ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام

الزعيم «الروحي» للحزب السلفي يصف لـ {الشرق الأوسط} اللحظات الحرجة قبل عزل مرسي وسقوط الجماعة

ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام
TT

ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام

ياسر برهامي: حزب النور لم يخن «الإخوان».. وعليهم إجراء مراجعات فكرية والتخلي عن منهجهم الهدام

قال الدكتور ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية إنه لا بد من محاصرة الفكر التكفيري المهدد للاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في مصر، موضحا أن استمراره يعني العودة إلى ما قبل 30 يونيو (حزيران) العام الماضي، وأن ما يجري في الشارع من مظاهرات ليس بالحجم الذي تصوّره جماعة الإخوان المسلمين أو شريحة الإعلام التي تهدف إلى «إسقاط مصر».
وأوضح برهامي في حوار مع «الشرق الأوسط» أن مصر كان يمكن أن تشهد حربا أهلية، وأن مساندة الدول العربية ودعمها أوقف الانهيار الاقتصادي السريع الذي كانت مصر تشهده قبل 30 يونيو، مشددا على أن الاستقرار سيسمح بتدفق الاستثمارات، وأن قلة الاستقرار يستحيل أن يحدث معها أي نمو اقتصادي.
وأكد برهامي أن حزب النور لم يخن الرئيس السابق محمد مرسي، بل انطلق من منهج أهل السنة والجماعة الذي يرتكز على قاعدة «الإصلاح»، التي بنى عليها مبادراته للإصلاح التدريجي لمؤسسات الدولة وتحقيق أكبر قدر من التوافق مع القوى السياسية والشعبية وأجهزة الدولة. كما أوضح أنه عقب نجاح مرسي، رفض حزب النور المشاركة الهامشية في الوزارة التي عرضت عليه، حيث أقدمت جماعة الإخوان على الانفراد بجميع المناصب الوزارية.
وأشار نائب رئيس الدعوة السلفية إلى أن جماعة الإخوان والإعلام الهادف إلى بث الاضطراب في مصر يضخمون الأحداث، ضاربا مثلا بأحداث جامعة الأزهر التي شارك فيها ما بين 100 إلى 300 طالب، فتناولتها تلك الوسائل الإعلامية بالحديث عن عشرات الآلاف ومئات الآلاف على غير الحقيقة.
وشدد برهامي على أن قواعد الحزب والدعوة السلفية رفضوا بشكل واضح الخطاب التكفيري العنيف المستخدم في فعاليات «الإخوان» المختلفة والفضائيات وغيرها، وطالبوا بضرورة تغيير هذا الخطاب، مؤكدين أن جماهير الناس التي تطلب احتياجاتها الأساسية والاقتصادية من بنزين وسولار وكهرباء ومياه وعمل، ليسوا «أعداء الإسلام»، كما كانت الجماعة تدعي. وإلى أبرز ما جاء بالحوار..

* مر على أحداث 30 يونيو ما يزيد على سبعة أشهر، كيف تُقيّم المشهد اليوم؟ وما رؤيتك إذا لم تكن تلك الأحداث قد جرت؛ هل كان من الممكن أن تشهد مصر، كما يرى مؤيدو «30 يونيو»، حربا أهلية أم ما الذي سيكون عليه الوضع الآن؟
- بلا شك نحن ما زلنا في عنق الزجاجة وفي مرحلة خطيرة لا بد أن تتجاوزها مصر، وما زال أحد أخطر التحديات على الساحة السياسية هو الصدام والعنف ونمو التوجهات التكفيرية، والتنظيمات التي تسمي نفسها «الجهادية». كما أن هناك أيضا تجاوزات في ممارسات وزارة الداخلية على الأرض، وهذه التجاوزات قد تؤدي إلى تفاعل الشباب بطريقة خطرة، خصوصا أبناء التيار الإسلامي، وهذا هو أبرز ملامح المشهد اليوم.
