«منتدى أصيلة» يحتفي بالشيخ زايد... قائداً متبصراً

د. علي راشد النعيمي عضو المجلس الاتحادي الإماراتي يتحدث خلال الندوة
د. علي راشد النعيمي عضو المجلس الاتحادي الإماراتي يتحدث خلال الندوة
TT

«منتدى أصيلة» يحتفي بالشيخ زايد... قائداً متبصراً

د. علي راشد النعيمي عضو المجلس الاتحادي الإماراتي يتحدث خلال الندوة
د. علي راشد النعيمي عضو المجلس الاتحادي الإماراتي يتحدث خلال الندوة

شكلت ندوة «الشيخ زايد: رؤية القائد المتبصر»، المنظمة في إطار موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ42 (الدورة الخريفية)، مناسبة لاستحضار «ذكرى وصورة زعيم عربي وقائد فذ، لم تنقطع الإشادة بمناقبه الطيبة، وسيرته العطرة، في مختلف المحافل الفكرية والسياسية، بالوطن العربي وخارجه، منذ أن غادر هذه الدنيا في مثل هذا الشهر من عام 2004»، وفق ما جاء في الكلمة الترحيبية التي ألقاها، مساء أول من أمس، محمد بن عيسى، وزير الشؤون الخارجية والتعاون سابقاً، وأمين عام مؤسسة منتدى أصيلة.
وتطرقت الندوة، التي أسدل الستار أمس على فعالياتها للجوانب المميزة من شخصية وتجربة الشيخ زايد، في أبعادها الوطنية والقومية والإنسانية. وقال بن عيسى إنه «كلما مر الوقت، وتغيرت الأحوال، وتأزمت الأوضاع، وكثرت المستجدات في المنطقة العربية، اشتدت الحاجة إلى زعامات من طراز الشيخ زايـد، وعمّنا شعور جماعي بالرغبة في استعادة سيرته، للتأمل في ملامحها المتفردة، والتمعن في أسلوب بناء دولته وكيف قادها، في ظرف سياسي حرج (...) لم يكن أقل توتراً وغلياناً من الذي نعيش تبعاته في الوقت الراهن».
ولاحظ بن عيسى أن «القوة الناعمة»، التي ميزت كل خطوات الشيخ زايد وقراراته الكبرى، اتسمت أيضاً، بـ«التريث وبعد النظر وحصافة الرأي، وعدم الحرج من النقد الذاتي، والقيام بالتصحيح والمراجعة إذا لزم الأمر، مستحضراً كل العناصر والتفاصيل الصغيرة قبل الحسم».
وتحدث عن العلاقة التي جمعت الشيخ زايد بالمغرب، مشيراً إلى أن هذا الأخير، مدين بالأيادي البيضاء الكثيرة للشيخ زايد: بكرمه ومؤازرته للمملكة وشعبها، في ظروف الشدة التي «فرضها علينا الجوار الجاحد».
من جانبه، انطلق الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، في كلمة ألقتها بالنيابة عبر تقنية الفيديو ريم الهاشمي وزير الدولة لشؤون التعاون الدولي، من احتفال الإمارات العربية المتحدة بعيد اتحادها الخمسين: نصف قرن من الإنجاز والطموح، مع التطلع إلى المستقبل بطموح وتفاؤل يتم تكريم الماضي والحلم الذي صار حقيقة يتم الافتخار بها، إماراتياً وعربياً.
وشدد الشيخ عبد الله بن زايد على النظرة الاستراتيجية التي تميز بها الشيخ زايد منذ أن تولى رئاسة دولة الإمارات في ديسمبر (كانون الأول) 1971. وزاد أن التمسك بهذا البعد الاستراتيجي لفكر الشيخ زايد مكن الإمارات من الوصول إلى الفضاء لاكتشاف المريخ.
