النمسا تفرض إغلاقاً عاماً لمواجهة قفزة «كورونا»

«أسواق الميلاد» لن تفتح أبوابها في ألمانيا

نمساويون يصطفون خارج مركز تلقيح في فيينا أمس (إ.ب.أ)
نمساويون يصطفون خارج مركز تلقيح في فيينا أمس (إ.ب.أ)
TT

النمسا تفرض إغلاقاً عاماً لمواجهة قفزة «كورونا»

نمساويون يصطفون خارج مركز تلقيح في فيينا أمس (إ.ب.أ)
نمساويون يصطفون خارج مركز تلقيح في فيينا أمس (إ.ب.أ)

عاد شبح الإغلاق ليخيم على أوروبا، بعد أن تحولت إلى بؤرة لتفشي فيروس «كورونا» مع دخول النمسا في إغلاق عام بدءاً من الاثنين المقبل، لتصبح الدولة الأوروبية الأولى التي تعيد العمل بالإجراءات الصارمة التي رُفعت بمعظمها منذ الصيف الماضي.
وبعد أن كانت فيينا قد فرضت حظر تجوال على غير الملقحين في الأسابيع الماضية، عادت لتعلن إغلاقاً يشمل جميع السكان وفرض حظر تجوال عليهم، إلا في حالات الضرورة. ويتوقع أن تستمر الإجراءات 20 يوماً وتنتهي بحلول 13 ديسمبر (كانون الأول)، ما سيسمح للنمساويين بالاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة.
وذهبت الحكومة النسماوية أبعد في إجراءاتها لتفرض إجبارية التلقيح ابتداء من شهر فبراير (شباط) لجميع السكان، في قرار مثير للجدل وقد يواجه باعتراضات شديدة.
وقال المستشار النمساوي ألكسندر شالينغر خلال مؤتمر صحافي عقده أمس، للإعلان عن الإجراءات الجديدة، إن «قرار التطعيم الإجباري كان لفترة طويلة مرفوضاً سياسياً، وأنا اعتقدت بأنه يمكن إقناع السكان بأخذ اللقاح لحمايتهم وحماية من يحبون وحماية المجتمع أيضاً، ولكن للأسف فإن هناك كثيراً من القوى السياسية والمعارضين للتلقيح والأخبار الخاطئة التي تنتشر وتحرض على عدم تلقي اللقاح».
وتعارض الأحزاب اليمينية المتطرفة في معظم أوروبا التلقيح، منها حزب الحرية النسماوي الذي يرفض السياسيون المنتمون له أخذ اللقاح ويحرضون ضده. وتعاني النمسا من موجة رابعة تعد الأشد في أوروبا، وهي تسجل أكبر نسبة من الإصابات يومياً مقارنة بعدد سكانها الذي يقارب 9 ملايين شخص. كما أن نسبة السكان المطعمين لديها من الأقل في القارة، ولم تتجاوز 65 في المائة من السكان. وقد فتحت النمسا باب الحصول على جرعة ثالثة معززة ابتداء من الشهر الرابع بعد تلقي الجرعة الثانية، كما أنها بدأت الأسبوع الماضي، بتلقيح الأطفال ابتداء من 5 سنوات لتصبح الدولة الأوروبية الأولى التي توافق على ذلك.
ولا تزيد أعداد الذين تلقوا اللقاح في ألمانيا المجاورة على النمسا بكثير، وهي وصلت حتى الآن إلى أكثر بقليل من 67 في المائة، ومع ذلك، فإن إجبارية التلقيح لجميع السكان ما زالت مستبعدة. ولكن الإغلاق التام لم يعد مستبعداً في ألمانيا التي تعاني بدورها من موجة رابعة شديدة أدخلت البلاد في حالة طوارئ صحية، بحسب وزير الصحة يانس شبان.
وستبدأ ألمانيا ابتداء من الأسبوع المقبل، في تشديد الإجراءات على غير الملقحين، وستمنع دخولهم إلى المطاعم والأماكن المغلقة حتى ولو أظهروا فحص كورونا سلبياً. كما ستشدد الإجراءات في النقل العام وتفرض على جميع مستخدميه، إما إبراز شهادة تلقيح أو شفاء أو فحص سلبي.
ورغم أن اجتماعات رؤساء الولايات قبل يومين مع المستشارة أنغيلا ميركل لم تسفر عن اتفاق على إغلاقات عامة، فقد أصبحت ولاية بافاريا المحاذية للنمسا الولاية الأولى التي تعلن أمس، أن المناطق التي يتخطى فيها عدد الإصابات الألف في كل مائة ألف شخص خلال أسبوع، ستخضع لإغلاق شامل. كما أصبحت الولاية الأولى التي تعلن إغلاق أسواق الميلاد الشعبية التي كانت تستعد لتفتح أبوابها أمام الزوار خلال أيام قليلة. وما زالت أسواق الميلاد التي تنظم عادة في الهواء الطلق، تستعد لتنطلق مطلع الأسبوع في الولايات الأخرى، ولكن من دون السماح بدخول غير الملقحين والمتعافين.
وتقيس ألمانيا هذه المرة نسبة تفاقم أو تراجع تمدد الفيروس بحسب نسبة إشغال أسرة غرف الطوارئ بمرضى كورونا، وليس بحسب عدد الإصابات الذي بلغ رقماً قياسياً قبل يوميا، عندما سجلت البلاد 62 ألف إصابة خلال 24 ساعة، وهو رقم من المتوقع أن يتضاعف خلال أيام.
ورغم أن غرف الطوارئ لم تصل بعد إلى كامل طاقتها الاستيعابية في معظم الولايات، فإنها تقترب من ذلك. وقد أعلنت الحكومة أنها وضعت طائرات هليكوبتر الجيش الألماني على أهبة الاستعداد للمساعدة في نقل المرضى من ولاية إلى أخرى، وحتى إلى دول أوروبية أخرى مستعدة لاستقبال المرضى من ألمانيا. ونقلت صحيفة «بيلد» الشعبية أمس، أن إيطاليا التي كانت ترسل مرضى «كورونا» إلى ألمانيا في الموجة الأولى، وافقت على استقبال مرضى طوارئ من ألمانيا، وأن أول المرضى جرى نقلهم إلى بولزانو وميران في إيطاليا من ولاية بافاريا، التي اقتربت مستشفياتها من طاقتها الاستيعابية القصوى.
ومع تجنّب ألمانيا فرض إلزامية اللقاح، بدأت حملة واسعة لإقناع المترددين بأخذ اللقاح ومن أخذوا جرعتين قبل 5 أشهر بالحصول على الجرعة المعززة الثالثة. إلا أن معظم مراكز التلقيح التي كانت فتحت في نهاية العام الماضي، أغلقت وهي لم تفتح بالكامل بعد، ما يعني أن صفوفاً طويلة بدأت تتشكل أمام المراكز التي ما زالت متوفرة ولكنها غير قادرة على استيعاب الطلب المتزايد للساعين للحصول على الجرعة المعززة. وستراجع ألمانيا نتيجة إجراءاتها خلال 3 أسابيع، أي في 10 ديسمبر، وفي حال لم تكن قد بدأت أعداد الاصابات وإشغال المستشفيات بالانخفاض، فإن إجراءات أخرى قد تعتمد، منها الإغلاق العام الذي رفض وزير الصحة استبعاده أمس.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