وحول ما إذا كان من الممكن أن تشهد مصر، كما يرى البعض أو مؤيدو 30 يونيو حربا أهلية، فهذا كان احتمالا راجحا جدا، يضاف إلى ذلك بالتأكيد الانهيار الاقتصادي السريع الذي أوقفته الأحداث من خلال مساندة الدول العربية ودعمها. صحيح أن هذا الدعم لن يستمر إلى الأبد، لكن على الأقل أجّل الأمر إلى أن تستطيع الدولة الاستقرار والوقوف على أقدامها، وحينها من الممكن أن تتدفق الاستثمارات، لكن مع قلة الاستقرار يستحيل أن يحدث أي نمو اقتصادي. ما أريد قوله إننا بسبب ممارسات النظام السابق كنا وصلنا إلى مرحلة صعبة جدا أدت إلى الخروج الشعبي الكبير.
* هل ما زالت هذه المخاطر موجودة إلى الآن؟
- بالتأكيد لا، ليست كذلك، فقد نبهت إلى أن المخاطر نابعة من نمو أفكار «صدامية» مع المجتمع وتكفيرية وتنفذ العنف. وإن كانت موجودة بصورة أقل من حيث الحجم والعدد في سيناء، بما يستوجب العمل على محاصرة هذا الفكر قبل أن يستشري، فاستمرار العنف في الشوارع ما زال يهدد الاستقرار السياسي ويحد من النمو الاقتصادي، بما قد يعود بنا إلى ما قبل الـ30 من يونيو والاقتراب من الهاوية.
* بمَ تفسر المظاهرات الموجودة حاليا على الرغم من قانون التظاهر وغيره من القوانين؟
- أولا، هي أعداد محدودة؛ عشرات قد تصل إلى بعض المئات في أحوال نادرة جدا. إلا أن جماعة الإخوان والإعلام الهادف إلى اضطراب مصر، كإعلام «الجزيرة» والقنوات التابعة لـ«الإخوان» ومواقع مثل «فيس بوك» أيضا، تُضخّمها. فعلى سبيل المثال أحداث جامعة الأزهر كان عدد المشاركين بها ما بين 100 إلى 300 طالب، وهذا من تقارير إخواننا أبناء الدعوة وليس من تقارير أمنية، ثم وجدنا الحديث في الإعلام عن عشرات الآلاف ومئات الآلاف، وهذا غير صحيح. أضف إلى ذلك التوسع في استخدام العنف من قبل هؤلاء ضد الأساتذة والطلبة، بل والقيام بأعمال تخريبية.
* طرح حزب النور حزمة من المبادرات خلال الأزمة التي واجهتها مصر قبل 30 يونيو، ما أهم ملامحها؟ ومن المسؤول عن فشلها أو تجنب الأخذ بمضامينها؟
- الفكرة الأساسية التي بني عليها حزب النور موقفه - وبنى عليها مبادراته - كانت فكرة الإصلاح التدريجي لمؤسسات الدولة، وتحقيق أكبر قدر من التوافق مع القوى السياسية والشعبية وأجهزة الدولة، ولذلك كان من ضمن شروطنا مع جماعة الإخوان لتأييد الدكتور محمد مرسي في جولة الإعادة هو تشكيل حكومة ائتلافية بأوزان الكتل البرلمانية السياسية الموجودة في البرلمان المنحل.
* لكن قيل إنكم أنتم من رفض المشاركة في الحكومة بعد نجاح الدكتور مرسي مباشرة، فهل هذا صحيح؟
- الاتفاق كما ذكرت أن تكون المشاركة بنسب الوجود في البرلمان، وليس أن تكون حكومة كلها محسوبة على تيار واحد. كنا نريد مشاركة القوى الليبرالية في الحكومة بوزراء من اختيارهم، ثم يوافق عليهم الرئيس بالطبع، لكن ما حدث كان خلاف ذلك. فحزب النور كان ترتيبه الثاني داخل البرلمان يليه حزب الوفد، بما يعني مشاركة حسب وزن كل حزب، بما يعني أن يُمثل حزب النور، الذي يشغل ربع مقاعد البرلمان، في الوزارة بسبعة أو ثمانية وزراء، وكذلك أن يكون لحزب الوفد ممثلان في الوزارة، ولكن ما أقدمت عليه جماعة الإخوان هو الانفراد بجميع المناصب الوزارية.