من جهته، قال مبارك إبراهيم الناخي وكيل وزارة الثقافة والشباب ممثل نورة الكعبي وزيرة الثقافة والشباب في دولة الإمارات، إن الندوة التي تحتفي بالشيخ زايد «تعكس حجم العلاقات الاستراتيجية المتميزة» بين الإمارات والمغرب والتي «تسير نحو غد مشرق وبخطى ثابتة» بقيادتي البلدين.
من جهته، ربط علي راشد النعيمي، عضو المجلس الوطني الاتحادي رئيس لجنة الدفاع والداخلية والشؤون الخارجية بدولة الإمارات، حدث الاحتفاء بالشيخ زايد في أصيلة بمناسبتين: ذكرى المسيرة الخضراء التي رسخت وحدة التراب المغربي، والتي وجدت في حينها مباركة من الشيخ زايد، تجسدت بمشاركة ابنه الشيخ محمد بن زايد في تلك المسيرة.. أما المناسبة الثانية، فتتعلق بإطلاق الإمارات مبادرة الخمسين سنة القادمة من خلال عشرة مبادئ، عبر الاحتفاء بمرور خمسين عاماً على إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة.
وقال النعيمي إن الشيخ زايد مثل قيادة سياسية أفعالها تسبق أقوالها، وإذا وعد أوفى.
واستعرض النعيمي بعض ملامح الشيخ زايد، مشيراً إلى أنه أول شخصية عربية تمكنت من إنجاح الوحدة العربية الوحيدة، كما أنه كقائد عربي وزعيم عالمي، على المستويين العربي والكوني، كان دائماً جزءاً من الحل، حيث كان متفائلاً، حاملاً لنفْس ونظرة إيجابية.
أما مراد زوين، أستاذ الفلسفة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فعنون مداخلته بـ«الإصلاح من الإمارة إلى الدولة، الوحدة والتحديث»، تطرق فيها إلى عقيدة من بين عقيدتين سكنتا الشيخ زايد، الأولى هي العقيدة الوحدوية والثانية عقيدة الإصلاح والتحديث.
وقبل التوسع في حديثه عن عقيدة الوحدة، دعا زوين إلى العودة إلى الأحداث التي طبعت مرحلة ما بين الحربين، ثم النصف الثاني من القرن، التي تشكل الوعي والخلفية السياسية للشيخ زايد، أوجزها في انتشار ثقافة التحرر من الاستعمار، وظهور فكرة القومية في الوطن العربي، والحرب الباردة، وهزيمة 1967. ثم حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973ـ وأخيراً الوعي بأهمية تحديث البنيات التحتية بعد اكتشاف البترول بالمنطقة.
وأشار زوين إلى أن هذه التحولات والمستجدات كانت دافعاً للتكتل والخروج من الكيانات الصغيرة والإمارات المتناثرة، إلى تأسيس الدولة والسعي نحو قيام الدولة.
وشدد زوين على أن هذا الإحساس كان خلفية فكرية وسياسية تحكمت في وعي الشيخ زايد، وهو ما يظهر بجلاء في خطبه وممارساته السياسية إقليمياً وعربياً ودولياً.
وتواصلت، أمس، أشغال الندوة في يومها الثاني بجلسة سيرها صالح راشد العريمي، المستشار الإعلامي بديوان ولي عهد أبوظبي، الأمين العام السابق لجائزة الشيخ زايد ورئيس تحرير جريدة «الاتحاد» سابقاً، تناولت الصفات القيادية للشيخ زايد، وأبرزها البصيرة التي تميز بها، والتي تمثل القدرات العقلية والحدس السليم في تحليل الأمور وفهمها واستشراف المستقبل على إثر إدراك هذه القدرات والحواس؛ حيث تحتاج الحقائق السامية دائماً إلى بصيرة تعجز عنها الحواس التقليدية الظاهرة. البصيرة التي تمثل بالنسبة لعظماء الرجال معياراً لمقياس للإنسانية، وبالتالي فمن دون بصيرة لا تكتمل إنسانية الإنسان.
