إلى مهاجم بورنموث، أنطوان سيمينيو، خلال مباراة في الدوري الإنجليزي.

The Athletic (ليفربول)
رياضة عالمية الغاني أنطوان سيمينيو لاعب بورنموث (أ.ف.ب)

اتهام مشجع بالإساءة إلى سيمينيو لاعب بورنموث في لقاء ليفربول

أعلنت الشرطة الثلاثاء عن اتهام مشجع بالإساءة العنصرية إلى أنطوان سيمينيو، لاعب بورنموث، خلال مباراة فريقه أمام ليفربول على ملعب آنفيلد.

«الشرق الأوسط» (ليفربول)
أفريقيا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوسا (رويترز) play-circle

رئيس جنوب أفريقيا: فكرة تفوق العرق الأبيض تهدد سيادة البلاد

قال رئيس جنوب أفريقيا، الاثنين، إن أفكار التفوق العرقي للبيض تشكل تهديداً لوحدة البلاد بعد انتهاء نظام الفصل العنصري ولسيادتها وعلاقاتها الدبلوماسية.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
رياضة عالمية جماهير أتلتيكو مدريد تسببت في تغريم ناديها (رويترز)

تغريم أتلتيكو مدريد بسبب سلوك مشجعيه «العنصري» ضد آرسنال

وقّع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) غرامة قدرها 30 ألف يورو على أتلتيكو مدريد.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».


أستراليا: مجلس النواب يقر مشروع قانون للحد من الأسلحة عقب «هجوم بونداي»

لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
TT

أستراليا: مجلس النواب يقر مشروع قانون للحد من الأسلحة عقب «هجوم بونداي»

لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تُظهر المتهم ساجد أكرم أحد منفذي هجوم بونداي وهو يطلق النار من بندقية في منطقة ريفية يُعتقد أنها في نيو ساوث ويلز (أ.ف.ب)

تستعد أستراليا لإقرار قوانين جديدة تتيح تنفيذ برنامج وطني لإعادة شراء الأسلحة النارية وتشديد ​إجراءات التدقيق الأمني لمنح تراخيص السلاح، وذلك رداً على أسوأ واقعة إطلاق نار جماعي تشهدها البلاد منذ عقود خلال مهرجان يهودي الشهر الماضي.

وأقرّ مجلس النواب مشروع القانون، اليوم (الثلاثاء)، بأغلبية 96 صوتاً مقابل 45، رغم ‌معارضة مشرّعين ‌محافظين له. وسينتقل ‌المشروع الآن ⁠إلى ​مجلس الشيوخ، ‌حيث يُتوقع إقراره بدعم من حزب الخضر.

وقال وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، لدى تقديمه القوانين الجديدة، إن هجوم 14 ديسمبر (كانون الأول) على شاطئ بونداي، الذي أودى بحياة 15 شخصاً، نفّذه ⁠أشخاص كانت لديهم «كراهية في قلوبهم وبنادق في أيديهم».

وأضاف بيرك: «الأحداث المأساوية في بونداي تتطلّب استجابة شاملة من ‍الحكومة... وانطلاقاً من دورنا الحكومي، يجب أن نفعل كل ما في وسعنا للتصدي للدافع (وراء الهجوم) والطريقة التي نُفّذ بها».

ومن شأن التشريعات الجديدة أن تؤدي إلى إطلاق ​أكبر برنامج وطني لإعادة شراء الأسلحة منذ البرنامج الذي طُبّق عقب مذبحة ⁠عام 1996 في بورت آرثر بولاية تسمانيا، حيث أدى هجوم شنه شخص مسلح إلى مقتل 35 شخصاً.

وقالت الحكومة، أول من أمس، إن عدد الأسلحة النارية في أستراليا بلغ مستوى قياسياً عند 4.1 مليون سلاح خلال العام الماضي، من بينها أكثر من 1.1 مليون في ولاية نيو ساوث ويلز، أكثر الولايات ‌اكتظاظاً بالسكان في أستراليا التي وقع بها الهجوم على شاطئ بونداي.

وقُتل ساجد أكرم وابنه نافيد 15 شخصاً في عملية إطلاق نار جماعي استهدفت احتفالاً يهودياً بـ«عيد حانوكا» على الشاطئ الشهير في منتصف ديسمبر الماضي. ووصفت السلطات الهجوم بأنه عمل إرهابي معادٍ للسامية.