وحين تشكلت الحكومة لم يوجد بها أي تمثيل لحزب النور إلا بوزير واحد فقط، وهو ما لم يقبله الحزب، خاصة أنه كان طُلب منا تقديم قائمة بالمرشحين، ولكن من دون إبداء أي أسباب حقيقية لم يُقبل من القائمة سوى الدكتور خالد علم الدين في وزارة البيئة، وهي وزارة هامشية وصعبة، بما يعني الفشل.
ولما اعترضنا على ذلك عُرض علينا وزارة القوى العاملة، وهو عرض يتقارب مع العرض السابق، بما يعني محاولات إظهار ممثلي الحزب غير قادرين على تولي مناصب وزارية، وهو أمر غير صحيح. والحقيقة أن الهدف من إشراكنا لم يكن مجرد الوجود في المنصب بقدر ما كان تحقيق الشراكة الحقيقية في اتخاذ القرار، فليس من المقبول الانفراد بالقرار بعد تحالفنا ودعمنا للدكتور مرسي في الوصول إلى السلطة، ذلك الانفراد الذي أدى إلى الاصطدام المباشر مع مؤسسات الدولة ومع القوى السياسية، بل مع الشعب، أو تحديدا معظم الشعب وليس كله بالطبع. لكن هناك ملايين خرجت في 30 يونيو، وهذه كانت النهاية الحقيقية.
* وماذا كانت مبادرتكم لمحاولة الإصلاح في هذه المسألة؟
- مبادرتنا بُنيت على هذا المبدأ وهو الإصلاح، فقد كانت المبادرة الأولى التي طُرحت في يناير 2013 منطلِقة من كيفية تحقيق المصالحة، من خلال عدة نقاط شملت تغيير النائب العام وجعل الاختيار من جانب المجلس الأعلى للقضاء، وتغيير الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية، ووضع ميثاق شرف إعلامي يضبط أداء القنوات الإعلامية كافة - الإسلامية والليبرالية - خاصة أنها اشتركت في حدة الطرح الذي يصل إلى السباب والتخوين والتكفير أحيانا.
وهذه النقاط الثلاث كانت السبب الرئيس في حدوث حالة الاحتقان والاستقطاب في المجتمع كله وفي الدولة، ولذا كان من الواجب أو من المسؤولية أن يكون هناك طرف يحاول تقريب وجهات النظر بين الأقطاب المتعددة التي دخلت في نفق الاستقطاب، بل والتقاتل. وهو ما حدث تحديدا من قبل جماعة الإخوان ومؤسسة الرئاسة في رفضها للمبادرة وبنودها.
* في هذه الجزئية صف لنا اللحظات الحرجة قبل سقوط «الإخوان»؟ وما دور حزب النور؟ وبمعنى أدق هل «خان» حزب النور الجماعة، كما يقولون؟
- لم يخن حزب النور الدكتور مرسي ولا جماعة الإخوان، فقد التزمنا بجميع بنود الاتفاق الذي كان قبل تأييده. وقبل الاشتراك في الحملة التي قام حزب النور بها على أكمل وجه، حيث كان هو المتحمل عبء المسؤولية على الأرض باتفاق الطرفين لدعوة الشعب لانتخاب الدكتور مرسي، واستمر الدعم حتى جرى وضع دستور 2012، وقمنا أيضا بالدعوة في الأرض لـ«نعم للدستور»، وكنا الوحيدين الذين نقوم بالمهمة الكبرى، بنسبة كبيرة جدا. وحاولنا في لقاء بين مجلس إدارة الدعوة السلفية بمقرها في الإسكندرية مع وفد من مكتب الإرشاد، برئاسة الدكتور محمود عزت، بتاريخ 16 يونيو (حزيران) 2013، أن ننبه إلى الأخطار المقبلة والأخطاء الموجودة، التي كان أهمها الخطاب التكفيري العنيف المستخدم في الفعاليات المختلفة والفضائيات وغيرها وضرورة تغيير هذا الخطاب.