من جهتها، قالت الصحافية فاطمة نوك، إن في سرديات عطاء الشيخ زايد وقربه من الناس «قصص كثيرة حكاها من اشتغل إلى جانبه، ومن جمعته به أحداث أو حتى صدفة، ويوم رحيله، كان لهم يوم يتم وحزن كبير، ومن هؤلاء عرفت رجلاً همه الإنسانية».
وبعد أن شددت على أن «الحس الإنساني الاستثنائي الذي تمتع به الشيخ زايد جعل سيرته ندية وعطرة وحية بعد وفاته»، ركزت نوك في باقي مداخلتها على نقطتين: رؤيته للعمل الإنساني، ودعمه الاستباقي لدور المرأة، رأت أنهما تؤكدان أنه «كان رجلاً سابقاً لعصره».
من جهته، قدم هيثم الزبيدي، ناشر ورئيس تحرير جريدة «العرب اللندنية»، تسجيلاً لملاحظات عن مسيرة الشيخ زايد في مراحل مبكرة جداً. وقال إنه يبقى «من السهل اليوم امتداح الشيخ زايد»، وأن «ما قام به يشهد»، حيث إن أي شخص يزور اليوم الإمارات يستطيع أن يرى ما فعله الشيخ زايد في الدولة، وكيف أقيمت الدولة.
وشدد الزبيدي على النظر إلى بذرة نشأة الاتحاد في حينه، عبر الاستماع إلى شهادات معاصريها، ذاكراً منهم الشيخ سلطان بن محمد القاسمي باعتباره أحد المعاصرين لتلك المرحلة الحرجة والصعبة من تاريخ الدول.
وقال الزبيدي إن من الأشياء اللافتة الاطلاع على وثائق تلك المرحلة، وعندما ننظر إلى الشيخ زايد وكيف كان يفكر ويتصرف وقتها، نكون قد أنصفنا رؤياه في مهدها وليس بنتائجها، وبالتالي كيف استطاع أن يرى الاتحاد وماذا يمكن أن يحقق.
من جهته، قال عبد الله ولد أباه، المحلل السياسي الموريتاني، في كلمة ألقيت بالنيابة عنه، تحت عنوان «الشيخ زايد القائد المتبصر»، أن الشيخ زايد عرف عنه شغفه بالشعر، الذي هو الشعر ديوان العرب ومستودع حكمتهم، مشيراً إلى أن في شخصيته الشعرية الثاقبة والمتبصرة، مما دفعه إلى الحلم، لا بمعنى الخيال المستحيل، بل بمعنى شجاعة الإبداع وبعد النظر. ورأى ولد أباه أن حلم الإمارات الحديثة كان من إبداع الشيخ زايد وحصيلة نور بصيرته.
وشدد ولد أباه على أن قيام الاتحاد الإماراتي يظل من الإنجازات والمكاسب التي يعتز بها عموم العرب، مشيراً إلى أن هذا الاتحاد صمد، بل تعزز وتوطد، وأصبح في مأمن من التفكك والتراجع، على عكس ما توهم الكثيرون.
ورأى ولد أباه أن هذه «الهندسة السياسية الفريدة التي جمعت بين الوطنية الصلبة والخصوصية المحلية تشكل درساً لا يزال جديراً بالاحتذاء والدرس في عالمنا العربي الذي فشلت فيه كل تجارب الوحدة بين الكيانات الوطنية، بل إن حركية التمزق والانفصال تتفاقم في أيامنا أكثر من أي وقت مضى».
وتحدث ولد أباه عن «حكمة زايد»، وقال إنها «السبب الأول في نجاح المشروع الاتحادي الإماراتي»، فيما «كانت الثقة الكبرى في المؤسس هي القوة الدافعة للانخراط في هذا المشروع الريادي الناجح، وكانت ابتسامة الشيخ زايد وكلماته التي تشع حكمة هي التي ذللت كل الصعاب وغلبت كل العوائق والمشاق».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».