وعلى الرغم من اعترافهم بذلك، فإنهم تنصلوا من هذا بقولهم إن هذا الخطاب لا يمثلنا، فقلنا لهم إن من يستخدمونه بعضهم من الجماعة الإسلامية والبعض الآخر من سلفية القاهرة التي تتبنى فكرة أن «الإخوان» هم رجال المرحلة، بالإضافة إلى رموز محسوبة على «الإخوان»، فقالوا إنهم لا يمثلوننا ولسنا أصحاب هذا الخطاب في حين أنهم هم من يصدرونهم في المشهد. وكل المنصات، حتى في جمعة «الشريعة والشرعية»، صدرت الرموز نفسها، ورُفعت الشعارات ذاتها التي رفضناها، وأنا رفضت منها على المنصة - حينما أتيت للحديث - ما سمعته من أن «قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار»، ونبرة التكفير بهذه الطريقة. وهذا ما أكدناه من ضمن اللقاء، وهو أن من أشد الأخطار أن نصنف كل من طالب بتغيير أو خالفنا سياسيا بأنه عدو الإسلام، وأن جماهير الناس التي تطلب احتياجاتها الأساسية والاقتصادية من بنزين وسولار وكهرباء ومياه وعمل ليسوا أعداء الإسلام، فإذا كان هناك بعض المعادين للفكرة الإسلامية عموما، فليس عامة الناس كذلك.
نبهنا أيضا إلى مسألة الطروحات السابقة من تغيير الحكومة وتغيير النائب العام، وتجنب الاقتصار على «الإخوان» في التعيينات المقبلة، خصوصا في المحافظين. كل هذا الكلام جرى رفضه عمليا وليس نظريا، حيث قالوا: نحن نعلم أن رئيس الحكومة ضعيف، ولكن إذا غيرنا فلن يرضوا، وحتى إذا أتينا بالنائب العام فلن يرضوا، فقلنا لهم إن المطلوب أن لا نجعل لهم رصيدا شعبيا طالما نستجيب لمطالبهم، حيث إن جماهير كثيرة ستنفضّ، خصوصا غير المخالفة للفكرة الإسلامية والرغبة في نجاحها، فلم يجرِ الاستجابة لأي مطلب من ذلك، ومن هنا كان انقطاع الدعوة السلفية مع مكتب الإرشاد، أما حزب النور فكان له تواصلات.
* هل طالبتم بشكل مباشر وشخصي بأن يقوم الدكتور مرسي باستفتاء شعبي مبكر أو انتخابات رئاسية مبكرة؟
- كان هذا في بيان مباشر في الأول من يوليو (تموز)، إلا أنه لم يكن شخصيا. وكان آخر حوار حدث قبل 30 يونيو، وشارك فيه المهندس جلال مرة، باجتماع حضره الدكتور مرسي، وقال فيه إنه توجد مبادرة مقدمة من القوات المسلحة تدعو إلى تغيير النائب العام. وكل المحاولات كانت تهدف إلى الإصلاح، مع بقاء الدكتور مرسي، فلم يكن أحد يريد أن يُعطل أول دستور مُستفتى عليه، ولا أن يسقط أول رئيس منتخب. لم يكن أحد يريد ذلك، بمن فيهم قادة المؤسسة العسكرية، فقد أقسم لي المشير السيسي على ذلك، مؤكدا أنه لم يكن يريد ذلك، لكن البلد كان مقبلا على منعطف خطير جدا وانهيار اقتصادي تام، ومن دون أي معاونة من أي جهة أخرى والعالم كله يتربص ويوجد شكل حرب أهلية فعلا.
* تحدث البعض عن أن هناك سيناريوهات أو مخططات لتقسيم البلاد، فإلى أي مدى يُعد هذا صحيحا؟
- إلى الآن هذه المخاطر ما زالت قائمة، وهذه المخططات معلنة وليست سرا. لقد سافرت إلى النوبة منذ نحو عام، وزرت أسوان قبل الاستفتاء، أقول إنني لم أجد في المرة الأولى أي نبرة لدى أهل النوبة في الشعور بثقافة مستقلة، ولا بكيان مستقل عن مصر. أما في المرة الأخيرة، فقد وجدت إخوة من بين من أخذوا مني حوارات، ورموزا ذات وجاهة في وسط النوبيين مرتبطة بشخصيات أخرى تتكلم عن أن النوبة شعب قبل الحضارة الفرعونية، وأن أرض النوبة من الأقصر إلى المروة في السودان، وأن النوبي ليس مصريا ولا سودانيا.. إذن هناك تخطيط لقيام دولة من جنوب مصر.
أضف إلى ذلك أن ما يحدث في سيناء يدفع بمحاولة توريط القوات المسلحة، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى استياء عرب سيناء من الحكومة، بل واتخاذ مواقف حادة ضد الدولة.
ويتأكد هذا الخطر أيضا إذا نظرنا إلى النبرة المتصاعدة في سيوة، والمرتبطة ارتباطا وثيقا بجنوب ليبيا. كل هذه مخططات بمنتهى الوضوح تهدف إلى تقسيم البلاد، فلا بد أن نحافظ على بلادنا ومجتمعنا، ونمنع أي محاولة لهذا التقسيم الذي فشل مرات كثيرة في السابق، ولكن ما زالت المحاولات مستمرة.
* وماذا عن مساهمات حزب النور وجهوده في خروج الدستور؟
- كان لحزب النور ممثلان في لجنة الخمسين، وهما الدكتور محمد إبراهيم منصور والمهندس صلاح عبد المعبود، وقد بذلا جهدا هائلا في مراجعة ومتابعة أعمال اللجان النوعية التي شُكّلت في إطار اللجنة، مع حضور جميع المناقشات التي دارت في جلساتها. وكذلك قاما بجهد كبير في صياغة ومراجعة المواد التي أقرتها لجنة الصياغة، وكانت هناك لجنة معاونة شرعية وقانونية شكلها الحزب لمساعدة العضوين الموجودين، بالإضافة إلى التواصل مع القوى السياسية لتحقيق أكبر قدر من التوافق.
* أثير جدل حول مسألة أن حرية الاعتقاد مطلقة، ما رأيك في هذا؟
- حرية الاعتقاد كانت موجودة في الدستور السابق، وموجودة في كل الدساتير السابقة، وكلمة «مصونة» أشد من كلمة «مطلقة». ومع ذلك نقول إن «حرية الاعتقاد مطلقة» هذه متعلقة عند كل الدستوريين بما في القلب، أما التعبير عن ذلك بممارسة الشعائر وبناء دور العبادة، فطبقا للقانون كما ينص الدستور، وهذا مقيد بأصحاب الديانات السماوية فقط؛ فلا تخوّف من هذا النص.
* إلى أي مدى ترى انعكاسات إقرار الدستور الجديد على الواقع السياسي في مصر؟
- بلا شك يمثل الدستور خطوة عظيمة جدا نحو الاستقرار، ونحو اكتساب قاعدة جديدة في المجتمع الدولي في التعامل مع مصر، بدلا من تسمية ما حدث بـ«الانقلاب»، حيث يضر ذلك بالدولة المصرية والمجتمع المصري كله. وتقارير لجان المراقبة الأوروبية والغربية في عملية الاستفتاء أكدت أنه جرى بطريقة جيدة جدا، وذلك يثبت وضعا جديدا حدث في مصر لا بد أن يحترمه العالم كله. أي أنه خطوة بالتأكيد نحو الاستقرار.
* وُجّهت اتهامات في بعض وسائل الإعلام بأن حزب النور لم يتمكن بشكل جيد من حشد قواعده للموافقة على الدستور؟
- هذا ليس صحيحا. وهذا نابع من أمرين؛ أولا تصور البعض أن قواعد حزب النور والدعوة السلفية خمسة ملايين فرد (ملتحون ومنتقبات)، وهذا ليس بصحيح، من أعطونا صوتهم في الانتخابات البرلمانية الأولى سبعة ملايين ونصف المليون، عامتهم ليسوا ملتحين ولا منتقبات.
وكان هناك إعلام يحاول أن يقول للشعب المصري إن هذا الدستور «كُفريّ» و«علماني» فيرفض الناس الاستفتاء، وأنا أقصد هنا إعلام قناة «الجزيرة» والقنوات الفضائية والصفحات الإلكترونية والجرائد الإلكترونية التي كانت تنشر هذا الكلام، وتصريحات رموز من «الإخوان» تؤكد هذا الكلام. جهد حزب النور كان في إقناع عامة الشعب المصري أن الدستور ليس كذلك، وأنه لا يضيع الشريعة باتفاق حزب النور والدعوة السلفية مع الأزهر، وبالتالي مثل هذا الكلام كان هو الجهد الأساسي.
أما الأمر الثاني الذي جعلهم يعتقدون ذلك، فهو فكرتنا عن السلفيين بأنهم يقفون في طوابير ملتحين وراء بعضهم، ومنتقبات وراء بعضهن. هناك جزء بالتأكيد من السلفيين خارج نطاق الدعوة السلفية وخارج قواعدها، خصوصا السلفية الموجودة في القاهرة والجيزة أو القاهرة الكبرى التي عضدت «الإخوان»، وهم أصلا لم يكونوا مع الدعوة ولا حتى شاركوها في الانتخابات، هذا جزء بالتأكيد من قواعد التيار السلفي العام وليس من قواعد الدعوة السلفية، التي هي جمعية منظمة، التي أسس أبناؤها حزب النور. وبالتالي قالوا إنهم لم يستطيعوا الحشد والتمثيل.
أما ما يثار حول محافظة مطروح، فنقول إن محافظة مطروح لها ظروف خاصة، حيث كان هناك عدد من المعتقلين وُعدوا بالإفراج عنهم، إلا أن ذلك عاقه أمور قضائية، حيث إن النيابة استأنفت والقضاء قَبِل الاستئناف، وأُعطي 45 يوما (حبسا احتياطيا) لهؤلاء الأفراد، والقبائل في مطروح شعروا بأنهم يُوعدون دون تنفيذ، وحدث تقسيم للجان أدى إلى تفتت عدد الأصوات.
* نرى أن هناك هجوما على حزب النور من جماعة الإخوان، لكن الهجوم على شخصكم فاق هذا بمراحل كثيرة جدا؛ من الهجوم على بيتك وعلى أولادك وعلى عيادتك وسيارتك، فما أسباب هذا كله؟
- الأسباب معروفة، أولها أن هذا هو منهج جماعة الإخوان في هدم الكيانات المعارضة أو المنافسة لهم؛ يعلمون أبناءهم بأن هدم أي كيان يكون من خلال شخصنة الكيان في أحد الأفراد ويجري الهجوم عليه، وقد طبقوا هذا الكلام في بعض الكيانات القديمة التي اندثرت، شخصنة ثم هجوم ثم انتهاء هذا الكيان.. هم لا يصدقون أن الدعوة السلفية ليست ياسر برهامي، إنما ياسر برهامي أحد أعضاء مجلس إدارتها، وله صوت واحد، والباقون كلهم مؤهلون لاتخاذ القرارات. والأمور كلها جرت بصيغة مؤسسية، وبالتالي الدعوة لم تتأثر بهذا الهجوم ولا بهذه الشخصنة.
أقول لهم في هذا الخصوص: لا بد من أن تحدث مراجعات فكرية، لأن القيادة الحالية تنتهج نهج خلاف نهج أهل السنة والجماعة، صراحة في مسألة الإيمان والكفر، ووسائل العنف والتبرير أو الغطاء السياسي والشرعي لعمليات القتل والتخريب والتفجير.
* كيف ترى دور الأزهر في المرحلة المقبلة؟
- نحن نقدر دور الأزهر في فترات سابقة، لأنه كان داعما أساسيا للمحافظة على الهوية ومواد الشريعة بالدستور، وبفضل الله سبحانه وتعالى نجاحنا كان مستندا إلى دعم الأزهر في هذه القضايا. ولذلك دور الأزهر مهم جدا في التصدي للأفكار «المنحرفة» التي تحاول أن تخترق المجتمع، مثل الفكر التكفيري، وكان يقوم بدوره تماما، ولا بد من التعاون ما بين الجمعيات الخيرية والأزهر ووزارة الأوقاف.
* هل ترى أن الأزهر كان من المفترض أن يكون له دور في مواجهة الجماعات التكفيرية؟ وهل ترى تقاعسا في هذا الدور؟
- الأزهر مظلوم، حيث تراكمات سنين طويلة وتدخل الأنظمة السابقة بصفة مباشرة في النظام السابق في الأزهر، في تعييناته وإفراز شخصياته وتعيين هيئاته بدلا من أن تكون أهلا للعلماء، جُعلت حسب الأمور السياسية. لكن أظن أن الأزهر في الدستور، وبعد الثورة، أخذ وضعا مختلفا. ووجود هيئة كبار العلماء وأنها في مركز القلب من الأزهر يوفر عملا مؤسسيا، ويصبح قادرا على القيام بدوره كما ينبغي.
* كيف ترى مستقبل حزب النور؟
- حزب النور يسير إلى الأفضل وسط عامة الناس التي عوضته عن خسارة بعض القواعد السلفية من خارج أبناء الدعوة السلفية، مثلما ذكرت، حيث يكتسب الحزب كل يوم قاعدة أكبر من الاحترام والتأييد.
* وما خطة الحزب في الانتخابات البرلمانية المقبلة؟ وهل فعلا سيكون هناك تحالفات ما بين حزب النور وأحزاب أخرى؟
- قواعد الحزب السلفية لا تقبل التحالفات مع أحزاب غير إسلامية، والأحزاب الإسلامية رافضة لفكرة التحالف. ونحن نرفض أيضا ما لم تغير فكرها وأسلوبها المنتهج للتكفير والعنف. وصدرت عبارات حادة تخص هذه الأحزاب ومرجعياتها، فإذا لم تتغير فلن نقبل التحالف، لكن يبقى التنسيق مع القوى الأخرى.
* هل يمكن أن تقبل أي أحد على رأس القائمة عندك من خارج حزب النور والدعوة السلفية؟
- وارد، إذا كان ذا كفاءة، وبشرط أن يكون نظيف اليد ونظيف اللسان، وفي الوقت نفسه يوافق على الفكرة الإسلامية.
* ما معايير اختيارك؟
- الكفاءة والأمانة وقبول فكرة الانتماء الحزبي، حتى إذا كان من الخارج، ولكنه ثابت معك في القضايا الأساسية.
* هل تقبلون البرلمانيين القدامى في الانتخابات المقبلة؟
- بالتأكيد، سيكونون القاعدة الأساسية الذين أثبتوا حضورا شعبيا وبرلمانيا وسياسيا.
* إذا رشح وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي نفسه للرئاسة، هل سيقف معه حزب النور؟
- هذا قرار مؤسسي سوف يُتخذ بعد إغلاق باب الترشح.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.